مقالات رائدة في المجلات والصحف والمواقع الإلكترونية عن القرآن الكريم وعلومه وفنونه وكل ما يتعلق به.
Warning: Undefined array key "basic" in /home/aaynetcom/dev01.aaynet.com/content/themes/default/templates_compiled/eb5647a598cdcc86fc4561d9bc7dbac072c92bf3_0.file.group.tpl.php on line 797
Warning: Undefined array key "_title" in /home/aaynetcom/dev01.aaynet.com/content/themes/default/templates_compiled/d7c4fbf2c644f66b4ae4f7f7fe6697250158ee0d_0.file._posts.tpl.php on line 29
Warning: Attempt to read property "value" on null in /home/aaynetcom/dev01.aaynet.com/content/themes/default/templates_compiled/d7c4fbf2c644f66b4ae4f7f7fe6697250158ee0d_0.file._posts.tpl.php on line 29
تدوينات حديثة
Warning: Undefined array key "_filter" in /home/aaynetcom/dev01.aaynet.com/content/themes/default/templates_compiled/d7c4fbf2c644f66b4ae4f7f7fe6697250158ee0d_0.file._posts.tpl.php on line 35
Warning: Attempt to read property "value" on null in /home/aaynetcom/dev01.aaynet.com/content/themes/default/templates_compiled/d7c4fbf2c644f66b4ae4f7f7fe6697250158ee0d_0.file._posts.tpl.php on line 35
/home/aaynetcom/dev01.aaynet.com/content/themes/default/templates_compiled/d7c4fbf2c644f66b4ae4f7f7fe6697250158ee0d_0.file._posts.tpl.php on line 243
Warning: Attempt to read property "value" on null in /home/aaynetcom/dev01.aaynet.com/content/themes/default/templates_compiled/d7c4fbf2c644f66b4ae4f7f7fe6697250158ee0d_0.file._posts.tpl.php on line 243
all" data-id="225">
Warning: Attempt to read property "value" on null in /home/aaynetcom/dev01.aaynet.com/content/themes/default/templates_compiled/d7c4fbf2c644f66b4ae4f7f7fe6697250158ee0d_0.file._posts.tpl.php on line 243
all" data-id="225">
- عبر في قصة يوسف *
أ.د. خالد السبت
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، سمعتم في هذه القراءة المفصلة تفاصيل هذه القصة، التي هي من أحسن القصص، كما قال الله تعالى في أول هذه السورة: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف: 3].
وذلك يُستخرج منه: أن ذكر القصص، والأخبار، أن ذلك من أمور التربية، التي يُقوّم فيها سلوك الإنسان وبها تُستنهض الهمم الميتة، وبها تُبرز النماذج الكاملة؛ ليُؤتسى بها، ويُقتدى بها.
ثم إذا نظرت إلى هذا القصص الذي ساقه الله تعالى في هذه الآيات وجدت الارتقاء بكل صوره، ومعانيه، وجدت الكمال، لا تجد لفظة تُعاب، حتى حينما يتكلم ربنا تعالى عن القضايا المتعلقة بالمراودة، عن القضايا التي يعجز كثير من الناس أن يعبروا عنها تعبيراً تبلغ به العبرة دون أن تتحرك الغرائز تبعاً لذلك، الله تعالى يذكر تفاصيل مهمة مما وقع من المراودة بين تلك المرأة وبين يوسف ﷺ دون أن يحرك المشاعر الخلفية التي لابد أن تتحرك عند ذكر هذه القصص في كلام الناس، ولكن الله تعالى يذكر ذلك ذكراً نزيهاً، طيباً، شريفاً، لا عوج فيه، ولا إثارة.
ثم أيضاً أن هذا القصص التي يذكرها الله تعالى : لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى [يوسف:111] هذه القصص هي قصصٌ حقيقية، ومن هنا نعلم أن التربية تكمن في هذا الطريق أيضاً، فهو وسيلة لإصلاح النفوس، وتهذيبها، وتقويمها على طاعة الله تعالى.
لكن تلك القصص ينبغي أن تكون حقيقية صادقة؛ ليتعلم الناس الصدق من ذلك لأول وهلة، دون أن نذكر لهم قصة مفبركة لا حقيقة لها.
الأحداث المترابطة في ثنايا قصة يورسف تعالى:
ثم انظروا الأطوار، والأحداث المترابطة في ثنايا هذه القصة، إنها أحداث عجيبة، نحن بحاجة إلى الوقوف معها في هذه الأيام، أيام الهزيمة، الهزيمة العسكرية، والهزيمة النفسية، والهزيمة الفكرية، الهزيمة في كل الميادين، حتى صرنا نراجع مبادئنا، وثوابتنا، وعقائدنا؛ من أجل أن عدونا بدأ يلوح لنا بالقوة تارة، وبالتشويه تارة، فأصبحنا نشكك في كل شيء.
نحن بحاجة إلى الوقوف معها في هذه الأيام، أيام الهزيمة، الهزيمة العسكرية، والهزيمة النفسية، والهزيمة الفكرية، الهزيمة في كل الميادين، حتى صرنا نراجع مبادئنا، وثوابتنا، وعقائدنا؛ من أجل أن عدونا بدأ يلوح لنا بالقوة تارة، وبالتشويه تارة، فأصبحنا نشكك في كل شيء.
ووجد له آذاناً مصغية، حتى صرنا إلى حالٍ لا نُحسد عليها، صدقنا ما قالوه فينا، تصرفاتنا، ومراجعاتنا، وأفعالنا، نحن نعيش في هذه الأيام أمورًا عجيبة في واقع الأمة، نعيش صراعاً هائلاً بين قوى عظمى قد امتلكت أسلحة الفتك بجميع أنواعها، وقد امتلكت أبواقاً إعلامية لا يقادر قدرها، فصوبت ذلك جميعاً إلى نحر هذه الأمة، فاندحر من اندحر، وثبت من ثبت، وتشكك من تشكك، وتراجع من تراجع.
في مثل هذا الصراع نحن بحاجة إلى أن نتأمل في تدبير الله تعالى وكيده لأوليائه، وعباده المؤمنين، انظروا إلى يوسف ﷺ كان إلقاؤه في البئر، ثم خروجه بعد ذلك إلى الرق، ثم بعد ذلك ما وقع له من المراودة، ثم ما وقع له بعد ذلك من السجن، بتهمة قذرة دنسة، ثم بعد ذلك يكون ما يكون من تلك الرؤيا التي رآها ذلك السجين، فيكون سبباً لمعرفة ما عنده من المواهب، والعلوم.
ثم يخرج ذلك السجين، فينسى تلك الوصية من يوسف ﷺ فيرى ذلك الملك رؤيا يُذكّر بها ذلك السجين ما أوصاه به يوسف ﷺ بعد أن نسوه في السجن، فبقي بضع سنين، وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم - عليه الصلاة والسلام.
رؤيا الملك كانت سبباً لخروج يوسف ﷺ:
هذا الملك حينما رأى هذه الرؤيا، وكانت سبباً لخروج يوسف ﷺ من السجن، وكان ذلك التفسير سبباً لتجنيب تلك الأمة كارثة اقتصادية، كانت يمكن أن تذهب بالأخضر، واليابس، فانظر هذا التدبير لو أن الإنسان نظر بعقله المجرد لأول وهلة لعرف، أو لأدرك، أو تصور أن إيقاع يوسف ﷺ في كل واحدة من تلك البلايا كان ذلك كافياً في إهانته، وإسقاطه، وكسر نفسه، وهزيمته، وإقعاده عن كل شيء من المُثل، ومعالي الأمور، ولكن تدبير الله تعالى يختلف عن ذلك.
إلقاء يوسف عليه السلام في البئر:
الإلقاء في البئر، ثم ما حصل بعده مما ذكرتُ، مما قصه الله تعالى كان سبباً لارتقائه للعرش، هذا تدبير الله تعالى وهذا ما نؤمله، ونعرفه من ترابط الأحداث في أيامنا التي نعيشها، وإن كانت تلك الأحداث مؤلمة، إن ما يجرى - ولا أقول ذلك مبالغة في التفاؤل - نرجو أن يكون من كيد الله، وتدبيره، لإسقاط فرعون العصر، وطاغوته، إنه يُستجر ليُمرّغ، ويُضرب من كل ناحية في جسده، ثم بعد ذلك يكون مهيناً، ذليلاً، كل أحد يزدريه، وتسقط هيبته، ومنزلته، وما صنع حول نفسه من الهيلمان.
هذه الأيام نشاهد أطرافاً من تدبير الله تعالى:
نحن في هذه الأيام نشاهد أطرافاً من هذا التدبير الذي لربما يعيش في هذه الأيام في حلقاته الوسطى، وأرجو إن طال بنا زمان أن لا ينقضي عمر الشباب منا حتى يروا هذا الطاغوت الكبير الذي ملأ الأرض فساداً، وعتوًّا حتى يروه يسقط، ويتمرّغ في الوحل، ولكن ذلك يحتاج منا إلى وثوق بمبدئنا، ويحتاج منا إلى صبر.
الابتلاء هو الخطوة الأولى للتمكين:
انظروا كيف قصّ الله تعالى خبر يوسف ﷺ فبقي ملازماً للتقوى في كل حالاته، كيف كان مثالاً للالتزام الصحيح في حال الرخاء، وفي حال الشدة.
انظروا إليه حينما رأى تلك الرؤيا، فقصها على من يحب - وهو أبوه - ويثق به، وبتفسيره، وعلمه، وخبره، فكل صاحب نعمة محسود، لابد أن ينبري له أعداء، مهما حاول أن يخفي ما عنده من المواهب، والإمكانات، والعلوم فإنه لابد أن ينبري له في طريقة بعض الخصوم، والأعداء، وقد يكون هؤلاء من أقرب الناس إليه.
انظروا إلى يوسف ﷺ كيف ابتُلي، والابتلاء هو الخطوة الأولى للتمكين.
سئل الشافعي - رحمه الله - : هل يمكّن للإنسان قبل أن يبتلى؟ قال: "لا يُمكّن له حتى يُبتلى"[1] وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] فمن تزعزع، وتزلزل، وتراجع عن مبادئه، وثوابته هذا لا يستحق التمكين، لا يستحق التمكين من يتشكك بالثوابت، من يتشكك في العقيدة، من يتشكك في علمائه، من يتشكك في مناهجه، من يتشكك في وحي الله تعالى هذا لا يستحق التمكين.
انظروا إلى حال يوسف ﷺ وهذه البلايا التي تُساق إليه، وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم، - عليه الصلاة والسلام - ، (أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل[2] فلا تجزع إذا أصابك البلاء، ولا تتشكك حينما يتنزل هذا البلاء كالسحب السوداء المتراكمة، يتنزل على هذه الأمة، إنها تُمحّص حتى يبقي أهل الصدق، والثبات، وتكون العاقبة لهم بإذن الله تعالى في نهاية المطاف.
انظروا إلى يوسف ﷺ يُحسد من قبل إخوته، ثم يلقى في البئر وهو صغير منذ نعومة أظفاره، بلا رحمة، ثم بعد ذلك يخرج إلى الرِّق، الكريم يُباع؟ سلالة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يُباع، ويُسترق، ويُستذل!، ثم انظروا بعد ذلك كيف تتزين الفتنة، فتن في البئر، وفتن في الرِّق، ثم بعد ذلك فُتن بفتنة الشهوة التي لا يثبت معها، ولا يتماسك إلا من عصمه الله تعالى راودته، راجعته في أمر تريده منه، مرة بعد مرة تحاول، ثم بعد ذلك قد أغلقت الأبواب، وهيأت له ما أرادت، وأغرته، وما ظنكم بجمالها، وهي زوجة الملك، وما ظنكم بالمنَعة التي تحصل له بمواقعة هذه المرأة، وما ظنكم بألوان الحصانة، والإغراء التي تهيأت له وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ [يوسف:23].
التربية التي نحن أحوج ما نكون إليها في وقتنا الحاضر:
هنا تأتي قضية التربية، التربية التي نحن أحوج ما نكون إليها في وقتنا الحاضر، أن نربي النفوس على مراقبة الله تعالى في حال الجلوة، والخلوة؛ لأننا صرنا في زمان تعرض فيه الفتن مكشرة في أحوال لا يطلّع على العبد فيها إلا الله وحده لا شريك له، مع غاية الإغراء عبر وسائل تعرفونها، فهذا يحتاج إلى تربية عظيمة، كما أنه يحتاج أيضاً إلى مراقبة لله تعالى كما يحتاج إلى صدقٍ في الفزع إليه، وصدق اللَّجأ إليه - سبحانه وتعالى - فقال - عليه الصلاة والسلام - حينما اجتمع عليه أولئك النسوة: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ [يوسف:33 - 34].
فالله تعالى بين ذلك، وعلل كونه من عباده المخلصين، الإخلاص يكون سبباً لنجاة العبد، ينبغي أن يكون للعبد خبيئة من عمل صالح لا يطلع عليه الناس، ولو كان قليلاً، فيكون ذلك سبباً لتخليصه من ألوان المكاره، والمخاوف، لمّا تبدت هذه الفتنة ليوسف ﷺ لجأ إلى الله تعالى فكيف بأولئك الذين يبحثون، وينقرون؟ فكان الواحد منهم كعنز السوء تقوم بظلفها تستخرج سكيناً تُذبح بها!.
من بحث عن الشهرة كيف له بالسلامة؟
أولئك الذين يبحثون عن الشهوة، والفتنة، وينقرون عنها في كل مكان، كيف لهم بالسلامة؟! ومن عرّض نفسه للفتنة أولاً لم ينجُ منها آخراً، فالعبد يبتعد ويستريح قلبه، فإذا ابتُلي عليه أن يتذكر الله، وعليه أن يعتصم به، ويدعو ربه أن يخلصه من هذه الكروب، والمخاوف.
كيف استحبّ يوسف ﷺ لسجن على مقارفة الفواحش؟
انظروا إلى يوسف ﷺ كيف استحبّ السجن على مقارفة هذه الفواحش.
ثم انظر كيف هذه الآيات تعطينا معنى تربويًّا مهماً، وهو أن مشاهدة النساء للرجال الذين يمتلئون نضارة، وحيوية، وشباباً، أن ذلك مظنّة للفتنة، ولو كان أولئك الرجال من الصالحين، هذا ملحظ مهم.
كيف إذا كان أولئك الرجال ممن يجلس نصف نهار يضع ألوان المكياج على وجهه، ثم يخرج ليقدم نشرة للأخبار، أو يقدم برنامجاً في إحدى هذه الفضائيات؟ بل كيف إذا كان الذي يخرج امرأة ينظر إليها الرجال؟ فأقول: النساء لربما تُفتن الواحدة بما تسمع، بنبرة صوت الرجل، بنبرة صوته، كيف إذا رأته؟ هذا الداعية الذي يعلو المنابر، وتسمعه النساء عشرات السنين، ثم بعد ذلك تراه وقد كانت تتخيل صورة معينة، فيبدو لها وقد امتلأ شباباً، ونضارة، لا يُؤمن معها أن تحصل فتنة لبعض النساء.
ولذلك من كان بهذه المثابة من الحسن، والبهاء، وأعطاه الله نضارة، وشباباً، فينبغي أن يتوقى مثل هذه المواقع التي يكون فيها سبباً لفتنة غيره.
قصة يوسف عليه السلام تنبهنا كيف نربي نساءنا:
كما أنه ينبهنا كيف نربي نساءنا، فلا يترك الواحد امرأته وبناته أمام الشاشات، ينظرن إلى الرجال، وقد ظهروا بأحسن حُلتّهم، ولو كان هؤلاء في غاية الصلاح، فالواحد قد خضب لحيته، وظهر في صورة من النضارة والشباب، وتزين غاية الزينة، هذا أمر قد يأسر بعض النفوس.
أولئك النساء كنّ يعبن امرأة العزيز، فتقول الواحدة: امْرَأَتُ العَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ [يوسف:30 - 31] ماذا فعلت؟ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ [يوسف:31] فأعجبن به، فأسرهن جماله، ولهذا قال بعد ذلك: إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ [يوسف:51].
فصار ذلك الفعل مشتركاً بينهن وبين امرأة العزيز، تحولن من منكرات على امرأة العزيز إلى مشاركات لها في هذا الفعل، فهذه قضية مهمة.
كيف تصرف العزيز مع امرأته؟
وأمر آخر، انظروا إلى ما وقع ليوسف ﷺ مع هذا العزيز، انظروا كيف يؤثر ذهاب الغيرة، لما ثبتت براءة يوسف ﷺ ماذا فعل هذا الرجل لامرأته؟ قال: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَيوسف:29 فقط! لم يحرك ساكناً، ولم يبعده عنها، بل أبقاه في بيتها، ثم أخرجته إلى أولئك النسوة، وما زالت مصرة على مراودته: وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ [يوسف:32] فانظروا كيف يكون ذهاب الغيرة مؤثراً في نفوس أولئك أشباه الرجال.
إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ:
ثم انظروا ما ذكره الله بعد ذلك، حينما دخل يوسف ﷺ إلى السجن، لمّا رأى رفيقاه في السجن تلك الرؤيا عرضوها على يوسف، وقالوا: إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:36].
عرفوا إحسان يوسف ﷺ وهو في السجن، لم يجلس ليحدثهم عن نفسه، رأوا إحسانه بالسجناء، ورأوا إحسانه إلى السجّانين، ورأوا إحسانه مع الله في العبودية، وإقامتها، والتقرب إلى ربه، ومالكه، ومعبوده تعالى فعرفوا إحسان يوسف ﷺ وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن الداعية في كل أحواله؛ في حال السجن، وفي وسط البئر، وفي حال الملك، وفي جميع أحواله يكون محسناً، ما رد هؤلاء، وقال: لا شأن لي بكم، ثم انظر كيف دعاهم إلى الله تعالى واستغل الفرصة: أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار [يوسف:39] لم يتخلَّ عن مبادئه، ولم يجزع، ولم تنكسر نفسه، وتنثنِ إرادته، فيتثبط عن دعوته، لا، لا زال ينشر هذه الدعوة في كل مكان.
ولهذا نجد شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول: "ما يصنع بي أعدائي، إن سجني خلوة، وإخراجي من بلدي سياحة، وقتلي شهادة"[3] يقول: "إن جنتي وبستاني في صدري"، ماذا يُصنع بمثل هذا؟.
فلما وضعوه في السجن تحول أهل السجن من أهل بطالة إلى أهل اشتغال بالعلم والعبادة، فاضطروا إلى إخراجه من السجن؛ لئلا يفسده بزعمهم!، هكذا يفعل الداعية في كل الأحوال.
فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ:
ثم انظر بعد ذلك لما خرج ذلك الرجل من السجن، ونسي وصية يوسف: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف:42] كيف يبقى يوسف ﷺ وفي تهمة تتعلق بالأخلاق، يبقى في السجن بضع سنين؟.
أقول: إنه إعداد من الله تعالى لهؤلاء الكبار لقيادة الأمم، وتخليصها، لا تدركه عقول البشر، كيف تبقى طاقة كطاقة يوسف ﷺ منسية في الحبس؟ كيف يبقى موسى ﷺ في الصحراء، في مدين يرعى الغنم عشر سنين، شريداً، طريداً يرعى الغنم عشر سنين في مقابل بُضع امرأة تزوجها على رعي الغنم، ذلك قبل أن يُنبأ، ولكنه لا شك أنه أفضل أهل زمانه - عليه الصلاة والسلام - فالله يصطفي الأنبياء من خيار الناس، يبقى تلك المدة الطويلة عشر سنين، إنه إعداد الله لأوليائه، وأهل كرامته، فهذا لا يدخل تحت المقاييس البشرية.
ولذلك أقول: ينبغي أن نثق بالله تعالى وبتدبيره، وبكيده لأوليائه كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف:76].
ما قال: أخرجني من البئر:
انظر كيف كانت هذه الرؤيا - رؤيا الملك - سبباً لخروج يوسف ﷺ من السجن، ثم إلى المُلك، فإنه ذكرها حينما ذكر نعمة الله تعالى عليه، حينما قال: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ [يوسف:100] ما قال: أخرجني من البئر؛ لأنه خرج من البئر إلى الرّق، وخرج من السجن إلى المُلك، فانظروا إلى هذا التدبير من الله تعالى ثم انظروا كيف فسّر يوسف ﷺ هذه الرؤيا الخطيرة لذلك الملك، ما قال: أنتم ظلمتموني وفي تهمة قذرة دنسة، ولطختم سمعتي، وسجنتموني عدواناً، كيف أفسّر لكم هذا التفسير الذي يكون فيه المخرج، والخلاص بإذن الله تعالى من ورطة تنتظركم؟ ما قال لهم هذا الكلام؛ لأنه من المحسنين، لا يعرف تصفية الحسابات، لا يعرف الأحقاد، بينه وبين هذا مشكلة، والثالث مشكلة، والرابع مشكلة، والخامس ما زاره في المستشفى، والسادس ما عزاه، والسابع قال كلمة في حقه، والثامن؛ لأنه ما قام له حينما سلم عليه، وقد قام لغيره، إلى غير ذلك مما يتمرّغ به أصحاب النفوس الحقيرة، الدنية، الصغيرة.
يوسف ﷺ كبير، ونفسه كبيرة، تتسع للجميع، تأتي الرؤيا من الملك، ويفسّرها، تأتي الرؤيا من هذا المسجون، ويفسّرها، ويحسن إلى الجميع كالمطر.
انظروا إلى كلام يوسف عليه السلام مع إخوته:
ولذلك أقول: انظروا إلى انضباط يوسف في كل هذه الأحوال، انظروا إلى كلامه مع إخوته، حينما دارت الأيام، فجاءوا إليه، وقدّر الله أن تكون حاجتهم عنده، فجاءوا إليه في غاية الحاجة، والمسكنة، والذل، والصغار، فما آذاهم حتى حينما قالوا: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ [يوسف:77] لم يشنّع عليهم، وإنما قال: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا [يوسف:77] ولم يكاشرهم بذلك، بل أسرها في نفسه، أخفاها عنهم؛ لئلا يجرح مشاعرهم، ثم انظر إليهم حينما جاءوا إليه بعدما عرفوه: قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي [يوسف:90] فقالوا له: استغفر لنا، فلما طلبوا منه الاستغفار، واعترفوا بخطئهم، وتقصيرهم لم يؤنّب، ولم يعنّف، بل قال: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ [يوسف:92] لم يذكِّرهم بأفعالهم السيئة، ثم بعد ذلك لما جاءوا مع أبيهم خروا له سجداً: وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ [يوسف:100] إلى أن قال: بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي [يوسف:100] لم يجرح مشاعرهم، ويذكِّرهم بذلك الفعل السيئ.
تصور لو أن أحداً من قرابتك، أو من جيرانك، أو من زملائك في العمل أساء إليك بعشر معشار هذه الإساءات، كيف تصنع معه؟ كيف تتصرف؟ إن الكثيرين يعقدون عداوته أبد الدهر، ولا يقبلون فيه صرفاً، ولا عدلا، ولا عذراً لمعتذر، لماذا؟ لأننا لا نحمل نفوساً كبيرة كنفس يوسف.
لماذا كان الكريمَ ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم؟ فلنحلق عالياً، ولنترفع عن هذه المدنّسات، والأوحال التي تذلنا، وتهيننا، وتقعدنا عن طاعة الله تعالى فتعتلج الأحقاد في القلب، فالإنسان يصلي، ويتذكر ما فعل به فلان، وما قال له فلان، وما قصد فلان بالكلمة الفلانية، ترفَّعْ عن مثل هذه الأمور، فإن الأحقاد أول من يُعذب بها صاحبُها، لا ينام الليل يتقلب على فراشه، ينعصر قلبه، يتمنى أن يتشفى من فلان، وفلان، وفلان لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [يوسف:92] لم يطلب منهم العذر، ولم ينتظر منهم أي شيء من الإحسان.
وهذه عِبر كبار ينبغي أن نقف عندها، وأن نثق بما عند الله تعالى ونعلم أن العاقبة للمتقين، وإن طالت الليالي المظلمة السوداء، ونعرف أن البلاء على قدر ما عند الإنسان من الإيمان، فالله لا يبتلي العبد من أجل أن يكسره، وإنما من أجل أن يرفعه، فثِقْ بما عند الله تعالى ولا تنكسر أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على قدر دينه[4].
لكن من لطف الله تعالى أنه إن كان في دينه رقة خُفف عنه، فمن الناس من يكون بلاؤه في أمور تافهة حقيرة، بلاؤه أن هذا قال له كُليمة، وذلك تصرف أمامه تصرفاً غير لائق، وأخرى تصيح، وتلطم خدها، وتنتف شعرها؛ لأن أطفالها الصغار يتهارشون حولها، فهذا هو حظها من البلاء، وآخر بلاؤه في دريهمات فقدها، وآخر بلاؤه في مشكلة بينه وبين مؤذن المسجد، والثالث مشكلته ومصيبته العظمى هي في قضية بينه وبين أحد تلامذته، قال التلميذ كلمة في الفصل فجعلها قضية القضايا، كل إنسان على قدر نفسه يُعطى من البلاء، ومن الناس من يُصب عليهم البلاء صبًّا، فتنة الضراء، وفتنة السراء.
فنسأل الله تعالى أن يلطف بنا جميعاً، وأن يلهمنا وإياكم رشدنا، وأن ينفعنا بالقرآن العظيم، وأن يجعله حجة لنا لا حجة علينا، وأن يرحم موتانا، ويشفي مرضانا، ويعافي مبتلانا، وأن يجعل آخرتنا خيرًا من دنيانا، ونسأله - تبارك وتعالى - أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام، وأن يعيننا وإياكم في هذا الشهر الكريم على أنفسنا، فنسأله - تبارك وتعالى - أن يرفعنا، ولا يضعنا، وأن يغفر لنا، ولوالدينا، ولإخواننا المسلمين.
نسأل الله أن يغفر لنا ولكم أجمعين، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* موقع أ. د. خالد السبت: (https://2u.pw/s8BwJ).
[1] الفوائد لابن القيم: (1/208).
[2] أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب الصبر على الأذى، رقم: (2398) وابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، رقم: (4023)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، رقم: (3249).
[3] المستدرك على مجموع الفتاوى: (1 / 153).
[4] أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب الصبر على الأذى، رقم: (2398) وابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، رقم: (4023)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، رقم: (3249).عبر في قصة يوسف * أ.د. خالد السبت الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، سمعتم في هذه القراءة المفصلة تفاصيل هذه القصة، التي هي من أحسن القصص، كما قال الله تعالى في أول هذه السورة: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف: 3]. وذلك يُستخرج منه: أن ذكر القصص، والأخبار، أن ذلك من أمور التربية، التي يُقوّم فيها سلوك الإنسان وبها تُستنهض الهمم الميتة، وبها تُبرز النماذج الكاملة؛ ليُؤتسى بها، ويُقتدى بها. ثم إذا نظرت إلى هذا القصص الذي ساقه الله تعالى في هذه الآيات وجدت الارتقاء بكل صوره، ومعانيه، وجدت الكمال، لا تجد لفظة تُعاب، حتى حينما يتكلم ربنا تعالى عن القضايا المتعلقة بالمراودة، عن القضايا التي يعجز كثير من الناس أن يعبروا عنها تعبيراً تبلغ به العبرة دون أن تتحرك الغرائز تبعاً لذلك، الله تعالى يذكر تفاصيل مهمة مما وقع من المراودة بين تلك المرأة وبين يوسف ﷺ دون أن يحرك المشاعر الخلفية التي لابد أن تتحرك عند ذكر هذه القصص في كلام الناس، ولكن الله تعالى يذكر ذلك ذكراً نزيهاً، طيباً، شريفاً، لا عوج فيه، ولا إثارة. ثم أيضاً أن هذا القصص التي يذكرها الله تعالى : لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى [يوسف:111] هذه القصص هي قصصٌ حقيقية، ومن هنا نعلم أن التربية تكمن في هذا الطريق أيضاً، فهو وسيلة لإصلاح النفوس، وتهذيبها، وتقويمها على طاعة الله تعالى. لكن تلك القصص ينبغي أن تكون حقيقية صادقة؛ ليتعلم الناس الصدق من ذلك لأول وهلة، دون أن نذكر لهم قصة مفبركة لا حقيقة لها. الأحداث المترابطة في ثنايا قصة يورسف تعالى: ثم انظروا الأطوار، والأحداث المترابطة في ثنايا هذه القصة، إنها أحداث عجيبة، نحن بحاجة إلى الوقوف معها في هذه الأيام، أيام الهزيمة، الهزيمة العسكرية، والهزيمة النفسية، والهزيمة الفكرية، الهزيمة في كل الميادين، حتى صرنا نراجع مبادئنا، وثوابتنا، وعقائدنا؛ من أجل أن عدونا بدأ يلوح لنا بالقوة تارة، وبالتشويه تارة، فأصبحنا نشكك في كل شيء. نحن بحاجة إلى الوقوف معها في هذه الأيام، أيام الهزيمة، الهزيمة العسكرية، والهزيمة النفسية، والهزيمة الفكرية، الهزيمة في كل الميادين، حتى صرنا نراجع مبادئنا، وثوابتنا، وعقائدنا؛ من أجل أن عدونا بدأ يلوح لنا بالقوة تارة، وبالتشويه تارة، فأصبحنا نشكك في كل شيء. ووجد له آذاناً مصغية، حتى صرنا إلى حالٍ لا نُحسد عليها، صدقنا ما قالوه فينا، تصرفاتنا، ومراجعاتنا، وأفعالنا، نحن نعيش في هذه الأيام أمورًا عجيبة في واقع الأمة، نعيش صراعاً هائلاً بين قوى عظمى قد امتلكت أسلحة الفتك بجميع أنواعها، وقد امتلكت أبواقاً إعلامية لا يقادر قدرها، فصوبت ذلك جميعاً إلى نحر هذه الأمة، فاندحر من اندحر، وثبت من ثبت، وتشكك من تشكك، وتراجع من تراجع. في مثل هذا الصراع نحن بحاجة إلى أن نتأمل في تدبير الله تعالى وكيده لأوليائه، وعباده المؤمنين، انظروا إلى يوسف ﷺ كان إلقاؤه في البئر، ثم خروجه بعد ذلك إلى الرق، ثم بعد ذلك ما وقع له من المراودة، ثم ما وقع له بعد ذلك من السجن، بتهمة قذرة دنسة، ثم بعد ذلك يكون ما يكون من تلك الرؤيا التي رآها ذلك السجين، فيكون سبباً لمعرفة ما عنده من المواهب، والعلوم. ثم يخرج ذلك السجين، فينسى تلك الوصية من يوسف ﷺ فيرى ذلك الملك رؤيا يُذكّر بها ذلك السجين ما أوصاه به يوسف ﷺ بعد أن نسوه في السجن، فبقي بضع سنين، وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم - عليه الصلاة والسلام. رؤيا الملك كانت سبباً لخروج يوسف ﷺ: هذا الملك حينما رأى هذه الرؤيا، وكانت سبباً لخروج يوسف ﷺ من السجن، وكان ذلك التفسير سبباً لتجنيب تلك الأمة كارثة اقتصادية، كانت يمكن أن تذهب بالأخضر، واليابس، فانظر هذا التدبير لو أن الإنسان نظر بعقله المجرد لأول وهلة لعرف، أو لأدرك، أو تصور أن إيقاع يوسف ﷺ في كل واحدة من تلك البلايا كان ذلك كافياً في إهانته، وإسقاطه، وكسر نفسه، وهزيمته، وإقعاده عن كل شيء من المُثل، ومعالي الأمور، ولكن تدبير الله تعالى يختلف عن ذلك. إلقاء يوسف عليه السلام في البئر: الإلقاء في البئر، ثم ما حصل بعده مما ذكرتُ، مما قصه الله تعالى كان سبباً لارتقائه للعرش، هذا تدبير الله تعالى وهذا ما نؤمله، ونعرفه من ترابط الأحداث في أيامنا التي نعيشها، وإن كانت تلك الأحداث مؤلمة، إن ما يجرى - ولا أقول ذلك مبالغة في التفاؤل - نرجو أن يكون من كيد الله، وتدبيره، لإسقاط فرعون العصر، وطاغوته، إنه يُستجر ليُمرّغ، ويُضرب من كل ناحية في جسده، ثم بعد ذلك يكون مهيناً، ذليلاً، كل أحد يزدريه، وتسقط هيبته، ومنزلته، وما صنع حول نفسه من الهيلمان. هذه الأيام نشاهد أطرافاً من تدبير الله تعالى: نحن في هذه الأيام نشاهد أطرافاً من هذا التدبير الذي لربما يعيش في هذه الأيام في حلقاته الوسطى، وأرجو إن طال بنا زمان أن لا ينقضي عمر الشباب منا حتى يروا هذا الطاغوت الكبير الذي ملأ الأرض فساداً، وعتوًّا حتى يروه يسقط، ويتمرّغ في الوحل، ولكن ذلك يحتاج منا إلى وثوق بمبدئنا، ويحتاج منا إلى صبر. الابتلاء هو الخطوة الأولى للتمكين: انظروا كيف قصّ الله تعالى خبر يوسف ﷺ فبقي ملازماً للتقوى في كل حالاته، كيف كان مثالاً للالتزام الصحيح في حال الرخاء، وفي حال الشدة. انظروا إليه حينما رأى تلك الرؤيا، فقصها على من يحب - وهو أبوه - ويثق به، وبتفسيره، وعلمه، وخبره، فكل صاحب نعمة محسود، لابد أن ينبري له أعداء، مهما حاول أن يخفي ما عنده من المواهب، والإمكانات، والعلوم فإنه لابد أن ينبري له في طريقة بعض الخصوم، والأعداء، وقد يكون هؤلاء من أقرب الناس إليه. انظروا إلى يوسف ﷺ كيف ابتُلي، والابتلاء هو الخطوة الأولى للتمكين. سئل الشافعي - رحمه الله - : هل يمكّن للإنسان قبل أن يبتلى؟ قال: "لا يُمكّن له حتى يُبتلى"[1] وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] فمن تزعزع، وتزلزل، وتراجع عن مبادئه، وثوابته هذا لا يستحق التمكين، لا يستحق التمكين من يتشكك بالثوابت، من يتشكك في العقيدة، من يتشكك في علمائه، من يتشكك في مناهجه، من يتشكك في وحي الله تعالى هذا لا يستحق التمكين. انظروا إلى حال يوسف ﷺ وهذه البلايا التي تُساق إليه، وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم، - عليه الصلاة والسلام - ، (أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل[2] فلا تجزع إذا أصابك البلاء، ولا تتشكك حينما يتنزل هذا البلاء كالسحب السوداء المتراكمة، يتنزل على هذه الأمة، إنها تُمحّص حتى يبقي أهل الصدق، والثبات، وتكون العاقبة لهم بإذن الله تعالى في نهاية المطاف. انظروا إلى يوسف ﷺ يُحسد من قبل إخوته، ثم يلقى في البئر وهو صغير منذ نعومة أظفاره، بلا رحمة، ثم بعد ذلك يخرج إلى الرِّق، الكريم يُباع؟ سلالة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يُباع، ويُسترق، ويُستذل!، ثم انظروا بعد ذلك كيف تتزين الفتنة، فتن في البئر، وفتن في الرِّق، ثم بعد ذلك فُتن بفتنة الشهوة التي لا يثبت معها، ولا يتماسك إلا من عصمه الله تعالى راودته، راجعته في أمر تريده منه، مرة بعد مرة تحاول، ثم بعد ذلك قد أغلقت الأبواب، وهيأت له ما أرادت، وأغرته، وما ظنكم بجمالها، وهي زوجة الملك، وما ظنكم بالمنَعة التي تحصل له بمواقعة هذه المرأة، وما ظنكم بألوان الحصانة، والإغراء التي تهيأت له وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ [يوسف:23]. التربية التي نحن أحوج ما نكون إليها في وقتنا الحاضر: هنا تأتي قضية التربية، التربية التي نحن أحوج ما نكون إليها في وقتنا الحاضر، أن نربي النفوس على مراقبة الله تعالى في حال الجلوة، والخلوة؛ لأننا صرنا في زمان تعرض فيه الفتن مكشرة في أحوال لا يطلّع على العبد فيها إلا الله وحده لا شريك له، مع غاية الإغراء عبر وسائل تعرفونها، فهذا يحتاج إلى تربية عظيمة، كما أنه يحتاج أيضاً إلى مراقبة لله تعالى كما يحتاج إلى صدقٍ في الفزع إليه، وصدق اللَّجأ إليه - سبحانه وتعالى - فقال - عليه الصلاة والسلام - حينما اجتمع عليه أولئك النسوة: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ [يوسف:33 - 34]. فالله تعالى بين ذلك، وعلل كونه من عباده المخلصين، الإخلاص يكون سبباً لنجاة العبد، ينبغي أن يكون للعبد خبيئة من عمل صالح لا يطلع عليه الناس، ولو كان قليلاً، فيكون ذلك سبباً لتخليصه من ألوان المكاره، والمخاوف، لمّا تبدت هذه الفتنة ليوسف ﷺ لجأ إلى الله تعالى فكيف بأولئك الذين يبحثون، وينقرون؟ فكان الواحد منهم كعنز السوء تقوم بظلفها تستخرج سكيناً تُذبح بها!. من بحث عن الشهرة كيف له بالسلامة؟ أولئك الذين يبحثون عن الشهوة، والفتنة، وينقرون عنها في كل مكان، كيف لهم بالسلامة؟! ومن عرّض نفسه للفتنة أولاً لم ينجُ منها آخراً، فالعبد يبتعد ويستريح قلبه، فإذا ابتُلي عليه أن يتذكر الله، وعليه أن يعتصم به، ويدعو ربه أن يخلصه من هذه الكروب، والمخاوف. كيف استحبّ يوسف ﷺ لسجن على مقارفة الفواحش؟ انظروا إلى يوسف ﷺ كيف استحبّ السجن على مقارفة هذه الفواحش. ثم انظر كيف هذه الآيات تعطينا معنى تربويًّا مهماً، وهو أن مشاهدة النساء للرجال الذين يمتلئون نضارة، وحيوية، وشباباً، أن ذلك مظنّة للفتنة، ولو كان أولئك الرجال من الصالحين، هذا ملحظ مهم. كيف إذا كان أولئك الرجال ممن يجلس نصف نهار يضع ألوان المكياج على وجهه، ثم يخرج ليقدم نشرة للأخبار، أو يقدم برنامجاً في إحدى هذه الفضائيات؟ بل كيف إذا كان الذي يخرج امرأة ينظر إليها الرجال؟ فأقول: النساء لربما تُفتن الواحدة بما تسمع، بنبرة صوت الرجل، بنبرة صوته، كيف إذا رأته؟ هذا الداعية الذي يعلو المنابر، وتسمعه النساء عشرات السنين، ثم بعد ذلك تراه وقد كانت تتخيل صورة معينة، فيبدو لها وقد امتلأ شباباً، ونضارة، لا يُؤمن معها أن تحصل فتنة لبعض النساء. ولذلك من كان بهذه المثابة من الحسن، والبهاء، وأعطاه الله نضارة، وشباباً، فينبغي أن يتوقى مثل هذه المواقع التي يكون فيها سبباً لفتنة غيره. قصة يوسف عليه السلام تنبهنا كيف نربي نساءنا: كما أنه ينبهنا كيف نربي نساءنا، فلا يترك الواحد امرأته وبناته أمام الشاشات، ينظرن إلى الرجال، وقد ظهروا بأحسن حُلتّهم، ولو كان هؤلاء في غاية الصلاح، فالواحد قد خضب لحيته، وظهر في صورة من النضارة والشباب، وتزين غاية الزينة، هذا أمر قد يأسر بعض النفوس. أولئك النساء كنّ يعبن امرأة العزيز، فتقول الواحدة: امْرَأَتُ العَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ [يوسف:30 - 31] ماذا فعلت؟ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ [يوسف:31] فأعجبن به، فأسرهن جماله، ولهذا قال بعد ذلك: إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ [يوسف:51]. فصار ذلك الفعل مشتركاً بينهن وبين امرأة العزيز، تحولن من منكرات على امرأة العزيز إلى مشاركات لها في هذا الفعل، فهذه قضية مهمة. كيف تصرف العزيز مع امرأته؟ وأمر آخر، انظروا إلى ما وقع ليوسف ﷺ مع هذا العزيز، انظروا كيف يؤثر ذهاب الغيرة، لما ثبتت براءة يوسف ﷺ ماذا فعل هذا الرجل لامرأته؟ قال: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَيوسف:29 فقط! لم يحرك ساكناً، ولم يبعده عنها، بل أبقاه في بيتها، ثم أخرجته إلى أولئك النسوة، وما زالت مصرة على مراودته: وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ [يوسف:32] فانظروا كيف يكون ذهاب الغيرة مؤثراً في نفوس أولئك أشباه الرجال. إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ: ثم انظروا ما ذكره الله بعد ذلك، حينما دخل يوسف ﷺ إلى السجن، لمّا رأى رفيقاه في السجن تلك الرؤيا عرضوها على يوسف، وقالوا: إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:36]. عرفوا إحسان يوسف ﷺ وهو في السجن، لم يجلس ليحدثهم عن نفسه، رأوا إحسانه بالسجناء، ورأوا إحسانه إلى السجّانين، ورأوا إحسانه مع الله في العبودية، وإقامتها، والتقرب إلى ربه، ومالكه، ومعبوده تعالى فعرفوا إحسان يوسف ﷺ وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن الداعية في كل أحواله؛ في حال السجن، وفي وسط البئر، وفي حال الملك، وفي جميع أحواله يكون محسناً، ما رد هؤلاء، وقال: لا شأن لي بكم، ثم انظر كيف دعاهم إلى الله تعالى واستغل الفرصة: أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار [يوسف:39] لم يتخلَّ عن مبادئه، ولم يجزع، ولم تنكسر نفسه، وتنثنِ إرادته، فيتثبط عن دعوته، لا، لا زال ينشر هذه الدعوة في كل مكان. ولهذا نجد شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول: "ما يصنع بي أعدائي، إن سجني خلوة، وإخراجي من بلدي سياحة، وقتلي شهادة"[3] يقول: "إن جنتي وبستاني في صدري"، ماذا يُصنع بمثل هذا؟. فلما وضعوه في السجن تحول أهل السجن من أهل بطالة إلى أهل اشتغال بالعلم والعبادة، فاضطروا إلى إخراجه من السجن؛ لئلا يفسده بزعمهم!، هكذا يفعل الداعية في كل الأحوال. فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ: ثم انظر بعد ذلك لما خرج ذلك الرجل من السجن، ونسي وصية يوسف: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف:42] كيف يبقى يوسف ﷺ وفي تهمة تتعلق بالأخلاق، يبقى في السجن بضع سنين؟. أقول: إنه إعداد من الله تعالى لهؤلاء الكبار لقيادة الأمم، وتخليصها، لا تدركه عقول البشر، كيف تبقى طاقة كطاقة يوسف ﷺ منسية في الحبس؟ كيف يبقى موسى ﷺ في الصحراء، في مدين يرعى الغنم عشر سنين، شريداً، طريداً يرعى الغنم عشر سنين في مقابل بُضع امرأة تزوجها على رعي الغنم، ذلك قبل أن يُنبأ، ولكنه لا شك أنه أفضل أهل زمانه - عليه الصلاة والسلام - فالله يصطفي الأنبياء من خيار الناس، يبقى تلك المدة الطويلة عشر سنين، إنه إعداد الله لأوليائه، وأهل كرامته، فهذا لا يدخل تحت المقاييس البشرية. ولذلك أقول: ينبغي أن نثق بالله تعالى وبتدبيره، وبكيده لأوليائه كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف:76]. ما قال: أخرجني من البئر: انظر كيف كانت هذه الرؤيا - رؤيا الملك - سبباً لخروج يوسف ﷺ من السجن، ثم إلى المُلك، فإنه ذكرها حينما ذكر نعمة الله تعالى عليه، حينما قال: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ [يوسف:100] ما قال: أخرجني من البئر؛ لأنه خرج من البئر إلى الرّق، وخرج من السجن إلى المُلك، فانظروا إلى هذا التدبير من الله تعالى ثم انظروا كيف فسّر يوسف ﷺ هذه الرؤيا الخطيرة لذلك الملك، ما قال: أنتم ظلمتموني وفي تهمة قذرة دنسة، ولطختم سمعتي، وسجنتموني عدواناً، كيف أفسّر لكم هذا التفسير الذي يكون فيه المخرج، والخلاص بإذن الله تعالى من ورطة تنتظركم؟ ما قال لهم هذا الكلام؛ لأنه من المحسنين، لا يعرف تصفية الحسابات، لا يعرف الأحقاد، بينه وبين هذا مشكلة، والثالث مشكلة، والرابع مشكلة، والخامس ما زاره في المستشفى، والسادس ما عزاه، والسابع قال كلمة في حقه، والثامن؛ لأنه ما قام له حينما سلم عليه، وقد قام لغيره، إلى غير ذلك مما يتمرّغ به أصحاب النفوس الحقيرة، الدنية، الصغيرة. يوسف ﷺ كبير، ونفسه كبيرة، تتسع للجميع، تأتي الرؤيا من الملك، ويفسّرها، تأتي الرؤيا من هذا المسجون، ويفسّرها، ويحسن إلى الجميع كالمطر. انظروا إلى كلام يوسف عليه السلام مع إخوته: ولذلك أقول: انظروا إلى انضباط يوسف في كل هذه الأحوال، انظروا إلى كلامه مع إخوته، حينما دارت الأيام، فجاءوا إليه، وقدّر الله أن تكون حاجتهم عنده، فجاءوا إليه في غاية الحاجة، والمسكنة، والذل، والصغار، فما آذاهم حتى حينما قالوا: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ [يوسف:77] لم يشنّع عليهم، وإنما قال: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا [يوسف:77] ولم يكاشرهم بذلك، بل أسرها في نفسه، أخفاها عنهم؛ لئلا يجرح مشاعرهم، ثم انظر إليهم حينما جاءوا إليه بعدما عرفوه: قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي [يوسف:90] فقالوا له: استغفر لنا، فلما طلبوا منه الاستغفار، واعترفوا بخطئهم، وتقصيرهم لم يؤنّب، ولم يعنّف، بل قال: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ [يوسف:92] لم يذكِّرهم بأفعالهم السيئة، ثم بعد ذلك لما جاءوا مع أبيهم خروا له سجداً: وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ [يوسف:100] إلى أن قال: بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي [يوسف:100] لم يجرح مشاعرهم، ويذكِّرهم بذلك الفعل السيئ. تصور لو أن أحداً من قرابتك، أو من جيرانك، أو من زملائك في العمل أساء إليك بعشر معشار هذه الإساءات، كيف تصنع معه؟ كيف تتصرف؟ إن الكثيرين يعقدون عداوته أبد الدهر، ولا يقبلون فيه صرفاً، ولا عدلا، ولا عذراً لمعتذر، لماذا؟ لأننا لا نحمل نفوساً كبيرة كنفس يوسف. لماذا كان الكريمَ ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم؟ فلنحلق عالياً، ولنترفع عن هذه المدنّسات، والأوحال التي تذلنا، وتهيننا، وتقعدنا عن طاعة الله تعالى فتعتلج الأحقاد في القلب، فالإنسان يصلي، ويتذكر ما فعل به فلان، وما قال له فلان، وما قصد فلان بالكلمة الفلانية، ترفَّعْ عن مثل هذه الأمور، فإن الأحقاد أول من يُعذب بها صاحبُها، لا ينام الليل يتقلب على فراشه، ينعصر قلبه، يتمنى أن يتشفى من فلان، وفلان، وفلان لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [يوسف:92] لم يطلب منهم العذر، ولم ينتظر منهم أي شيء من الإحسان. وهذه عِبر كبار ينبغي أن نقف عندها، وأن نثق بما عند الله تعالى ونعلم أن العاقبة للمتقين، وإن طالت الليالي المظلمة السوداء، ونعرف أن البلاء على قدر ما عند الإنسان من الإيمان، فالله لا يبتلي العبد من أجل أن يكسره، وإنما من أجل أن يرفعه، فثِقْ بما عند الله تعالى ولا تنكسر أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على قدر دينه[4]. لكن من لطف الله تعالى أنه إن كان في دينه رقة خُفف عنه، فمن الناس من يكون بلاؤه في أمور تافهة حقيرة، بلاؤه أن هذا قال له كُليمة، وذلك تصرف أمامه تصرفاً غير لائق، وأخرى تصيح، وتلطم خدها، وتنتف شعرها؛ لأن أطفالها الصغار يتهارشون حولها، فهذا هو حظها من البلاء، وآخر بلاؤه في دريهمات فقدها، وآخر بلاؤه في مشكلة بينه وبين مؤذن المسجد، والثالث مشكلته ومصيبته العظمى هي في قضية بينه وبين أحد تلامذته، قال التلميذ كلمة في الفصل فجعلها قضية القضايا، كل إنسان على قدر نفسه يُعطى من البلاء، ومن الناس من يُصب عليهم البلاء صبًّا، فتنة الضراء، وفتنة السراء. فنسأل الله تعالى أن يلطف بنا جميعاً، وأن يلهمنا وإياكم رشدنا، وأن ينفعنا بالقرآن العظيم، وأن يجعله حجة لنا لا حجة علينا، وأن يرحم موتانا، ويشفي مرضانا، ويعافي مبتلانا، وأن يجعل آخرتنا خيرًا من دنيانا، ونسأله - تبارك وتعالى - أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام، وأن يعيننا وإياكم في هذا الشهر الكريم على أنفسنا، فنسأله - تبارك وتعالى - أن يرفعنا، ولا يضعنا، وأن يغفر لنا، ولوالدينا، ولإخواننا المسلمين. نسأل الله أن يغفر لنا ولكم أجمعين، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * موقع أ. د. خالد السبت: (https://2u.pw/s8BwJ). [1] الفوائد لابن القيم: (1/208). [2] أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب الصبر على الأذى، رقم: (2398) وابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، رقم: (4023)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، رقم: (3249). [3] المستدرك على مجموع الفتاوى: (1 / 153). [4] أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب الصبر على الأذى، رقم: (2398) وابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، رقم: (4023)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، رقم: (3249).0
- حرمة القرآن الكريم*
بقلم / الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فإن القرآن كلام الله تعالى أنزله على عبده ورسوله محمد ﷺ ليكون هدىً ونورًا للعالمين إلى يوم القيامة، وقد أكرم الله صدر هذه الأمة بحفظه في الصدور، والعمل به في جميع شئون الحياة، والتحاكم إليه في القليل والكثير، ولا يزال فضل الله سبحانه ينزل على بعض عباده؛ فيعطون القرآن حقه من التعظيم والتكريم حسًا ومعنى.
ولكن هناك طوائف كبيرة وأعداد عظيمة ممن ينتسب إلى الإسلام، حرمت من القيام بحق القرآن العظيم، وما جاء عن الرسول ﷺ وأخشى أن ينطبق بحق على كثير منهم قوله تعالى: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30]؛ إذ أصبح القرآن لدى كثير منهم مهجورًا، هجروا تلاوته وهجروا تدبره والعمل به؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله. ولقد غفل كثير منهم عما يجب عليهم من تكريم كتاب الله وحفظه؛ إذ قصَّروا في مجال الحفظ والتدبر والعمل، كما لم يقوموا بما يجب من التعظيم والتكريم لكلام رب العالمين.
ولقد عمَّت بلاد المسلمين المنشورات والصحف والمجلات، وكثيرًا ما تشتمل على آيات من القرآن الكريم في غلافها أو داخلها، لكن قسمًا كبيرًا من المسلمين حينما يقرأون تلك الصحف يلقونها، فتجمع مع القمائم وتوطأ بالأقدام، بل قد يستعملها بعضهم لأغراض أخرى حتى تصيبها النجاسات والقاذورات، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ [الواقعة:77-80].
والآية دليل على أنه لا يجوز مس القرآن إلا إذا كان المسلم على طهارة -كما هو رأي الجمهور من أهل العلم.
وفي حديث عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله ﷺ: أن لا يمس القرآن إلا طاهر[1].
ويروى عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر[2]. وروي عن سلمان رضي الله عنه أنه قال: "لا يمس القرآن إلا المطهرون"، فقرأ القرآن، ولم يمس المصحف حين لم يكن على وضوء.
وعن سعد: أنه أمر ابنه بالوضوء لمس المصحف.
فإذا كان هذا في مس القرآن العزيز، فكيف بمن يضع الصحف التي تشتمل على آيات من القرآن سفرة لطعامه، ثم يرمي بها في النفايات مع النجاسات والقاذورات؟
لا شك أن هذا امتهان لكتاب الله العزيز وكلامه المبين.
فالواجب على كل مسلم ومسلمة أن يحافظوا على الصحف والكتب، وغيرها مما فيه آيات قرآنية أو أحاديث نبوية، أو كلام فيه ذكر الله، أو بعض أسمائه سبحانه فيحفظها في مكان طاهر، وإذا استغنى عنها دفنها في أرض طاهرة أو أحرقها، ولا يجوز التساهل في ذلك.
وحيث إن الكثير من الناس في غفلة عن هذا الأمر، وقد يقع في المحذور جهلًا منه بالحكم، رأيت كتابة هذه الكلمة؛ تذكيرًا وبيانًا لما يجب على المسلمين العمل به تجاه كتاب الله وأسمائه وصفاته، وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم وتحذيرًا من الوقوع فيما يغضب الله، ويتنافى مع مقام كلام رب العالمين.
والله سبحانه المسئول أن يوفقنا والمسلمين جميعًا لما يحبه ويرضاه، وأن يعيذنا جميعًا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأن يمنحنا جميعًا تعظيم كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والعمل بهما، وصيانتهما عن كل ما يسيء إليهما من قول أو فعل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم[3].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* موقع ابن باز: (https://2u.pw/vHEkN).
[1] أخرجه الإمام مالك في (الموطأ)، كتاب (النداء في الصلاة)، برقم: 419.
[2] أخرجه الطبراني في (المعجم الأوسط)، برقم: 3301.
[3] نشر في (مجلة البحوث الإسلامية)، العدد: السادس، عام 1402هـ، ص: 289. (مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز 24/ 150).
حرمة القرآن الكريم* بقلم / الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فإن القرآن كلام الله تعالى أنزله على عبده ورسوله محمد ﷺ ليكون هدىً ونورًا للعالمين إلى يوم القيامة، وقد أكرم الله صدر هذه الأمة بحفظه في الصدور، والعمل به في جميع شئون الحياة، والتحاكم إليه في القليل والكثير، ولا يزال فضل الله سبحانه ينزل على بعض عباده؛ فيعطون القرآن حقه من التعظيم والتكريم حسًا ومعنى. ولكن هناك طوائف كبيرة وأعداد عظيمة ممن ينتسب إلى الإسلام، حرمت من القيام بحق القرآن العظيم، وما جاء عن الرسول ﷺ وأخشى أن ينطبق بحق على كثير منهم قوله تعالى: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30]؛ إذ أصبح القرآن لدى كثير منهم مهجورًا، هجروا تلاوته وهجروا تدبره والعمل به؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله. ولقد غفل كثير منهم عما يجب عليهم من تكريم كتاب الله وحفظه؛ إذ قصَّروا في مجال الحفظ والتدبر والعمل، كما لم يقوموا بما يجب من التعظيم والتكريم لكلام رب العالمين. ولقد عمَّت بلاد المسلمين المنشورات والصحف والمجلات، وكثيرًا ما تشتمل على آيات من القرآن الكريم في غلافها أو داخلها، لكن قسمًا كبيرًا من المسلمين حينما يقرأون تلك الصحف يلقونها، فتجمع مع القمائم وتوطأ بالأقدام، بل قد يستعملها بعضهم لأغراض أخرى حتى تصيبها النجاسات والقاذورات، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ [الواقعة:77-80]. والآية دليل على أنه لا يجوز مس القرآن إلا إذا كان المسلم على طهارة -كما هو رأي الجمهور من أهل العلم. وفي حديث عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله ﷺ: أن لا يمس القرآن إلا طاهر[1]. ويروى عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر[2]. وروي عن سلمان رضي الله عنه أنه قال: "لا يمس القرآن إلا المطهرون"، فقرأ القرآن، ولم يمس المصحف حين لم يكن على وضوء. وعن سعد: أنه أمر ابنه بالوضوء لمس المصحف. فإذا كان هذا في مس القرآن العزيز، فكيف بمن يضع الصحف التي تشتمل على آيات من القرآن سفرة لطعامه، ثم يرمي بها في النفايات مع النجاسات والقاذورات؟ لا شك أن هذا امتهان لكتاب الله العزيز وكلامه المبين. فالواجب على كل مسلم ومسلمة أن يحافظوا على الصحف والكتب، وغيرها مما فيه آيات قرآنية أو أحاديث نبوية، أو كلام فيه ذكر الله، أو بعض أسمائه سبحانه فيحفظها في مكان طاهر، وإذا استغنى عنها دفنها في أرض طاهرة أو أحرقها، ولا يجوز التساهل في ذلك. وحيث إن الكثير من الناس في غفلة عن هذا الأمر، وقد يقع في المحذور جهلًا منه بالحكم، رأيت كتابة هذه الكلمة؛ تذكيرًا وبيانًا لما يجب على المسلمين العمل به تجاه كتاب الله وأسمائه وصفاته، وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم وتحذيرًا من الوقوع فيما يغضب الله، ويتنافى مع مقام كلام رب العالمين. والله سبحانه المسئول أن يوفقنا والمسلمين جميعًا لما يحبه ويرضاه، وأن يعيذنا جميعًا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأن يمنحنا جميعًا تعظيم كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والعمل بهما، وصيانتهما عن كل ما يسيء إليهما من قول أو فعل، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم[3]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * موقع ابن باز: (https://2u.pw/vHEkN). [1] أخرجه الإمام مالك في (الموطأ)، كتاب (النداء في الصلاة)، برقم: 419. [2] أخرجه الطبراني في (المعجم الأوسط)، برقم: 3301. [3] نشر في (مجلة البحوث الإسلامية)، العدد: السادس، عام 1402هـ، ص: 289. (مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز 24/ 150).1
- التناسب في أسلوب القرآن الكريم [1]
الكاتب: حكمت الحريري
القرآن الكريم يستحوذ على السمع ويؤثر في النفوس سلباً أو إيجاباً، وذلك حسب طبيعتها فاجرةً أو تقيةً ((ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها))، فإن كانت فاجرةً فهي تنفر من القرآن وتشمئز منه، وإن كانت تقيةً فهي خاشعةٌ ووجلةٌ لذكر الله.
فإن قيل: ما سر توجهك للحديث عن تأثير القرآن في النفوس واستحواذه على السمع قبل غيره من وجوه الإعجاز؟
فأقول: لتدرك الحكمة في الخطاب الإلهي الذي يبدأ بذكر السمع قبل غيره من الحواس فقال - تعالى -: ((إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا))، وقال: ((وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون)) [ النحل: 78 ].
فلتكن أيها العاقل ممن قال الله - تعالى - فيهم: ((ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا)) [ آل عمران: 193 ]، ((ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون)).
ولا كالذي ((يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها)) [ الجاثية: 8 ] فأقبل ولا تخف، و ((كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم)) [المائدة: 15 - 16].
فدعنا نتأمل هذا البناء الإلهي المعجز تأملاً صادقاً، وننظر فيه بإمعانٍ, فلا توغل في الدخول إليه دفعةً واحدة، بل خطوةً إثر خطوةٍ, لتعقل ما تقف عليه وما تشاهده من أمور تثير إعجابك وتملك عليك سمعك وبصرك، تدبر في حدود سور هذا الكتاب العظيم، على الإطار العام فيها، ارتباط السورة بما قبلها وما بعدها، فهذا أحد أمور الإعجاز للقرآن الكريم.
إذ أن القرآن نزل منجماً في أجزاءٍ, طويلةٍ, و أخرى قصيرةٍ, خلال ثلاثٍ, وعشرين سنةً، إلا أن هذه الأجزاء رتبت ترتيباً لا مثيل له على الإطلاق في أي كتابٍ, من كتب الأدب أو العلوم التي هي من تصنيف البشر.
فسور القرآن الكريم لم ترتب حسب موضوعاتها، ولا حسب زمن نزولها، إنما للقرآن طريقته المستقلة المخالفة لما هو مألوفٌ عند البشر في الكتب والمصنفات.
عندما كان ينزل الوحي على الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالآيات كان الرسول - عليه الصلاة والسلام - يأمر بعض من يكتب الوحي بوضعها في مواضع محددة من السور التي لم تكن قد اكتملت بعد، وبمجرد وضع الآية أو الآيات في موضعٍ, ما فإنها تبقى ثابتةً في موضعها الذي أمر - عليه الصلاة والسلام - بوضعها فيه من السورة دون أن يطرأ على ذلك الوضع تصحيحٌ أو تعديل، وهذا أكبر دليلٍ, وأسطع برهانٍ, على ربانية هذا الكتاب ((وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين)) [ الشعراء:192 - 195]، وقال - تعالى -: ((وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً)).
عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالساً إذ شخص ببصره ثم صوّبه حتى كاد أن يلزقه بالأرض قال: ثم شخص ببصره فقال: \"أتاني جبريل - عليه السلام - فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة ((إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)) [2].
قال الزركشي: فأما الآيات في كل سورةٍ, ووضع البسملة أوائلها فترتيبها توقيفيٌ بلا شكٍ, ولا خلاف فيه[3].
ترتيب السور في القرآن الكريم:
قد مرّ معنا أن ترتيب القرآن لا مثيل له على الإطلاق في الكتب والمصنفات، فلم يرتب حسب الترتيب الزماني ولا حسب الموضوعات إنما له طريقته الخاصة.
لكن بعض العلماء غفر الله لهم يذكر أن ترتيب السور اجتهاديٌ بخلاف ترتيب الآيات، وبعضهم يذكر أن ترتيب السور بعضه توفيقي اجتهادي وبعضه توقيفي وعمدتهم في ذلك الاستدلال بحديثٍ, يرويه يزيد الفارسي عن ابن عباس و سنأتي للكلام على هذا الحديث.
وبناءً على ما تقدم من قول بعضهم أن الترتيب توفيقي، فقد قالوا لا فائدة من البحث عن التناسب والارتباط بين الآيات والسور لأن القرآن نزل منجماً في مدة ثلاثٍ, وعشرين سنةً وفي مناسباتٍ, مختلفة.
ولكن هذا الكلام لا يسلم من الاعتراض عليه بل يجنح عن الصواب إذا قلنا أن القرآن من أهم المعجزات الشاهدة على رسالة خاتم النبيين - عليه الصلاة والسلام - بل هي أبقى المعجزات وأبينها، ومعلوم بالبداهة أن حسن الترتيب من أكبر محاسن الكلام البليغ، ونحن نعتقد بأن القرآن معجزٌ فهل نرضى بأن يكون عارياً عن حسن الترتيب والتناسق؟!!
وكيف نترك النظر في فهم ارتباط معانيه وتناسق آياته وسوره وإتقان ترتيبها؟ والله - عز وجل - أمرنا بتدبر هذا الكتاب الكريم فقال: ((أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً))
وقد وصف الله - تعالى - هذا الكتاب بكونه محكماً ((قرآناً عربياً غير ذي عوج لعلهم يتقون)) [ الزمر: 28]، وقال - تعالى -: ((وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً)).
فكونه أنزل على مدى سنين متطاولةٍ, وبمناسباتٍ, مختلفةٍ, متفاوتة، فهذا دليل بين على إعجازه لأنه كلام عالم الغيب والشهادة: ((قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً)).
وربما يحط عندك قدر خطيب مصقع أتى بفنون من البلاغة وأثر في النفوس بخلابة بيانه لمحض أنه ذهل عن ربط الكلام فهام من وادٍ, إلى وادٍ,، مع أنه معذور لأنه ألقى خطبته ارتجالاً ولم يعمل فيها النظر والروية، وما مؤاخذاتك لذلك الخطيب إلا لأن الكلام البليغ لا يحتمل سوء الترتيب، فإذا كان الأمر كذلك، أليس من الموقن بإعجاز القرآن أن يثبت حسن نظمه وإحكام ترتيبه وتناسق آياته وسوره؟![4]
ماذا قال العلماء في موضوع التناسب والترتيب؟
- قال الفخر الرازي:\"علم المناسبات علمٌ عظيم أودعت فيه أكثر لطائف القرآن وروائعه وهو أمر معقول إذا عرض على العقول تلقته بالقبول\".
- وقال الزركشي: \"وقال بعض مشايخنا المحققين: وقد وهم من قال: لا يطلب للآي الكريمة مناسبةٌ لأنها على حسب الوقائع المتفرقة وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلاً وعلى حسب الحكمة ترتيباً، فالمصحف كالصحف الكريمة على وفق ما في الكتاب المكنون مرتبةً سوره كلها و آياته بالتوقيف\"[5].
- وفي معترك الأقران للسيوطي:
إذا اعتبرت افتتاح كل سورة وجدته في غاية المناسبة لما ختم به السورة قبلها، ثم هو يخفى تارةً ويظهر أخرى. [1/52].
- وقال السيوطي: علم المناسبة علم شريف قلّ اعتناء المفسرين به لدقته[6].
- وقال الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني: إن القرآن تقرؤه من أوله إلى آخره، فإذا هو محكم السرد، دقيق السبك، متين الأسلوب، قوي الاتصال، آخذٌ بعضه برقاب بعض في سوره وآياته وجمله، يجري دم الإعجاز فيه كله من ألفه إلى يائه، كأنه سبيكةٌ واحدةٌ ولا يكاد يوجد بين أجزائه تفكك ولا تخاذل، كأنه حلقةٌ مفرغة، أو كأنه سمطٌ وحيد وعقدٌ فريد يأخذ بالأبصار، نظمت حروفه وكلماته، ونسقت جمله وآياته، وجاء آخره مساوقاً لأوله، وبدا أوله مواتياً لآخره[7].
- وقال الشيخ محمد عبد الله دراز: (أجل إنك لتقرأ السورة الطويلة المنجمة يحسبها الجاهل أضغاثاً من المعاني حشيت حشواً وأوزاعاً من المباني جمعت عفواً، فإذا هي لو تدبرت بنية متماسكة قد بنيت من المقاصد الكلية على أسسٍ, و أصول،ٍ, وأقيم على كل أصلٍ, منها شعب وفصول، و امتد من كل شعبةٍ, منها فروعٌ تقصر أو تطول، فلا تزال تنتقل بين أجزائها كما تنتقل بين حجرات وأفنية في بنيانٍ, واحدٍ, قد وضع رسمه مرةً واحدةً، لا تحس بشيءٍ, من تناكر الأوضاع في التقسيم والتنسيق، ولا بشيءٍ, من الانفصال في الخروج من طريقٍ, إلى طريقٍ,، بل ترى بين الأجناس المختلفة تمام الألفة، كما ترى بين آحاد الجنس الواحد نهاية التضام، والالتحام، كل ذلك بغير تكلفٍ, ولا استعانةٍ, بأمرٍ, من خارج المعاني أنفسها، إنما هو حسن السياقة ولطف التمهيد في مطلع كل غرضٍ, ومقطعه وأثنائه يريك المنفصل متصلاً والمختلف مؤتلفاً[8].
وغير هؤلاء من العلماء كثيرٌ من المتقدمين و المتأخرين الذين يهتمون بعلم التناسب والربط بين السور و الآيات.
الأدلة من الكتاب والسنة على أن ترتيب السور توقيفي:
والأدلة التي استند إليها العلماء القائلون بأن ترتيب السور توقيفي وليس اجتهادي، كثيرةٌ منها:
قوله - تعالى -: ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)).
وقوله: ((كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير)).
وقوله: ((ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً)).
وقوله: ((إن علينا جمعه وقرآنه)) والجمع كما قال المفسرون على معنيين: جمعه في صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وجمعه بمعنى تأليفه.
وفي الحديث عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلةٍ, من شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة[9].
وعن أبي هريرة قال: كان يعرض على النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن كل عامٍ, مرةً فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف في كل عامٍ, عشراً فاعتكف في العام الذي قبض فيه عشرين[10].
وعن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملةً واحدةً إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة، ثم قرأ: ((وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً)) [11].
وقال أوس بن حذيفة الثقفي: سألت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف تحزّبون القرآن؟ قالوا: ثلاثٌ وخمسٌ وسبعٌ وتسعٌ وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل وحده[12].
وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: (يا رسول الله في كم أقرأ القرآن؟ قال في شهر، قال: إني أقوى من ذلك. ردد الكلام أبو موسى وتناقصه حتى قال: اقرأه في سبع، قال: إني أقوى من ذلك. قال: لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث) [13].
في ردّ أدلة القائلين بأن ترتيب السور اجتهادي
اعتمد القائلون بأن ترتيب السور مسألةٌ توفيقيةٌ اجتهادية على حديثٍ, رواه يزيد الفارسي عن ابن عباس وهذا نصه:
عن يزيد الفارسي قال: سمعت ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان ما حملكم أن عمدتم إلى براءة وهي من المئين و إلى الأنفال وهي من المثاني فجعلتموها في السبع الطوال ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم؟
قال عثمان: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مما تنزل عليه الآيات فيدعو بعض من كان يكتب له ويقول له: ضع هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وتنزل عليه الآية و الآيتان فيقول مثل ذلك وكانت الأنفال من أول ما نزل عليه بالمدينة وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها، فمن هناك وضعتهما في السبع الطوال ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم.
هذا الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان وأحمد.
قال الشيخ أحمد شاكر في تخريجه وتعليقه عليه في المسند رقم [399]: في إسناده نظرٌ كثيرٌ، بل هو عندي ضعيفٌ جداً، بل هو حديثٌ لا أصل له يدور إسناده في كل رواياته على (يزيد الفارسي) الذي رواه عن ابن عباس، تفرد به عنه عوف بن أبي جميلة الأعرابي. وهو ثقة.
ثم قال الشيخ أحمد شاكر: فهذا يزيد الفارسي الذي انفرد برواية هذا الحديث يكاد يكون مجهولاً حتى شبّه على مثل ابن مهدي وأحمد والبخاري أن يكون هو ابن هرمز أو غيره، ويذكره البخاري في الضعفاء فلا يقبل منه مثل هذا الحديث ينفرد به، وفيه تشكيكٌ في معرفة سور القرآن الثابتة بالتواتر القطعي قراءةً وسماعاً وكتابةً في المصاحف وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور، كأن عثمان كان يثبتها برأيه وينفيها برأيه وحاشاه من ذلك فلا علينا إذا قلنا أنه حديثٌ لا أصل له تطبيقاً للقواعد الصحيحة التي لا خلاف فيها بين أئمة الحديث.
ثم قال الشيخ محمد أمين المصري بعد أن نقل كلام الشيخ أحمد شاكر وغيره من العلماء المحققين كالعلامة محمد رشيد رضا.
قال: \"وبعد هذا البحث الذي لا ندعي له الكمال و الاستيفاء نريد أن نخلص إلى أن الذي نؤمن به من غير ريبٍ, أن الذي بين دفتيّ المصحف كتاب الله جل شأنه أنزله على نبيه لا مدخل للبشر في صفةٍ, من أوصافه ولا في حرفٍ, من حروفه ولا مجال للاجتهاد في ترتيب آياته ولا في ترتيب سوره بحيث أثبتت البسملة فإنما أثبتت بأمر الله، وحيث حذفت فإنما وقع ذلك بأمر الله\".
وإنما الريب في مثل هذه الرواية التي سبق ذكرها التي تحيط بها الشكوك وتحفها الأوهام، ومن عجبٍ, أن ينطلي أمر مثل هذه الرواية على بعض العلماء، كما مرّ لدى البيهقي والسيوطي ولعلهما أخذا بتحسين من حسنها وتصحيح من صححها والعصمة من الخطأ لله وحده[14]. أ. ه.
وهل من أدلةٍ, أخرى للقائلين بعدم كون الترتيب توقيفياً؟
نعم، مما استدلوا به أيضاً اختلاف مصاحف الصحابة فمنهم من رتبها على حسب زمن النزول كمصحف علي رضي الله عنه، ومصحف عبد الله بن مسعود كان أوله سورة البقرة ثم النساء ثم آل عمران.
والجواب: أن تلك المصاحف مصاحف علمٍ, وتأويل قصدوا بها ضبط وقائعٍ, معينةٍ,، وكان فيها المنسوخ تلاوةً، فلم تكن تلك المصاحف مصاحف تلاوة.
ولو كان ترتيب سور القرآن الذي جمع عثمان الناس على أساسه قائماً على الاجتهاد لما قبل هؤلاء الصحابة بتسليم مصاحفهم وعرضها للتحريق والتنازل عنها ولو كانت المسألة مسألة اجتهاد لتمسكوا باجتهادهم، إذ لا يلزم المجتهد أن يقلد مجتهداً آخر[15].
أنواع التناسب في القرآن:
مناسبة السورة للسورة التي تليها.
التناسب بين مطلع السورة وختامها.
المناسبة بين الآيات.
الوحدة الموضوعية لكل سورة.
التنسيق في تأليف العبارات بتخير الألفاظ ثم نظمها في نسقٍ, خاصٍ, يبلغ من خلالها أرقى درجات الفصاحة.
ما الفائدة المرجوة من اعتبار ترتيب السور توقيفياً؟ وما الثمرة التي نجنيها من خلال التناسب والربط بين الآيات والسور؟
في إثبات توقيفية ترتيب سور القرآن إثباتٌ وتأكيدٌ لمعنى قوله - تعالى -: ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)) فلم يكن حفظ القرآن وصونه موكول لأحدٍ, من البشر.
وفيه أيضاً ردُّ للشبه التي يثيرها الروافض والمستشرقون حول جمع القرآن، والزيادة فيه والنقص منه كما يزعمون!! قبحهم الله.
ومن ثمرات هذا العلم الالتفات إلى الحكمة من هذا الترتيب والاهتمام باستخراج المعاني و الحكم و لطائف النكات التي لا يتوصل إليها إلا بالتماس المناسبة والربط.
كيفية التعرف على التناسب والربط بين السور والآيات، وبيان أسبابه:
لمعرفة المناسبة و ارتباط السور والآيات بعضها ببعضٍ, يتم من خلال الاعتبارات التالية:
1 - قد يكون الارتباط ظاهراً:
2 - قد لا يكون الارتباط ظاهراً، بل يبدو لأول وهلةٍ, أن كل آية أو جملة مستقلةٍ, عن الأخرى، وهاهنا: - إما أن تكون معطوفةٌ على الأولى بحرفٍ, من حروف العطف المشتركة في الحكم، ويندرج في هذا ما يسمى ربط التضاد أو المقابلة، كأن يذكر نوعين متضادين، كذكر المؤمنين والكافرين، والخير والشر، والعلم والجهل، والظلمات والنور، وطريق الهداية وطريق الغواية، ومصير الكافرين ومصير الأتقياء المؤمنين، والظلم والعدل، والبخل و الإنفاق، والطيب والخبيث، وهذا كثير جداً في القرآن الكريم.
- وإما أن لا تكون معطوفة، فلا بد من قرينةٍ, معنويةٍ, تؤذن بالربط ومن ذلك إلحاق النظير بالنظير، كما في قوله - تعالى -: ((كما أخرجك ربك من بيتك بالحق)) في سورة الأنفال، فكراهيتهم لما فعله - عليه الصلاة والسلام - في قسمة الغنائم، ككراهيتهم للخروج للقتال.
ومنه أيضاً: الاستطراد، وهذا يلاحظ في كثير من سور القرآن فإذا تحدث عن قصة آدم يستطرد لما يتبع ذلك من أمور[16] وكذلك في الحديث عن عصيان إبليس لربه، أو ذكر قصص الأنبياء وهكذا.
وبعد هذا العرض النظري المسهب لموضوع التناسب وترتيب سور القرآن، فهذا أوان الشروع في بيان الأدلة لإثبات المناسبة[17].
التناسب بين السور[18]:
- وجه المناسبة بين سورة الفاتحة وأول سورة البقرة:
أرشد الله - تعالى - عباده في سورة الفاتحة إلى أن يسألوه الهداية، بقوله: ((اهدنا الصراط المستقيم)) فاستجاب لهم - سبحانه - فقال: ((ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين))، فهذا القرآن هو طريقة الهداية الكبرى.
- وجه المناسبة بين آخر سورة البقرة وأول سورة آل عمران:
ختمت السورة المتقدمة على سؤال النصر: ((وانصرنا على القوم الكافرين))، وفي مفتتح هذه السورة بيّن نصرتهم على الكفار باللسان والسنان.
ووجه آخر للربط بين السور الثلاث (الفاتحة – البقرة – آل عمران)، قال - تعالى -: ((اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)) فالذين أنعم الله عليهم هم المؤمنون، والذين غضب الله عليهم هم اليهود ولذلك فقد كان الحديث عنهم وخطابهم أكثر في سورة البقرة، والضالون هم النصارى فكثر خطابهم في سورة آل عمران.
- وجه الترابط بين آخر سورة آل عمران و أول سورة النساء:
أن كليهما مشترك في الأمر بالتقوى، إذ انتهت سورة آل عمران على قوله - تعالى -: ((واتقوا الله لعلكم تفلحون)) وابتدأت سورة النساء بقوله - تعالى -: ((يا أيها الناس اتقوا ربكم)).
ولما كثر ذكر الجهاد في السورتين السابقتين، ذكر في هذه السورة مسألةً هامةً لا يتحقق الجهاد بدونها هذه المسألة تتعلق بالعدالة الاجتماعية وهي إنصاف المرأة وإعطاؤها حقها ورعاية حقوق اليتامى و الأرامل والمساكين والرأفة بهم والعطف عليهم وعدم ظلمهم، إذ الجهاد المشروع والنتيجة المرجوة منه لا يتحقق ما لم يكن المسلمون يداً واحدةً على العدو.
- وجه التناسب بين آخر سورة الأعراف وأول سورة الأنفال:
ختمت السورة المتقدمة بذكر الله في كل حال: ((واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين))، وبدأت سورة الأنفال بترك الانشغال بحطام الدنيا والسؤال عن الغنائم: ((إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم)).
- وجه الارتباط بين آخر سورة الحجر وأول سورة النحل:
قال - تعالى - في آخر سورة الحجر: ((ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون، فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)). وقال في أول سورة النحل: ((أتى أمر الله فلا تستعجلوه - سبحانه -)) أي ما دام أن أمر الله - تعالى - آتٍ, فلا يضيق صدرك بما يقولون، فالذي خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان من نطفةٍ, ينزل الملائكة بالروح على من يشاء من عباده فهو الذي يصطفى الرسل.
- وجه التناسب بين آخر سورة الواقعة وأول سورة الحديد:
قال - تعالى - في آخر سورة الواقعة: ((فسبح باسم ربك العظيم))، وقال في أول سورة الحديد: ((سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم)) فالمناسبة والارتباط ظاهر.
- وجه التناسب بين آخر سورة التحريم و أول سورة تبارك:
لما ثبت في السورة المتقدمة (التحريم) أن نوحاً ولوطاً عليهما السلام مع كونهما من الأنبياء لم يستطيعا أن ينقذا أزواجهما من النار، ولم يباركا فيهما.
وأن فرعون رغم جبروته وسعة ملكه وقوة سطوته لم يستطع أن يخضع زوجته ويجعلها تابعةً لكفره وشركه فقد باركها الله، و أن مريم بنت عمران باركها الله واصطفاها على نساء العالمين، فثبت أن البركة كلها إنما هي بيد الله - عز وجل - لا يشاركه فيها أحد، ف ((تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير)).
التناسب بين السور من القارعة إلى الناس:
ذكر في سورة القارعة أحوال الساعة وشدائدها، وبعد ذكر هذه الشدائد الآتية في الساعة كان لكم أن تعتبروا وتتعظوا وتعملوا الصالحات ولكن (ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر).
وبعد بذل الجهد في التكاثر، فإن حصل لأحد مال كثير يزعم أنه فاز كلا ((والعصر، إن الإنسان لفي خسر))، فالفائزون هم المؤمنون الذين ((وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)).
أما المكتنزون مالاً ف ((ويل لكل همزة لمزة، الذي جمع مالا وعدده)) فلو كان المال يغني عن أحد لأغنى عن أصحاب الفيل ((ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل)) وبعد ذكر ما أحله الله بأصحاب الفيل، فهذه نعمةٌ من الله على أهل قريش ((لإيلاف قريش، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف)).
ومن أنعم الله عليه إذ أطعمهم من جوعٍ, وآمنهم من خوف، عليه أن ينفق في سبيل الله ويرعى اليتيم ويحض على طعام المسكين ولكنهم كذبوا بالدين، ((أرأيت الذي يكذب بالدين)) وهذا شأن كفار قريش و أما النبي فقد كان يصل الرحم وينصر المظلوم ويعين على نوائب الحق ف ((إنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك وانحر، إن شانئك هو الأبتر)).
فاقطع موالاتهم و ((قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون)).
وهذا أوان تمام دينك وكماله وقد جاء الحق وزهق الباطل ((إذا جاء نصر الله والفتح)) فقد حان وقت ارتحالك من الدنيا ((فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا)).
وإذا رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فقد ثبت أن ((تبت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب)). فأعلن ما جئت به ((قل هو الله أحد، الله الصمد)).
و ((قل أعوذ برب الفلق)) و ((قل أعوذ برب الناس)).
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] موقع مداد: (https://2u.pw/zJrye).
[2] - مسند أحمد: رقم الحديث [17842].
[3] - البرهان [1/256].
[4] - انظر دلائل النظام ص39 لعبد الحميد الفراهي.
[5] - البرهان [1/37].
[6] - معترك الأقران في إعجاز القرآن [1/43].
[7] - مناهل العرفان [1/53].
[8] - النبأ العظيم [195].
[9] - صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن. باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم -. رقم الحديث [4997].
[10] - صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن. باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم -. رقم الحديث [4998].
[11] - رواه بن كثير في فضل القرآن وصحح إسناده.
[12] - رواه أبو داود. كتاب شهر رمضان. حديث رقم [1390] وفي المسند برقم [16111].
[13] - رواه أبو داود. كتاب شهر رمضان. حديث رقم [1387].
[14] - من هدي سورة الأنفال ص21، 22.
[15] - انظر الإعجاز البياني في ترتيب آيات القرآن وسوره. د/ محمد أحمد يوسف القاسم.
[16] - انظر معترك الأقران في إعجاز القرآن [1/45،46].
[17] - المراجع التي اعتمدت عليها في استخراج المناسبات (تفسير الرازي وسبق الغايات في نسق الآيات لأشرف علي التهانوي: وأنوار التبيان في إسرار القرآن للقاضي شمس الدين بن شير محمد.
[18] - اقتصرت على ذكر بعض الأدلة للتناسب من مواضع مختلفة في القرآن، من أوله ووسطه وآخره.التناسب في أسلوب القرآن الكريم [1] الكاتب: حكمت الحريري القرآن الكريم يستحوذ على السمع ويؤثر في النفوس سلباً أو إيجاباً، وذلك حسب طبيعتها فاجرةً أو تقيةً ((ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها))، فإن كانت فاجرةً فهي تنفر من القرآن وتشمئز منه، وإن كانت تقيةً فهي خاشعةٌ ووجلةٌ لذكر الله. فإن قيل: ما سر توجهك للحديث عن تأثير القرآن في النفوس واستحواذه على السمع قبل غيره من وجوه الإعجاز؟ فأقول: لتدرك الحكمة في الخطاب الإلهي الذي يبدأ بذكر السمع قبل غيره من الحواس فقال - تعالى -: ((إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا))، وقال: ((وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون)) [ النحل: 78 ]. فلتكن أيها العاقل ممن قال الله - تعالى - فيهم: ((ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا)) [ آل عمران: 193 ]، ((ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون)). ولا كالذي ((يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها)) [ الجاثية: 8 ] فأقبل ولا تخف، و ((كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم)) [المائدة: 15 - 16]. فدعنا نتأمل هذا البناء الإلهي المعجز تأملاً صادقاً، وننظر فيه بإمعانٍ, فلا توغل في الدخول إليه دفعةً واحدة، بل خطوةً إثر خطوةٍ, لتعقل ما تقف عليه وما تشاهده من أمور تثير إعجابك وتملك عليك سمعك وبصرك، تدبر في حدود سور هذا الكتاب العظيم، على الإطار العام فيها، ارتباط السورة بما قبلها وما بعدها، فهذا أحد أمور الإعجاز للقرآن الكريم. إذ أن القرآن نزل منجماً في أجزاءٍ, طويلةٍ, و أخرى قصيرةٍ, خلال ثلاثٍ, وعشرين سنةً، إلا أن هذه الأجزاء رتبت ترتيباً لا مثيل له على الإطلاق في أي كتابٍ, من كتب الأدب أو العلوم التي هي من تصنيف البشر. فسور القرآن الكريم لم ترتب حسب موضوعاتها، ولا حسب زمن نزولها، إنما للقرآن طريقته المستقلة المخالفة لما هو مألوفٌ عند البشر في الكتب والمصنفات. عندما كان ينزل الوحي على الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالآيات كان الرسول - عليه الصلاة والسلام - يأمر بعض من يكتب الوحي بوضعها في مواضع محددة من السور التي لم تكن قد اكتملت بعد، وبمجرد وضع الآية أو الآيات في موضعٍ, ما فإنها تبقى ثابتةً في موضعها الذي أمر - عليه الصلاة والسلام - بوضعها فيه من السورة دون أن يطرأ على ذلك الوضع تصحيحٌ أو تعديل، وهذا أكبر دليلٍ, وأسطع برهانٍ, على ربانية هذا الكتاب ((وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين)) [ الشعراء:192 - 195]، وقال - تعالى -: ((وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً)). عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالساً إذ شخص ببصره ثم صوّبه حتى كاد أن يلزقه بالأرض قال: ثم شخص ببصره فقال: \"أتاني جبريل - عليه السلام - فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة ((إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)) [2]. قال الزركشي: فأما الآيات في كل سورةٍ, ووضع البسملة أوائلها فترتيبها توقيفيٌ بلا شكٍ, ولا خلاف فيه[3]. ترتيب السور في القرآن الكريم: قد مرّ معنا أن ترتيب القرآن لا مثيل له على الإطلاق في الكتب والمصنفات، فلم يرتب حسب الترتيب الزماني ولا حسب الموضوعات إنما له طريقته الخاصة. لكن بعض العلماء غفر الله لهم يذكر أن ترتيب السور اجتهاديٌ بخلاف ترتيب الآيات، وبعضهم يذكر أن ترتيب السور بعضه توفيقي اجتهادي وبعضه توقيفي وعمدتهم في ذلك الاستدلال بحديثٍ, يرويه يزيد الفارسي عن ابن عباس و سنأتي للكلام على هذا الحديث. وبناءً على ما تقدم من قول بعضهم أن الترتيب توفيقي، فقد قالوا لا فائدة من البحث عن التناسب والارتباط بين الآيات والسور لأن القرآن نزل منجماً في مدة ثلاثٍ, وعشرين سنةً وفي مناسباتٍ, مختلفة. ولكن هذا الكلام لا يسلم من الاعتراض عليه بل يجنح عن الصواب إذا قلنا أن القرآن من أهم المعجزات الشاهدة على رسالة خاتم النبيين - عليه الصلاة والسلام - بل هي أبقى المعجزات وأبينها، ومعلوم بالبداهة أن حسن الترتيب من أكبر محاسن الكلام البليغ، ونحن نعتقد بأن القرآن معجزٌ فهل نرضى بأن يكون عارياً عن حسن الترتيب والتناسق؟!! وكيف نترك النظر في فهم ارتباط معانيه وتناسق آياته وسوره وإتقان ترتيبها؟ والله - عز وجل - أمرنا بتدبر هذا الكتاب الكريم فقال: ((أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً)) وقد وصف الله - تعالى - هذا الكتاب بكونه محكماً ((قرآناً عربياً غير ذي عوج لعلهم يتقون)) [ الزمر: 28]، وقال - تعالى -: ((وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً)). فكونه أنزل على مدى سنين متطاولةٍ, وبمناسباتٍ, مختلفةٍ, متفاوتة، فهذا دليل بين على إعجازه لأنه كلام عالم الغيب والشهادة: ((قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً)). وربما يحط عندك قدر خطيب مصقع أتى بفنون من البلاغة وأثر في النفوس بخلابة بيانه لمحض أنه ذهل عن ربط الكلام فهام من وادٍ, إلى وادٍ,، مع أنه معذور لأنه ألقى خطبته ارتجالاً ولم يعمل فيها النظر والروية، وما مؤاخذاتك لذلك الخطيب إلا لأن الكلام البليغ لا يحتمل سوء الترتيب، فإذا كان الأمر كذلك، أليس من الموقن بإعجاز القرآن أن يثبت حسن نظمه وإحكام ترتيبه وتناسق آياته وسوره؟![4] ماذا قال العلماء في موضوع التناسب والترتيب؟ - قال الفخر الرازي:\"علم المناسبات علمٌ عظيم أودعت فيه أكثر لطائف القرآن وروائعه وهو أمر معقول إذا عرض على العقول تلقته بالقبول\". - وقال الزركشي: \"وقال بعض مشايخنا المحققين: وقد وهم من قال: لا يطلب للآي الكريمة مناسبةٌ لأنها على حسب الوقائع المتفرقة وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلاً وعلى حسب الحكمة ترتيباً، فالمصحف كالصحف الكريمة على وفق ما في الكتاب المكنون مرتبةً سوره كلها و آياته بالتوقيف\"[5]. - وفي معترك الأقران للسيوطي: إذا اعتبرت افتتاح كل سورة وجدته في غاية المناسبة لما ختم به السورة قبلها، ثم هو يخفى تارةً ويظهر أخرى. [1/52]. - وقال السيوطي: علم المناسبة علم شريف قلّ اعتناء المفسرين به لدقته[6]. - وقال الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني: إن القرآن تقرؤه من أوله إلى آخره، فإذا هو محكم السرد، دقيق السبك، متين الأسلوب، قوي الاتصال، آخذٌ بعضه برقاب بعض في سوره وآياته وجمله، يجري دم الإعجاز فيه كله من ألفه إلى يائه، كأنه سبيكةٌ واحدةٌ ولا يكاد يوجد بين أجزائه تفكك ولا تخاذل، كأنه حلقةٌ مفرغة، أو كأنه سمطٌ وحيد وعقدٌ فريد يأخذ بالأبصار، نظمت حروفه وكلماته، ونسقت جمله وآياته، وجاء آخره مساوقاً لأوله، وبدا أوله مواتياً لآخره[7]. - وقال الشيخ محمد عبد الله دراز: (أجل إنك لتقرأ السورة الطويلة المنجمة يحسبها الجاهل أضغاثاً من المعاني حشيت حشواً وأوزاعاً من المباني جمعت عفواً، فإذا هي لو تدبرت بنية متماسكة قد بنيت من المقاصد الكلية على أسسٍ, و أصول،ٍ, وأقيم على كل أصلٍ, منها شعب وفصول، و امتد من كل شعبةٍ, منها فروعٌ تقصر أو تطول، فلا تزال تنتقل بين أجزائها كما تنتقل بين حجرات وأفنية في بنيانٍ, واحدٍ, قد وضع رسمه مرةً واحدةً، لا تحس بشيءٍ, من تناكر الأوضاع في التقسيم والتنسيق، ولا بشيءٍ, من الانفصال في الخروج من طريقٍ, إلى طريقٍ,، بل ترى بين الأجناس المختلفة تمام الألفة، كما ترى بين آحاد الجنس الواحد نهاية التضام، والالتحام، كل ذلك بغير تكلفٍ, ولا استعانةٍ, بأمرٍ, من خارج المعاني أنفسها، إنما هو حسن السياقة ولطف التمهيد في مطلع كل غرضٍ, ومقطعه وأثنائه يريك المنفصل متصلاً والمختلف مؤتلفاً[8]. وغير هؤلاء من العلماء كثيرٌ من المتقدمين و المتأخرين الذين يهتمون بعلم التناسب والربط بين السور و الآيات. الأدلة من الكتاب والسنة على أن ترتيب السور توقيفي: والأدلة التي استند إليها العلماء القائلون بأن ترتيب السور توقيفي وليس اجتهادي، كثيرةٌ منها: قوله - تعالى -: ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)). وقوله: ((كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير)). وقوله: ((ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً)). وقوله: ((إن علينا جمعه وقرآنه)) والجمع كما قال المفسرون على معنيين: جمعه في صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وجمعه بمعنى تأليفه. وفي الحديث عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلةٍ, من شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة[9]. وعن أبي هريرة قال: كان يعرض على النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن كل عامٍ, مرةً فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف في كل عامٍ, عشراً فاعتكف في العام الذي قبض فيه عشرين[10]. وعن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملةً واحدةً إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة، ثم قرأ: ((وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً)) [11]. وقال أوس بن حذيفة الثقفي: سألت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف تحزّبون القرآن؟ قالوا: ثلاثٌ وخمسٌ وسبعٌ وتسعٌ وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل وحده[12]. وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: (يا رسول الله في كم أقرأ القرآن؟ قال في شهر، قال: إني أقوى من ذلك. ردد الكلام أبو موسى وتناقصه حتى قال: اقرأه في سبع، قال: إني أقوى من ذلك. قال: لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث) [13]. في ردّ أدلة القائلين بأن ترتيب السور اجتهادي اعتمد القائلون بأن ترتيب السور مسألةٌ توفيقيةٌ اجتهادية على حديثٍ, رواه يزيد الفارسي عن ابن عباس وهذا نصه: عن يزيد الفارسي قال: سمعت ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان ما حملكم أن عمدتم إلى براءة وهي من المئين و إلى الأنفال وهي من المثاني فجعلتموها في السبع الطوال ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال عثمان: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مما تنزل عليه الآيات فيدعو بعض من كان يكتب له ويقول له: ضع هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وتنزل عليه الآية و الآيتان فيقول مثل ذلك وكانت الأنفال من أول ما نزل عليه بالمدينة وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها، فمن هناك وضعتهما في السبع الطوال ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم. هذا الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان وأحمد. قال الشيخ أحمد شاكر في تخريجه وتعليقه عليه في المسند رقم [399]: في إسناده نظرٌ كثيرٌ، بل هو عندي ضعيفٌ جداً، بل هو حديثٌ لا أصل له يدور إسناده في كل رواياته على (يزيد الفارسي) الذي رواه عن ابن عباس، تفرد به عنه عوف بن أبي جميلة الأعرابي. وهو ثقة. ثم قال الشيخ أحمد شاكر: فهذا يزيد الفارسي الذي انفرد برواية هذا الحديث يكاد يكون مجهولاً حتى شبّه على مثل ابن مهدي وأحمد والبخاري أن يكون هو ابن هرمز أو غيره، ويذكره البخاري في الضعفاء فلا يقبل منه مثل هذا الحديث ينفرد به، وفيه تشكيكٌ في معرفة سور القرآن الثابتة بالتواتر القطعي قراءةً وسماعاً وكتابةً في المصاحف وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور، كأن عثمان كان يثبتها برأيه وينفيها برأيه وحاشاه من ذلك فلا علينا إذا قلنا أنه حديثٌ لا أصل له تطبيقاً للقواعد الصحيحة التي لا خلاف فيها بين أئمة الحديث. ثم قال الشيخ محمد أمين المصري بعد أن نقل كلام الشيخ أحمد شاكر وغيره من العلماء المحققين كالعلامة محمد رشيد رضا. قال: \"وبعد هذا البحث الذي لا ندعي له الكمال و الاستيفاء نريد أن نخلص إلى أن الذي نؤمن به من غير ريبٍ, أن الذي بين دفتيّ المصحف كتاب الله جل شأنه أنزله على نبيه لا مدخل للبشر في صفةٍ, من أوصافه ولا في حرفٍ, من حروفه ولا مجال للاجتهاد في ترتيب آياته ولا في ترتيب سوره بحيث أثبتت البسملة فإنما أثبتت بأمر الله، وحيث حذفت فإنما وقع ذلك بأمر الله\". وإنما الريب في مثل هذه الرواية التي سبق ذكرها التي تحيط بها الشكوك وتحفها الأوهام، ومن عجبٍ, أن ينطلي أمر مثل هذه الرواية على بعض العلماء، كما مرّ لدى البيهقي والسيوطي ولعلهما أخذا بتحسين من حسنها وتصحيح من صححها والعصمة من الخطأ لله وحده[14]. أ. ه. وهل من أدلةٍ, أخرى للقائلين بعدم كون الترتيب توقيفياً؟ نعم، مما استدلوا به أيضاً اختلاف مصاحف الصحابة فمنهم من رتبها على حسب زمن النزول كمصحف علي رضي الله عنه، ومصحف عبد الله بن مسعود كان أوله سورة البقرة ثم النساء ثم آل عمران. والجواب: أن تلك المصاحف مصاحف علمٍ, وتأويل قصدوا بها ضبط وقائعٍ, معينةٍ,، وكان فيها المنسوخ تلاوةً، فلم تكن تلك المصاحف مصاحف تلاوة. ولو كان ترتيب سور القرآن الذي جمع عثمان الناس على أساسه قائماً على الاجتهاد لما قبل هؤلاء الصحابة بتسليم مصاحفهم وعرضها للتحريق والتنازل عنها ولو كانت المسألة مسألة اجتهاد لتمسكوا باجتهادهم، إذ لا يلزم المجتهد أن يقلد مجتهداً آخر[15]. أنواع التناسب في القرآن: مناسبة السورة للسورة التي تليها. التناسب بين مطلع السورة وختامها. المناسبة بين الآيات. الوحدة الموضوعية لكل سورة. التنسيق في تأليف العبارات بتخير الألفاظ ثم نظمها في نسقٍ, خاصٍ, يبلغ من خلالها أرقى درجات الفصاحة. ما الفائدة المرجوة من اعتبار ترتيب السور توقيفياً؟ وما الثمرة التي نجنيها من خلال التناسب والربط بين الآيات والسور؟ في إثبات توقيفية ترتيب سور القرآن إثباتٌ وتأكيدٌ لمعنى قوله - تعالى -: ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)) فلم يكن حفظ القرآن وصونه موكول لأحدٍ, من البشر. وفيه أيضاً ردُّ للشبه التي يثيرها الروافض والمستشرقون حول جمع القرآن، والزيادة فيه والنقص منه كما يزعمون!! قبحهم الله. ومن ثمرات هذا العلم الالتفات إلى الحكمة من هذا الترتيب والاهتمام باستخراج المعاني و الحكم و لطائف النكات التي لا يتوصل إليها إلا بالتماس المناسبة والربط. كيفية التعرف على التناسب والربط بين السور والآيات، وبيان أسبابه: لمعرفة المناسبة و ارتباط السور والآيات بعضها ببعضٍ, يتم من خلال الاعتبارات التالية: 1 - قد يكون الارتباط ظاهراً: 2 - قد لا يكون الارتباط ظاهراً، بل يبدو لأول وهلةٍ, أن كل آية أو جملة مستقلةٍ, عن الأخرى، وهاهنا: - إما أن تكون معطوفةٌ على الأولى بحرفٍ, من حروف العطف المشتركة في الحكم، ويندرج في هذا ما يسمى ربط التضاد أو المقابلة، كأن يذكر نوعين متضادين، كذكر المؤمنين والكافرين، والخير والشر، والعلم والجهل، والظلمات والنور، وطريق الهداية وطريق الغواية، ومصير الكافرين ومصير الأتقياء المؤمنين، والظلم والعدل، والبخل و الإنفاق، والطيب والخبيث، وهذا كثير جداً في القرآن الكريم. - وإما أن لا تكون معطوفة، فلا بد من قرينةٍ, معنويةٍ, تؤذن بالربط ومن ذلك إلحاق النظير بالنظير، كما في قوله - تعالى -: ((كما أخرجك ربك من بيتك بالحق)) في سورة الأنفال، فكراهيتهم لما فعله - عليه الصلاة والسلام - في قسمة الغنائم، ككراهيتهم للخروج للقتال. ومنه أيضاً: الاستطراد، وهذا يلاحظ في كثير من سور القرآن فإذا تحدث عن قصة آدم يستطرد لما يتبع ذلك من أمور[16] وكذلك في الحديث عن عصيان إبليس لربه، أو ذكر قصص الأنبياء وهكذا. وبعد هذا العرض النظري المسهب لموضوع التناسب وترتيب سور القرآن، فهذا أوان الشروع في بيان الأدلة لإثبات المناسبة[17]. التناسب بين السور[18]: - وجه المناسبة بين سورة الفاتحة وأول سورة البقرة: أرشد الله - تعالى - عباده في سورة الفاتحة إلى أن يسألوه الهداية، بقوله: ((اهدنا الصراط المستقيم)) فاستجاب لهم - سبحانه - فقال: ((ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين))، فهذا القرآن هو طريقة الهداية الكبرى. - وجه المناسبة بين آخر سورة البقرة وأول سورة آل عمران: ختمت السورة المتقدمة على سؤال النصر: ((وانصرنا على القوم الكافرين))، وفي مفتتح هذه السورة بيّن نصرتهم على الكفار باللسان والسنان. ووجه آخر للربط بين السور الثلاث (الفاتحة – البقرة – آل عمران)، قال - تعالى -: ((اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)) فالذين أنعم الله عليهم هم المؤمنون، والذين غضب الله عليهم هم اليهود ولذلك فقد كان الحديث عنهم وخطابهم أكثر في سورة البقرة، والضالون هم النصارى فكثر خطابهم في سورة آل عمران. - وجه الترابط بين آخر سورة آل عمران و أول سورة النساء: أن كليهما مشترك في الأمر بالتقوى، إذ انتهت سورة آل عمران على قوله - تعالى -: ((واتقوا الله لعلكم تفلحون)) وابتدأت سورة النساء بقوله - تعالى -: ((يا أيها الناس اتقوا ربكم)). ولما كثر ذكر الجهاد في السورتين السابقتين، ذكر في هذه السورة مسألةً هامةً لا يتحقق الجهاد بدونها هذه المسألة تتعلق بالعدالة الاجتماعية وهي إنصاف المرأة وإعطاؤها حقها ورعاية حقوق اليتامى و الأرامل والمساكين والرأفة بهم والعطف عليهم وعدم ظلمهم، إذ الجهاد المشروع والنتيجة المرجوة منه لا يتحقق ما لم يكن المسلمون يداً واحدةً على العدو. - وجه التناسب بين آخر سورة الأعراف وأول سورة الأنفال: ختمت السورة المتقدمة بذكر الله في كل حال: ((واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين))، وبدأت سورة الأنفال بترك الانشغال بحطام الدنيا والسؤال عن الغنائم: ((إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم)). - وجه الارتباط بين آخر سورة الحجر وأول سورة النحل: قال - تعالى - في آخر سورة الحجر: ((ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون، فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)). وقال في أول سورة النحل: ((أتى أمر الله فلا تستعجلوه - سبحانه -)) أي ما دام أن أمر الله - تعالى - آتٍ, فلا يضيق صدرك بما يقولون، فالذي خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان من نطفةٍ, ينزل الملائكة بالروح على من يشاء من عباده فهو الذي يصطفى الرسل. - وجه التناسب بين آخر سورة الواقعة وأول سورة الحديد: قال - تعالى - في آخر سورة الواقعة: ((فسبح باسم ربك العظيم))، وقال في أول سورة الحديد: ((سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم)) فالمناسبة والارتباط ظاهر. - وجه التناسب بين آخر سورة التحريم و أول سورة تبارك: لما ثبت في السورة المتقدمة (التحريم) أن نوحاً ولوطاً عليهما السلام مع كونهما من الأنبياء لم يستطيعا أن ينقذا أزواجهما من النار، ولم يباركا فيهما. وأن فرعون رغم جبروته وسعة ملكه وقوة سطوته لم يستطع أن يخضع زوجته ويجعلها تابعةً لكفره وشركه فقد باركها الله، و أن مريم بنت عمران باركها الله واصطفاها على نساء العالمين، فثبت أن البركة كلها إنما هي بيد الله - عز وجل - لا يشاركه فيها أحد، ف ((تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير)). التناسب بين السور من القارعة إلى الناس: ذكر في سورة القارعة أحوال الساعة وشدائدها، وبعد ذكر هذه الشدائد الآتية في الساعة كان لكم أن تعتبروا وتتعظوا وتعملوا الصالحات ولكن (ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر). وبعد بذل الجهد في التكاثر، فإن حصل لأحد مال كثير يزعم أنه فاز كلا ((والعصر، إن الإنسان لفي خسر))، فالفائزون هم المؤمنون الذين ((وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)). أما المكتنزون مالاً ف ((ويل لكل همزة لمزة، الذي جمع مالا وعدده)) فلو كان المال يغني عن أحد لأغنى عن أصحاب الفيل ((ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل)) وبعد ذكر ما أحله الله بأصحاب الفيل، فهذه نعمةٌ من الله على أهل قريش ((لإيلاف قريش، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف)). ومن أنعم الله عليه إذ أطعمهم من جوعٍ, وآمنهم من خوف، عليه أن ينفق في سبيل الله ويرعى اليتيم ويحض على طعام المسكين ولكنهم كذبوا بالدين، ((أرأيت الذي يكذب بالدين)) وهذا شأن كفار قريش و أما النبي فقد كان يصل الرحم وينصر المظلوم ويعين على نوائب الحق ف ((إنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك وانحر، إن شانئك هو الأبتر)). فاقطع موالاتهم و ((قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون)). وهذا أوان تمام دينك وكماله وقد جاء الحق وزهق الباطل ((إذا جاء نصر الله والفتح)) فقد حان وقت ارتحالك من الدنيا ((فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا)). وإذا رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فقد ثبت أن ((تبت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب)). فأعلن ما جئت به ((قل هو الله أحد، الله الصمد)). و ((قل أعوذ برب الفلق)) و ((قل أعوذ برب الناس)). وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] موقع مداد: (https://2u.pw/zJrye). [2] - مسند أحمد: رقم الحديث [17842]. [3] - البرهان [1/256]. [4] - انظر دلائل النظام ص39 لعبد الحميد الفراهي. [5] - البرهان [1/37]. [6] - معترك الأقران في إعجاز القرآن [1/43]. [7] - مناهل العرفان [1/53]. [8] - النبأ العظيم [195]. [9] - صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن. باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم -. رقم الحديث [4997]. [10] - صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن. باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم -. رقم الحديث [4998]. [11] - رواه بن كثير في فضل القرآن وصحح إسناده. [12] - رواه أبو داود. كتاب شهر رمضان. حديث رقم [1390] وفي المسند برقم [16111]. [13] - رواه أبو داود. كتاب شهر رمضان. حديث رقم [1387]. [14] - من هدي سورة الأنفال ص21، 22. [15] - انظر الإعجاز البياني في ترتيب آيات القرآن وسوره. د/ محمد أحمد يوسف القاسم. [16] - انظر معترك الأقران في إعجاز القرآن [1/45،46]. [17] - المراجع التي اعتمدت عليها في استخراج المناسبات (تفسير الرازي وسبق الغايات في نسق الآيات لأشرف علي التهانوي: وأنوار التبيان في إسرار القرآن للقاضي شمس الدين بن شير محمد. [18] - اقتصرت على ذكر بعض الأدلة للتناسب من مواضع مختلفة في القرآن، من أوله ووسطه وآخره.1
0
- فضل علم التفسير وحاجة الأمة إليه *
الكاتب: عبد العزيز بن داخل المطيري
الحمد لله الذي أنزل إلينا كتابه العظيم رحمة وذكرى، وهدى وبشرى، فأنار به السبيل، وأقام به الحجة، وفرق به بين الحق والباطل، ورفع به من شاء من عباده، وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلا. والصلاة والسلام على إمام المتقين، وأسوة المؤمنين، نبينا الأمين، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. أما بعد: فإن علم التفسير من أشرف العلوم وأجلها، وأعظمها بركة، وأوسعها معرفة، وحاجة الأمة إليه ماسة، وقد شرف الله أهل التفسير ورفع مكانهم وجعلهم مرجعاً لعباده في فهم كلامه ومعرفة مراده وكفى بذلك فضلاً وشرفاً. وعلم طالب العلم بفضل علم التفسير وعلو شأنه وجلالة قدره مما يعين على إقبال النفس على تعلمه وأخذه بقوة وجد واجتهاد. وفضائل علم التفسير كثيرة، وفائدته لطالب العلم في نفسه خاصة، ولأمته عامة عظيمة جليلة. قال الله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّـهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ . يَهْدِي بِهِ اللَّـهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [المائدة:15-16]. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا . فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّـهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [النساء:174-175]. وحديثنا عن فضائل علم التفسير سيكون في وجوه مهمة تدل اللبيب على ما ورائها، ويكفي التذكير بأصولها عن سرد فروعها. 1- فأصل فضائل التفسير هو أنه معين على فهم كلام الله عز وجل؛ ومعرفة مراده، ومن أوتي فهم القرآن فقد أوتي خيراً كثيراً. وفي صحيح البخاري وغيره من حديث أبي جحيفة السوائي قال: قلت لعلي رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في الصحيفة. قال: العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافرٍ. ففهم القرآن معين لا ينضب، إذ يستخرج به من العلم شيء كثير مبارك، والناس يتفاوتون في فهم القرآن تفاوتاً كبيراً. قال ابن القيم: "والمقصود تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص وأن منهم من يفهم من الآية حكما أو حكمين، ومنهم من يفهم منها عشرة أحكام أو أكثر من ذلك، ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سياقه ودون إيمائه وإشارته وتنبيهه واعتباره، وأخص من هذا وألطف ضمه إلى نص آخر متعلق به؛ فيفهم من اقترانه به قدرا زائدا على ذلك اللفظ بمفرده وهذا باب عجيب من فهم القرآن لا يتنبه له إلا النادر من أهل العلم؛ فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلقه به، وهذا كما فهم ابن عباس من قوله: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف من الآية:15] مع قوله: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة من الآية:233] أن المرأة قد تلد لستة أشهر، وكما فهم الصديق من آية الفرائض في أول السورة وآخرها أن الكلالة من لا ولد له ولا والد" ا.هـ. والمقصود أن فهم القرآن يفتح لطالب العلم أبواباً من العلم يغفل عنها غيره، بل ربما سمع كلمة من رجل فذكرته بآية كان يتأملها فينفتح له بذلك باب أو أبواب من العلم، وهذه مرتبة عزيزة، كما قال عكرمة مولى ابن عباس: "إني لأخرج إلى السوق، فأسمع الرجل يتكلم بالكلمة فينفتح لي خمسون بابا من العلم" (رواه ابن سعد في الطبقات من طريق ابن علية عن أيوب عن عكرمة، وهذا إسناد صحيح). وعكرمة قال فيه سلام بن مسكين: كان أعلم الناس بالتفسير. وقال الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة. ومن أسباب سعة علم عكرمة بالتفسير ما أوتيه من فهم القرآن حتى إنه كان يذكر لابن عباس بعض الأوجه في التفسير فيستحسنها ابن عباس ويجيزه عليها بجائزة. وسبيل فهم القرآن هو معرفة تفسيره. نقل ياقوت الحموي في معجم الأدباء عن أبي بكر بن مجاهد أنه قال: سمعت أبا جعفر-يريد شيخه محمد بن جرير الطبري- يقول: "إني أعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله كيف يلتذذ بقراءته؟". والمقصود أن من أجل فضائل علم التفسير أنه يعين على فهم القرآن الذي هو رسالة الله إلينا. 2- أن أشرف الكلام وأحسنه وأصدقه وأعظمه بركة وفضلا هو كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وقد روي أن: فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه. فالاشتغال بالتفسير اشتغال بأفضل الكلام وأحسنه وأعظمه بركة، وهو كلام الله عز وجل، ولا يزال العبد ينهل من هذا العلم ويستزيد منه حتى يجد بركته في نفسه وأهله وماله: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص:29]. 3- أن الله فضل العلم وشرفه وشرف أهله ورفع درجتهم، والعلم بالقرآن هو أفضل العلوم وأجمعها، وقد فصل الله في القرآن كل شيء؛ فمن ابتغى العلم من أفضل أبوابه وأحسنها فعليه بتدبر القرآن وفهمه ومعرفة معانيه. وهذا أمر معلوم لمن اشتغل بتفسير القرآن فإنه يجد فيه من أنواع العلوم النافعة شيئاً كثيراً مباركاً؛ فهو جامع لأنواع العلوم النافعة: - فأصول الإيمان والاعتقاد الصحيح والتعريف بالله تعالى وبأسمائه وصفاته وأفعاله وسننه في خلقه مبينة في القرآن. -وأصول الأحكام الفقهية في مسائل العبادات والمعاملات والمواريث وأحكام الأسرة والجنايات كلها مبينة في القرآن. -أصول المواعظ والسلوك والتزكية كلها مبينة في القرآن الكريم. - وكذلك الآداب والأخلاق الكريمة والخصال الحميدة. - وفيه بيان أمور ضلت فيها أمم وطوائف كثيرة من بدء الخلق وقصص الأنبياء وأخبار بني إسرائيل كما قال الله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [النمل:76]. "يختلفون" فعل مضارع يدل على التجدد؛ فهم قد اختلفوا ولا يزالون يختلفون، وهذا القرآن يقص عليهم أكثر الذي يختلفون فيه؛ فمن فقه ما قصه الله في القرآن من أخبار بني إسرائيل حصل العلم بأكثر ما يختلفون فيه علماً يميز به صحيح أقوالهم من خطئها، ويحكم به بين أقوالهم. -ومما تضمنه القرآن من العلوم علم الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة، ففيه بيان أصول الدعوة وأنواعها ومراتبها وصفات الدعاة إلى الحق، وكشف شبهات المضلين، وأصول الاحتجاج للحق، ومعاملة المخالفين على اختلاف مراتبهم. - ومما تضمنه القرآن من العلوم علم المقاصد الشرعية والسياسة الشرعية، وكيف ترعى الرعية وتربى بالقرآن وتقاد به إلى ما فيه نجاتها وسعادتها. -وفيه بيان الهدى في كل ما يحتاج إليه العبد في شؤون حياته وكيف يتخلص من كيد الشيطان وشر النفس وفتنة الدنيا وسائر الفتن التي تعترضه، وكيف يهتدي إلى الصراط المستقيم. إلى غير ذلك من العلوم الجليلة النافعة التي ينتفع بها أحسن الانتفاع من فهم مراد الله تعالى فهم المؤمن المسترشد الصادق في اتباع الهدى. ويجمع ذلك كله قول الله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء:9].فحذف المتعلق هنا لإرادة العلوم؛ فهو يهدي للتي هي أقوم في كل شيء. وقال الله تعالى: {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}[يوسف من الآية:111]. فمن أراد الهداية فعليه بفهم القرآن. ومن أراد الرحمة فعليه بهدى القرآن. ومن أراد العلم فعليه بتدبر القرآن قال ابن القيم رحمه الله: فتدبر القرآن إن رمت الهدى *** فالعلم تحت تدبر القرآن - والمفسر يحتاج إلى التمكن من علوم كثيرة متنوعة؛ ينفتح له بها من أبواب فهم القرآن ومعرفة معانيه ما يدله على سعة علم التفسير وشرفه وتعدد معارف أهله؛ فيحتاج إلى معرفة معاني المفردات ومعاني الحروف والأساليب والإعراب والصرف والبلاغة والاشتقاق، ويحتاج إلى معرفة أصول الفقه وقواعد الترجيح والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول وأحوال النزول وفضائل الآيات والسور وأمثال القرآن والمبهمات وغيرها من العلوم المتنوعة التي يكتسبها المفسر شيئاً فشيئاً بتدرج تعلمه للتفسير. ويجد لكل علم من هذه العلوم أثره في التفسير واستخراج المعاني الجليلة واللطيفة. والمقصود أن علم التفسير من أوسع العلوم؛ فمن أقبل عليه وأحسن العناية به؛ فإنه يكتسب المعرفة الواسعة الحسنة بعلوم كثيرة. 4- ومن فضائل علم التفسير أنه يدل صاحبه على ما يعتصم به من الضلالة وقد قال الله تعالى: {وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّـهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [آل عمران من الآية:101]، وقال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّـهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [النساء:175]. وقد بين الله تعالى في كتابه كيف يكون الاعتصام به، والمفسر من أحسن الناس علماً بما يكون به الاعتصام بالله. ومما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في أعظم خطبة في الإسلام في أشرف جمع على كان وجه الأرض وذلك في خطبته في حجة الوداع قال: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله. وأنتم تسألون عنى فما أنتم قائلون». قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: «اللهم اشهد اللهم اشهد. ثلاث مراتٍ» (رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه). ونحن نشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ وأدى ونصح، وقد ترك لنا كتاب الله عصمة من الضلالة. فمن اعتصم به فلن يضل بإذن الله. والمقصود أن الاعتصام بكتاب الله لا يكون إلا بفهم ما أنزل الله فيه، واتباع ما فيه من الهدى، وسبيل ذلك معرفة تفسيره؛ وكلما كان المؤمن أكثر نصيباً من فهم مراد الله تعالى واتباعاً لما بينه الله من الهدى كان أعظم حظاً من الهداية والعصمة من الضلالة. 5- ومن فضائل التفسير أن المفسر وارث للنبي صلى الله عليه وسلم في أعظم إرثه، وهو القرآن الكريم، ومن أحسن تحمل أمانة التفسير وأحسن أداءها كان من أخص ورثة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: بلغوا عني ولو آية. وقال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّـهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [إبراهيم:4]. فالمفسر مبلغ ومبين، والبلاغ المبين هو أخص وظائف الرسل؛ فالمفسر وارث لدعوة الرسول يدعو بما دعا به الرسول صلى الله عليه وسلم ويذكر بما ذكر به، ويبشر بما بشر به، وقد قال الله تعالى: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} [ق من الآية:45]، وقال: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنعام:51]، وقال تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا} [مريم:97]. فجعل الله وظائف الرسول في البلاغ المبين الذي يتضمن البشارة والنذارة؛ كما قال الله تعالى في موضعين من كتابه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الفرقان:56] . فهو يبشر بالقرآن، وينذر بالقرآن، ويبلغ القرآن بلاغاً مبيناً، فهذا هو عماد دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وما أرسل به. والمفسر الصالح وارث لهذه الدعوة قائم بها، بل هو من أخص ورثتها إذا أحسن تحمل التفسير وأداءه؛ فهو يبلغ القرآن ويبين معانيه للناس ليهتدوا به، ويبشر به المؤمنين، وينذر به الذين ظلموا أنفسهم. وهذه هي حقيقة مقاصد إرسال الرسل. 6- ومن فضائل التفسير أن المفسر كثير الاشتغال بالقرآن ومعانيه وهداياته ؛ بل يكاد يكون أكثر وقته في مصاحبة القرآن تلاوة وتدبرا ودراسة ، وهذا من أجل أنواع مصاحبة القرآن، أن تكون مصاحبته مصاحبة تلاوة وتفقه فيه، واهتداء بهداه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه» (رواه مسلم من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه). فالمفسر الحق كثير الاشتغال بتلاوة القرآن والتفكر فيه وتدبر معانيه واستخراج كنوزه وفوائده وبدائعه حتى يعلم بذلك علماً كثيراً مباركاً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في آخر حياته لما سجن في سجن القلعة: "قد فتح الله علي في هذه المرة من معاني القرآن ومن أصول العلم بأشياء كان كثير من العلماء يتمنونها وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن" ا.هـ. وذلك لما رآه مما فتح الله عليه به من معاني القرآن. 7- ومن فضائل التفسير أنه يدخل صاحبه في زمرة خير هذه الأمة ، كما في صحيح البخاري من حديث سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال:«خيركم من تعلم القرآن وعلمه». قال: وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج قال: "وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا". وأبو عبد الرحمن السلمي واسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة ، هو القائل: "حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يقترئون من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آياتٍ فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل قالوا فعلمنا العلم والعمل" (رواه الإمام أحمد). وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعلم معانيهن والعمل بهن" (رواه ابن جرير). فدل هذا على أن تعلم القرآن يشمل تعلم ألفاظه ومعانيه واتباع هداه؛ فمن جمع هذه الأمور الثلاثة كان من خير هذه الأمة. ومعرفة معاني القرآن إنما تتحقق بمعرفة تفسيره. والكلام في فضائل التفسير يطول، ولعلنا نكتفي بهذه الأوجه التي من تأملها حق التأمل أيقن بفضل علم التفسير، وأن الاشتغال به اشتغال بخير العلوم وأجلها. ومما ينبغي أن يتفطن له أنه لا يشترط في وصف المفسر أن يكون له كتاب تفسير، فالتفسير علم وملكة؛ فمن حصل العلم الذي يكون به مفسراً وكانت له ملكة حسنة في التفسير فهو من أهل التفسير، وأما التأليف في التفسير فكثير من الأئمة المفسرين الثقات لم يؤلفوا في التفسير وهم من أحسن الناس فهماً للقرآن وقد نقلت عنهم آثار متفرقة في التفسير تدل على ما وراءها، كالإمام مالك والشافعي والإمام أحمد والبخاري وابن خزيمة وبعدهم النووي وابن تيمية وابن القيم وغيرهم لم يؤلفوا تفاسير للقرآن وكلامهم في التفسير من أنفع الكلام وأحسنه، وقد ألف في التفسير بعض الضعفاء فخلطوا، ودخل الضعف والخطأ في بعض التفاسير لأسباب كثيرة. - وكذلك ليس من شرط المفسر اليوم أن يكون له كتاب تفسير؛ بل من أحسن معرفة أصول التفسير واشتغل بالتفسير تعلما وتعليماً ودعوة فهو مفسر. حاجة الأمة إلى بيان معاني القرآن: ومن المهم تنبيه طلاب العلم إلى حاجة الأمة إلى تفسير القرآن وبيان معانيه ودعوتهم بالقرآن وتذكيرهم به وإنذارهم بما فيه من الوعيد، وتبشيرهم بما تضمنه من البشائر لمن آمن به واتبع ما فيه من الهدى، وإرشادهم إلى ما بينه الله في كتابه من الهدى الذي يفرقون به بين الحق والباطل، ومخرجاً لهم من الظلمات إلى النور، كما قال الله تعالى: {الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم:1]. - وقال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . صِرَاطِ اللَّـهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّـهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} [الشورى:52-53]. - وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَإِنَّ اللَّـهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحديد:9]. - وقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّـهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ قَدْ أَنزَلَ اللَّـهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا . رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّـهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّـهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ قَدْ أَحْسَنَ اللَّـهُ لَهُ رِزْقًا} [الطلاق:10-11]. فحاجة الأمة إلى فهم القرآن والاهتداء به ماسة، وكم من فتنة ضل بها العبد ، وضلت بها طوائف من الأمة بسبب مخالفتها لهدى الله عز وجل وما بينه في كتابه، وقد قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ اللَّـهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التوبة:115]. وقال تعالى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ} [طه من الآية:123]، وقال تعالى: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة من الآية:38]. فحاجة الناس إلى معرفة ما بينه الله في القرآن من الهدى، والحذر مما حذرهم منه أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب والنفس؛ لأن انقطاع هذه الأمور أقصى ما يصيب الإنسان بسببها أن يموت، والموت أمر محتم على كل نفس. وأما ضلاله عن هدى الله تعالى فيكون بسبب خسران آخرته التي هي حياته الحقيقية كما قال الله تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت من الآية:64]، وقال تعالى: {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ . يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [الفجر:23-24]. فكأن ما مضى من الحياة الدنيا لا يعد شيئا بالنسبة للحياة الآخرة الأبدية. وهذا له نظائر في القرآن الكريم كما في قول الله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر:49-50]، وقوله تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} [الزلزلة:1]. والمقصود أن حاجة الأمة إلى فهم القرآن معرفة معانيه والاهتداء به ماسة بل ضرورية. لأنهم لا نجاة لهم ولا فوز ولا سعادة إلا بما يهتدون به من هدى الله عز وجل الذي بينه في كتابه. ومن المهم أن يتعرف طالب العلم على أنواع هذه الحاجات ليقوم بالدعوة إلى الله بالإسهام في سد حاجة الأمة في ما ييسره الله له ويفتح له به من أنواع هذه الحاجات ؛ فيتعلم الهدى فيها، ويتعلم كيف يبينه للناس، ثم يدعو إلى الله على بصيرة بما تعلم من معاني القرآن وبذلك يكون من خاصة أتباع النبي صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى: {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّـهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّـهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف:108]. ولو لم يحصل للداعية إلا واو المعية هذه مع النبي صلى الله عليه وسلم لكفى بها شرفاً. فمن عاش حياته بهذه المعية في الدنيا وهي معية بالمحبة والاتباع والدعوة إلى ما كان يدعو إليه النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه يكون في معية النبي صلى الله عليه وسلم في الدار الآخرة.وعلم معاني القرآن الكريم علم عزيز يحمله حق حمله في كل قرن خيرة أهله وأحبهم إلى الله، يؤمنون به ويتدبرونه ويدعون به الناس ويهدونهم إلى ما يخرجهم الله به من الظلمات إلى النور. ولعلي أذكر بعض أوجه حاجة الأمة إلى فهم القرآن والاهتداء به على سبيل التنبيه لا الحصر: - فمن ذلك حاجة الأمة إلى فهم القرآن والاهتداء به في معاملة أعدائها على اختلاف أنواعهم، وأن يحذروا مما حذرهم الله منه وتوعد عليه المخالفين بالعذاب الأليم والعقوبات الشديدة، وقد قال الله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور من الآية:63]. وكم من فتنة ابتليت بها الأمة وكم من عذاب عذبت به طوائف من هذه الأمة بسبب مخالفتهم عن أمر الله. وحاجة الأمة إلى مجاهدة الكفار بالقرآن حاجة عظيمة لأنه يندفع بهذه المجاهدة عن الأمة شرور كثيرة جداً. وقد قال الله تعالى: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان:52]. وهذا الجهاد أشرف أنواع الجهاد وأكبر أنواعه؛ لأنه جهاد بكلام الله وبهداه؛ يبين به الحق وحسنه، ويبين به الباطل وقبحه، وتظهر به حجة الله. - وكذلك حاجة الأمة معرفة صفات المنافقين وعلاماتهم وحيلهم وكيف تكون معاملتهم حاجة ماسة، لأنهم يضلون من يستمع لهم ويعجبه كلامهم الذي يظهرونه ويبطنون مقاصد سيئة خبيثة، وقد حذر الله نبيه منهم فقال: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} [المنافقون من الآية:4]، وأنزل في شأنهم آيات كثيرة لعظم خطرهم، فمن لم يحذر مما حذر الله منه، ولم يتدبر الآيات التي بين الله بها أحوال المنافقين وأرشدنا إلى ما نعاملهم به فإنه يقع في أخطار وضلالات كثيرة. وكم فشل للأمة من مشروع إصلاحي بسبب المنافقين، فمعرفة طالب علم التفسير بما أنزل الله في شأن المنافقين، وتفقهه في ذلك، وحذره من مما حذر الله منه من حيلهم ومكائدهم وتحذيره الناس من ذلك يحصل به من الخير العظيم والسلامة والنجاة له ولمن يدعوهم ما يتيقن به عظم الحاجة إلى الاهتداء بهدي القرآن. -وكذلك قد يبتلى طالب العلم بأن يكون في مجتمع يكثر فيه أصحاب ملة من الملل أو نحلة من النحل، فيجد في كتاب الله تعالى ما يرشده إلى ما يعرف به ضلالهم، ويبصره بسبل دعوتهم إلى الحق، ومعاملتهم على الهدى الرباني الذي لا وكس فيه ولا شطط. -وكذلك إذا كثرت الفتن فإن الحاجة تزداد إلى تدبر القرآن والاهتداء به، ويكون أسعد الناس بالحق أحسنهم استنباطا لما يهتدي به في تلك الفتنة كما قال الله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء من الآية:83]. وهذا فيه وعد من الله بأن يخص بعض عباده بعلم ما تهتدي به الأمة. -وقد يكون طالب العلم في مجتمع تفشو فيه فتنة من الفتن أو منكر من المنكرات فيتعلم من كتاب الله ما يعرف به الهدى ويدعو به من حوله لعلهم يهتدون. - وكذلك المرأة في المحيط النسائي قد تبصر ما لا يبصره كثير من الرجال أو لا يعرفون قدره من أنواع المنكرات والفتن التي افتتن به كثير من النساء فتتعلم طالبة العلم كيف تدعو بالقرآن في محيطها النسائي، وكيف تكشف زيف الباطل، وتنصر الحق، وتعظ من في إيمانها ضعف وفي قلبها مرض. الدعوة بالتفسير: والمقصود أن مجالات الدعوة بالتفسير مجالات كثيرة متنوعة، فليجتهد كل واحد منكم في محاولة تأهيل نفسه لسد حاجة الأمة في مجال من تلك المجالات، أو يسهم فيها. والدعوة بالتفسير وببيان معاني القرآن دعوة حسنة مباركة لتعلقها بكلام الله عز وجل، وقد قال أبو وائل شقيق بن سلمة: "استخلف علي عبد الله بن عباس على الموسم، فخطب الناس، فقرأ في خطبته سورة البقرة، وفي رواية: سورة النور، ففسرها تفسيرًا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا" (ذكره ابن كثير في تفسيره). وقال ابن حجر: "وروى يعقوب أيضا بإسناد صحيح عن أبي وائل قال: "قرأ بن عباس سورة النور ثم جعل يفسرها فقال رجل لو سمعت هذا الديلم لأسلمت". ورواه أبو نعيم في الحلية من وجه آخر بلفظ سورة البقرة وزاد: "أنه كان على الموسم -يعني سنة خمس وثلاثين- كان عثمان أرسله لما حصر".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* موقع طريق الإسلام: (http://iswy.co/e178lf).فضل علم التفسير وحاجة الأمة إليه * الكاتب: عبد العزيز بن داخل المطيري الحمد لله الذي أنزل إلينا كتابه العظيم رحمة وذكرى، وهدى وبشرى، فأنار به السبيل، وأقام به الحجة، وفرق به بين الحق والباطل، ورفع به من شاء من عباده، وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلا. والصلاة والسلام على إمام المتقين، وأسوة المؤمنين، نبينا الأمين، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. أما بعد: فإن علم التفسير من أشرف العلوم وأجلها، وأعظمها بركة، وأوسعها معرفة، وحاجة الأمة إليه ماسة، وقد شرف الله أهل التفسير ورفع مكانهم وجعلهم مرجعاً لعباده في فهم كلامه ومعرفة مراده وكفى بذلك فضلاً وشرفاً. وعلم طالب العلم بفضل علم التفسير وعلو شأنه وجلالة قدره مما يعين على إقبال النفس على تعلمه وأخذه بقوة وجد واجتهاد. وفضائل علم التفسير كثيرة، وفائدته لطالب العلم في نفسه خاصة، ولأمته عامة عظيمة جليلة. قال الله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّـهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ . يَهْدِي بِهِ اللَّـهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [المائدة:15-16]. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا . فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّـهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [النساء:174-175]. وحديثنا عن فضائل علم التفسير سيكون في وجوه مهمة تدل اللبيب على ما ورائها، ويكفي التذكير بأصولها عن سرد فروعها. 1- فأصل فضائل التفسير هو أنه معين على فهم كلام الله عز وجل؛ ومعرفة مراده، ومن أوتي فهم القرآن فقد أوتي خيراً كثيراً. وفي صحيح البخاري وغيره من حديث أبي جحيفة السوائي قال: قلت لعلي رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في الصحيفة. قال: العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافرٍ. ففهم القرآن معين لا ينضب، إذ يستخرج به من العلم شيء كثير مبارك، والناس يتفاوتون في فهم القرآن تفاوتاً كبيراً. قال ابن القيم: "والمقصود تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص وأن منهم من يفهم من الآية حكما أو حكمين، ومنهم من يفهم منها عشرة أحكام أو أكثر من ذلك، ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سياقه ودون إيمائه وإشارته وتنبيهه واعتباره، وأخص من هذا وألطف ضمه إلى نص آخر متعلق به؛ فيفهم من اقترانه به قدرا زائدا على ذلك اللفظ بمفرده وهذا باب عجيب من فهم القرآن لا يتنبه له إلا النادر من أهل العلم؛ فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلقه به، وهذا كما فهم ابن عباس من قوله: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف من الآية:15] مع قوله: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة من الآية:233] أن المرأة قد تلد لستة أشهر، وكما فهم الصديق من آية الفرائض في أول السورة وآخرها أن الكلالة من لا ولد له ولا والد" ا.هـ. والمقصود أن فهم القرآن يفتح لطالب العلم أبواباً من العلم يغفل عنها غيره، بل ربما سمع كلمة من رجل فذكرته بآية كان يتأملها فينفتح له بذلك باب أو أبواب من العلم، وهذه مرتبة عزيزة، كما قال عكرمة مولى ابن عباس: "إني لأخرج إلى السوق، فأسمع الرجل يتكلم بالكلمة فينفتح لي خمسون بابا من العلم" (رواه ابن سعد في الطبقات من طريق ابن علية عن أيوب عن عكرمة، وهذا إسناد صحيح). وعكرمة قال فيه سلام بن مسكين: كان أعلم الناس بالتفسير. وقال الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة. ومن أسباب سعة علم عكرمة بالتفسير ما أوتيه من فهم القرآن حتى إنه كان يذكر لابن عباس بعض الأوجه في التفسير فيستحسنها ابن عباس ويجيزه عليها بجائزة. وسبيل فهم القرآن هو معرفة تفسيره. نقل ياقوت الحموي في معجم الأدباء عن أبي بكر بن مجاهد أنه قال: سمعت أبا جعفر-يريد شيخه محمد بن جرير الطبري- يقول: "إني أعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله كيف يلتذذ بقراءته؟". والمقصود أن من أجل فضائل علم التفسير أنه يعين على فهم القرآن الذي هو رسالة الله إلينا. 2- أن أشرف الكلام وأحسنه وأصدقه وأعظمه بركة وفضلا هو كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وقد روي أن: فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه. فالاشتغال بالتفسير اشتغال بأفضل الكلام وأحسنه وأعظمه بركة، وهو كلام الله عز وجل، ولا يزال العبد ينهل من هذا العلم ويستزيد منه حتى يجد بركته في نفسه وأهله وماله: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص:29]. 3- أن الله فضل العلم وشرفه وشرف أهله ورفع درجتهم، والعلم بالقرآن هو أفضل العلوم وأجمعها، وقد فصل الله في القرآن كل شيء؛ فمن ابتغى العلم من أفضل أبوابه وأحسنها فعليه بتدبر القرآن وفهمه ومعرفة معانيه. وهذا أمر معلوم لمن اشتغل بتفسير القرآن فإنه يجد فيه من أنواع العلوم النافعة شيئاً كثيراً مباركاً؛ فهو جامع لأنواع العلوم النافعة: - فأصول الإيمان والاعتقاد الصحيح والتعريف بالله تعالى وبأسمائه وصفاته وأفعاله وسننه في خلقه مبينة في القرآن. -وأصول الأحكام الفقهية في مسائل العبادات والمعاملات والمواريث وأحكام الأسرة والجنايات كلها مبينة في القرآن. -أصول المواعظ والسلوك والتزكية كلها مبينة في القرآن الكريم. - وكذلك الآداب والأخلاق الكريمة والخصال الحميدة. - وفيه بيان أمور ضلت فيها أمم وطوائف كثيرة من بدء الخلق وقصص الأنبياء وأخبار بني إسرائيل كما قال الله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [النمل:76]. "يختلفون" فعل مضارع يدل على التجدد؛ فهم قد اختلفوا ولا يزالون يختلفون، وهذا القرآن يقص عليهم أكثر الذي يختلفون فيه؛ فمن فقه ما قصه الله في القرآن من أخبار بني إسرائيل حصل العلم بأكثر ما يختلفون فيه علماً يميز به صحيح أقوالهم من خطئها، ويحكم به بين أقوالهم. -ومما تضمنه القرآن من العلوم علم الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة، ففيه بيان أصول الدعوة وأنواعها ومراتبها وصفات الدعاة إلى الحق، وكشف شبهات المضلين، وأصول الاحتجاج للحق، ومعاملة المخالفين على اختلاف مراتبهم. - ومما تضمنه القرآن من العلوم علم المقاصد الشرعية والسياسة الشرعية، وكيف ترعى الرعية وتربى بالقرآن وتقاد به إلى ما فيه نجاتها وسعادتها. -وفيه بيان الهدى في كل ما يحتاج إليه العبد في شؤون حياته وكيف يتخلص من كيد الشيطان وشر النفس وفتنة الدنيا وسائر الفتن التي تعترضه، وكيف يهتدي إلى الصراط المستقيم. إلى غير ذلك من العلوم الجليلة النافعة التي ينتفع بها أحسن الانتفاع من فهم مراد الله تعالى فهم المؤمن المسترشد الصادق في اتباع الهدى. ويجمع ذلك كله قول الله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء:9].فحذف المتعلق هنا لإرادة العلوم؛ فهو يهدي للتي هي أقوم في كل شيء. وقال الله تعالى: {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}[يوسف من الآية:111]. فمن أراد الهداية فعليه بفهم القرآن. ومن أراد الرحمة فعليه بهدى القرآن. ومن أراد العلم فعليه بتدبر القرآن قال ابن القيم رحمه الله: فتدبر القرآن إن رمت الهدى *** فالعلم تحت تدبر القرآن - والمفسر يحتاج إلى التمكن من علوم كثيرة متنوعة؛ ينفتح له بها من أبواب فهم القرآن ومعرفة معانيه ما يدله على سعة علم التفسير وشرفه وتعدد معارف أهله؛ فيحتاج إلى معرفة معاني المفردات ومعاني الحروف والأساليب والإعراب والصرف والبلاغة والاشتقاق، ويحتاج إلى معرفة أصول الفقه وقواعد الترجيح والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول وأحوال النزول وفضائل الآيات والسور وأمثال القرآن والمبهمات وغيرها من العلوم المتنوعة التي يكتسبها المفسر شيئاً فشيئاً بتدرج تعلمه للتفسير. ويجد لكل علم من هذه العلوم أثره في التفسير واستخراج المعاني الجليلة واللطيفة. والمقصود أن علم التفسير من أوسع العلوم؛ فمن أقبل عليه وأحسن العناية به؛ فإنه يكتسب المعرفة الواسعة الحسنة بعلوم كثيرة. 4- ومن فضائل علم التفسير أنه يدل صاحبه على ما يعتصم به من الضلالة وقد قال الله تعالى: {وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّـهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [آل عمران من الآية:101]، وقال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّـهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [النساء:175]. وقد بين الله تعالى في كتابه كيف يكون الاعتصام به، والمفسر من أحسن الناس علماً بما يكون به الاعتصام بالله. ومما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في أعظم خطبة في الإسلام في أشرف جمع على كان وجه الأرض وذلك في خطبته في حجة الوداع قال: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله. وأنتم تسألون عنى فما أنتم قائلون». قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: «اللهم اشهد اللهم اشهد. ثلاث مراتٍ» (رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه). ونحن نشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ وأدى ونصح، وقد ترك لنا كتاب الله عصمة من الضلالة. فمن اعتصم به فلن يضل بإذن الله. والمقصود أن الاعتصام بكتاب الله لا يكون إلا بفهم ما أنزل الله فيه، واتباع ما فيه من الهدى، وسبيل ذلك معرفة تفسيره؛ وكلما كان المؤمن أكثر نصيباً من فهم مراد الله تعالى واتباعاً لما بينه الله من الهدى كان أعظم حظاً من الهداية والعصمة من الضلالة. 5- ومن فضائل التفسير أن المفسر وارث للنبي صلى الله عليه وسلم في أعظم إرثه، وهو القرآن الكريم، ومن أحسن تحمل أمانة التفسير وأحسن أداءها كان من أخص ورثة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: بلغوا عني ولو آية. وقال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّـهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [إبراهيم:4]. فالمفسر مبلغ ومبين، والبلاغ المبين هو أخص وظائف الرسل؛ فالمفسر وارث لدعوة الرسول يدعو بما دعا به الرسول صلى الله عليه وسلم ويذكر بما ذكر به، ويبشر بما بشر به، وقد قال الله تعالى: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} [ق من الآية:45]، وقال: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنعام:51]، وقال تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا} [مريم:97]. فجعل الله وظائف الرسول في البلاغ المبين الذي يتضمن البشارة والنذارة؛ كما قال الله تعالى في موضعين من كتابه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الفرقان:56] . فهو يبشر بالقرآن، وينذر بالقرآن، ويبلغ القرآن بلاغاً مبيناً، فهذا هو عماد دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وما أرسل به. والمفسر الصالح وارث لهذه الدعوة قائم بها، بل هو من أخص ورثتها إذا أحسن تحمل التفسير وأداءه؛ فهو يبلغ القرآن ويبين معانيه للناس ليهتدوا به، ويبشر به المؤمنين، وينذر به الذين ظلموا أنفسهم. وهذه هي حقيقة مقاصد إرسال الرسل. 6- ومن فضائل التفسير أن المفسر كثير الاشتغال بالقرآن ومعانيه وهداياته ؛ بل يكاد يكون أكثر وقته في مصاحبة القرآن تلاوة وتدبرا ودراسة ، وهذا من أجل أنواع مصاحبة القرآن، أن تكون مصاحبته مصاحبة تلاوة وتفقه فيه، واهتداء بهداه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه» (رواه مسلم من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه). فالمفسر الحق كثير الاشتغال بتلاوة القرآن والتفكر فيه وتدبر معانيه واستخراج كنوزه وفوائده وبدائعه حتى يعلم بذلك علماً كثيراً مباركاً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في آخر حياته لما سجن في سجن القلعة: "قد فتح الله علي في هذه المرة من معاني القرآن ومن أصول العلم بأشياء كان كثير من العلماء يتمنونها وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن" ا.هـ. وذلك لما رآه مما فتح الله عليه به من معاني القرآن. 7- ومن فضائل التفسير أنه يدخل صاحبه في زمرة خير هذه الأمة ، كما في صحيح البخاري من حديث سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال:«خيركم من تعلم القرآن وعلمه». قال: وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج قال: "وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا". وأبو عبد الرحمن السلمي واسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة ، هو القائل: "حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يقترئون من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آياتٍ فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل قالوا فعلمنا العلم والعمل" (رواه الإمام أحمد). وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعلم معانيهن والعمل بهن" (رواه ابن جرير). فدل هذا على أن تعلم القرآن يشمل تعلم ألفاظه ومعانيه واتباع هداه؛ فمن جمع هذه الأمور الثلاثة كان من خير هذه الأمة. ومعرفة معاني القرآن إنما تتحقق بمعرفة تفسيره. والكلام في فضائل التفسير يطول، ولعلنا نكتفي بهذه الأوجه التي من تأملها حق التأمل أيقن بفضل علم التفسير، وأن الاشتغال به اشتغال بخير العلوم وأجلها. ومما ينبغي أن يتفطن له أنه لا يشترط في وصف المفسر أن يكون له كتاب تفسير، فالتفسير علم وملكة؛ فمن حصل العلم الذي يكون به مفسراً وكانت له ملكة حسنة في التفسير فهو من أهل التفسير، وأما التأليف في التفسير فكثير من الأئمة المفسرين الثقات لم يؤلفوا في التفسير وهم من أحسن الناس فهماً للقرآن وقد نقلت عنهم آثار متفرقة في التفسير تدل على ما وراءها، كالإمام مالك والشافعي والإمام أحمد والبخاري وابن خزيمة وبعدهم النووي وابن تيمية وابن القيم وغيرهم لم يؤلفوا تفاسير للقرآن وكلامهم في التفسير من أنفع الكلام وأحسنه، وقد ألف في التفسير بعض الضعفاء فخلطوا، ودخل الضعف والخطأ في بعض التفاسير لأسباب كثيرة. - وكذلك ليس من شرط المفسر اليوم أن يكون له كتاب تفسير؛ بل من أحسن معرفة أصول التفسير واشتغل بالتفسير تعلما وتعليماً ودعوة فهو مفسر. حاجة الأمة إلى بيان معاني القرآن: ومن المهم تنبيه طلاب العلم إلى حاجة الأمة إلى تفسير القرآن وبيان معانيه ودعوتهم بالقرآن وتذكيرهم به وإنذارهم بما فيه من الوعيد، وتبشيرهم بما تضمنه من البشائر لمن آمن به واتبع ما فيه من الهدى، وإرشادهم إلى ما بينه الله في كتابه من الهدى الذي يفرقون به بين الحق والباطل، ومخرجاً لهم من الظلمات إلى النور، كما قال الله تعالى: {الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم:1]. - وقال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . صِرَاطِ اللَّـهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّـهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} [الشورى:52-53]. - وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَإِنَّ اللَّـهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحديد:9]. - وقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّـهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ قَدْ أَنزَلَ اللَّـهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا . رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّـهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّـهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ قَدْ أَحْسَنَ اللَّـهُ لَهُ رِزْقًا} [الطلاق:10-11]. فحاجة الأمة إلى فهم القرآن والاهتداء به ماسة، وكم من فتنة ضل بها العبد ، وضلت بها طوائف من الأمة بسبب مخالفتها لهدى الله عز وجل وما بينه في كتابه، وقد قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ اللَّـهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التوبة:115]. وقال تعالى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ} [طه من الآية:123]، وقال تعالى: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة من الآية:38]. فحاجة الناس إلى معرفة ما بينه الله في القرآن من الهدى، والحذر مما حذرهم منه أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب والنفس؛ لأن انقطاع هذه الأمور أقصى ما يصيب الإنسان بسببها أن يموت، والموت أمر محتم على كل نفس. وأما ضلاله عن هدى الله تعالى فيكون بسبب خسران آخرته التي هي حياته الحقيقية كما قال الله تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت من الآية:64]، وقال تعالى: {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ . يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [الفجر:23-24]. فكأن ما مضى من الحياة الدنيا لا يعد شيئا بالنسبة للحياة الآخرة الأبدية. وهذا له نظائر في القرآن الكريم كما في قول الله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر:49-50]، وقوله تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} [الزلزلة:1]. والمقصود أن حاجة الأمة إلى فهم القرآن معرفة معانيه والاهتداء به ماسة بل ضرورية. لأنهم لا نجاة لهم ولا فوز ولا سعادة إلا بما يهتدون به من هدى الله عز وجل الذي بينه في كتابه. ومن المهم أن يتعرف طالب العلم على أنواع هذه الحاجات ليقوم بالدعوة إلى الله بالإسهام في سد حاجة الأمة في ما ييسره الله له ويفتح له به من أنواع هذه الحاجات ؛ فيتعلم الهدى فيها، ويتعلم كيف يبينه للناس، ثم يدعو إلى الله على بصيرة بما تعلم من معاني القرآن وبذلك يكون من خاصة أتباع النبي صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى: {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّـهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّـهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف:108]. ولو لم يحصل للداعية إلا واو المعية هذه مع النبي صلى الله عليه وسلم لكفى بها شرفاً. فمن عاش حياته بهذه المعية في الدنيا وهي معية بالمحبة والاتباع والدعوة إلى ما كان يدعو إليه النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه يكون في معية النبي صلى الله عليه وسلم في الدار الآخرة.وعلم معاني القرآن الكريم علم عزيز يحمله حق حمله في كل قرن خيرة أهله وأحبهم إلى الله، يؤمنون به ويتدبرونه ويدعون به الناس ويهدونهم إلى ما يخرجهم الله به من الظلمات إلى النور. ولعلي أذكر بعض أوجه حاجة الأمة إلى فهم القرآن والاهتداء به على سبيل التنبيه لا الحصر: - فمن ذلك حاجة الأمة إلى فهم القرآن والاهتداء به في معاملة أعدائها على اختلاف أنواعهم، وأن يحذروا مما حذرهم الله منه وتوعد عليه المخالفين بالعذاب الأليم والعقوبات الشديدة، وقد قال الله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور من الآية:63]. وكم من فتنة ابتليت بها الأمة وكم من عذاب عذبت به طوائف من هذه الأمة بسبب مخالفتهم عن أمر الله. وحاجة الأمة إلى مجاهدة الكفار بالقرآن حاجة عظيمة لأنه يندفع بهذه المجاهدة عن الأمة شرور كثيرة جداً. وقد قال الله تعالى: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان:52]. وهذا الجهاد أشرف أنواع الجهاد وأكبر أنواعه؛ لأنه جهاد بكلام الله وبهداه؛ يبين به الحق وحسنه، ويبين به الباطل وقبحه، وتظهر به حجة الله. - وكذلك حاجة الأمة معرفة صفات المنافقين وعلاماتهم وحيلهم وكيف تكون معاملتهم حاجة ماسة، لأنهم يضلون من يستمع لهم ويعجبه كلامهم الذي يظهرونه ويبطنون مقاصد سيئة خبيثة، وقد حذر الله نبيه منهم فقال: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} [المنافقون من الآية:4]، وأنزل في شأنهم آيات كثيرة لعظم خطرهم، فمن لم يحذر مما حذر الله منه، ولم يتدبر الآيات التي بين الله بها أحوال المنافقين وأرشدنا إلى ما نعاملهم به فإنه يقع في أخطار وضلالات كثيرة. وكم فشل للأمة من مشروع إصلاحي بسبب المنافقين، فمعرفة طالب علم التفسير بما أنزل الله في شأن المنافقين، وتفقهه في ذلك، وحذره من مما حذر الله منه من حيلهم ومكائدهم وتحذيره الناس من ذلك يحصل به من الخير العظيم والسلامة والنجاة له ولمن يدعوهم ما يتيقن به عظم الحاجة إلى الاهتداء بهدي القرآن. -وكذلك قد يبتلى طالب العلم بأن يكون في مجتمع يكثر فيه أصحاب ملة من الملل أو نحلة من النحل، فيجد في كتاب الله تعالى ما يرشده إلى ما يعرف به ضلالهم، ويبصره بسبل دعوتهم إلى الحق، ومعاملتهم على الهدى الرباني الذي لا وكس فيه ولا شطط. -وكذلك إذا كثرت الفتن فإن الحاجة تزداد إلى تدبر القرآن والاهتداء به، ويكون أسعد الناس بالحق أحسنهم استنباطا لما يهتدي به في تلك الفتنة كما قال الله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء من الآية:83]. وهذا فيه وعد من الله بأن يخص بعض عباده بعلم ما تهتدي به الأمة. -وقد يكون طالب العلم في مجتمع تفشو فيه فتنة من الفتن أو منكر من المنكرات فيتعلم من كتاب الله ما يعرف به الهدى ويدعو به من حوله لعلهم يهتدون. - وكذلك المرأة في المحيط النسائي قد تبصر ما لا يبصره كثير من الرجال أو لا يعرفون قدره من أنواع المنكرات والفتن التي افتتن به كثير من النساء فتتعلم طالبة العلم كيف تدعو بالقرآن في محيطها النسائي، وكيف تكشف زيف الباطل، وتنصر الحق، وتعظ من في إيمانها ضعف وفي قلبها مرض. الدعوة بالتفسير: والمقصود أن مجالات الدعوة بالتفسير مجالات كثيرة متنوعة، فليجتهد كل واحد منكم في محاولة تأهيل نفسه لسد حاجة الأمة في مجال من تلك المجالات، أو يسهم فيها. والدعوة بالتفسير وببيان معاني القرآن دعوة حسنة مباركة لتعلقها بكلام الله عز وجل، وقد قال أبو وائل شقيق بن سلمة: "استخلف علي عبد الله بن عباس على الموسم، فخطب الناس، فقرأ في خطبته سورة البقرة، وفي رواية: سورة النور، ففسرها تفسيرًا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا" (ذكره ابن كثير في تفسيره). وقال ابن حجر: "وروى يعقوب أيضا بإسناد صحيح عن أبي وائل قال: "قرأ بن عباس سورة النور ثم جعل يفسرها فقال رجل لو سمعت هذا الديلم لأسلمت". ورواه أبو نعيم في الحلية من وجه آخر بلفظ سورة البقرة وزاد: "أنه كان على الموسم -يعني سنة خمس وثلاثين- كان عثمان أرسله لما حصر". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * موقع طريق الإسلام: (http://iswy.co/e178lf).0
- الفرق بين التدبر والتفسير *
الكاتب: د. فريد الإنصاري رحمه الله
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: حول مفهوم التدبر للقرآن كتب أخونا سعد كلمات قيمة، ترجم فيها إشكالاً مهمًا، أو شبهة تعرض لكثير من الناس، حول تدبر كتاب الله ومدارسة آياته. وكان فيما قال أسعده الله: "لا شك أنه من اللافت فعلاً شدة إعراض الناس عن القرآن الكريم! فأغلب الناس لا يُقبلون عليه إلا مرة في السنة أو في سنوات!" ثم قال: "يبدو لي أن أحد الأسباب التي تكمن وراء هذا الإعراض هو (تهيب) الإقبال على القرآن مباشرة ودون واسطة. صحيح أن من الناس من يتفادى التدبر؛ لأنه لا يعرف قيمة القرآن! ولكن هنالك أيضاً صنف من المسلمين يخافون أن يُعْمِلُوا فكرهم في آيات الله -وإن كان بحضور التفسير!- لأنه "شيء جديد وغير مألوف!" ولأنه (اجتراء) على الله! فما هي الضوابط التي ينبغي الالتزام بها أثناء تدارس القرآن أو تدبره؟ ما الذي يضمن أن العبد لن ينجرف وراء خواطر شيطانية، وهو يظنها رحمانية؟ وإلى أي حد يمكن أن يقول (برأيه) في استخراج معاني القرآن وحقائقه الإيمانية؟ أعتقد أن توضيح هذه النقاط مهم للغاية، خاصة وأنني أعرف بعض الصالحين ممن يخافون فعلاً أن يتدبروا القرآن. ولقد سمعت بأذني أحدهم يقول لصديق لي حين سمعه يتدبر آية من سورة العلق: "هل تريد أن تكون مفسراً؟"!! فَوَضْعُ هذه الحدود كفيل إن شاء الله بتشجيع الناس على الإقبال على القرآن دون خوف أو وجل.. والسلام عليكم". وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. بارك الله فيك أخي سعداً! تساؤل في غاية الأهمية، وملحوظة في غاية الدقة! ولقد أشرتُ إلى بعض حقائق التدبر في كتيب (مجالس القرآن)، وكشفتُ هنالك عن طبيعة الإشكال. ولقد استقريت -بتوفيق الله- عشرين ضابطاً لمجلس التدارس والتدبر؛ ما يحفظه -بإذن الله- عن الشرود والانحراف. ولعل الأحبة يجدون في الطبعة الجديدة للكتاب -بزياداتها- ما يكفي لذلك، إن شاء الله، وبه الثقة. وإنما المحفوظ من حفظه الله! وإنما الذي أفزعني ههنا هو ما حكاه سعدٌ عن بعض الإخوان، من الاستعظام لفعل التدبر، والإنكار على المتدبر بما يشبه السخرية! ولذلك فقد أحببت نزع ما يلقيه الشيطان في النفس- تحت ستار الورع وذريعة التقوى!- من الصد عن تدبر كتاب الله! وحرمان الأمة من أعظم أصل في منهاج التعامل مع رسالات الله! ويمكن توضيح القول ههنا حول التدبر بطريقة أخرى، وبيان ذلك -بحول الله- هو كما يلي: - أولًا: لا بد من بيان أن التدبر هو غير التفسير! هذا أمر مهم جدًا! ونحن نعلم أن بعض العلماء المعاصرين قد استعملهما على سبيل الترادف. وهو غير صحيح! فالتفسير بيان وشرح للمعنى، بينما التدبر اتعاظ بالمعنى واعتبار به وتذكر! وبينهما فرق كبير! إن التفسير من الفَسْرِ، وهو: الكشف والبيان. ولذلك سمي بيان كتاب الله تفسيراً؛ لأنه يكشف اللثام عن معانيه اللغوية والسياقية والشرعية، باستعمال قواعد التفسير المعروفة عند أهله. وهذا هو علم التفسير. وقد كنا -مع بعض إخواننا- نتدارس كتاب الشيخ العلامة عبد الرحمن حبنكة الميداني رحمه الله: (قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله عز وجل)؛ فوجدنا أنما هو كتاب في قواعد التفسير! وهو كتاب من العمق والدقة بمكان! لكنه لا تدبر فيه بالمعنى القرآني للكلمة! وإنما هو قواعد منهجية تضبط عمل المفسر لكتاب الله. أما التدبر-من التفعل- فهو: النظر إلى دُبُرِ الشيء، أي التأمل في دَوَابِرِ الأمور المتوقعة، بمعنى النظر إلى عاقبتها، وما يمكن أن تؤول إليه. كما يدخل فيه النظر في دوابر الأمور الواقعة من قبل؛ لمعرفة أسبابها ومقدماتها. وهذا لا يوجد في كتب التفسير إلا نادراً. لأنه -في الغالب- عمل قلبي شخصي، ونظر نفسي لا ينوب فيه أحد عن أحد. وهل يستطيع أحد أن ينوب عن غيره في الخوف والرجاء، أو في الكسل والنشاط؟ هذا ممتنع عقلاً وطبعاً وشرعاً! اللهم إلا ما تعلق بربط الأسباب بمسبباتها -على المستوى الخارجي- وما كان في معناه. - ثانياً: إن التدبر هو مرحلة ما بعد التفسير! أي ما بعد الفهم للآية. لكن الفهم المطلوب لتحصيل التدبر إنما هو الفهم الكلي العام، أو بعبارة أخرى: الفهم البسيط. ولا يشترط في ذلك تحقيق أقوال المفسرين والغوص في دقائق كتب التفسير! وإلا صار القرآن موجهاً إلى طائفة محصورة فقط! ومن ثم يمكن لأي شخص أن يتدبر القرآن بعد التحقق من المعنى المشهور للآية، يقرؤها من أي تفسير أو يسمعها. إن التدبر حركة نفسية باطنية! تنظر إلى صيرورة النفس في الزمان والمكان، بالنسبة إلى احتمالين: الأول احتمال متابعة القرآن والاستسلام لأحكامه وحكمه. والثاني: عكسه، وهو النكوص والتمرد والجحود والعصيان! ففي كلا الأمرين ينظر المتأمل إلى مآل الحال المحتمل! ذلك هو التدبر! ولذلك كان التدبر لغة -كما ذكرنا- نظراً إلى أدبار الحوادث ونتائجها، وربطاً للأسباب بمسبباتها، فيما وقع وفيما يحتمل أن يقع، على المستوى النفسي والاجتماعي. في الخير والشر سواء! إنه إذن ضرب من المحاسبة للنفس في ضوء القرآن، والمراقبة لأحولها، في صيرورتها الذاتية والاجتماعية. إن التدبر إذن هو نظر في الآية باعتبارها مبصاراً، يكشف عن أمراض النفس وعللها، ويقوم في الوقت نفسه بتهذيبها وتشذيبها. أي بتزكيتها وتربيتها. ومن ثم فإنه يكفي المتدبر للقرآن أن يعلم المعنى العام للآية أو السورة، مما أُثِرَ عن جمهور السلف؛ ليدخل في مسلك التدبر. ولا شك أن علم العالم وخبرة المفسر تعطيه فرصةً أكبر بكثير؛ لتعميق التدبر في الآيات، والوصول بها إلى أرقى منازل الإيمان! ولكن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن غير المختصين بالتفسير، أو حتى العوام محجوبون من التدبر! إن غير العالم لن يعجز عن تدبر آية {الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2] مثلاً، والنظر في مآلات فعل الحمد في نفسه وفي المجتمع -على قدر طاقته طبعاً- وكذا مآلات نقيضه من النكران والجحود كيف يكون؟ وإن غير العالم إذا فسرتَ له أن {الفَلَقَ} هو الفجر؛ أمكنه آنئذ أن يتدبر قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ . مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} [الفلق:1-2]. وكذلك إذا علم أن {الْجُدَدَ} هي: الطرق والمسالك الجبلية، وأن {الغَرَابِيبَ} هي: الصخور السوداء؛ أمكنه أن ينطلق في آفاق تدبر قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} [فاطر:27]. ولقد تعمدت أن أمثل بهذه الكلمات القرآنية الغريبة إلى حد ما، وإلا فجمهور المعجم القرآني من الميسور المعلوم، بل إن كثيراً منه متداول في اللهجات العامية العربية! ولم لا يتدبر؟ أليس يرى القارئ للآية المذكورة مثلاً، مشهدَ نزول الماء من السماء؟ أليس يرى بعينيه آثار الغيث كلَّ ربيع في الروابي، والجنات، والبساتين، وأشكال الفاكهة والثمار، والجداول، والأنهار، والأطيار، بل في الحياة كلها؟ أليس ينظر إلى الجبال الشاهقة المنتصبة بهيئتها العظيمة بين يديه؟ أليس يرى مسالكها من بعيد تتلوى حولها خطوطاً حمراء وبيضاء على حسب لون الصخور والتربة الناسجة لها؟ أليس يعجب من مشهد الحجارة الصماء السوداء، الراسية على قمم هذه الجبال أو تلك؟ فكل من أبصر عظمة الخالق في عظمة المخلوق، واتخذ آثار الصنعة مسلكًا يسير به إلى معرفة الله فهو متدبر وهو متفكر! وهذا أمر ليس حكراً على المفسرين ولا على الجيولوجيين، وإن كان لهؤلاء وأولئك من العلم ما يجعلهم يتفوقون ويسبقون به غيرهم، إذا أخلصوا النظر لله! نعم، ولكن الله قد أتاح لكل ذي عينين، وأذنين، وقلب حي، أن يسلك إلى ربه عبر ما يسر الله له من التدبر والتفكر.. ولربما سبق القنفذُ الفرس! وإنما ذلك على حسب صفاء القلب وإخلاص السير! وإنني لأنسى كثيراً، لكنني ما نسيت قط حَدَّاداً شابًا في قريتي الصغيرة بجنوب المغرب، أواخرَ السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الميلادي الماضي.. وكانت الشيوعية آنئذ تنتشر في المغرب انتشار النار في الهشيم! وقد كان دعاتها عندنا من بعض رجال التعليم وطلبة الجامعات، مع الأسف! وكان أحدهم يجلس إلى ذلك الحداد البسيط يعلمه (حقوق العمال) و(ديكتاتورية البروليتاريا!) وكأن مطرقته الثقيلة، وما كان يصنعه للفلاحين الصغار من مناجلَ ومَزَابِرَ ومِحَشَّاتٍ، كانت تذكره بشعار الشيوعية الشهير: "المطرقة والمنجل"! فطمع الأحمق أن يضمه إلى صفوف الشيوعيين! حتى إنه سار معه بعيداً فجعل يشرح له عقيدة الإلحاد، وكيف أن "الدين أفيون الشعوب" على حد تعبير كارل ماركس! وكنتُ أنا أيضاً وأصحابي نجلس إلى هذا الحداد، فيحدثنا بحديث الشيوعي، ثم نتداول الكلام.. وإنني لا أنسى يومًا إذ أخرج من التنور حديدةً مُجَمَّرَةً، قد احْمَرَّ نصلها من النار حتى إنها لتكاد تذوب! ثم انهال عليها بالدق والطرق بقوة، وهو يقول دون أن يرفع رأسه: "يا أخي.. إنهم ينكرون وجود الله ووجود الآخرة! هكذا يقولون.. أما أنا فإنه لربما أصابتني أحيانا شرارةٌ طائشة من هذا الحديد المجمَّر بين يديَّ؛ فتثقب ثوبي ثم جلدي، فيكون لها من الألم الشديد ما الله به عليم! وإن ذلك ليكفيني ترهيباً وتحذيراً من نار جهنم! وإن صاحبنا الشيوعي كلما حدثني بحديثه قلت في نفسي: هذه مجرد ذرة من نار الدنيا، فترى كيف تكون نار الآخرة! وإنني لأرى بعينيَّ أن نار الدنيا هذه التي بين يديَّ لدليل كاف على وجود نار الآخرة!" كذا قال! وإنني ما زلت إلى اليوم أعجب من عمق ملاحظة ذلك الحداد الفطري البسيط! وأتساءل في نفسي: أي تفكر هذا وأي تدبر؟ بل أي علم بالله هذا وأي إبصار! حَقّاً حَقّاً! {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46]. هذا ضرب عجيب من التدبر لحقائق القرآن، ونوع من التفكر العميق في الوجود، وهو ممكن لكل الناس، خاصتهم وعامتهم على السواء. وأنت ترى أن الله جل جلاله أمر الكفار بالتدبر لكتابه! كما في قوله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} [النساء:82]. وقال سبحانه: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24]. فإذا كان الكافر-وهو المجرد قطعًا من كل قواعد التفسير ومناهجه- مأموراً بالتدبر فالمسلم أولى وأحرى! إن المسلم -أي مسلم- إنما عليه أن يصطحب مختصراً صغيراً من كتب التفسير، كتفسير الجلالين مثلاً، أو أحد مختصرات ابن كثير، أو غيرهما؛ وذلك فقط حتى يضبط بوصلة الاتجاه العام لمعنى الآيات، ثم يشرع آنئذ في التدبر للقرآن، ولا حرج. لأن التدبر لكتاب الله لا ينبني عليه حلال ولا حرام، ولا تصدر عنه فتوى ولا قضاء! وإنما هو مسلك روحي يقود القلب إلى التوبة والإنابة، وإلى مجاهدة النفس من أجل الترقي بمراتب العلم بالله! أما صناعة التفسير والاستنباط فهذا هو الذي يخص فئة محصورة من الناس وهم أهل الاجتهاد من العلماء، ممن يفتون ويقررون في القضايا والنوازل. وفي ذلك نزل قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء:83]. وقوله سبحانه: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة:122]. فذاك علم الخاصة. وأما التدبر-بما هو تذكر واعتبار- فهو لعامة المسلمين. قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر:17]. وعليه؛ فالمفسر عالم وفقيه، يقوم ببيان الحقائق القرآنية والأحكام الشرعية، والتصدر للفتوى. بينما المتدبر مجرد متعظ وواعظ. وقد يجمع الله للمرء بين الخيرين. والعالم الحق لا يصح له إلا ذلك! ومن ثم جاز لنا أن نقول: "كُلُّ عالِمٍ أو كلُّ مفسِّرٍ متدبرٌ، وليس كل متدبرٍ مفسِّراً!" فتأمل! إن الذي يمتنع عن تدبر القرآن أو ينهى غيره عن ذلك؛ بدعوى أن التدبر أمر خاص بعلماء التفسير، إنما هو جاهل بهذا الفرق الجوهري الكبير بين التفسير والتدبر.. وأخشى أن يكون الشيطان قد لبَّس عليه تلبيساً؛ ليحرمه هو في نفسه من نور القرآن! أو يجعله أداة لقطع الطريق أمام السائرين إلى الله! إن التدبر للقرآن مطلوب من العالِم، ومن المهندس، والطبيب، والأستاذ، والفلاح، والحداد، والنجار، والتاجر... إلخ! بل إن التدبر مطلوب من الكافر الأعجمي، إنجليزياً كان أو فرنسياً أو صينياً، أو ما كان! نعم! نعم! لكن فقط بعد أن تترجم له المعاني العامة للآيات! بينما التفسير إنما هو صناعة العلماء فقط. ومصطلح (التدبر) في القرآن قريب من مصطلح (التفكر) وإن لم يكونا مترادفين. فكأن (التدبر) ينصرف استعماله غالبًا إلى تأمل القرآن، بينما (التفكر) ينصرف استعماله إلى تأمل الكون المنظور. قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَاْلأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:190-191]. وإذا تأملت وجدت نتيجة كُلٍّ من التدبر والتفكر واحدة، ألاَ وهي: الاتعاظ والاعتبار! وهو ما حكاه الله عن الذاكرين المتفكرين: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}. إن هذا معناه أيضا أن النظر (التفكري) في الكون ليس عملًا عقليًا معقدًا، خاصا بعلماء الفيزياء والكيمياء والفلك والرياضيات والبيولوجيا والطبيعيات... إلخ! نعم هم مشمولون بأمره، بل هم أولى به! لكن (التفكر) كالتدبر، مطلوب أيضًا من غير المتخصصين، بل حتى من العوام! كُلٌّ على قدر فكره!.. وما يدريك؟ لعل فلاحًا بسيطاً، يصل إلى عِبَرٍ للقلب لا يتحقق بها المتخصص الخبير! لأن نتائج كُلٍّ من التدبر والتفكر محض هبة من الرحمن، ومجرد هُدًى منه تعالى! إن التدبر والتفكر يؤولان معاً إلى مصطلح قرآني مركزي ثالث، ألا وهو (التَّذَكُّرُ) بالذال المعجمة، أو (الاِدِّكَارُ) بالدال المهملة، ومشتقاتهما وهما سواء (قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسير قوله تعالى من سورة القمر: {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}: "وأصل "مُدَّكِر": مفتعل من ذَكر، اجتمعت فاء الفعل، وهي ذال، وتاءٌ وهي بعد الذال، فَصُيِّرَتَا دالا مشددة. وكذلك تفعل العرب فيما كان أوله ذالا يتبعها تاءُ الافتعال، يجعلونهما جميعاً دالا مشددة، فيقولون: اِدَّكَرْتُ ادِّكَاراً، وإنما هو: اِذْتَكَرْتُ اذْتِكَاراً"). قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ} [ص:29]. وقال سبحانه: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر:17]. وإنما يختص (التدبر) بتحصيل الذكرى عن طريق النظر في الآيات القرآنية. بينما يختص (التفكر) بتحصيل الذكرى بالآيات الكونية. هذا هو الغالب، وربما وجدت هذا بمعنى ذاك. إذ بينهما علاقة جدلية؛ لأن أحدهما يؤدي إلى الآخر. فالتدبر للقرآن يقودك إلى التفكر في الوجود، والتفكر في الوجود يعود بك إلى القرآن. وهما معًا في جميع الأحوال يثمران تَذَكُّراً للقلب وذكرى. ولا يقول عاقل بأن التذكر والذكر يحتاج فيها الإنسان إلى خبرة علمية وتخصص دقيق! سواء في الشرعيات أو في الكونيات. كلا! كلا! إنما هو عمل قلبي محض، مفتوح لكل ذي قلب! وبذلك قامت حجة الله على جميع الخلق عربهم وعجمهم، خاصتهم وعامتهم! قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق:37]. وبذلك يتبين ما لتعقيد الضوابط والشروط للتدبر أو للتفكر، من خروج عن منهاج القرآن! قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} [الجمعة:2]. إن المتدبر أو المتفكر-كليهما- في حاجة إلى التحقق بأمرين اثنين: - الأول: الفهم العام للآية قراءةً، أو سماعاً إن كان أميًا. ويحسن أن يكون ذلك بمجلس مدارسة، تعلما وتعليما، على منهاج رسول الله -معلم الأميين- صلى الله عليه وسلم. - الثاني: إخلاص النظر لله! وكلاهما بمقدور جميع الناس، إلا من رُفِعَ عنه القلم! قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سبأ:46]. وهذا خطاب موجه في الأصل للكفار، فتأمل! وأحب قبل ختام هذه الكلمات أن أعززها بإيراد أمثلة عن تدبر النبي صلى الله عليه وسلم وتفكره. فالسنة هي البيان الرئيس للقرآن الكريم ومفاهيمه. وأمثلة أخرى عن تدبر الصحابة رضي الله عنهم، وكذا بعض التابعين. ففي مشهد من أَجَلِّ مَشَاهِدِ النبوة، لم يزل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يبكي في صلاته من تدبره وتفكره؛ إذْ أَرَاهُ اللهُ من أسرار مَلَكُوتِهِ ما أَرَاهُ؛ حتى بكت الأرض ببكائه عليه الصلاة والسلام! فقد سَأَلَ عُبَيْدٌ بْنُ عُمَيْرٍ عائشةَ رضي الله عنها، قَالَ: "أَخْبِرِينَا بِأَعْجَبِ شَيْءٍ رَأَيْتِهِ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم!" قالَ: فَسَكَتَتْ، ثُمَّ قَالَتْ: "لَمَّا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي قَالَ صلى الله عليه وسلم: «يَا عَائِشَةُ! ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي!» قُلْتُ: "وَاللهِ إنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ، وَأُحِبُّ مَا سَرَّكَ" قَالَتْ: فَقَامَ فَتَطَهَّرَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ! قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ! قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الأرْضَ! فَجَاءَ بِلاَلٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلاَةِ، فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي قَالَ: "يَا رَسُولَ اللهِ! لِمَ تَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ؟" قَالَ: «أَفَلاَ أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً؟ لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا! {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَاْلأَرْضِ. رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}» [آل عمران:190-191] (رواه ابن حبان في صحيحه. وقال الشيخ الألباني: إسناده جيد، وحسنه في صحيح الترغيب). وقد ورد التدبر والتفكر ههنا بمعنى واحد كما أشرنا إليه من قبل، لارتباطهما الجدلي. فقوله صلى الله عليه وسلم: «وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا!» هو بمعنى: لم "يتدبرها" لأن تدبرها مُفْضٍ بالضرورة إلى التفكر في خلق السماوات والأرض؛ ولذلك عبر هنا بالتفكر. وأما وعيده عليه الصلاة والسلام للممتنع عن التفكر بالويل؛ فهو دليل قوي على وجوب التفكر والتدبر-إجمالاً- على جميع الناس! سواء منهم العالم والعامي، كُلٌّ على ما يسر الله له.. فتأمل! وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلث الليل، قام فقال: «يا أيها الناس!.. اذكروا الله! جاءتِ {الرَّاجِفَةُ . تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} [النازعات:6-7]. جاء الموت بما فيه! جاء الموت بما فيه!» (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وحسنه الألباني في الصحيحة وفي صحيح الترمذي وصحيح الجامع الصغير). ولا يخفى ما في الحديث من تضمين لآيتي النازعات: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ . تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} [النازعات: 6-7]. وما في ذلك من تدبر عجيب لهذه الحقيقة الإيمانية في جوف الليل؛ وذلك لِشَبَهِ الليل بظلمة القبر من جهة، ولأن الليل -من جهة أخرى- هو موتٌ لحركة النهار! وفي ذلك أيضًا إشارة إلى أن على المؤمن أن يجعل تفكره في الظواهر الكونية مرتبطًا بتدبره للآيات القرآنية؛ بسبب ما ينتج عن ذلك من التشمير والجد والعمل! حيث تقع الآيات بعد ذلك على النفس الكسولة الغافلة، موقع السوط اللاهب على ظهر الدابة الخاملة! فتقفز مسرعة بصاحبها في الطريق إلى الله! وكذلك كان تدبر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن التابعي العابد الزاهد ابن أبي مليكة رحمه الله، قال: "صَحِبْتُ ابنَ عباس رضي الله عنهما من مكة إلى المدينة، فكان إذا نزل قام شَطْرَ الليل! فَسُئِلَ: "كيف كانت قِرَاءَتُهُ؟" قال: "قرأ: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} [ق:19] فجَعلَ يُرَتِّلُ ويُكْثِرُ في ذلك النَّشِيجَ!" (سير أعلام النبلاء للذهبي: [3/342]) والنَّشِيجُ: شدة البكاء، إذا هاج على صاحبه؛ فبكى بصوت مخنوق في صدره، فصار له أَزِيزٌ كأزيزِ القِدْرِ أو الْمِرْجَلِ! وفي تفسير الطبري: "أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قرأ هذه الآية: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} [المؤمنون:104]، قال: ألم تر إلى الرأس الْمُشَيَّطِ بالنار، وقد قَلُصَتْ شفتَاه وبدت أسنانُه!". (تفسير الطبري للآية:104 من سورة المؤمنون) يقصد التمثيل التدبري للمعنى برأس الكبش الْمُشَيَّطِ، أي بعد تشويطه بالنار. تقول: شَوَّطَ وشَيَّطَ، سواء. وهذا تدبر عجيب؛ لما فيه من ربطٍ للآيات القرآنية بالمشاهَدَات اليومية في الحياة ا لدنيا-رغم عظم الفرق- ولكن الاتعاظ بالصغير الحقير أدعى إلى الاتعاظ بالكبير الخطير! وفي ترجمة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الإصابة لابن حجر، أنه: "كان رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ} [الحديد:16]، يبكي حتى يغلبه البكاء..!" (ترجمته في: "من اسمه عبد الله" في "الإصابة في معرفة الصحابة" لابن حجر). وورد "أن أبا طلحة رضي الله عنه قرأ هذه الآية: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً} [التوبة:41]، فقال: "أرى ربي يستنفرنا شيوخَنا وشُبَّانَنَا! جهزوني أيْ بَنِيَّ! جهزوني!" (يعني للجهاد! وكان يومها قد شاخ وكَبُرَ!) فقال بنوه: "قد غزوتَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ونحن نغزو عنك!" (أي بعدما عجزت) فقال: "جهزوني!" فركب البحر، فمات. فلم يجدوا له جزيرة (لدفنه) إلا بعد سبعة أيام! فدفنوه فيها ولم يتغير!" (الطبقات الكبرى لابن سعد: [3/507]). وعند تفسير قوله تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف:49]، قال الإمام القرطبي: "وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية يقول: يا ويلتاه..! ضَجُّوا إلى الله تعالى من الصغائر قبل الكبائر!" (تفسير القرطبي للآية:49 من سورة الكهف). وروى الإمام البيهقي في شعب الإيمان بسنده عن الواعظ الكبير مالك بن دينار أنه رحمه الله: "قرأ هذه الآية: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود:88]. قال: فَأُسَمَّى في القيامة ِ مَالِكاً الصَّادِقَ، أو مَالِكاً الكاذبَ!" (شعب الإيمان، رقم: [1802]) وهو بذلك يُنَـزِّلُ مضمون الآية على نفسه -حيث كان واعظاً- فجعل يحاسب نفسه بميزان القرآن، ويتدبر الآية بالنظر إلى نفسه، مشفقاً من حالها ومآلها، وما قد يكون من مصيرها! قصد تهذيبها، وكسر شوكة غرورها، وتصفية مقاصدها، وتجريد إخلاصها لربها! وهو من أجل ضروب التدبر والتفكر! وفي الزهد لأحمد بن حنبل -وغيره- أن مالكا بن دينار أيضا قرأ هذه الآية: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ} [الحشر:21] فبكى، وقال: "أقسم لكم! لا يؤمن عبدٌ بهذا القرآن إلا صدع قلبَه!" (الزهد لأحمد بن حنبل، رقم: [1878]). والأثر أورده أيضًا أبو نعيم في الحلية عند ترجمة مالك بن دينار، كما أورده السيوطي في الدر المنثور عند تفسير الآية:21 من سورة الحشر) الله أكبر..! ألا ما أجله من تدبر! وما أدقه من تفكر! لقد وضع مالك بن دينار رحمه الله قلبَه موضع الجبل! فكيف تراه يكون؟ أيكون أشد صلابةً من الجبل؟ كيف بقلب يتلقى القرآن حق التلقي، كيف به وهذا الجبل قد خشع له وتصدع!؟ ذلك هو التدبر.. وإن الأمثلة في مثل هذا لأكثر من أن تحصى! وأنت تلاحظ أن هذه النصوص جميعًا ليست من قبيل التفسير بمعناه الاصطلاحي الخاص، وإنما هي مجرد تعبير عن المشاعر الخاصة، والمواجيد الجياشة، الحاصلة في النفس عند تلاوة الآيات، وما يخالط القلب من الرَّغَبِ والرَّهَبِ، والخوف والرجاء، في طريق السير إلى الله! كما أن فيها تنـزيلاً للآيات على واقع النفس، أو واقع المجتمع، أو على أحوال الطبيعة حول الإنسان، ومشاهدةً لبروق الوعد والوعيد، من خلال تقلبات الليل والنهار. وفضحاً لغش النفس وضعفها؛ بتسليط كشافات القرآن عليها! كما أن فيها مشاهدةً للعزائم العالية التي طلبها الله عز وجل من العباد، وما ينتصب دونها من مشاق الطريق ومكارهها! ولذلك ترى المتدبرين للقرآن والمتفكرين في آياته الكونية، بين بَاكٍ مختنق بالأنين، أو مُطْرِقٍ مهموم حزين! ولا يخرج كلاهما من مجلسه أو خلوته إلا بعزيمة تهد الجبال! وإن الواحد من هذا الطراز البشري العظيم لهو بأمة! ذلك هو التدبر، وذلك هو التفكر، وتلك هي الذكرى.. وإنما ثمرة ذلك كله هو تهييج النفس على العمل، وتنشيط القلب على السير، وتوثيق إرادة النفس على عزائم الأعمال! فكذلك كان تدبرهم للقرآن، وكذلك كان تفكرهم في الزمان.. فما بالنا نحن؟ إنما نحن في حاجة إلى قلوب مثل قلوبهم، وإخلاص مثل إخلاصهم! وإنني لعلى يقين لو أن الناس اليوم يُحْيُونَ هذا المسلك في النفوس من جديد، ويتداولون القرآن في المجتمع على هذا الوِزَانِ؛ لتدفقت أنهار النور على الظلام! ولكان للأمة في هذا العصر شأن آخر! وإنه لَيَكُونَنَّ إن شاء الله! وما ذلك ببعيد! فإنني أرى عباداً لله خُلَّصاً قد بدؤوا يرفعون راية القرآن فوق تلال قلوبهم! وإن نصب راية القرآن على تلال القلوب لهو: {نَصْرٌ مِّنَ اللَّـهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف:13]. اللهم ألهمنا مراشدنا، واسلك بنا سبيل الهدى، واجعلنا سببا لمن اهتدى. المحب لكم: فريد الأنصاري، عفا الله عنه وعن المؤمنين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* موقع طريق الإسلام: (http://iswy.co/e178l3).الفرق بين التدبر والتفسير * الكاتب: د. فريد الإنصاري رحمه الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: حول مفهوم التدبر للقرآن كتب أخونا سعد كلمات قيمة، ترجم فيها إشكالاً مهمًا، أو شبهة تعرض لكثير من الناس، حول تدبر كتاب الله ومدارسة آياته. وكان فيما قال أسعده الله: "لا شك أنه من اللافت فعلاً شدة إعراض الناس عن القرآن الكريم! فأغلب الناس لا يُقبلون عليه إلا مرة في السنة أو في سنوات!" ثم قال: "يبدو لي أن أحد الأسباب التي تكمن وراء هذا الإعراض هو (تهيب) الإقبال على القرآن مباشرة ودون واسطة. صحيح أن من الناس من يتفادى التدبر؛ لأنه لا يعرف قيمة القرآن! ولكن هنالك أيضاً صنف من المسلمين يخافون أن يُعْمِلُوا فكرهم في آيات الله -وإن كان بحضور التفسير!- لأنه "شيء جديد وغير مألوف!" ولأنه (اجتراء) على الله! فما هي الضوابط التي ينبغي الالتزام بها أثناء تدارس القرآن أو تدبره؟ ما الذي يضمن أن العبد لن ينجرف وراء خواطر شيطانية، وهو يظنها رحمانية؟ وإلى أي حد يمكن أن يقول (برأيه) في استخراج معاني القرآن وحقائقه الإيمانية؟ أعتقد أن توضيح هذه النقاط مهم للغاية، خاصة وأنني أعرف بعض الصالحين ممن يخافون فعلاً أن يتدبروا القرآن. ولقد سمعت بأذني أحدهم يقول لصديق لي حين سمعه يتدبر آية من سورة العلق: "هل تريد أن تكون مفسراً؟"!! فَوَضْعُ هذه الحدود كفيل إن شاء الله بتشجيع الناس على الإقبال على القرآن دون خوف أو وجل.. والسلام عليكم". وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. بارك الله فيك أخي سعداً! تساؤل في غاية الأهمية، وملحوظة في غاية الدقة! ولقد أشرتُ إلى بعض حقائق التدبر في كتيب (مجالس القرآن)، وكشفتُ هنالك عن طبيعة الإشكال. ولقد استقريت -بتوفيق الله- عشرين ضابطاً لمجلس التدارس والتدبر؛ ما يحفظه -بإذن الله- عن الشرود والانحراف. ولعل الأحبة يجدون في الطبعة الجديدة للكتاب -بزياداتها- ما يكفي لذلك، إن شاء الله، وبه الثقة. وإنما المحفوظ من حفظه الله! وإنما الذي أفزعني ههنا هو ما حكاه سعدٌ عن بعض الإخوان، من الاستعظام لفعل التدبر، والإنكار على المتدبر بما يشبه السخرية! ولذلك فقد أحببت نزع ما يلقيه الشيطان في النفس- تحت ستار الورع وذريعة التقوى!- من الصد عن تدبر كتاب الله! وحرمان الأمة من أعظم أصل في منهاج التعامل مع رسالات الله! ويمكن توضيح القول ههنا حول التدبر بطريقة أخرى، وبيان ذلك -بحول الله- هو كما يلي: - أولًا: لا بد من بيان أن التدبر هو غير التفسير! هذا أمر مهم جدًا! ونحن نعلم أن بعض العلماء المعاصرين قد استعملهما على سبيل الترادف. وهو غير صحيح! فالتفسير بيان وشرح للمعنى، بينما التدبر اتعاظ بالمعنى واعتبار به وتذكر! وبينهما فرق كبير! إن التفسير من الفَسْرِ، وهو: الكشف والبيان. ولذلك سمي بيان كتاب الله تفسيراً؛ لأنه يكشف اللثام عن معانيه اللغوية والسياقية والشرعية، باستعمال قواعد التفسير المعروفة عند أهله. وهذا هو علم التفسير. وقد كنا -مع بعض إخواننا- نتدارس كتاب الشيخ العلامة عبد الرحمن حبنكة الميداني رحمه الله: (قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله عز وجل)؛ فوجدنا أنما هو كتاب في قواعد التفسير! وهو كتاب من العمق والدقة بمكان! لكنه لا تدبر فيه بالمعنى القرآني للكلمة! وإنما هو قواعد منهجية تضبط عمل المفسر لكتاب الله. أما التدبر-من التفعل- فهو: النظر إلى دُبُرِ الشيء، أي التأمل في دَوَابِرِ الأمور المتوقعة، بمعنى النظر إلى عاقبتها، وما يمكن أن تؤول إليه. كما يدخل فيه النظر في دوابر الأمور الواقعة من قبل؛ لمعرفة أسبابها ومقدماتها. وهذا لا يوجد في كتب التفسير إلا نادراً. لأنه -في الغالب- عمل قلبي شخصي، ونظر نفسي لا ينوب فيه أحد عن أحد. وهل يستطيع أحد أن ينوب عن غيره في الخوف والرجاء، أو في الكسل والنشاط؟ هذا ممتنع عقلاً وطبعاً وشرعاً! اللهم إلا ما تعلق بربط الأسباب بمسبباتها -على المستوى الخارجي- وما كان في معناه. - ثانياً: إن التدبر هو مرحلة ما بعد التفسير! أي ما بعد الفهم للآية. لكن الفهم المطلوب لتحصيل التدبر إنما هو الفهم الكلي العام، أو بعبارة أخرى: الفهم البسيط. ولا يشترط في ذلك تحقيق أقوال المفسرين والغوص في دقائق كتب التفسير! وإلا صار القرآن موجهاً إلى طائفة محصورة فقط! ومن ثم يمكن لأي شخص أن يتدبر القرآن بعد التحقق من المعنى المشهور للآية، يقرؤها من أي تفسير أو يسمعها. إن التدبر حركة نفسية باطنية! تنظر إلى صيرورة النفس في الزمان والمكان، بالنسبة إلى احتمالين: الأول احتمال متابعة القرآن والاستسلام لأحكامه وحكمه. والثاني: عكسه، وهو النكوص والتمرد والجحود والعصيان! ففي كلا الأمرين ينظر المتأمل إلى مآل الحال المحتمل! ذلك هو التدبر! ولذلك كان التدبر لغة -كما ذكرنا- نظراً إلى أدبار الحوادث ونتائجها، وربطاً للأسباب بمسبباتها، فيما وقع وفيما يحتمل أن يقع، على المستوى النفسي والاجتماعي. في الخير والشر سواء! إنه إذن ضرب من المحاسبة للنفس في ضوء القرآن، والمراقبة لأحولها، في صيرورتها الذاتية والاجتماعية. إن التدبر إذن هو نظر في الآية باعتبارها مبصاراً، يكشف عن أمراض النفس وعللها، ويقوم في الوقت نفسه بتهذيبها وتشذيبها. أي بتزكيتها وتربيتها. ومن ثم فإنه يكفي المتدبر للقرآن أن يعلم المعنى العام للآية أو السورة، مما أُثِرَ عن جمهور السلف؛ ليدخل في مسلك التدبر. ولا شك أن علم العالم وخبرة المفسر تعطيه فرصةً أكبر بكثير؛ لتعميق التدبر في الآيات، والوصول بها إلى أرقى منازل الإيمان! ولكن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن غير المختصين بالتفسير، أو حتى العوام محجوبون من التدبر! إن غير العالم لن يعجز عن تدبر آية {الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2] مثلاً، والنظر في مآلات فعل الحمد في نفسه وفي المجتمع -على قدر طاقته طبعاً- وكذا مآلات نقيضه من النكران والجحود كيف يكون؟ وإن غير العالم إذا فسرتَ له أن {الفَلَقَ} هو الفجر؛ أمكنه آنئذ أن يتدبر قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ . مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} [الفلق:1-2]. وكذلك إذا علم أن {الْجُدَدَ} هي: الطرق والمسالك الجبلية، وأن {الغَرَابِيبَ} هي: الصخور السوداء؛ أمكنه أن ينطلق في آفاق تدبر قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} [فاطر:27]. ولقد تعمدت أن أمثل بهذه الكلمات القرآنية الغريبة إلى حد ما، وإلا فجمهور المعجم القرآني من الميسور المعلوم، بل إن كثيراً منه متداول في اللهجات العامية العربية! ولم لا يتدبر؟ أليس يرى القارئ للآية المذكورة مثلاً، مشهدَ نزول الماء من السماء؟ أليس يرى بعينيه آثار الغيث كلَّ ربيع في الروابي، والجنات، والبساتين، وأشكال الفاكهة والثمار، والجداول، والأنهار، والأطيار، بل في الحياة كلها؟ أليس ينظر إلى الجبال الشاهقة المنتصبة بهيئتها العظيمة بين يديه؟ أليس يرى مسالكها من بعيد تتلوى حولها خطوطاً حمراء وبيضاء على حسب لون الصخور والتربة الناسجة لها؟ أليس يعجب من مشهد الحجارة الصماء السوداء، الراسية على قمم هذه الجبال أو تلك؟ فكل من أبصر عظمة الخالق في عظمة المخلوق، واتخذ آثار الصنعة مسلكًا يسير به إلى معرفة الله فهو متدبر وهو متفكر! وهذا أمر ليس حكراً على المفسرين ولا على الجيولوجيين، وإن كان لهؤلاء وأولئك من العلم ما يجعلهم يتفوقون ويسبقون به غيرهم، إذا أخلصوا النظر لله! نعم، ولكن الله قد أتاح لكل ذي عينين، وأذنين، وقلب حي، أن يسلك إلى ربه عبر ما يسر الله له من التدبر والتفكر.. ولربما سبق القنفذُ الفرس! وإنما ذلك على حسب صفاء القلب وإخلاص السير! وإنني لأنسى كثيراً، لكنني ما نسيت قط حَدَّاداً شابًا في قريتي الصغيرة بجنوب المغرب، أواخرَ السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الميلادي الماضي.. وكانت الشيوعية آنئذ تنتشر في المغرب انتشار النار في الهشيم! وقد كان دعاتها عندنا من بعض رجال التعليم وطلبة الجامعات، مع الأسف! وكان أحدهم يجلس إلى ذلك الحداد البسيط يعلمه (حقوق العمال) و(ديكتاتورية البروليتاريا!) وكأن مطرقته الثقيلة، وما كان يصنعه للفلاحين الصغار من مناجلَ ومَزَابِرَ ومِحَشَّاتٍ، كانت تذكره بشعار الشيوعية الشهير: "المطرقة والمنجل"! فطمع الأحمق أن يضمه إلى صفوف الشيوعيين! حتى إنه سار معه بعيداً فجعل يشرح له عقيدة الإلحاد، وكيف أن "الدين أفيون الشعوب" على حد تعبير كارل ماركس! وكنتُ أنا أيضاً وأصحابي نجلس إلى هذا الحداد، فيحدثنا بحديث الشيوعي، ثم نتداول الكلام.. وإنني لا أنسى يومًا إذ أخرج من التنور حديدةً مُجَمَّرَةً، قد احْمَرَّ نصلها من النار حتى إنها لتكاد تذوب! ثم انهال عليها بالدق والطرق بقوة، وهو يقول دون أن يرفع رأسه: "يا أخي.. إنهم ينكرون وجود الله ووجود الآخرة! هكذا يقولون.. أما أنا فإنه لربما أصابتني أحيانا شرارةٌ طائشة من هذا الحديد المجمَّر بين يديَّ؛ فتثقب ثوبي ثم جلدي، فيكون لها من الألم الشديد ما الله به عليم! وإن ذلك ليكفيني ترهيباً وتحذيراً من نار جهنم! وإن صاحبنا الشيوعي كلما حدثني بحديثه قلت في نفسي: هذه مجرد ذرة من نار الدنيا، فترى كيف تكون نار الآخرة! وإنني لأرى بعينيَّ أن نار الدنيا هذه التي بين يديَّ لدليل كاف على وجود نار الآخرة!" كذا قال! وإنني ما زلت إلى اليوم أعجب من عمق ملاحظة ذلك الحداد الفطري البسيط! وأتساءل في نفسي: أي تفكر هذا وأي تدبر؟ بل أي علم بالله هذا وأي إبصار! حَقّاً حَقّاً! {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46]. هذا ضرب عجيب من التدبر لحقائق القرآن، ونوع من التفكر العميق في الوجود، وهو ممكن لكل الناس، خاصتهم وعامتهم على السواء. وأنت ترى أن الله جل جلاله أمر الكفار بالتدبر لكتابه! كما في قوله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} [النساء:82]. وقال سبحانه: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24]. فإذا كان الكافر-وهو المجرد قطعًا من كل قواعد التفسير ومناهجه- مأموراً بالتدبر فالمسلم أولى وأحرى! إن المسلم -أي مسلم- إنما عليه أن يصطحب مختصراً صغيراً من كتب التفسير، كتفسير الجلالين مثلاً، أو أحد مختصرات ابن كثير، أو غيرهما؛ وذلك فقط حتى يضبط بوصلة الاتجاه العام لمعنى الآيات، ثم يشرع آنئذ في التدبر للقرآن، ولا حرج. لأن التدبر لكتاب الله لا ينبني عليه حلال ولا حرام، ولا تصدر عنه فتوى ولا قضاء! وإنما هو مسلك روحي يقود القلب إلى التوبة والإنابة، وإلى مجاهدة النفس من أجل الترقي بمراتب العلم بالله! أما صناعة التفسير والاستنباط فهذا هو الذي يخص فئة محصورة من الناس وهم أهل الاجتهاد من العلماء، ممن يفتون ويقررون في القضايا والنوازل. وفي ذلك نزل قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء:83]. وقوله سبحانه: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة:122]. فذاك علم الخاصة. وأما التدبر-بما هو تذكر واعتبار- فهو لعامة المسلمين. قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر:17]. وعليه؛ فالمفسر عالم وفقيه، يقوم ببيان الحقائق القرآنية والأحكام الشرعية، والتصدر للفتوى. بينما المتدبر مجرد متعظ وواعظ. وقد يجمع الله للمرء بين الخيرين. والعالم الحق لا يصح له إلا ذلك! ومن ثم جاز لنا أن نقول: "كُلُّ عالِمٍ أو كلُّ مفسِّرٍ متدبرٌ، وليس كل متدبرٍ مفسِّراً!" فتأمل! إن الذي يمتنع عن تدبر القرآن أو ينهى غيره عن ذلك؛ بدعوى أن التدبر أمر خاص بعلماء التفسير، إنما هو جاهل بهذا الفرق الجوهري الكبير بين التفسير والتدبر.. وأخشى أن يكون الشيطان قد لبَّس عليه تلبيساً؛ ليحرمه هو في نفسه من نور القرآن! أو يجعله أداة لقطع الطريق أمام السائرين إلى الله! إن التدبر للقرآن مطلوب من العالِم، ومن المهندس، والطبيب، والأستاذ، والفلاح، والحداد، والنجار، والتاجر... إلخ! بل إن التدبر مطلوب من الكافر الأعجمي، إنجليزياً كان أو فرنسياً أو صينياً، أو ما كان! نعم! نعم! لكن فقط بعد أن تترجم له المعاني العامة للآيات! بينما التفسير إنما هو صناعة العلماء فقط. ومصطلح (التدبر) في القرآن قريب من مصطلح (التفكر) وإن لم يكونا مترادفين. فكأن (التدبر) ينصرف استعماله غالبًا إلى تأمل القرآن، بينما (التفكر) ينصرف استعماله إلى تأمل الكون المنظور. قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَاْلأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:190-191]. وإذا تأملت وجدت نتيجة كُلٍّ من التدبر والتفكر واحدة، ألاَ وهي: الاتعاظ والاعتبار! وهو ما حكاه الله عن الذاكرين المتفكرين: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}. إن هذا معناه أيضا أن النظر (التفكري) في الكون ليس عملًا عقليًا معقدًا، خاصا بعلماء الفيزياء والكيمياء والفلك والرياضيات والبيولوجيا والطبيعيات... إلخ! نعم هم مشمولون بأمره، بل هم أولى به! لكن (التفكر) كالتدبر، مطلوب أيضًا من غير المتخصصين، بل حتى من العوام! كُلٌّ على قدر فكره!.. وما يدريك؟ لعل فلاحًا بسيطاً، يصل إلى عِبَرٍ للقلب لا يتحقق بها المتخصص الخبير! لأن نتائج كُلٍّ من التدبر والتفكر محض هبة من الرحمن، ومجرد هُدًى منه تعالى! إن التدبر والتفكر يؤولان معاً إلى مصطلح قرآني مركزي ثالث، ألا وهو (التَّذَكُّرُ) بالذال المعجمة، أو (الاِدِّكَارُ) بالدال المهملة، ومشتقاتهما وهما سواء (قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسير قوله تعالى من سورة القمر: {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}: "وأصل "مُدَّكِر": مفتعل من ذَكر، اجتمعت فاء الفعل، وهي ذال، وتاءٌ وهي بعد الذال، فَصُيِّرَتَا دالا مشددة. وكذلك تفعل العرب فيما كان أوله ذالا يتبعها تاءُ الافتعال، يجعلونهما جميعاً دالا مشددة، فيقولون: اِدَّكَرْتُ ادِّكَاراً، وإنما هو: اِذْتَكَرْتُ اذْتِكَاراً"). قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ} [ص:29]. وقال سبحانه: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر:17]. وإنما يختص (التدبر) بتحصيل الذكرى عن طريق النظر في الآيات القرآنية. بينما يختص (التفكر) بتحصيل الذكرى بالآيات الكونية. هذا هو الغالب، وربما وجدت هذا بمعنى ذاك. إذ بينهما علاقة جدلية؛ لأن أحدهما يؤدي إلى الآخر. فالتدبر للقرآن يقودك إلى التفكر في الوجود، والتفكر في الوجود يعود بك إلى القرآن. وهما معًا في جميع الأحوال يثمران تَذَكُّراً للقلب وذكرى. ولا يقول عاقل بأن التذكر والذكر يحتاج فيها الإنسان إلى خبرة علمية وتخصص دقيق! سواء في الشرعيات أو في الكونيات. كلا! كلا! إنما هو عمل قلبي محض، مفتوح لكل ذي قلب! وبذلك قامت حجة الله على جميع الخلق عربهم وعجمهم، خاصتهم وعامتهم! قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق:37]. وبذلك يتبين ما لتعقيد الضوابط والشروط للتدبر أو للتفكر، من خروج عن منهاج القرآن! قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} [الجمعة:2]. إن المتدبر أو المتفكر-كليهما- في حاجة إلى التحقق بأمرين اثنين: - الأول: الفهم العام للآية قراءةً، أو سماعاً إن كان أميًا. ويحسن أن يكون ذلك بمجلس مدارسة، تعلما وتعليما، على منهاج رسول الله -معلم الأميين- صلى الله عليه وسلم. - الثاني: إخلاص النظر لله! وكلاهما بمقدور جميع الناس، إلا من رُفِعَ عنه القلم! قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سبأ:46]. وهذا خطاب موجه في الأصل للكفار، فتأمل! وأحب قبل ختام هذه الكلمات أن أعززها بإيراد أمثلة عن تدبر النبي صلى الله عليه وسلم وتفكره. فالسنة هي البيان الرئيس للقرآن الكريم ومفاهيمه. وأمثلة أخرى عن تدبر الصحابة رضي الله عنهم، وكذا بعض التابعين. ففي مشهد من أَجَلِّ مَشَاهِدِ النبوة، لم يزل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يبكي في صلاته من تدبره وتفكره؛ إذْ أَرَاهُ اللهُ من أسرار مَلَكُوتِهِ ما أَرَاهُ؛ حتى بكت الأرض ببكائه عليه الصلاة والسلام! فقد سَأَلَ عُبَيْدٌ بْنُ عُمَيْرٍ عائشةَ رضي الله عنها، قَالَ: "أَخْبِرِينَا بِأَعْجَبِ شَيْءٍ رَأَيْتِهِ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم!" قالَ: فَسَكَتَتْ، ثُمَّ قَالَتْ: "لَمَّا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي قَالَ صلى الله عليه وسلم: «يَا عَائِشَةُ! ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي!» قُلْتُ: "وَاللهِ إنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ، وَأُحِبُّ مَا سَرَّكَ" قَالَتْ: فَقَامَ فَتَطَهَّرَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ! قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ! قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الأرْضَ! فَجَاءَ بِلاَلٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلاَةِ، فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي قَالَ: "يَا رَسُولَ اللهِ! لِمَ تَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ؟" قَالَ: «أَفَلاَ أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً؟ لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا! {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَاْلأَرْضِ. رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}» [آل عمران:190-191] (رواه ابن حبان في صحيحه. وقال الشيخ الألباني: إسناده جيد، وحسنه في صحيح الترغيب). وقد ورد التدبر والتفكر ههنا بمعنى واحد كما أشرنا إليه من قبل، لارتباطهما الجدلي. فقوله صلى الله عليه وسلم: «وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا!» هو بمعنى: لم "يتدبرها" لأن تدبرها مُفْضٍ بالضرورة إلى التفكر في خلق السماوات والأرض؛ ولذلك عبر هنا بالتفكر. وأما وعيده عليه الصلاة والسلام للممتنع عن التفكر بالويل؛ فهو دليل قوي على وجوب التفكر والتدبر-إجمالاً- على جميع الناس! سواء منهم العالم والعامي، كُلٌّ على ما يسر الله له.. فتأمل! وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلث الليل، قام فقال: «يا أيها الناس!.. اذكروا الله! جاءتِ {الرَّاجِفَةُ . تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} [النازعات:6-7]. جاء الموت بما فيه! جاء الموت بما فيه!» (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وحسنه الألباني في الصحيحة وفي صحيح الترمذي وصحيح الجامع الصغير). ولا يخفى ما في الحديث من تضمين لآيتي النازعات: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ . تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} [النازعات: 6-7]. وما في ذلك من تدبر عجيب لهذه الحقيقة الإيمانية في جوف الليل؛ وذلك لِشَبَهِ الليل بظلمة القبر من جهة، ولأن الليل -من جهة أخرى- هو موتٌ لحركة النهار! وفي ذلك أيضًا إشارة إلى أن على المؤمن أن يجعل تفكره في الظواهر الكونية مرتبطًا بتدبره للآيات القرآنية؛ بسبب ما ينتج عن ذلك من التشمير والجد والعمل! حيث تقع الآيات بعد ذلك على النفس الكسولة الغافلة، موقع السوط اللاهب على ظهر الدابة الخاملة! فتقفز مسرعة بصاحبها في الطريق إلى الله! وكذلك كان تدبر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن التابعي العابد الزاهد ابن أبي مليكة رحمه الله، قال: "صَحِبْتُ ابنَ عباس رضي الله عنهما من مكة إلى المدينة، فكان إذا نزل قام شَطْرَ الليل! فَسُئِلَ: "كيف كانت قِرَاءَتُهُ؟" قال: "قرأ: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} [ق:19] فجَعلَ يُرَتِّلُ ويُكْثِرُ في ذلك النَّشِيجَ!" (سير أعلام النبلاء للذهبي: [3/342]) والنَّشِيجُ: شدة البكاء، إذا هاج على صاحبه؛ فبكى بصوت مخنوق في صدره، فصار له أَزِيزٌ كأزيزِ القِدْرِ أو الْمِرْجَلِ! وفي تفسير الطبري: "أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قرأ هذه الآية: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} [المؤمنون:104]، قال: ألم تر إلى الرأس الْمُشَيَّطِ بالنار، وقد قَلُصَتْ شفتَاه وبدت أسنانُه!". (تفسير الطبري للآية:104 من سورة المؤمنون) يقصد التمثيل التدبري للمعنى برأس الكبش الْمُشَيَّطِ، أي بعد تشويطه بالنار. تقول: شَوَّطَ وشَيَّطَ، سواء. وهذا تدبر عجيب؛ لما فيه من ربطٍ للآيات القرآنية بالمشاهَدَات اليومية في الحياة ا لدنيا-رغم عظم الفرق- ولكن الاتعاظ بالصغير الحقير أدعى إلى الاتعاظ بالكبير الخطير! وفي ترجمة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الإصابة لابن حجر، أنه: "كان رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ} [الحديد:16]، يبكي حتى يغلبه البكاء..!" (ترجمته في: "من اسمه عبد الله" في "الإصابة في معرفة الصحابة" لابن حجر). وورد "أن أبا طلحة رضي الله عنه قرأ هذه الآية: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً} [التوبة:41]، فقال: "أرى ربي يستنفرنا شيوخَنا وشُبَّانَنَا! جهزوني أيْ بَنِيَّ! جهزوني!" (يعني للجهاد! وكان يومها قد شاخ وكَبُرَ!) فقال بنوه: "قد غزوتَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ونحن نغزو عنك!" (أي بعدما عجزت) فقال: "جهزوني!" فركب البحر، فمات. فلم يجدوا له جزيرة (لدفنه) إلا بعد سبعة أيام! فدفنوه فيها ولم يتغير!" (الطبقات الكبرى لابن سعد: [3/507]). وعند تفسير قوله تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف:49]، قال الإمام القرطبي: "وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية يقول: يا ويلتاه..! ضَجُّوا إلى الله تعالى من الصغائر قبل الكبائر!" (تفسير القرطبي للآية:49 من سورة الكهف). وروى الإمام البيهقي في شعب الإيمان بسنده عن الواعظ الكبير مالك بن دينار أنه رحمه الله: "قرأ هذه الآية: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود:88]. قال: فَأُسَمَّى في القيامة ِ مَالِكاً الصَّادِقَ، أو مَالِكاً الكاذبَ!" (شعب الإيمان، رقم: [1802]) وهو بذلك يُنَـزِّلُ مضمون الآية على نفسه -حيث كان واعظاً- فجعل يحاسب نفسه بميزان القرآن، ويتدبر الآية بالنظر إلى نفسه، مشفقاً من حالها ومآلها، وما قد يكون من مصيرها! قصد تهذيبها، وكسر شوكة غرورها، وتصفية مقاصدها، وتجريد إخلاصها لربها! وهو من أجل ضروب التدبر والتفكر! وفي الزهد لأحمد بن حنبل -وغيره- أن مالكا بن دينار أيضا قرأ هذه الآية: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ} [الحشر:21] فبكى، وقال: "أقسم لكم! لا يؤمن عبدٌ بهذا القرآن إلا صدع قلبَه!" (الزهد لأحمد بن حنبل، رقم: [1878]). والأثر أورده أيضًا أبو نعيم في الحلية عند ترجمة مالك بن دينار، كما أورده السيوطي في الدر المنثور عند تفسير الآية:21 من سورة الحشر) الله أكبر..! ألا ما أجله من تدبر! وما أدقه من تفكر! لقد وضع مالك بن دينار رحمه الله قلبَه موضع الجبل! فكيف تراه يكون؟ أيكون أشد صلابةً من الجبل؟ كيف بقلب يتلقى القرآن حق التلقي، كيف به وهذا الجبل قد خشع له وتصدع!؟ ذلك هو التدبر.. وإن الأمثلة في مثل هذا لأكثر من أن تحصى! وأنت تلاحظ أن هذه النصوص جميعًا ليست من قبيل التفسير بمعناه الاصطلاحي الخاص، وإنما هي مجرد تعبير عن المشاعر الخاصة، والمواجيد الجياشة، الحاصلة في النفس عند تلاوة الآيات، وما يخالط القلب من الرَّغَبِ والرَّهَبِ، والخوف والرجاء، في طريق السير إلى الله! كما أن فيها تنـزيلاً للآيات على واقع النفس، أو واقع المجتمع، أو على أحوال الطبيعة حول الإنسان، ومشاهدةً لبروق الوعد والوعيد، من خلال تقلبات الليل والنهار. وفضحاً لغش النفس وضعفها؛ بتسليط كشافات القرآن عليها! كما أن فيها مشاهدةً للعزائم العالية التي طلبها الله عز وجل من العباد، وما ينتصب دونها من مشاق الطريق ومكارهها! ولذلك ترى المتدبرين للقرآن والمتفكرين في آياته الكونية، بين بَاكٍ مختنق بالأنين، أو مُطْرِقٍ مهموم حزين! ولا يخرج كلاهما من مجلسه أو خلوته إلا بعزيمة تهد الجبال! وإن الواحد من هذا الطراز البشري العظيم لهو بأمة! ذلك هو التدبر، وذلك هو التفكر، وتلك هي الذكرى.. وإنما ثمرة ذلك كله هو تهييج النفس على العمل، وتنشيط القلب على السير، وتوثيق إرادة النفس على عزائم الأعمال! فكذلك كان تدبرهم للقرآن، وكذلك كان تفكرهم في الزمان.. فما بالنا نحن؟ إنما نحن في حاجة إلى قلوب مثل قلوبهم، وإخلاص مثل إخلاصهم! وإنني لعلى يقين لو أن الناس اليوم يُحْيُونَ هذا المسلك في النفوس من جديد، ويتداولون القرآن في المجتمع على هذا الوِزَانِ؛ لتدفقت أنهار النور على الظلام! ولكان للأمة في هذا العصر شأن آخر! وإنه لَيَكُونَنَّ إن شاء الله! وما ذلك ببعيد! فإنني أرى عباداً لله خُلَّصاً قد بدؤوا يرفعون راية القرآن فوق تلال قلوبهم! وإن نصب راية القرآن على تلال القلوب لهو: {نَصْرٌ مِّنَ اللَّـهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف:13]. اللهم ألهمنا مراشدنا، واسلك بنا سبيل الهدى، واجعلنا سببا لمن اهتدى. المحب لكم: فريد الأنصاري، عفا الله عنه وعن المؤمنين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * موقع طريق الإسلام: (http://iswy.co/e178l3).1
- من أهم مقاصد القُرآن
الكاتب: الشيخ مُعوض عوض إبراهيم
إن جماع ما أنزل الله لأجله القرآن أمور تتراءى في آياته لمجرد النظر، وهي:
أولاً: تصحيح العقيدة، ورد الناس عما عراهم من شرك، إلى فطرة الله فيهم:
قال الله جلَّ شأنه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون) [الروم: 30] ..
ثانيًا: تجريد قصد الناس إلى الله فيما لا يُعين عليه من جلائل الأمور سواه، وعبادته وحده على مقتضى ما بَلَغَنَا من صلاة رسول الله وصيامه، وما وراء ذلك من تكاليف الإسلام التي هي سبيل تزكية النفس:
قال الله سبحانه وتعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) [الشمس: 7- 10] ، وقال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) [الأعلى: 14، 15] ..
ولقد كان من ضَرَاعات النبي صلى الله عليه وسلم ومناجاته للحي القيوم: ((اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها)) .. وما أحق الهدى والتقى بأن نستعين بالله على بلوغ أقصى ما يمكن منهما، لتصلح الدنيا وتطيب العقبى: (فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [الأعراف: 25] ..
ثالثًا: وعد الله لمن آمن وعمل صالحا، ووعيده لمن كفر واتبع هواه، وتوكيد أنَّ في الإيمان والطاعة سعادة الأولى والآخرة، وأنَّ في خلافهما الخسران والهوان في الحياتين:
قال الله جلَّ وعلا: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النور: 55] ..
ورحم الله الإمام أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي؛ فهو يقول: "إنَّ في كتاب الله تعالى آية لو عمل بها المسلمون لوسعتهم: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [سورة العصر] ..
وهو تعبير جليل من الإمام الشافعي –رحمه الله ورضي عنه- للسورة الجامعة- على وجازتها- لموجبات السعادة، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُفارق الرجل منهم صاحبه حتى يقرأ عليه [سورة العصر]، وكأنهم بذلك يستثير كل منهما صاحبه أن يذكره بما غاب عنه من صور الكمال البشري الممكن، وأن يكون عونه لبلوغ ما أراد الله من إيمان به وعمل بمراضيه، وتواص بالحق الذي أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، وتواص باحتمال الصعاب في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما لابد من احتماله لمخالطة الناس؛ فالمؤمن الذي يُخالط الناس في الله ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي يعتزلهم قبل أن يُؤدي دوره في النُّصح لهم والإعذار إلى الله، إنْ هم صَدُّوا عن سبيله وعَتَوْا عن أمر ربهم، والله تعالى يقول لمصطفاه الحبيب صلى الله عليه وسلم: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) [آل عمران: 186] ..
ومن وعيد الله لمن ضَلَّ وَأَثِم: قوله جلَّ شأنه: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ) [الأعراف: 175- 177] ..
والنَّبأ- مَثلاً كان أو واقعًا- هو أشبه شيء بمن يحيون في زماننا وهم يُحسبون على العلم والدعوة والاهتداء بهدى الله، ولكنهم في الحقيقة يفتنون عن الحق، ويشترون بآيات الله ثمنا قليلا، وهم يعلمون أن ما تتحلب له الشفاه من مناعم هذه الحياة ليس إلا بَرْقاً خلبا، وسحابة صيف عن قليل تقشع، وخيال طيف تقتحمه الأعين لحظات ثم يكون بَعْدُ سِلَفاً وذكرى للذاكرين ..
ورابع، ما يُلحظ بين ما أنزل الله من أجله القرآن: سوق أخبار الأولين وقصصهم وسلوك الأفراد والجماعات للعبر والعظة وبيان أحكام المعاملات ومقتضيات العيش الكريم، وهي في الإسلام إطار السعادة وينبوعها الدفاق لأنها شرع الله ووضع الحكيم الرحيم سبحانه. ومغرق في الضلال من يحسب السعادة في غير دين الله ومن يطلبها بغير هداه:
قال الحق جلَّ شأنه: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) [النور: 40] ..
وقال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) [الكهف: 57] ..
وقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [يوسف: 111] ..
هذا غيض من فيض القُرآن ومعينه الذي لا ينضب، ونسأل الله العلي القدير أن ينفعنا وبرفعنا وإياكم بالقُرآن العظيم .. وبالله التوفيق، وصلَّ الله وسلم وبارك على سيدنا مُحمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* موقع الهيئة العالمية للقرآن الكريم: (https://2u.pw/ped7c).من أهم مقاصد القُرآن الكاتب: الشيخ مُعوض عوض إبراهيم إن جماع ما أنزل الله لأجله القرآن أمور تتراءى في آياته لمجرد النظر، وهي: أولاً: تصحيح العقيدة، ورد الناس عما عراهم من شرك، إلى فطرة الله فيهم: قال الله جلَّ شأنه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون) [الروم: 30] .. ثانيًا: تجريد قصد الناس إلى الله فيما لا يُعين عليه من جلائل الأمور سواه، وعبادته وحده على مقتضى ما بَلَغَنَا من صلاة رسول الله وصيامه، وما وراء ذلك من تكاليف الإسلام التي هي سبيل تزكية النفس: قال الله سبحانه وتعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) [الشمس: 7- 10] ، وقال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) [الأعلى: 14، 15] .. ولقد كان من ضَرَاعات النبي صلى الله عليه وسلم ومناجاته للحي القيوم: ((اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها)) .. وما أحق الهدى والتقى بأن نستعين بالله على بلوغ أقصى ما يمكن منهما، لتصلح الدنيا وتطيب العقبى: (فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [الأعراف: 25] .. ثالثًا: وعد الله لمن آمن وعمل صالحا، ووعيده لمن كفر واتبع هواه، وتوكيد أنَّ في الإيمان والطاعة سعادة الأولى والآخرة، وأنَّ في خلافهما الخسران والهوان في الحياتين: قال الله جلَّ وعلا: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النور: 55] .. ورحم الله الإمام أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي؛ فهو يقول: "إنَّ في كتاب الله تعالى آية لو عمل بها المسلمون لوسعتهم: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [سورة العصر] .. وهو تعبير جليل من الإمام الشافعي –رحمه الله ورضي عنه- للسورة الجامعة- على وجازتها- لموجبات السعادة، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُفارق الرجل منهم صاحبه حتى يقرأ عليه [سورة العصر]، وكأنهم بذلك يستثير كل منهما صاحبه أن يذكره بما غاب عنه من صور الكمال البشري الممكن، وأن يكون عونه لبلوغ ما أراد الله من إيمان به وعمل بمراضيه، وتواص بالحق الذي أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، وتواص باحتمال الصعاب في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما لابد من احتماله لمخالطة الناس؛ فالمؤمن الذي يُخالط الناس في الله ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي يعتزلهم قبل أن يُؤدي دوره في النُّصح لهم والإعذار إلى الله، إنْ هم صَدُّوا عن سبيله وعَتَوْا عن أمر ربهم، والله تعالى يقول لمصطفاه الحبيب صلى الله عليه وسلم: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) [آل عمران: 186] .. ومن وعيد الله لمن ضَلَّ وَأَثِم: قوله جلَّ شأنه: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ) [الأعراف: 175- 177] .. والنَّبأ- مَثلاً كان أو واقعًا- هو أشبه شيء بمن يحيون في زماننا وهم يُحسبون على العلم والدعوة والاهتداء بهدى الله، ولكنهم في الحقيقة يفتنون عن الحق، ويشترون بآيات الله ثمنا قليلا، وهم يعلمون أن ما تتحلب له الشفاه من مناعم هذه الحياة ليس إلا بَرْقاً خلبا، وسحابة صيف عن قليل تقشع، وخيال طيف تقتحمه الأعين لحظات ثم يكون بَعْدُ سِلَفاً وذكرى للذاكرين .. ورابع، ما يُلحظ بين ما أنزل الله من أجله القرآن: سوق أخبار الأولين وقصصهم وسلوك الأفراد والجماعات للعبر والعظة وبيان أحكام المعاملات ومقتضيات العيش الكريم، وهي في الإسلام إطار السعادة وينبوعها الدفاق لأنها شرع الله ووضع الحكيم الرحيم سبحانه. ومغرق في الضلال من يحسب السعادة في غير دين الله ومن يطلبها بغير هداه: قال الحق جلَّ شأنه: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) [النور: 40] .. وقال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) [الكهف: 57] .. وقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [يوسف: 111] .. هذا غيض من فيض القُرآن ومعينه الذي لا ينضب، ونسأل الله العلي القدير أن ينفعنا وبرفعنا وإياكم بالقُرآن العظيم .. وبالله التوفيق، وصلَّ الله وسلم وبارك على سيدنا مُحمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * موقع الهيئة العالمية للقرآن الكريم: (https://2u.pw/ped7c).0
- الإعجاز الغيبي في القرآن بين الإثبات والنفي (3-3)*
إيرادات وجوابها
الكاتب : محمود عبد الجليل روزن
بعد أن استبان في المقالتين السابقتين من هذه السلسلة[1] أنَّ الإنباء بالغيب من أوجه إعجاز القرآن وبراهين نبوّة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأنَّه من جملة المعاني المتحدَّى بها؛ قد يَرِدُ على ذلك بعض الاستشكالات التي تُبطئ بالساعي إلى قبوله، وفي هذه المقالة سنجتهد في عرض هذه الاستشكالات، ثم نحاول الإجابة عنها بعون الله -عز وجل-، ليسلم لنا التأسيس الذي قمنا به فيما قبل، فاللهم يسِّر وأعِنْ.
الاستشكال الأول:
يقول الأستاذ محمود شاكر: «ولا مناص لمتكلم في (إعجاز القرآن)، من أن يتبين حقيقتين عظيمتين قبل النظر في هذه المسألة، وأن يفصل بينهما فصلًا ظاهرًا لا يلتبس، وأن يميز أوضح التمييز بين الوجوه المشتركة التي تكون بينهما:
أولاهما: أن إعجاز القرآن كما يدلُّ عليه لفظه وتاريخه، وهو دليل النبي -صلى الله عليه وسلم- على صدق نبوته، وعلى أنه رسول الله يُوحَى إليه هذا القرآن، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعرف إعجاز القرآن من الوجه الذي عرفه منه سائر مَن آمَن به من قومه العرب، وأن التحدِّي الذي تضمّنته آيات التحدي، من نحو قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[هود: 13، 14]، وقوله: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[الإسراء: 88]؛ إنما هو تحدٍّ بلفظ القرآن ونظمه وبيانه لا بشيء خارج عن ذلك. فما هو بتحدٍّ بالإخبار بالغيب المكنون، ولا بالغيب الذي يأتي تصديقه بعد دهرٍ من تنزيله، ولا بعلم ما لا يدركه علم المخاطبين به من العرب، ولا بشيء من المعاني مما لا يتصل بالنظم والبيان»[2].
فقد استند الأستاذ على أنَّه يجب أن يكون التحدّي بما يدركه علمُ المخاطبين به من العرب، وبما يأتي تصديقه بمجرد تلاوته -في تقريره ما عدَّه حقيقةً- أنَّ التحدِّي الذي تضمنته آيات التحدي إنما هو تحدٍّ بلفظ القرآن ونظمه وبيانه لا بشيء خارج عن ذلك، فما هو بتحدٍّ بالإخبار بالغيب المكنون، ولا بالغيب الذي يأتي تصديقه بعد دهرٍ من تنزيله، ولا بعلم ما لا يدركه علم المخاطبين به من العرب، ولا بشيء من المعاني مما لا يتصل بالنظم والبيان.
وهذا يقال به لو سلَّمنا أنَّ التحدّي بالإخبار بالغيب هو الشيء الوحيد الـمُتحدَّى به، وأنَّ المتحدَّيْن به هم فقط صريحو العربِ المعاصرين للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا قد يتعارض مع ظاهر قوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[الإسراء: 88]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[البقرة: 21- 23]، فالمتحدَّى عموم الناس المخاطبين بقوله قبل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}، والصواب أنها عامة، والنداء لجميع الناس[3].
ثم إنَّه يلزم الأستاذَ ألّا يَعُدَّ الإخبارَ بالغيب برهانًا من براهين النبوّة لهؤلاء العرب للأسباب نفسها التي ذكرها: أن تصديقه إنما يأتي بعد دهرٍ من تنزيله، وأنَّ دَركه إنما يكون بعلومٍ لا يجيدونها، فعندها يمكن لقائل أن يقول: ليس في القرآن برهانٌ للأعاجم ولا لكثيرٍ من العرب الذين أضاعوا مَلَكة اللسان، فإنَّ دَرك هذه المعجزة إنما يكون بعلومٍ لا يجيدونها، وأنَّ تحقُّق إبلاس العرب الأقحاح لديهم إنما يُدرك -إن أُدرك- بعد حينٍ من البحث وتعاطي العلوم النقلية والمنطقية واللغوية، وهذا -كما ترى- لا يستطيعه جُلّ الناس، فأيّ برهانٍ يقعُ لهم بذلك، فضلًا عن أن يصحّ التحدِّي به؟ وما يجيب به الأستاذُ على هذه نجيبُ به على اشتراطه أن يكون التحدّي مما يقع تصديقه على الفور، وأن يكون مما يدركه علم المخاطبين به.
وبعد؛ فلنا أن نطالب بدليل تخصيص التحدِّي بالبلاغة والنَّظم، ذلك أن الله -عز وجل- أطلق المثليَّة في آيات التحدّي، وهذا الإطلاق يقتضي دخول كل صفات القرآن، فلِمَ يُقصَر التحدِّي على صفة العربية فحسب المتضمنة للأسلوب والنَّظم والبلاغة؟ وقد تحدَّى الإنس والجنّ، فلِمَ يخصَّص التحدّي بالوجه الذي برعت فيه طائفة واحدة في مدة زمنية قصيرة من عُمر أمّة الدعوة؟
إنَّ آية القرآن الحقّة أنَّ حجّته قائمة قيامًا مباشرًا على كلّ مخاطَب به من الإنس والجنّ في كلِّ عصرٍ إلى منتهى التكليف به، ولا يلزم أن يسمعه مُشافهةً من النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ولذا رجا النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أن يكون أكثرَ الأنبياء تابعًا.
يقول الدكتور مصطفى مسلم: «فكانت معجزات الأنبياء ملائمة لطبيعة رسالاتهم، وكانت المعجزة تنتهي بوفاة الرسول ولا يبقى إلا الحديث عنها والأخبار التي يتناقلها أتباع الدين جيلًا عن جيل، ولا تنفكّ المعجزة عن شخص الرسول فلا تبقى بمنأى عنه في الزمان والمكان. أمّا الرسالة المحمدية فهي مستمرة إلى يوم القيامة، ولا بدّ من معجزة مستمرة تقيم الحجّة على الأجيال اللاحقة بصدق الرسول -صلى الله عليه وسلم- وربانية رسالته. ولا تؤدّي المعجزة المادية هذا الدور وهذه المهمة، فكان الاختيار الربانيُّ أن تكون المعجزة وحيًا»[4].
وكثيرًا ما يذكر الله -عز وجل- هذا الموحَى الذي أوحاه إلى نبيه -صلى الله عليه وسلم- وجعله آيته، في سياق التنويه بما اشتمل عليه من أنباء الغيب، كما في قوله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ}[آل عمران: 44، ويوسف: 102]، وقوله تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}[هود: 49]، ويصرّح بذكرها جنبًا إلى جنبٍ مع ذكر عربيته: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ}[يوسف: 2، 3].
على أنَّا نعود فنؤكّد أنَّ التحدِّي واقعٌ بأيٍّ من هذه الأمور مما هو داخلٌ في صفات القرآن المصرّح بها، أو المستنبطة من تحليل مضمونه، فكلٌّ منها بمفرده كافٍ لإفحام المتحدَّيْنَ وخارجٌ عن طوقهم وقدرتهم، واجتماعُها أفحمُ لهم وأقطعُ.
الاستشكال الثاني:
قال الخطابي: «وزعمت طائفة أنَّ إعجازه إنما هو فيما يتضمنه من الإخبار عن الكوائن في مستقبل الزمان نحو قوله سبحانه: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ}[الروم: 1- 4]، وكقوله سبحانه: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ}[الفتح: 16]، ونحوهما من الأخبار التي صدَّقَت أقوالَها مواقعُ أكوانها. قلت: ولا يُشَكُّ في أنَّ هذا وما أشبهه من أخباره نوعٌ من أنواع إعجازه، ولكنه ليس بالأمر العام الموجود في كل سورة من سور القرآن، وقد جعل سبحانه في صفة كلِّ سورة أن تكون معجزة بنفسها لا يقدر أحدٌ من الخلق أن يأتي بمثلها: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[البقرة: 23]، من غير تعيين، فدلّ على أنَّ المعنى فيه غير ما ذهبوا إليه»[5].
وقال الدكتور مساعد الطيار: «وإذا جمَعْتَ الوجوه التي حُكيت في أنواع الإعجاز -سوى الصَّرْفة- وجَدتَ أنها لا تكون في كل سورة؛ بل تتخلف في كثير من السور، فمثلًا: ليس في كل السور إخبار بالغيب. أمّا الذي يوجد في كل سورة بلا استثناء فهو الوجه المتحدَّى به، وهو ما يتعلَّق بالنَّظم العربي لهذا القرآن لغةً وبلاغةً وأسلوبًا؛ بأيّ اصطلاح اصطلح عليه العلماء؛ كقول بعضهم: الإعجاز البلاغي، وقول آخرين: الإعجاز البياني...إلخ، فإنَّ مرجعها إلى النظم العربي المتميز لهذا القرآن الكريم»[6].
وقال: «وجوه الإعجاز في القرآن كثيرة كالإخبار بالغيبيات، لكن الشيء الذي عجز عنه العرب وتحداهم أن يأتوا بمثله هو ذلك النظم والبيان العربي، أمّا المعاني الموجودة فهي تبع وليست أصلًا؛ فسورة العصر مثلًا... ليس فيها إعجاز غيبي أو تشريعي؛ بل فيها ما يتعلق بالنظم والبيان، بدليل أنّ كُتُبَ الله -سبحانه وتعالى- التي نزلت على أنبيائه فيها مغيّبات، وفيها تشريع وفيها أخبار مِثل الأخبار الواردة في القرآن؛ لأن المتكلم بها واحد والحقيقة المتكلم عنها واحدة، لكن الذي تميز به القرآن هو ما يتعلق بالنظم والبيان الذي لا يستطيع العرب أن يأتوا بمثله، فهذا هو المتحدَّى به، وهو الذي ينتظم في جميع سور القرآن، أمّا وجوه الإعجاز الأخرى فتختلف في بعض السور، مثلًا: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}[الكوثر: 1]، فيها إعجاز غيبي وإعجاز في النظم والبيان، لكن ليس فيها إعجاز تشريعي، وقد نأتي إلى سورة أخرى فيها إعجاز تشريعي وإعجاز النظم والبيان، وليس فيها إعجاز غيبي.
والخلاصة: أن إعجاز النظم والبيان العربي واقع في كل سورة، وما سواه من أنواع الإعجاز التي حكاها العلماء تتخلف في بعض السور، وفي هذا دلالة على أن المتحدَّى به هو ما يوجد في كل سورة دون ما سواه، ليتناسب مع قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[يونس: 38]، وقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[البقرة: 23]»[7].
وقبل الجواب عن هذا الاستشكال نعيد التأكيد على أمرين:
الأول: أنَّ التسليم جدلًا بصحة مضمون هذا الاستشكال لا يعني نفي كون الإعجاز الغيبي من وجوه إعجاز القرآن، فهو مُعجِز، ولو سلّمنا بأنه ليس من الأمور الـمُتحدَّى بها. وهو ما صرّح به الخطابي والزركشي والطيّار وغيرهم. فما زال مصطلح الإعجاز الغيبيّ صالحًا؛ بل هو محلّ اتّفاقٍ من العلماء، لا يكاد يُسقطه أحدٌ، سواء من أدخلوه في الوجوه المتحدَّى بها أو مَن قصروها على إعجاز لغته وما إليها.
الثاني: أنَّ التسليم جدلًا بأنَّ بعض سُور القرآن لا تشتمل على أنواع من الإعجاز الغيبي، لا يعني التسليم بأنَّ الوجه الوحيد الذي يوجد في كل سورة بلا استثناء هو ما يتعلَّق باللغة وما إليها. فالقرآن لا ينفكُّ عن صفاته؛ كالنورانية والروحانية والهداية والرحمة والعصمة والشفاء والحكمة والفرقانية والعربية والبيان والهيمنة والعزة والعلوّ والمجد وغيرها. ومحصّلة هذه الصفات هي التي دَفعَت الوليد بن المغيرة إلى قولته الشهيرة: «واللهِ؛ لقد سمعتُ من محمد كلامًا آنفًا ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإنَّ أسفله لمغدق، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، [وإنّ له لَنورًا، وإن له لفرعًا]، وإنه ليعلو وما يُعلى، [وإنه ليحطم ما تحته]»[8]، فلو سلَّمنا جدلًا بأنَّ ذلك ينقض أن يكون المتحدَّى به هو الإخبار بالمغيّبات، فإنه لا ينقض أن يكون المتحدّى به ما دلَّت عليه جملة صفات القرآن الـمصرّح بها في الوحيين، ولا يُصحِّح قصر التحدّي على بلاغة القرآن ونظمه وعربيته.
وأمَّا الردّ على مضمون الاستشكال فمن وجوهٍ:
الوجه الأوّل:
أنَّ التسليم جدلًا بأنَّ هناك سورًا تخلو من الإنباء بالغيب لا يُسقط كونه مما تُـحُدِّيَ به؛ فإنَّه تحدَّاهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن. وتنزُّلُه معهم إلى مطالبتهم بالإتيان بسورة واحدةٍ إظهارًا لعجزهم وإمعانًا في إقامة الحجّة عليهم؛ لا ينفي أنَّه تحدّاهم بالإتيان بمثل هذا القرآن، والتنزُّل ليس كالتَّرْك والإضراب من كلِّ وجهٍ، فلا يصحُّ أن يقال: إنّ آيتي التحدي بسورة أو آية التحدّي بعشر سور قد نَسخَت قولَه تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[الإسراء: 88]، فحقيقة أنَّهم لا يقدرون على مثله حقيقة قائمة، وقيامها قيامٌ للتحدّي بها، وإن كان يرضى منهم بأقلَّ من ذلك لو كان يقدرون عليه.
ومَثلُ ذلك كمَثل طالبٍ تُحدِّي بحلِّ عشرين مسألة، فعَجَز، فتنزَّل معه المتحدِّي إلى حلِّ أسهلها فعجز أيضًا. هذا لا ينفي أنَّه تُحدِّي بحلِّ المسائل جميعًا، وإن كان يُرضَى منه بأسهلها لو كان يقدر عليه.
فالمرضيُّ به -لو كانوا يقدرون عليه- سورةٌ من مثله، وإن اتَّفق خلوُّ المأتيِّ به من الإخبار الصادق بالغيب، مع أنَّه تحدَّاهم أن يأتوا بمثله من كلِّ وجهٍ. فهذه حجَّةٌ كاشفةٌ عن غاية عجزهم وإبلاسهم.
الوجه الثاني:
يُحتمل في النَّظر أن يكون المراد بسورة من مثل القرآن: أي بقطعةٍ يتَّفق فيها من كلِّ صفات القرآن التي تتحقّق بها مُفردات المماثلة مما تقع فيه المباراة؛ بغضّ النَّظر عن طولها، على أن تكون بالغةً في الطُّول ما يكفي لإظهار الاقتدار على النَّظم المؤتلف رصفًا وأسلوبًا، ومعلومٌ أنَّه كلما طال الكلامُ كان أدعَى لظهور عوار الائتلاف إن وُجد، وأمَّا الجُمَل القليلة فقد لا تكفي للقَطع بالقُدْرة عليه والوفاء به.
ولعلَّ هذا المعنى الأخير هو ما أشار إليه ابن الفرس بقوله: «وقال [القاضي أبو بكر] في موضع آخر من كُتبِه، وارتضاه أبو إسحاق: وإنما يتعلق [الإعجاز] بسورة يُعَدُّ قدرها في الكلام بحيث يتبيَّن فيه تفاضُل رُتَب قُوَى البلاغة، وهو لا يتبيَّن إلا فيما طال بعض الطول. ولستُ أقطع في (الكوثر) وما قاربها بنفيٍ ولا إثباتٍ في إعجازها. وصحَّح بعض المتأخرين هذا القول»[9].
وقال الطيبي: «ولما أضرَبَ عن ذلك الاقتراح، وحكى نوعًا آخر من قبائحهم أعظم من ذلك، وهو طعنهم في القرآن، بقوله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ}[هود: 13]؛ أمَر حبيبه -صلوات الله عليه وسلامه- بأن يجيب عنه بقوله: {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ}[هود: 13]، على مقتضى سؤالهم، وهو كالقول بالموجب، يعني: هَبُوا أنه كما تزعمون مفترًى، فأتوا أنتم بعشر سور مثله، أي: ما أقول لكم فأتوا بمثله كله، ليس فيه اختلافٌ من جهة المعاني والألفاظ والإخبار عن المغيبات والقصص والأحكام والأخلاق وغير ذلك، بل نبذًا منه جامعًا لهذه المعاني، ولم يكن فيه تناقض.
واعلم أن المراد بتخصيص العدد إيثار طريق القصد وما به تختلف المعاني، كما يوجد في الكلام المبسوط الذي له ذيول وتتمَّات، وذلك لدفع الافتراء ونفي التهمة، وأنه من عند الله لا من عنده، يعني: لو كان مفترًى من عندي لوجدتم فيه اختلافًا كثيرًا. وهذا لا يتم بسورة فذّة، كسورة الكوثر والإخلاص وأشباههما، كما يتمُّ في التحدي لمجرد إثبات النبوة، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}[النساء: 82]»[10].
فإن التُزم بوجوب أن يكون القَدْر المتحدَّى به مما يتبيّن فيه تفاضل رُتَب قُوَى البلاغة؛ فلا بد للملتزِم أن يلتزم واحدًا -على الأقل- من ثلاثة أمور:
الأول: أن ينفي أنَّ نحو سورة (الكوثر) مما يتحقَّق به التحدِّي بالنَّظم؛ لا من حيث إنها غير معجزة به، ولكن من حيث إنها أقصر مما يتبيَّن فيه تفاضلُ رُتب البلاغة، وهو من مكوّنات التحدّي بالأسلوب والنَّظم وما إليهما.
الثاني: أنَّ التحدِّي ليس بالأسلوب والنَّظم فقط، وإنما هو بجملة صفات القرآن المبيَّنة والمستقرأة من تحليل مضمونه، ولو اتّفق خلوّ سورة من شيءٍ منها؛ فلا يُتّفق أن تخلو السورةُ منها كلِّها.
الثالث: أنَّ المقصود بالسورة المتحدّى بها هو أن يأتي المتحدَّى بقطعة من الكلام يتّفق له فيها من كلِّ صفات القرآن التي تتحقّق بها مُفردات المماثلة مما تقع فيه المباراة؛ بغضّ النَّظر عن طولها، على أن تكون بالغةً في الطُّول ما يكفي لإظهار الاقتدار على النَّظم المؤتلف رصفًا وأسلوبًا ونظمًا.
والتزام أيّ واحدٍ من هذه الثلاثة يُسقط الاعتماد على خلوّ بعض السور من الإخبار بالغيب لنفي أن يكون الإخبار بالغيب من جملة الـمُتحدَّى به. والله أعلم.
ويَرِدُ على هذا الوجه أنَّ القطعةَ المتحقّقَ بها ذلك ليست محدودة بحدود واضحة، فيقال: على قول الطيبيّ المتقدم فإنها محدودة بعشر سور؛ فليأت بعشر قطع متنوعة المقاصد كلّ منها بطول أقصر سورة من القرآن، أو بقطعة بالغة مبلغ العَشر. ويمكن أن يقال: يتفاوت الطول الذي يستبين به ذلك باختلاف مقاصد الكلام ووفور المعاني. وعلى كلِّ حالٍ؛ فإنَّ أهل صنعة الكلام لا يعجزون عن تقدير حدِّ الوفاء به؛ كما لا يعجز المعلِّم عن تقدير رتبة طالبه في مهارة التعبير الشفاهي من خلال ما قاله كتابةً أو حديثًا.
الوجه الثالث:
أنَّا ننازع فيما يسوقه الكثيرون كحقيقة مُسلَّمَة، وهي: خلوّ بعض سور القرآن من الإنباء بالغيب؛ كسورة العصر.
ذلك أنَّ دائرة الغيب أوسع مما عنوه، فالغيوب التي أخبر بها القرآن تتضمّن أنواعًا كثيرة[11]:
فمنها ما هو إخبار عن الرسل السابقة ورسالاتهم، وقصص الأوّلين السالفين، وبالحوادث الواقعة في الأزمنة الغابرة.
ومنها الإنباء بالغيوب المستقبلة، بما فيها الإخبار بأحداث الموت وما بعده من أحداث القيامة والجنة ونعيمها والنار وعذابها.
ومنها الإخبار بمكنونات الصدور والسرائر وكشف ما في مخبّآت الضمائر.
ومنها الإخبار عن مصائر أحياء، فلا يستطيعون تغيير مصائرهم.
ومنها الإخبار عن أنَّهم لن يستطيعوا أن يفعلوا شيئًا، فلا يستطيعون، مع أنَّ فعلهم يتوقَّف في الظاهر على محض إرادتهم.
ومنها الإخبار بالسنن الكونية والقوانين الطبيعية الـمُطّردة.
ومنها الإخبار عن أسماء الله تعالى وصفاته، وعن ملائكته وصفاتهم وعبادتهم ومهامّهم، ونحو ذلك.
قال تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}[البقرة: 2، 3]، قال الربيع بن أنس في تفسير قوله: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}: «آمَنوا بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه، وآمنوا بالحياة بعد الموت، فهذا كله غيب»[12]. قال الطبري: «وأصل الغيب: كل ما غاب عنك من شيء»[13].
وقال ابن تيمية: «وأصل الإيمان هو الإيمان بالغيب، كما قال تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}[البقرة: 2، 3]، والغيب الذي يؤمن به: ما أَخبرَت به الرسل من الأمور العامة، ويدخل في ذلك الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وملائكته والجنة والنار فالإيمان بالله وبرسله وباليوم الآخر يتضمن الإيمان بالغيب»[14].
وليس بعض أنواع تلك الغيوب بأولى بالاعتبار من غيرها، فهي تستوي في أنه لا سبيل للعلم بها إلا بإخبار الوحي الصادق. فيستوي الإخبار بالوقائع الماضية، والكوائن المستقبلة، ومخبآت الضمائر، والإخبار عن أسماء الله وصفاته، بل الأخرى أخطر، والجرأة عليها أشدُّ، ولا يُخبِر بها إلا رسولٌ معلَّمٌ. وكلُّ مَن تقوَّلوا على الله تعالى فيها من عند أنفسهم، أو حرَّفوا كتبهم لتُناسب أهواءهم وخرافاتهم؛ جاؤوا بمنكرٍ من القول وزورٍ، ونسبوا لله -عز وجل- ما لا ينسجم مع العلم الضروري والأوَّليات العقلية، ولا تهدي إليه فطرةٌ مستقيمةٌ، بعكس ما جاء به الوحي الصادق، فكان من هذه الجهة إخبارًا عن غيبٍ تحقَّق الشُّهودُ صدقَه، وهم ينتظرون تحقّق ما وعدهم تحقُّقه ووقوعه يوم يأتي تأويله.
وهل جاء القرآن بأهمّ من تصحيح أوهام المشركين والوثنيين وأهل الكتاب عن الله تعالى، وضلالهم في أسمائه وصفاته؟
وإخبار بعض الفلاسفة ببعض صفات الإله لا يخلو -بأحسن الفروض- من تخليطٍ بين الحقّ والباطل، وبين ما يقبله العلم الضروريّ وما يردُّه. هذا إن تغاضينا عن حقيقة أنَّهم لم يَبتدِئُوا به ولم يبتكروه، وإنما استقَوه من مصدر سماويّ من بقايا آثار الوحي والنبوات. وهذا مشاهدٌ في كلام الصفوة منهم؛ حتى بعض فلاسفة المسلمين الذين استرشدوا بشيء من كلام الوحي الخاتم المهيمن، ولكنّهم إذ حكَّموا عقولهم فيه حادوا عن الصواب، ثم اعترفوا هم أنفسهم بذلك.
وكذلك، فإنَّ إخباره عن مخلوقاتٍ كالملائكة وصفاتها مما لا يصادم المنطق، ولا يندّ عن مقبولات العقول، ولا يضادّ الحقائق العلمية المكتشفة، ولا يناقض بعضه بعضًا. وقد رأينا أرباب المعتقدات الباطلة والمحرّفة يأتون في هذا الباب بالعجب العجاب، فيدّعون وجود مخلوقات تحمل الكرة الأرضية على ظهورها، ووحوش مقدّسة، وضفادع في حجم المدن، ودوابّ في حجم الجبال، مما تشهد العلوم الحديثة بأنه لم يوجد فيما تملك هذه العلوم البتّ فيه[15].
قال الزرقاني: «أمّا غيب الحاضر فنريد به ما يتصل بالله تعالى والملائكة والجن والجنة والنار ونحو ذلك مما لم يكن للرسول -صلى الله عليه وسلم- سبيل إلى رؤيته ولا العلم به، فضلًا عن أن يتحدث عنه على هذا الوجه الواضح الذي أيّده ما جاء به الأنبياء وكتبهم -عليهم الصلاة والسلام-، وأمثلة هذا الضرب كثيرة في القرآن لا تحتاج إلى عرض ولا بيان»[16].
فإذا تأمّلت ذلك تبيّن لك أنَّ الإخبار عن الله تعالى وصفاته، وعن عالم الملائكة والجنّ والشياطين لا يقلُّ -إن لم يزد- في إعجازه عن الإخبار بالوقائع الماضية، والكوائن المستقبلة، ومخبآت الضمائر.
وأمَّا الأنواع الأخرى من الغيوب، فالأمر فيها أوضح، قال الشيخ البوطي -رحمه الله وعفا عنه-: «ونقصد بالغيبيات تلك الإخبارات المتعلقة بأحداث مُقبِلة، والتي لم يُظهِرها بعدُ أيُّ شاهد من العقل أو الحسّ أو الدلائل التي تعوّد الإنسان على الاعتماد عليها. سواء تعلّقت هذه الأخبار بأحداث عامة، أو تعلقت بأُناس أو فئات بأعيانهم، أو تعلقت بنواميس كونية. ففي القرآن آيات كثيرة أخبرت عن أحداث ستقع في زمن مُقبِل، وفيه آيات تحدّثَت عن مصائر أشخاص بأعيانهم، وفيه نصوص تقرر قوانين ثابتة بالنسبة لكثير من المظاهر الكونية المحيطة بنا. وقد جاء الزمن فيما بعد بمصداق هذه الأخبار كلها، دون أن يكون عليها أيّ شاهد من قبل، من حس أو عقل أو أيّ بيّنة من البيّنات»[17].
فمن الآيات التي تحدّثَت عن مصائر أشخاص بأعيانهم سورة المسد، وما تضمنته من إخبار عن مستقبل أبي لهب وما سيؤول إليه حاله، فإذا تأمَّلت هذه السورة «علمت أنّ أحدًا من الناس لا يملك أن يطلق هذا الوعيد ويسجله في عنق الزمن وعلى صفحة الدهر. فما الذي يُدري هذا الإنسان أنّ أبا لهب سيثبت على كفره إلى الموت، وما هي ضمانات أنه لن يؤمن كما آمن الكثير ممّن هم أشد منه كفرًا وأقسى عنادًا؟ بل ما الذي يطمئن هذا الإنسان إلى أنّ أبا لهب لن ينهض به دافع التحدِّي عندما يسمع هذا الوعيد المسجل في حقه إلى أن يعلن إيمانه بالله ورسوله على الملأ، ليثبت بذلك أنه قد محا أسباب شقوته، وأن إخبار القرآن عن مصيره مخالف للواقع الذي تمّ.
إنَّ بشرًا من الناس لن يستوثق من تقلبات الزمن، وما قد يطرأ من الأحوال والأفكار الجديدة على أبي لهب وأمثاله، ونظرًا لذلك فلن يجد من الجرأة ما يعتمد عليه في إطلاق مثل هذا الخبر الغيبي المخبوء في تلافيف المستقبل.
ومثله قول الله -عزّ وجلّ- في حق الوليد بن المغيرة المخزومي: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ}[المدثر: 11- 28]. إنّ هذا الإخبار الغيبي: سأرهقه صعودًا... سأصليه سقر... ليس مما يتجرأ إنسان عليه؛ لأن الإنسان يفرض الاحتمالات المختلفة للزمن، والأطوار المفاجئة العجيبة للإنسان، وهو ليس مطّلعًا على ما قد يأتي به الغد أو ما قد يفاجأ به فكر الإنسان. ولكنه إخبار غيبيٌّ يصدر عمّن بيده مصير الزمن والمكان، وعمّن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وما ينتهي إليه حال أيّ إنسان»[18].
ومن الغيوب القرآنية آيات كثيرة تُعلِن في بيانات حاسمة عن نواميس كونية، وتخبر أنها ستظل قوانين نافذة حاكمة على الناس كلهم وعلى الطاقة العلمية كلها، مهما تنوعت وتقدمت صعدًا. فهي تستعصي على كل محاولات التغيير والتطوير، وذلك كقوله: {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ}[يس: 68]، وقوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا}[النساء: 78]، وقوله: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ}[المؤمنون: 18]، وقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}[الإسراء: 85]، وقوله تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا}[الزخرف: 32].
«تأمَّل في هذه التقارير القاطعة في أسلوبها، المطلقة عن قيود الزمان والمكان، المرسلة في قوة وإصرار إلى أعماق غيوب المستقبل... المترفعة عن محاولات التطوير والعلم، أيمكن أن ينطق بها بشر؟... وهل الإنسان نفسه إلّا ذرّة من جزئيات الكون، فهو لا يدري ما الذي يأتي به الغد أو يتطور إليه العلم، أو تمتد إليه الطاقة؟
إنّ أعظم العلماء شأنًا اليوم، يرى الحقيقة العلمية بعينيه، ثم يتحفظ مع ذلك في التعبير عنها، متوقعًا أن يُفاجَأ في كل يوم بقيود أو حدود جديدة لها.
فأيّ رجل هذا الذي يستطيع أن ينهض من وراء القرون الغابرة، فيبعث إلى الدنيا كلها بتقرير علمي جازم يفصّل فيه أمر النواميس الكونية الراسخة، ويرفعها فوق هام البشرية مؤكدًا أنّ أيَّ طاقة -مهما كانت- لن تمتد إليها بأيِّ تغيير؟»[19].
كذلك فإن ما يُسمّيه بعضهم بالإعجاز العلمي يندرج تحت الإعجاز الغيبي؛ لأن الآيات التي تتضمن حقائق علمية صدقت عليها موازين العلوم والاكتشافات الحديثة، تتضمن حقائق غيبية في الوقت ذاته[20].
ولا تخلو سورةٌ من هذا النوع من الغيوب وإنْ قصرت، فسورة العصر مصرّحة بسُنّة مُطّردة: أنَّ الإنسان في خُسر؛ كقوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ}[التين: 4، 5]، أو هو إخبار بمصير الكفار يوم القيامة، قال ابن عاشور: «وهذا الخبر مراد به الحصول في المستقبل بقرينة مقام الإنذار والوعيد، أي: لفي خسر في الحياة الأبدية الآخرة فلا التفات إلى أحوال الناس في الحياة الدنيا»[21]، فهو غيبٌ أيضًا -كما ترى- على اختلاف أقوال المفسرين. كما أنَّها مُنبئة بما يكون للذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنة من النعيم، فهو من الغيب كذلك.
وسورة الهُمَزة فيها إخبار عن مصير الهُمَزة اللُّمَزة، وفيها تفصيل بعض وصف النار، وفيها إخبار بسُنّة ماضية: أنّ المال غير مخلِّدٍ صاحبَه. وعلى قول مَن جعلها في واحدٍ بعينه[22] ففيها إخبارٌ بأنَّه يموت كافرًا.
وسورة الفيل فيها إخبار بحادثة ماضية، وإخبار بقدرة الله -عز وجل- وعزّته.
وسورة قريش فيها إخبارٌ بعادتهم الماضية، وإخبار ببعض أفعال الله تعالى الدَّاعية للتأمُّل؛ كيف أطعمهم -على قلة الثمار في بلادهم- من كلّ ثمرات الأرض التي لا يتفق اجتماعها في البلاد الخصيبة، وكيف آمنهم في بلدهم وفي أسفارهم؛ لمكان الحرم عند العرب.
وسورة الماعون فيها من الإخبار بالغيب: الإنباء ضمنًا بيوم الدِّين، والإنباء بمصير المُرائين، والكشف عن مخبآت ضمائرهم، وعن طباعهم القاضية بمستقرّ أفعالهم.
ومما يُروى عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- في قوله تعالى: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}[الماعون: 7]، قال: «لم يجئ أهلُها بعدُ»[23]. ولعلَّه قال ذلك؛ لأنه لم يكن سائرًا في العرب وقتها أن يمنعوا العارية اليسيرة؛ بل كان الكرم فيهم غالبًا. وقد تحقَّق فشوّ ذلك في الناس بعدُ، فمنعوا العاريةَ حتى صارت عند بعضهم عادة جارية.
«وهذه سورة الكوثر ثلاث آيات قصار، وهي أقصر سورة في القرآن، وقد تضمّنت الإخبار عن مُغيَّـبَين: أحدهما الإخبار عن الكوثر وعِظَمه وسعته وكثرة أوانيه، وذلك يدل على أن الـمُصدِّقين به أكثر من أتباعِ سائر الرسل. والثاني: الإخبار عن الوليد بن المغيرة، وقد كان عند نزول الآية ذا مال وولد، على ما يقتضيه قوله الحق: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا}[المدثر: 11- 14]، ثم أهلك الله سبحانه ماله وولده، وانقطع نسله»[24].
وسورة الكافرون فيها من ذلك الشيء العظيم، ونحن نسوق تفسيرها بعبارة الإمام الطبري ليتّضح ذلك: «{قُلْ} يا محمد؛ لهؤلاء المشركين الذين سألوك عبادة آلهتهم سَنَةً، على أن يعبدوا إلهك سَنَةً: {يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}[الكافرون: 1] بالله، {لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ}[الكافرون: 2] من الآلهة والأوثان الآن، {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}[الكافرون: 3] الآن، {وَلَا أَنَا عَابِدٌ}[الكافرون: 4] فيما أستقبل {مَا عَبَدْتُمْ}[الكافرون: 4] فيما مضى، {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ}[الكافرون: 5] فيما تستقبلون أبدًا {مَا أَعْبُدُ}[الكافرون: 5] أنا الآن، وفيما أستقبل. وإنما قيل ذلك كذلك؛ لأن الخطاب من الله كان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أشخاص بأعيانهم من المشركين، قد علم أنهم لا يؤمنون أبدًا، وسبق لهم ذلك في السابق من علمه، فأمر نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يؤيّسهم من الذي طمعوا فيه، وحدثوا به أنفسهم، وأن ذلك غير كائن منه ولا منهم، في وقت من الأوقات، وآيس نبي الله -صلى الله عليه وسلم- من الطمع في إيمانهم، ومن أن يفلحوا أبدًا، فكانوا كذلك لم يفلحوا ولم ينجحوا، إلى أن قتل بعضهم يوم بدر بالسيف، وهلك بعض قبل ذلك كافرًا»... ثم ساق من آثار السلف دلائل ذلك[25].
وسورة النصر فيها الوعد الذي تحقق بدخول الناس في دين الله أفواجًا، وفيها إعلام النبي -صلى الله عليه وسلم- بقُرب أجَله، وقد كان.
وقد تقدَّم قريبًا ما في سورة المسد من ذلك.
وسورة الإخلاص متمحّضة للإنباء ببعض أسماء الله -عز وجل- وصفاته تعالى كما هو معلوم، وهي مُصحِّحة لاعتقادات المشركين وضلالات أهل الكتاب في ذلك.
وفي المعوذتين إخبارٌ بأسماء الله تعالى: رب الفلق، رب الناس، ملك الناس، إله الناس، الخالق، الحافظ عباده، المعيذ من استعاذ به، وإنباءٌ بخلقٍ من خلقه: الجنّ والشياطين، وصفة من صفة الشيطان: أنَّه يوسوس بالغفلة، ويخنس بالذكر؛ مما وُجِد تصديقه في الواقع؛ يعرفه كلُّ ذاكرٍ يقظٍ، وأنَّ للعين وللسِّحر حقيقةً وتأثيرًا، مما أقرَّ به منصفو الأطبّاء، وأنَّ الذكر والاستعاذة عمومًا -وبالمعوذات خصوصًا- تحُول دون وقوع تأثيرهما، وإنْ أصابَا العبدَ الذاكر فإنَّ أثرهما عليه لا يبلغ التسلُّطَ القاهر. وهذا أمرٌ واقعٌ نراه في أنفسنا وأهلينا، وفي الناس حولنا. فمَن أخبَر النبيَّ بهذه المغيّبات؟ ومِن أين له أنَّ هذه المعوّذات لها هذا التأثير الواقي والشافي بإذن الله؟
وبتأمُّل سائر قصار السُّوَرِ وتدبُّرها يستبين أنَّ أيًّا منها لا يخلو من معنًى أو أكثر من المعاني المندرجة تحت نوع من أنواع الأخبار بالغيب المذكورة.
الوجه الرابع:
وهو وجهٌ دقيقٌ ومنزع لطيف بحاجة إلى تأمُّل مُتأنٍّ. ذلك أنَّ بعضَ إعجازِ النَّظم القرآني مُتضمِّنٌ للإعجاز الغيبيّ، وبيان ذلك أنَّ حسن اختيار المفردة اللغوية وحسن توظيفها بما يتساوق مع المعنى المراد من أهمّ مُكوّنات إعجاز الأسلوب والنَّظْم، وهذه حقيقة يُقرّرها كلُّ المحققين ممن تكلّموا عن إعجاز النَّظم بطريقة أو بأخرى.
والاختيار والتوظيف فرعٌ عن الإحاطة بكلِّ مفردات اللغة ومعانيها الدقيقة؛ ليتسنّى للبليغ إيقاعها في النَّظم على مراده، والنَّظر قاضٍ بأنَّ الإحاطة بدلالات المفردات اللغوية التي غيّبها الزمان، وتفانت في اتّساع ألفاظ اللغة، وذهبت بها بطون الأحياء؛ مستحيلٌ على غير نبيٍّ، من جهة تأييده بالوحي الخبير المحيط لا من جهة طَوْل مَلكاته البشرية المجرّدة. ولذا قال الإمام الشافعي: «ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسانٌ غيرُ نبيٍّ، ولكنه لا يذهب منه شيءٌ على عامتها، حتى لا يكون موجودًا فيها من يعرفه»[26]. قال ابن فارس مُعلّقًا: «وهذا كلام حريٌّ أن يكون صحيحًا، وما بلَغَنا أنّ أحدًا ممن مضى ادّعى حفظ اللغة كلها»[27].
وما كان خارج نطاق الإحاطة فهو غيبٌ، ومجيء النبي -صلى الله عليه وسلم- به من باب مجيئه بالأخبار عن المغيّبات سواءً بسواءٍ، فالمبنى واللفظ وما إليهما وعاءٌ، والمعنى مُوعًى، وكلاهما خارج القدرة البشرية، وتحدّيهم بالنَّظم من هذه الجهة كتحدِّيهم بالاطلاع على بعض مكنون الغيب. نعم، لقد كانوا في الجملة محيطين باللغة، وإن عجَز الآحاد عن جميعها، فعادت بالنسبة لآحادهم غيبًا، فإن اجتمعوا جميعهم في صعيد واحدٍ -وهذا غير واقع عمليًّا- ضُمِن لهم نظريًّا أنَّهم مُلِمُّون بجميع ألفاظها، ولكن لمّا توزّع علمهم بالألفاظ ومواقعها على آحادهم؛ استحال عليهم ضمان أنَّ كلَّ لفظةٍ واقعةٌ موقعها الذي لا تقوم به غيرها. ثم بالنَّظر إلى موضعها من النَّظم، أنَّى لهم المعنى القائم، والرباط الناظم؛ ليأتوا بمثل القرآن بلاغته؟ ومن ظفر بشيءٍ من ذلك وحَذقه غُيّبت عنه أشياء.
فقد عاد عجزهم عن الإتيان بمثله إلى ما غُيِّب عنهم من جملة ذلك، وإن وقع لهم في تفاريقِ الكلام أبعاضه. وإنما يقدر عليه مَن أحاط بكلِّ شيء علمًا، وأحصى كلَّ شيءٍ عددًا.
وإلى قريبٍ من هذا المعنى أشار الخطّابيّ بقوله: «وإنما تعذَّر على البشر الإتيان بمثله لأمور؛ منها أنَّ علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وبألفاظها التي هي ظروف المعاني والحوامل لها، ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، ولا تكمل معرفتهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض، فيتوصّلوا باختيار الأفضل عن الأحسن من وجوهها إلى أن يأتوا بكلام مثله، وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حامل، ومعنًى به قائم، ورباط لهما ناظم. وإذا تأمّلْتَ القرآن وجَدتَ هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئًا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه ولا ترى نظمًا أحسن تأليفًا وأشدَّ تلاؤمًا وتشاكلًا من نظمه. وأمّا المعاني فلا خفاء على ذي عقل أنها هي التي تشهد لها العقول بالتقدم في أبوابها والترقِّي إلى أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها. وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام، فأمّا أن توجد مجموعة في نوع واحدٍ منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير، الذي أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كلَّ شيء عددًا»[28].
وقال ابن عطية: «والصحيح أنَّ الإتيان بمثل القرآن لم يكن قطُّ في قدرة أحد من المخلوقين، ويظهر لك قصور البشر في أن الفصيح منهم يصنع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده، ثم لا يزال ينقحها حولًا كاملًا، ثم تعطى لآخر نظيره فيأخذها بقريحة جامّة فيبدل فيها وينقح ثم لا تزال كذلك فيها مواضع للنظر والبدل. وكتاب الله لو نُزعت منه لفظة ثم أُدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم يوجد»[29].
الاستشكال الثالث:
قال الراغب في معرض حديثه عن إعجاز القرآن: «ولا يتعلق [الإعجاز] أيضًا بمعانيه، فإن كثيرًا منها موجود في (الكتب المتقدمة)؛ ولذلك قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ}[الشعراء: 196]، وقال: {وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى}[طه: 133]، وما هو مُعجز فيه من جهة المعنى، كالإخبار بالغيب؛ فإعجازه ليس يرجع إلى القرآن بما هو قرآن، بل هو لكونه خبرًا بالغيب، وذلك سواء كونه النظم أو بغيره»[30].
وأوَّل ما يقع للمتأمِّل في هذا الكلام أنَّ القائلين به لا ينفون أنَّ الإخبار بالغيب معجزٌ، وإن كانوا يُفرِّقون بين الإعجاز بما يرجع للقرآن بما هو قرآن؛ يَعنون: لغته وأسلوبه ونظمه، أو قُل: لونَه الأدبيَّ، وبين ما هو راجعٌ للقرآن من جهة معناه. وهذا التفريق لا دليل عليه، بل هو تخصيصٌ بغير موجب كما بيَّنَّا مرارًا.
وأمَّا كون الكُتب السماوية ستكون مُعجزةً من هذا الوجه؛ لأنها معانٍ من عند الله؛ فما المشكلة في أن تكون كذلك؟ وأين الدليل على أنَّ القرآن وحده هو المعجز من هذا الوجه؟
والحقيقة التي لا إخالُ مُؤمنًا بأنَّ الكُتب السماوية -في صورتها المنزلة على الأنبياء، قبل تحريفها- وحيٌ من عند الله؛ يتوقّف لحظة في الإقرار بأنَّها مُعجزة فعلًا، وأنها كانت مما آتاه الله تعالى أنبياءه من المعجزات التي آمَن عليها بعض البشر؛ ولذا قال تعالى في التوراة مثلًا: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}[البقرة: 53]، وقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ}[المائدة: 44]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ}[الأنبياء: 48، 49]، فوصفها بأوصافٍ وصف بها القرآن، وقال بعد الآية الأخيرة متحدِّثًا عن القرآن: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ}[الأنبياء: 50].
وهذا هو الشأن في الوحي الإلهيّ كله، إذ كله نورٌ ورُوحٌ وهدًى وفرقانٌ وبصائرُ وذِكرٌ؛ ولذا قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ * قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[القصص: 48، 49]، فقرن أيضًا في هذا المقام بين التوراة والقرآن.
فالوحي الإلهيُّ كلُّه معجزٌ، وقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ}[الأنعام: 93]، قاضٍ بمفهومه أنَّ مُدّعِيَ أنَّه سيُنزِل مثلَه كاذبٌ، إذ لا سبيل إليه، وهذه عامَّةٌ في كلِّ منزَلٍ.
وأمَّا قول الأستاذ محمود شاكر: «ولا أظن أنّ قائلًا يستطيع أنْ يقول إنّ التوراة والإنجيل والزبور كتبٌ معجزة، بالمعنى المعروف في شأن إعجاز القرآن، من أجلِ أنها كتبٌ منزلة من عند الله»[31]، يعني: إعجاز النَّظم، فكذلك أقول: ولا أظنُّ أنَّ قائلًا يستطيع أن ينفي ذلك، كما لا يستطيع أن يقول لنا ما مُعجزة بعض الأنبياء الذين لم تُذكر مُعجزاتهم في القرآن؛ كهودٍ وشعيبٍ -عليهما السلام- مع اليقين بأنَّه كانت لهم آياتٌ ومعجزاتٌ. فكلُّ هذا مما طُوِي عنَّا غيبُه.
على أنَّه لو كان لنا أن نُخمِّن -وهو خلاف الأَولى- فسنقول: إنَّ وحيَ الله تعالى إلى أنبيائه إمَّا أن يكون وحيًا بالمعنى، فيكون معناه من الله تعالى ولفظه وصياغته من النبيّ الموحَى به إليه، وإمَّا أن يكون معناه ولفظه كلاهما من الله تعالى؛ فإن كان الأوّل فالمعنى معجزٌ واللفظ غير مُعجزٍ قطعًا؛ من حيث كون الأول من عند الله تعالى، وكون الثاني من عند بشر، وإن كان الثاني فالأقرب أنَّ اللفظ والمعنى كليهما معجزان[32]، وأن النَّظم الذي نزل به الوحي حينئذ وقع على أفضل رُتَبِ النَّظم في اللغة الموحَى بها. فإن قلنا إنَّ التوراة والزبور والإنجيل -قبل أن يطولها التحريف- كان لفظها من عند الله تعالى، فلفظها مُعجِزٌ إذ كانت روحًا من أمر الله تعالى كالقرآن، ولكن لما طالتها أيدي الـمُحرّفين الفانين صارت إلى ما هي عليه، فدخلها من المعاني ما هو كفرٌ وخُرافةٌ[33].
وأمَّا الاستدلال في هذا المقام بحديث: «ما من الأنبياء نبيٌّ إلا قد أُعطي من الآيات ما مثلُه آمَن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيتُ وحيًا أوحَى اللهُ إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعًا يوم القيامة»[34]، فغير ناهض، وقد أوضحنا أنَّه لا يُفهم منه أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يُعطَ غيره من الآيات، ولا أنَّ غيره من الأنبياء لم يُعطَوْا من الوحي ما آمن عليه البشر، وإنما المراد -والله أعلم- ما أشرنا إليه من أنَّ المدعوَّ بالقرآن لا يلزم أن يسمعه مُشافهةً من النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا أن يكون عصريَّه، بل جُلُّ المخاطبين به ليسوا كذلك؛ لأنهم كانوا بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم إن الإيمان به يُهيئ المؤمن للوقوف على سائر آيات النبي -صلى الله عليه وسلم- الأخرى بخلاف القرآن.
قال القرطبي: «فالقرآن معجزة نبينا -صلى الله عليه وسلم- الباقية بعده إلى يوم القيامة، ومُعجزة كل نبيٍّ انقرضت بانقراضه، أو دخلها التبديل والتغيير؛ كالتوراة والإنجيل»[35].
وما ذلك إلّا لأنّ الله تعالى تكفَّل بحفظه، فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر: 9]، بخلاف سائر الكتب السابقة؛ استحفظها البشر فضيّعوها. «والسرّ في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت لا التأبيد، وأن هذا القرآن جيء به مصدِّقًا لِما بين يديه من الكتب ومهيمنًا عليها، فكان جامعًا لِما فيها من الحقائق الثابتة، زائدًا عليها بما شاء الله زيادته، وكان سادًّا مسدَّها، ولم يكن شيء منها ليسدّ مسدَّه، فقضى الله أن يبقى حُجةً إلى قيام الساعة، وإذا قضى الله أمرًا يسَّر له أسبابه، وهو الحكيم العليم»[36].
الاستشكال الرابع:
ومما قد يُعترَضُ به قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[هود: 13]، قال الزمخشري: «فإن قلت: كيف يكون ما يأتون به مثله، وما يأتون به مفترًى وهذا غير مفترًى؟ قلتُ: معناه مثله في حسن البيان والنظم وإن كان مفترًى»[37]. فهذا يقتضي أنَّ التحدّي واقعٌ بحسن البيان وبالنَّظم فقط، وإن كان مفترًى.
وقال الرازيّ: «اختلف الناس في الوجه الذي لأجله كان القرآن معجزًا، فقال بعضهم: هو الفصاحة، وقال بعضهم: هو الأسلوب، وقال ثالث: هو عدم التناقض، وقال رابع: هو اشتماله على العلوم الكثيرة، وقال خامس: هو الصرف، وقال سادس: هو اشتماله على الإخبار عن الغيوب. والمختار عندي وعند الأكثرين أنه معجز بسبب الفصاحة، واحتجوا على صحة قولهم بهذه الآية؛ لأنه لو كان وجه الإعجاز هو كثرة العلوم أو الإخبار عن الغيوب أو عدم التناقض لم يكن لقوله: {مُفْتَرَيَاتٍ} معنًى، أمّا إذا كان وجه الإعجاز هو الفصاحة صحّ ذلك لأنّ فصاحة الفصيح تظهر بالكلام، سواء كان الكلام صدقًا أو كذبًا»[38].
فيجاب عن ذلك بجوابين:
الأول: أنَّ قوله: {مُفْتَرَيَاتٍ} ردٌّ على قولهم {افْتَرَاهُ} أي: إن كنتم تزعمون أنَّه من الممكن أن يُفترى من دون الله فيأتي على هذا الوصف من البلاغة وحسن الرصف ورُقِيّ المعاني وصِدق أخباره، فعارِضوه وائتوا بمثله مفترًى. ومعنى افترائه أنَّه من عند غير الله، كما دلَّ قوله تعالى: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[يونس: 37]، فيصير معنى الكلام: إن كان محمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم- ليس نبيًّا، وكان قرآنه من عند غير الله كما تزعمون، وكان على هذا الوصف الذي تعرفون، والرصف الذي تسمعون، فجيئوا بمثله. فالآية معناها معنى نظائرها؛ كقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ}[الطور: 33، 34]، وقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[يونس: 38].
الثاني: ولو سلَّمنا بأنَّ المتحدَّى به في هذا الموضع هو النَّظم فحسب فإنه يكون من قبيل التنزُّل أو التنويع من المتحدِّي، وهو لا يعني الترك والإضراب -كما بيَّنَّا- بل هو أبلغ في إفحامه، فإذ لم يستطع أن يأتي بسورة تماثله في كلّ صفاته، ومنها صِدق إخباره بالغيب، فقد رضينا منه أن يأتي بعشر سورٍ في مثل نظمه وبلاغته وإن كان معناها مفترًى.
وإلى نحو هذا ذهب جماعة من المفسرين، قال السمعانيّ: «فإن قيل: قد قال في سورة يونس: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ}[يونس: 38]، وقد عجزوا عن أن يأتوا بسورة، فكيف يصحُّ أن يقول لهم: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ}[هود: 13]، وما هذا إلا كرجل يقول لغيره: أعطني درهمًا، فيعجز عنه فيقول: أعطني عشرة دراهم، وأيضًا فإنه قال: {مُفْتَرَيَاتٍ} وهل يجوز أن يأمر الله تعالى أن يأتوا بالافتراء؟
الجواب عنه: منهم مَن قال: إن سورة هود نزلت أوّلًا، وإن كانت في الترتيب آخرًا، وأنكر المبرِّد هذا، وقال: لا؛ بل نزلت سورة يونس أوّلًا. وأجاب عن السؤال وقال: معنى قوله: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} في سورة يونس يعني مثله في الخبر عن الغيب والأحكام، والوعد والوعيد، فعجزوا، فقال لهم في سورة هود: إن عجزتم عن الإتيان بسورة مثل القرآن في أخباره وأحكامه ووعده ووعيده، {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} يعني: مختلَقات من غير خبرٍ عن غيب، ولا حكم ولا وعد ولا وعيد، وإنما هي مجرد البلاغة. وهذا جواب صحيح.
وأمّا السؤال الثاني فالجواب؛ قلنا: الله -سبحانه وتعالى- لم يأمرهم بالافتراء، وإنما تحدَّى، ومعناه: أنّ إصراركم في تكذيب محمد وزعمكم أنه افترى القرآن يوجب عليكم أن تأتوا بمثله افتراءً، ليظهر كَذِبُ محمدٍ كما زعمتموه؛ فلمّا عجزتم دلَّ أنه صادق»[39].
قلتُ: ويلزم من تصحيحه لهذا الوجه قبول أنَّ التنزُّل والتنويع لا يعني الإضراب، بدليل عودته في سورة البقرة المتأخرة النزول باتفاق إلى التحدي بسورة من غير أن يقيدها بالافتراء: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[البقرة: 23].
وقال ابن عطية: «ووقع التحدي في هذه الآية بِعَشْرٍ؛ لأنه قيدها بالافتراء، فوسَّع عليهم في القَدْر لتقوم الحجة غاية القيام؛ إذ قد عَجَّزَهم في غير هذه الآية بسورةٍ مِن مِثلهِ دون تقييد، فهذه مماثلة تامّة في غيوب القرآن ومعانيه الحجة، ونظمه ووعده ووعيده، وعُجِّزُوا في هذه الآية بأنْ قيل لهم: عارضوا القَدْر منه بعشرِ أمثاله في التقدير، والغرض واحد، واجعلوه مفترًى لا يبقى لكم إلا نظمه، فهذه غاية التوسعة. وليس المعنى: عارضوا عشر سور بعشر؛ لأن هذه إنما كانت تجيء معارضة سورة بسورة مفتراة، ولا يُبالي عن تقديم نزول هذه على هذه. ويؤيد هذا النظر أن التكليف في آية البقرة إنما هو بسبب الريب، ولا يزيل الريب إلا العلم بأنهم لا يقدرون على المماثلة التامّة، وفي هذه الآية إنما التكليف بسبب قولهم: {افْتَرَاهُ}، فكُلِّفوا نحو ما قالوا، ولا يطَّرد هذا في آية يونس. وقال بعض الناس: هذه مقدَّمة في النزول على تلك، ولا يصح أن يعجزوا في واحدة فيُكلَّفوا عشرًا، والتكليفان سواء. ولا يصحُّ أن تكون السورة الواحدة إلا مفتراة، وآية سورة يونس في تكليف سورة متركبة على قولهم: {افْتَرَاهُ}، وكذلك آية البقرة، وإنما رَيْـبُهم بأنّ القرآن مفترى. قال القاضي أبو محمد: وقائل هذا القول لم يلحظ الفرق بين التكليفين في كمال المماثلة مرة، ووقوفها على النظم مرة»[40].
خاتمة:
الذي يُخلَص إليه في هذه القضية أنَّ القرآن الكريم آيةٌ معجزةٌ من كلِّ وجهٍ يمتُّ إلى معنًى محتمَلٍ في النَّظر السديد من معاني صفاته المبيّنة والمستنبطة، وأنَّ المتحدَّى به أن تأتي أمَّة الدعوة إنسها وجنّها على اجتماعهم وتظاهرهم بسورة من مثله من كلِّ وجهٍ دون تقييد أو تخصيص، بل هي مماثلة تامَّة في بيانه وصدقه وحُكمه وحكمته وتفصيله وائتلافه وهدايته ونورانيته وروحانيته ورحمته وعصمته وعزّته وعلوّه وهيمنته إلى غير ذلك من صفاته ومُضمَّناته، ويدخل فيها ما أخبر به من أنواع الغيوب التي صدَّقها العلمُ الضروري والعلم النَّظري، وأيدتها الفِطَرُ السلمية، والألباب القويمة.
وفي تقدير الباحث؛ فإنَّ التأسيس على هذا التأصيلِ مهمٌّ جدًّا للوصول إلى معايير موضوعية صادقةٍ تُحاكَم إليها أوجه الإعجاز التي يقول بها كثيرٌ من الباحثين، لا سيّما المعاصرين، وتُمتحَنُ بها صراحةُ نَسبِها إلى إعجاز القرآن الكريم، وإلى القدر المتحدَّى به منه.
وبعدُ، فما كان من توفيق ومن إصابة حقٍّ فمحض مَنِّ الكريم -عز وجل-، وما كان من خطأ أو سهوٍ فمنِّي ومن نفسي، وهو المرجوّ أن يُـنِيل الأجرين، ويُجزل العطاء في الدَّارين.
وصلِّ اللهم على سيّد الثقلين. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* موقع الألوكة: (https://2u.pw/FhyLw).
[1] المقالة الأولى: (هل في القرآن إعجاز غيبي؟) على هذا الرابط: tafsir.net/article/5326
المقالة الثانية: (هل يدخل الإخبار بالمغيّبات في جملة المتحدّى به؟) على هذا الرابط: tafsir.net/article/5327.
[2] مداخل إعجاز القرآن الكريم، للأستاذ محمود شاكر (ص153، 154).
[3] انظر: جامع البيان، للطبري (1/ 394-395)، وبحر العلوم، للسمرقندي (1/ 33).
[4] مباحث في إعجاز القرآن، للدكتور مصطفى مسلم (ص30).
[5] بيان إعجاز القرآن للخطابي ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن (ص23، 24). وانظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي (2/ 95- 96).
[6] الإعجاز العلمي إلى أين؟ للدكتور مساعد الطيار، دار ابن الجوزي، السعودية، ط2، 1433هـ (ص13).
[7] شرح مقدمة التسهيل (ص278، 279).
[8] انظر: تفسير مقاتل بن سليمان (4/ 492- 493). والمستدرك على الصحيحين، للحاكم (ح3872)، ودلائل النبوة، لأبي نعيم (ص234 برقم 186).
[9] أحكام القرآن، لابن الفرس، دار ابن حزم، بيروت، تحقيق الجزء الأول: د/ طه بن عليّ بو سريح، ط1، 1427هـ= 2006م (1/ 42).
[10] فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب، للطيبي (8/ 31).
[11] مِن أجمعِ مَن تحدّث عنها: الزرقاني تحت الوجه السابع من وجوه إعجاز القرآن عنده، مناهل العرفان (2/ 367- 389). وانظر كذلك: النبأ العظيم، للدكتور دراز، ط دار طيبة، الرياض، بعناية عبد الحميد الدخاخني، ط2، 1421هـ= 2000م (ص39- 64).
[12] جامع البيان، للطبري (1/ 242).
[13] جامع البيان، للطبري (1/ 242).
[14] مجموع الفتاوى، لابن تيمية، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، نشرة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، 1416هـ= 1995م (13/ 233).
[15] انظر الفصل الرابع: (الكائنات الخرافية في الكتاب المقدّس) ضمن كتاب: العلم وحقائقه بين سلامة القرآن الكريم، وأخطاء التوراة والإنجيل، للدكتور سامي عامري (ص559- 577).
[16] مناهل العرفان، للزرقاني (2/ 368).
[17] من روائع القرآن، للدكتور محمد سعيد البوطي، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1420هـ= 1999م (ص148).
[18] من روائع القرآن، للبوطي (ص150).
[19] من روائع القرآن، للبوطي (ص152).
[20] انظر: من روائع القرآن، للبوطي (ص153)، والإعجاز العلمي إلى أين؟ للطيار (ص19).
[21] التحرير والتنوير، لابن عاشور (30/ 532).
[22] انظر الخلاف في ذلك: جامع البيان، للطبري (24/ 619- 620).
[23] جامع البيان، للطبري (24/ 676).
[24] نقله القرطبي عن ابن الحصار، انظر: الجامع لأحكام القرآن (1/ 74).
[25] جامع البيان، للطبري (24/ 702- 704).
[26] الرسالة، للإمام الشافعي، تحقيق: الشيخ أحمد شاكر، نشرة مكتبة الحلبي، مصر، ط1، 1358هـ= 1940م (1/ 34).
[27] الصاحبي في فقه اللغة العربية، لابن فارس، دار الكتب العلمية، ط1، 1418هـ= 1997م (ص24).
[28] بيان إعجاز القرآن، للخطابي (ص26، 27).
[29] المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1422هـ (1/ 52).
[30] تفسير الراغب الأصفهاني، تحقيق: د. محمد عبد العزيز بسيوني، نشرة كلية الآداب - جامعة طنطا، ط1، 1420هـ= 1999م (1/ 44). وانظر: مداخل إعجاز القرآن الكريم، للأستاذ شاكر (ص154)، والإعجاز العلمي إلى أين؟ للدكتور الطيار (ص19، 20).
[31] مداخل إعجاز القرآن الكريم، للأستاذ شاكر (ص154).
[32] وإنما قلتُ: «الأقرب» ولم أقطع به؛ لمكان الخلاف المعلوم في الحديث القدسيّ: هل لفظه من الله -عز وجل- أم من النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإن كنتُ أُرجّح الثاني، لأسباب ليس هذا محلَّ البسط بذكرها. وانظر بعضها في: النبأ العظيم، للدكتور دراز (11- 13).
[33] ولعل مما يُستروح به لذلك أنَّ بعض تلك الكتب كان يُقرأ ويُرتّل كالقرآن، يشهد له قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «خُفِّفَ على داود -عليه السلام- القرآن، فكان يأمر بدوابّه فتُسرج، فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابّه». أخرجه البخاري في صحيحه (ح3417). قال البيضاوي: «والمراد به: الزبور، ولعله سمّاه قرآنًا لما كان في قراءته من الإعجاز، كما سُمّي القرآن؛ لما في لفظه من الإعجاز». تحفة الأبرار شرح مصابيح السُّنة، تحقيق: لجنة مختصة بإشراف نور الدين طالب، نشرة: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، 1433هـ= 2012م (3/ 453). وقطع به التوربشْتي، قال: «وإنما أطلق القرآن؛ لأنه قصد به إعجازه من طريق القراءة». انظر: الكواكب الدراري، للكرماني (14/ 65)، واللامع الصبيح، للبرْماوي (9/ 527)، وعمدة القاري، للبدر العيني (16/ 7). وقال ابن حجر: «وقراءة كل نبيّ تطلق على كتابه الذي أُوحِي إليه، وإنما سمّاه قرآنًا للإشارة إلى وقوع المعجزة به كوقوع المعجزة بالقرآن؛ أشار إليه صاحب المصابيح». فتح الباري (6/ 455). فقد رأيتَ أنَّ عددًا من جِلّة علماء الملة قد قالوا بما ظنَّ الأستاذ شاكر أنَّ أحدًا لن يستطيع أن يقول به.
[34] أخرجه البخاري ومسلم. وقد تقدّم تخريجه.
[35] الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (1/ 72).
[36] النبأ العظيم، للدكتور دراز، دار طيبة، الرياض، ط2، 1421هـ= 2000م (ص7، 9).
[37] الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، للزمخشري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط3، 1407هـ (2/ 383).
[38] مفاتيح الغيب، للرازي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط3، 1420هـ (17/ 325).
[39] تفسير القرآن، للسمعاني، تحقيق: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم، دار الوطن، الرياض، ط1، 1418هـ= 1997م (2/ 417).
[40] المحرر الوجيز، لابن عطية (3/ 155). وانظر ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل، لأبي جعفر الغرناطي (1/ 27)، ولباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن (2/ 476).الإعجاز الغيبي في القرآن بين الإثبات والنفي (3-3)* إيرادات وجوابها الكاتب : محمود عبد الجليل روزن بعد أن استبان في المقالتين السابقتين من هذه السلسلة[1] أنَّ الإنباء بالغيب من أوجه إعجاز القرآن وبراهين نبوّة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأنَّه من جملة المعاني المتحدَّى بها؛ قد يَرِدُ على ذلك بعض الاستشكالات التي تُبطئ بالساعي إلى قبوله، وفي هذه المقالة سنجتهد في عرض هذه الاستشكالات، ثم نحاول الإجابة عنها بعون الله -عز وجل-، ليسلم لنا التأسيس الذي قمنا به فيما قبل، فاللهم يسِّر وأعِنْ. الاستشكال الأول: يقول الأستاذ محمود شاكر: «ولا مناص لمتكلم في (إعجاز القرآن)، من أن يتبين حقيقتين عظيمتين قبل النظر في هذه المسألة، وأن يفصل بينهما فصلًا ظاهرًا لا يلتبس، وأن يميز أوضح التمييز بين الوجوه المشتركة التي تكون بينهما: أولاهما: أن إعجاز القرآن كما يدلُّ عليه لفظه وتاريخه، وهو دليل النبي -صلى الله عليه وسلم- على صدق نبوته، وعلى أنه رسول الله يُوحَى إليه هذا القرآن، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعرف إعجاز القرآن من الوجه الذي عرفه منه سائر مَن آمَن به من قومه العرب، وأن التحدِّي الذي تضمّنته آيات التحدي، من نحو قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[هود: 13، 14]، وقوله: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[الإسراء: 88]؛ إنما هو تحدٍّ بلفظ القرآن ونظمه وبيانه لا بشيء خارج عن ذلك. فما هو بتحدٍّ بالإخبار بالغيب المكنون، ولا بالغيب الذي يأتي تصديقه بعد دهرٍ من تنزيله، ولا بعلم ما لا يدركه علم المخاطبين به من العرب، ولا بشيء من المعاني مما لا يتصل بالنظم والبيان»[2]. فقد استند الأستاذ على أنَّه يجب أن يكون التحدّي بما يدركه علمُ المخاطبين به من العرب، وبما يأتي تصديقه بمجرد تلاوته -في تقريره ما عدَّه حقيقةً- أنَّ التحدِّي الذي تضمنته آيات التحدي إنما هو تحدٍّ بلفظ القرآن ونظمه وبيانه لا بشيء خارج عن ذلك، فما هو بتحدٍّ بالإخبار بالغيب المكنون، ولا بالغيب الذي يأتي تصديقه بعد دهرٍ من تنزيله، ولا بعلم ما لا يدركه علم المخاطبين به من العرب، ولا بشيء من المعاني مما لا يتصل بالنظم والبيان. وهذا يقال به لو سلَّمنا أنَّ التحدّي بالإخبار بالغيب هو الشيء الوحيد الـمُتحدَّى به، وأنَّ المتحدَّيْن به هم فقط صريحو العربِ المعاصرين للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا قد يتعارض مع ظاهر قوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[الإسراء: 88]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[البقرة: 21- 23]، فالمتحدَّى عموم الناس المخاطبين بقوله قبل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}، والصواب أنها عامة، والنداء لجميع الناس[3]. ثم إنَّه يلزم الأستاذَ ألّا يَعُدَّ الإخبارَ بالغيب برهانًا من براهين النبوّة لهؤلاء العرب للأسباب نفسها التي ذكرها: أن تصديقه إنما يأتي بعد دهرٍ من تنزيله، وأنَّ دَركه إنما يكون بعلومٍ لا يجيدونها، فعندها يمكن لقائل أن يقول: ليس في القرآن برهانٌ للأعاجم ولا لكثيرٍ من العرب الذين أضاعوا مَلَكة اللسان، فإنَّ دَرك هذه المعجزة إنما يكون بعلومٍ لا يجيدونها، وأنَّ تحقُّق إبلاس العرب الأقحاح لديهم إنما يُدرك -إن أُدرك- بعد حينٍ من البحث وتعاطي العلوم النقلية والمنطقية واللغوية، وهذا -كما ترى- لا يستطيعه جُلّ الناس، فأيّ برهانٍ يقعُ لهم بذلك، فضلًا عن أن يصحّ التحدِّي به؟ وما يجيب به الأستاذُ على هذه نجيبُ به على اشتراطه أن يكون التحدّي مما يقع تصديقه على الفور، وأن يكون مما يدركه علم المخاطبين به. وبعد؛ فلنا أن نطالب بدليل تخصيص التحدِّي بالبلاغة والنَّظم، ذلك أن الله -عز وجل- أطلق المثليَّة في آيات التحدّي، وهذا الإطلاق يقتضي دخول كل صفات القرآن، فلِمَ يُقصَر التحدِّي على صفة العربية فحسب المتضمنة للأسلوب والنَّظم والبلاغة؟ وقد تحدَّى الإنس والجنّ، فلِمَ يخصَّص التحدّي بالوجه الذي برعت فيه طائفة واحدة في مدة زمنية قصيرة من عُمر أمّة الدعوة؟ إنَّ آية القرآن الحقّة أنَّ حجّته قائمة قيامًا مباشرًا على كلّ مخاطَب به من الإنس والجنّ في كلِّ عصرٍ إلى منتهى التكليف به، ولا يلزم أن يسمعه مُشافهةً من النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ولذا رجا النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أن يكون أكثرَ الأنبياء تابعًا. يقول الدكتور مصطفى مسلم: «فكانت معجزات الأنبياء ملائمة لطبيعة رسالاتهم، وكانت المعجزة تنتهي بوفاة الرسول ولا يبقى إلا الحديث عنها والأخبار التي يتناقلها أتباع الدين جيلًا عن جيل، ولا تنفكّ المعجزة عن شخص الرسول فلا تبقى بمنأى عنه في الزمان والمكان. أمّا الرسالة المحمدية فهي مستمرة إلى يوم القيامة، ولا بدّ من معجزة مستمرة تقيم الحجّة على الأجيال اللاحقة بصدق الرسول -صلى الله عليه وسلم- وربانية رسالته. ولا تؤدّي المعجزة المادية هذا الدور وهذه المهمة، فكان الاختيار الربانيُّ أن تكون المعجزة وحيًا»[4]. وكثيرًا ما يذكر الله -عز وجل- هذا الموحَى الذي أوحاه إلى نبيه -صلى الله عليه وسلم- وجعله آيته، في سياق التنويه بما اشتمل عليه من أنباء الغيب، كما في قوله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ}[آل عمران: 44، ويوسف: 102]، وقوله تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}[هود: 49]، ويصرّح بذكرها جنبًا إلى جنبٍ مع ذكر عربيته: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ}[يوسف: 2، 3]. على أنَّا نعود فنؤكّد أنَّ التحدِّي واقعٌ بأيٍّ من هذه الأمور مما هو داخلٌ في صفات القرآن المصرّح بها، أو المستنبطة من تحليل مضمونه، فكلٌّ منها بمفرده كافٍ لإفحام المتحدَّيْنَ وخارجٌ عن طوقهم وقدرتهم، واجتماعُها أفحمُ لهم وأقطعُ. الاستشكال الثاني: قال الخطابي: «وزعمت طائفة أنَّ إعجازه إنما هو فيما يتضمنه من الإخبار عن الكوائن في مستقبل الزمان نحو قوله سبحانه: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ}[الروم: 1- 4]، وكقوله سبحانه: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ}[الفتح: 16]، ونحوهما من الأخبار التي صدَّقَت أقوالَها مواقعُ أكوانها. قلت: ولا يُشَكُّ في أنَّ هذا وما أشبهه من أخباره نوعٌ من أنواع إعجازه، ولكنه ليس بالأمر العام الموجود في كل سورة من سور القرآن، وقد جعل سبحانه في صفة كلِّ سورة أن تكون معجزة بنفسها لا يقدر أحدٌ من الخلق أن يأتي بمثلها: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[البقرة: 23]، من غير تعيين، فدلّ على أنَّ المعنى فيه غير ما ذهبوا إليه»[5]. وقال الدكتور مساعد الطيار: «وإذا جمَعْتَ الوجوه التي حُكيت في أنواع الإعجاز -سوى الصَّرْفة- وجَدتَ أنها لا تكون في كل سورة؛ بل تتخلف في كثير من السور، فمثلًا: ليس في كل السور إخبار بالغيب. أمّا الذي يوجد في كل سورة بلا استثناء فهو الوجه المتحدَّى به، وهو ما يتعلَّق بالنَّظم العربي لهذا القرآن لغةً وبلاغةً وأسلوبًا؛ بأيّ اصطلاح اصطلح عليه العلماء؛ كقول بعضهم: الإعجاز البلاغي، وقول آخرين: الإعجاز البياني...إلخ، فإنَّ مرجعها إلى النظم العربي المتميز لهذا القرآن الكريم»[6]. وقال: «وجوه الإعجاز في القرآن كثيرة كالإخبار بالغيبيات، لكن الشيء الذي عجز عنه العرب وتحداهم أن يأتوا بمثله هو ذلك النظم والبيان العربي، أمّا المعاني الموجودة فهي تبع وليست أصلًا؛ فسورة العصر مثلًا... ليس فيها إعجاز غيبي أو تشريعي؛ بل فيها ما يتعلق بالنظم والبيان، بدليل أنّ كُتُبَ الله -سبحانه وتعالى- التي نزلت على أنبيائه فيها مغيّبات، وفيها تشريع وفيها أخبار مِثل الأخبار الواردة في القرآن؛ لأن المتكلم بها واحد والحقيقة المتكلم عنها واحدة، لكن الذي تميز به القرآن هو ما يتعلق بالنظم والبيان الذي لا يستطيع العرب أن يأتوا بمثله، فهذا هو المتحدَّى به، وهو الذي ينتظم في جميع سور القرآن، أمّا وجوه الإعجاز الأخرى فتختلف في بعض السور، مثلًا: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}[الكوثر: 1]، فيها إعجاز غيبي وإعجاز في النظم والبيان، لكن ليس فيها إعجاز تشريعي، وقد نأتي إلى سورة أخرى فيها إعجاز تشريعي وإعجاز النظم والبيان، وليس فيها إعجاز غيبي. والخلاصة: أن إعجاز النظم والبيان العربي واقع في كل سورة، وما سواه من أنواع الإعجاز التي حكاها العلماء تتخلف في بعض السور، وفي هذا دلالة على أن المتحدَّى به هو ما يوجد في كل سورة دون ما سواه، ليتناسب مع قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[يونس: 38]، وقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[البقرة: 23]»[7]. وقبل الجواب عن هذا الاستشكال نعيد التأكيد على أمرين: الأول: أنَّ التسليم جدلًا بصحة مضمون هذا الاستشكال لا يعني نفي كون الإعجاز الغيبي من وجوه إعجاز القرآن، فهو مُعجِز، ولو سلّمنا بأنه ليس من الأمور الـمُتحدَّى بها. وهو ما صرّح به الخطابي والزركشي والطيّار وغيرهم. فما زال مصطلح الإعجاز الغيبيّ صالحًا؛ بل هو محلّ اتّفاقٍ من العلماء، لا يكاد يُسقطه أحدٌ، سواء من أدخلوه في الوجوه المتحدَّى بها أو مَن قصروها على إعجاز لغته وما إليها. الثاني: أنَّ التسليم جدلًا بأنَّ بعض سُور القرآن لا تشتمل على أنواع من الإعجاز الغيبي، لا يعني التسليم بأنَّ الوجه الوحيد الذي يوجد في كل سورة بلا استثناء هو ما يتعلَّق باللغة وما إليها. فالقرآن لا ينفكُّ عن صفاته؛ كالنورانية والروحانية والهداية والرحمة والعصمة والشفاء والحكمة والفرقانية والعربية والبيان والهيمنة والعزة والعلوّ والمجد وغيرها. ومحصّلة هذه الصفات هي التي دَفعَت الوليد بن المغيرة إلى قولته الشهيرة: «واللهِ؛ لقد سمعتُ من محمد كلامًا آنفًا ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإنَّ أسفله لمغدق، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، [وإنّ له لَنورًا، وإن له لفرعًا]، وإنه ليعلو وما يُعلى، [وإنه ليحطم ما تحته]»[8]، فلو سلَّمنا جدلًا بأنَّ ذلك ينقض أن يكون المتحدَّى به هو الإخبار بالمغيّبات، فإنه لا ينقض أن يكون المتحدّى به ما دلَّت عليه جملة صفات القرآن الـمصرّح بها في الوحيين، ولا يُصحِّح قصر التحدّي على بلاغة القرآن ونظمه وعربيته. وأمَّا الردّ على مضمون الاستشكال فمن وجوهٍ: الوجه الأوّل: أنَّ التسليم جدلًا بأنَّ هناك سورًا تخلو من الإنباء بالغيب لا يُسقط كونه مما تُـحُدِّيَ به؛ فإنَّه تحدَّاهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن. وتنزُّلُه معهم إلى مطالبتهم بالإتيان بسورة واحدةٍ إظهارًا لعجزهم وإمعانًا في إقامة الحجّة عليهم؛ لا ينفي أنَّه تحدّاهم بالإتيان بمثل هذا القرآن، والتنزُّل ليس كالتَّرْك والإضراب من كلِّ وجهٍ، فلا يصحُّ أن يقال: إنّ آيتي التحدي بسورة أو آية التحدّي بعشر سور قد نَسخَت قولَه تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[الإسراء: 88]، فحقيقة أنَّهم لا يقدرون على مثله حقيقة قائمة، وقيامها قيامٌ للتحدّي بها، وإن كان يرضى منهم بأقلَّ من ذلك لو كان يقدرون عليه. ومَثلُ ذلك كمَثل طالبٍ تُحدِّي بحلِّ عشرين مسألة، فعَجَز، فتنزَّل معه المتحدِّي إلى حلِّ أسهلها فعجز أيضًا. هذا لا ينفي أنَّه تُحدِّي بحلِّ المسائل جميعًا، وإن كان يُرضَى منه بأسهلها لو كان يقدر عليه. فالمرضيُّ به -لو كانوا يقدرون عليه- سورةٌ من مثله، وإن اتَّفق خلوُّ المأتيِّ به من الإخبار الصادق بالغيب، مع أنَّه تحدَّاهم أن يأتوا بمثله من كلِّ وجهٍ. فهذه حجَّةٌ كاشفةٌ عن غاية عجزهم وإبلاسهم. الوجه الثاني: يُحتمل في النَّظر أن يكون المراد بسورة من مثل القرآن: أي بقطعةٍ يتَّفق فيها من كلِّ صفات القرآن التي تتحقّق بها مُفردات المماثلة مما تقع فيه المباراة؛ بغضّ النَّظر عن طولها، على أن تكون بالغةً في الطُّول ما يكفي لإظهار الاقتدار على النَّظم المؤتلف رصفًا وأسلوبًا، ومعلومٌ أنَّه كلما طال الكلامُ كان أدعَى لظهور عوار الائتلاف إن وُجد، وأمَّا الجُمَل القليلة فقد لا تكفي للقَطع بالقُدْرة عليه والوفاء به. ولعلَّ هذا المعنى الأخير هو ما أشار إليه ابن الفرس بقوله: «وقال [القاضي أبو بكر] في موضع آخر من كُتبِه، وارتضاه أبو إسحاق: وإنما يتعلق [الإعجاز] بسورة يُعَدُّ قدرها في الكلام بحيث يتبيَّن فيه تفاضُل رُتَب قُوَى البلاغة، وهو لا يتبيَّن إلا فيما طال بعض الطول. ولستُ أقطع في (الكوثر) وما قاربها بنفيٍ ولا إثباتٍ في إعجازها. وصحَّح بعض المتأخرين هذا القول»[9]. وقال الطيبي: «ولما أضرَبَ عن ذلك الاقتراح، وحكى نوعًا آخر من قبائحهم أعظم من ذلك، وهو طعنهم في القرآن، بقوله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ}[هود: 13]؛ أمَر حبيبه -صلوات الله عليه وسلامه- بأن يجيب عنه بقوله: {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ}[هود: 13]، على مقتضى سؤالهم، وهو كالقول بالموجب، يعني: هَبُوا أنه كما تزعمون مفترًى، فأتوا أنتم بعشر سور مثله، أي: ما أقول لكم فأتوا بمثله كله، ليس فيه اختلافٌ من جهة المعاني والألفاظ والإخبار عن المغيبات والقصص والأحكام والأخلاق وغير ذلك، بل نبذًا منه جامعًا لهذه المعاني، ولم يكن فيه تناقض. واعلم أن المراد بتخصيص العدد إيثار طريق القصد وما به تختلف المعاني، كما يوجد في الكلام المبسوط الذي له ذيول وتتمَّات، وذلك لدفع الافتراء ونفي التهمة، وأنه من عند الله لا من عنده، يعني: لو كان مفترًى من عندي لوجدتم فيه اختلافًا كثيرًا. وهذا لا يتم بسورة فذّة، كسورة الكوثر والإخلاص وأشباههما، كما يتمُّ في التحدي لمجرد إثبات النبوة، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}[النساء: 82]»[10]. فإن التُزم بوجوب أن يكون القَدْر المتحدَّى به مما يتبيّن فيه تفاضل رُتَب قُوَى البلاغة؛ فلا بد للملتزِم أن يلتزم واحدًا -على الأقل- من ثلاثة أمور: الأول: أن ينفي أنَّ نحو سورة (الكوثر) مما يتحقَّق به التحدِّي بالنَّظم؛ لا من حيث إنها غير معجزة به، ولكن من حيث إنها أقصر مما يتبيَّن فيه تفاضلُ رُتب البلاغة، وهو من مكوّنات التحدّي بالأسلوب والنَّظم وما إليهما. الثاني: أنَّ التحدِّي ليس بالأسلوب والنَّظم فقط، وإنما هو بجملة صفات القرآن المبيَّنة والمستقرأة من تحليل مضمونه، ولو اتّفق خلوّ سورة من شيءٍ منها؛ فلا يُتّفق أن تخلو السورةُ منها كلِّها. الثالث: أنَّ المقصود بالسورة المتحدّى بها هو أن يأتي المتحدَّى بقطعة من الكلام يتّفق له فيها من كلِّ صفات القرآن التي تتحقّق بها مُفردات المماثلة مما تقع فيه المباراة؛ بغضّ النَّظر عن طولها، على أن تكون بالغةً في الطُّول ما يكفي لإظهار الاقتدار على النَّظم المؤتلف رصفًا وأسلوبًا ونظمًا. والتزام أيّ واحدٍ من هذه الثلاثة يُسقط الاعتماد على خلوّ بعض السور من الإخبار بالغيب لنفي أن يكون الإخبار بالغيب من جملة الـمُتحدَّى به. والله أعلم. ويَرِدُ على هذا الوجه أنَّ القطعةَ المتحقّقَ بها ذلك ليست محدودة بحدود واضحة، فيقال: على قول الطيبيّ المتقدم فإنها محدودة بعشر سور؛ فليأت بعشر قطع متنوعة المقاصد كلّ منها بطول أقصر سورة من القرآن، أو بقطعة بالغة مبلغ العَشر. ويمكن أن يقال: يتفاوت الطول الذي يستبين به ذلك باختلاف مقاصد الكلام ووفور المعاني. وعلى كلِّ حالٍ؛ فإنَّ أهل صنعة الكلام لا يعجزون عن تقدير حدِّ الوفاء به؛ كما لا يعجز المعلِّم عن تقدير رتبة طالبه في مهارة التعبير الشفاهي من خلال ما قاله كتابةً أو حديثًا. الوجه الثالث: أنَّا ننازع فيما يسوقه الكثيرون كحقيقة مُسلَّمَة، وهي: خلوّ بعض سور القرآن من الإنباء بالغيب؛ كسورة العصر. ذلك أنَّ دائرة الغيب أوسع مما عنوه، فالغيوب التي أخبر بها القرآن تتضمّن أنواعًا كثيرة[11]: فمنها ما هو إخبار عن الرسل السابقة ورسالاتهم، وقصص الأوّلين السالفين، وبالحوادث الواقعة في الأزمنة الغابرة. ومنها الإنباء بالغيوب المستقبلة، بما فيها الإخبار بأحداث الموت وما بعده من أحداث القيامة والجنة ونعيمها والنار وعذابها. ومنها الإخبار بمكنونات الصدور والسرائر وكشف ما في مخبّآت الضمائر. ومنها الإخبار عن مصائر أحياء، فلا يستطيعون تغيير مصائرهم. ومنها الإخبار عن أنَّهم لن يستطيعوا أن يفعلوا شيئًا، فلا يستطيعون، مع أنَّ فعلهم يتوقَّف في الظاهر على محض إرادتهم. ومنها الإخبار بالسنن الكونية والقوانين الطبيعية الـمُطّردة. ومنها الإخبار عن أسماء الله تعالى وصفاته، وعن ملائكته وصفاتهم وعبادتهم ومهامّهم، ونحو ذلك. قال تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}[البقرة: 2، 3]، قال الربيع بن أنس في تفسير قوله: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}: «آمَنوا بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه، وآمنوا بالحياة بعد الموت، فهذا كله غيب»[12]. قال الطبري: «وأصل الغيب: كل ما غاب عنك من شيء»[13]. وقال ابن تيمية: «وأصل الإيمان هو الإيمان بالغيب، كما قال تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}[البقرة: 2، 3]، والغيب الذي يؤمن به: ما أَخبرَت به الرسل من الأمور العامة، ويدخل في ذلك الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وملائكته والجنة والنار فالإيمان بالله وبرسله وباليوم الآخر يتضمن الإيمان بالغيب»[14]. وليس بعض أنواع تلك الغيوب بأولى بالاعتبار من غيرها، فهي تستوي في أنه لا سبيل للعلم بها إلا بإخبار الوحي الصادق. فيستوي الإخبار بالوقائع الماضية، والكوائن المستقبلة، ومخبآت الضمائر، والإخبار عن أسماء الله وصفاته، بل الأخرى أخطر، والجرأة عليها أشدُّ، ولا يُخبِر بها إلا رسولٌ معلَّمٌ. وكلُّ مَن تقوَّلوا على الله تعالى فيها من عند أنفسهم، أو حرَّفوا كتبهم لتُناسب أهواءهم وخرافاتهم؛ جاؤوا بمنكرٍ من القول وزورٍ، ونسبوا لله -عز وجل- ما لا ينسجم مع العلم الضروري والأوَّليات العقلية، ولا تهدي إليه فطرةٌ مستقيمةٌ، بعكس ما جاء به الوحي الصادق، فكان من هذه الجهة إخبارًا عن غيبٍ تحقَّق الشُّهودُ صدقَه، وهم ينتظرون تحقّق ما وعدهم تحقُّقه ووقوعه يوم يأتي تأويله. وهل جاء القرآن بأهمّ من تصحيح أوهام المشركين والوثنيين وأهل الكتاب عن الله تعالى، وضلالهم في أسمائه وصفاته؟ وإخبار بعض الفلاسفة ببعض صفات الإله لا يخلو -بأحسن الفروض- من تخليطٍ بين الحقّ والباطل، وبين ما يقبله العلم الضروريّ وما يردُّه. هذا إن تغاضينا عن حقيقة أنَّهم لم يَبتدِئُوا به ولم يبتكروه، وإنما استقَوه من مصدر سماويّ من بقايا آثار الوحي والنبوات. وهذا مشاهدٌ في كلام الصفوة منهم؛ حتى بعض فلاسفة المسلمين الذين استرشدوا بشيء من كلام الوحي الخاتم المهيمن، ولكنّهم إذ حكَّموا عقولهم فيه حادوا عن الصواب، ثم اعترفوا هم أنفسهم بذلك. وكذلك، فإنَّ إخباره عن مخلوقاتٍ كالملائكة وصفاتها مما لا يصادم المنطق، ولا يندّ عن مقبولات العقول، ولا يضادّ الحقائق العلمية المكتشفة، ولا يناقض بعضه بعضًا. وقد رأينا أرباب المعتقدات الباطلة والمحرّفة يأتون في هذا الباب بالعجب العجاب، فيدّعون وجود مخلوقات تحمل الكرة الأرضية على ظهورها، ووحوش مقدّسة، وضفادع في حجم المدن، ودوابّ في حجم الجبال، مما تشهد العلوم الحديثة بأنه لم يوجد فيما تملك هذه العلوم البتّ فيه[15]. قال الزرقاني: «أمّا غيب الحاضر فنريد به ما يتصل بالله تعالى والملائكة والجن والجنة والنار ونحو ذلك مما لم يكن للرسول -صلى الله عليه وسلم- سبيل إلى رؤيته ولا العلم به، فضلًا عن أن يتحدث عنه على هذا الوجه الواضح الذي أيّده ما جاء به الأنبياء وكتبهم -عليهم الصلاة والسلام-، وأمثلة هذا الضرب كثيرة في القرآن لا تحتاج إلى عرض ولا بيان»[16]. فإذا تأمّلت ذلك تبيّن لك أنَّ الإخبار عن الله تعالى وصفاته، وعن عالم الملائكة والجنّ والشياطين لا يقلُّ -إن لم يزد- في إعجازه عن الإخبار بالوقائع الماضية، والكوائن المستقبلة، ومخبآت الضمائر. وأمَّا الأنواع الأخرى من الغيوب، فالأمر فيها أوضح، قال الشيخ البوطي -رحمه الله وعفا عنه-: «ونقصد بالغيبيات تلك الإخبارات المتعلقة بأحداث مُقبِلة، والتي لم يُظهِرها بعدُ أيُّ شاهد من العقل أو الحسّ أو الدلائل التي تعوّد الإنسان على الاعتماد عليها. سواء تعلّقت هذه الأخبار بأحداث عامة، أو تعلقت بأُناس أو فئات بأعيانهم، أو تعلقت بنواميس كونية. ففي القرآن آيات كثيرة أخبرت عن أحداث ستقع في زمن مُقبِل، وفيه آيات تحدّثَت عن مصائر أشخاص بأعيانهم، وفيه نصوص تقرر قوانين ثابتة بالنسبة لكثير من المظاهر الكونية المحيطة بنا. وقد جاء الزمن فيما بعد بمصداق هذه الأخبار كلها، دون أن يكون عليها أيّ شاهد من قبل، من حس أو عقل أو أيّ بيّنة من البيّنات»[17]. فمن الآيات التي تحدّثَت عن مصائر أشخاص بأعيانهم سورة المسد، وما تضمنته من إخبار عن مستقبل أبي لهب وما سيؤول إليه حاله، فإذا تأمَّلت هذه السورة «علمت أنّ أحدًا من الناس لا يملك أن يطلق هذا الوعيد ويسجله في عنق الزمن وعلى صفحة الدهر. فما الذي يُدري هذا الإنسان أنّ أبا لهب سيثبت على كفره إلى الموت، وما هي ضمانات أنه لن يؤمن كما آمن الكثير ممّن هم أشد منه كفرًا وأقسى عنادًا؟ بل ما الذي يطمئن هذا الإنسان إلى أنّ أبا لهب لن ينهض به دافع التحدِّي عندما يسمع هذا الوعيد المسجل في حقه إلى أن يعلن إيمانه بالله ورسوله على الملأ، ليثبت بذلك أنه قد محا أسباب شقوته، وأن إخبار القرآن عن مصيره مخالف للواقع الذي تمّ. إنَّ بشرًا من الناس لن يستوثق من تقلبات الزمن، وما قد يطرأ من الأحوال والأفكار الجديدة على أبي لهب وأمثاله، ونظرًا لذلك فلن يجد من الجرأة ما يعتمد عليه في إطلاق مثل هذا الخبر الغيبي المخبوء في تلافيف المستقبل. ومثله قول الله -عزّ وجلّ- في حق الوليد بن المغيرة المخزومي: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ}[المدثر: 11- 28]. إنّ هذا الإخبار الغيبي: سأرهقه صعودًا... سأصليه سقر... ليس مما يتجرأ إنسان عليه؛ لأن الإنسان يفرض الاحتمالات المختلفة للزمن، والأطوار المفاجئة العجيبة للإنسان، وهو ليس مطّلعًا على ما قد يأتي به الغد أو ما قد يفاجأ به فكر الإنسان. ولكنه إخبار غيبيٌّ يصدر عمّن بيده مصير الزمن والمكان، وعمّن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وما ينتهي إليه حال أيّ إنسان»[18]. ومن الغيوب القرآنية آيات كثيرة تُعلِن في بيانات حاسمة عن نواميس كونية، وتخبر أنها ستظل قوانين نافذة حاكمة على الناس كلهم وعلى الطاقة العلمية كلها، مهما تنوعت وتقدمت صعدًا. فهي تستعصي على كل محاولات التغيير والتطوير، وذلك كقوله: {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ}[يس: 68]، وقوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا}[النساء: 78]، وقوله: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ}[المؤمنون: 18]، وقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}[الإسراء: 85]، وقوله تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا}[الزخرف: 32]. «تأمَّل في هذه التقارير القاطعة في أسلوبها، المطلقة عن قيود الزمان والمكان، المرسلة في قوة وإصرار إلى أعماق غيوب المستقبل... المترفعة عن محاولات التطوير والعلم، أيمكن أن ينطق بها بشر؟... وهل الإنسان نفسه إلّا ذرّة من جزئيات الكون، فهو لا يدري ما الذي يأتي به الغد أو يتطور إليه العلم، أو تمتد إليه الطاقة؟ إنّ أعظم العلماء شأنًا اليوم، يرى الحقيقة العلمية بعينيه، ثم يتحفظ مع ذلك في التعبير عنها، متوقعًا أن يُفاجَأ في كل يوم بقيود أو حدود جديدة لها. فأيّ رجل هذا الذي يستطيع أن ينهض من وراء القرون الغابرة، فيبعث إلى الدنيا كلها بتقرير علمي جازم يفصّل فيه أمر النواميس الكونية الراسخة، ويرفعها فوق هام البشرية مؤكدًا أنّ أيَّ طاقة -مهما كانت- لن تمتد إليها بأيِّ تغيير؟»[19]. كذلك فإن ما يُسمّيه بعضهم بالإعجاز العلمي يندرج تحت الإعجاز الغيبي؛ لأن الآيات التي تتضمن حقائق علمية صدقت عليها موازين العلوم والاكتشافات الحديثة، تتضمن حقائق غيبية في الوقت ذاته[20]. ولا تخلو سورةٌ من هذا النوع من الغيوب وإنْ قصرت، فسورة العصر مصرّحة بسُنّة مُطّردة: أنَّ الإنسان في خُسر؛ كقوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ}[التين: 4، 5]، أو هو إخبار بمصير الكفار يوم القيامة، قال ابن عاشور: «وهذا الخبر مراد به الحصول في المستقبل بقرينة مقام الإنذار والوعيد، أي: لفي خسر في الحياة الأبدية الآخرة فلا التفات إلى أحوال الناس في الحياة الدنيا»[21]، فهو غيبٌ أيضًا -كما ترى- على اختلاف أقوال المفسرين. كما أنَّها مُنبئة بما يكون للذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنة من النعيم، فهو من الغيب كذلك. وسورة الهُمَزة فيها إخبار عن مصير الهُمَزة اللُّمَزة، وفيها تفصيل بعض وصف النار، وفيها إخبار بسُنّة ماضية: أنّ المال غير مخلِّدٍ صاحبَه. وعلى قول مَن جعلها في واحدٍ بعينه[22] ففيها إخبارٌ بأنَّه يموت كافرًا. وسورة الفيل فيها إخبار بحادثة ماضية، وإخبار بقدرة الله -عز وجل- وعزّته. وسورة قريش فيها إخبارٌ بعادتهم الماضية، وإخبار ببعض أفعال الله تعالى الدَّاعية للتأمُّل؛ كيف أطعمهم -على قلة الثمار في بلادهم- من كلّ ثمرات الأرض التي لا يتفق اجتماعها في البلاد الخصيبة، وكيف آمنهم في بلدهم وفي أسفارهم؛ لمكان الحرم عند العرب. وسورة الماعون فيها من الإخبار بالغيب: الإنباء ضمنًا بيوم الدِّين، والإنباء بمصير المُرائين، والكشف عن مخبآت ضمائرهم، وعن طباعهم القاضية بمستقرّ أفعالهم. ومما يُروى عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- في قوله تعالى: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}[الماعون: 7]، قال: «لم يجئ أهلُها بعدُ»[23]. ولعلَّه قال ذلك؛ لأنه لم يكن سائرًا في العرب وقتها أن يمنعوا العارية اليسيرة؛ بل كان الكرم فيهم غالبًا. وقد تحقَّق فشوّ ذلك في الناس بعدُ، فمنعوا العاريةَ حتى صارت عند بعضهم عادة جارية. «وهذه سورة الكوثر ثلاث آيات قصار، وهي أقصر سورة في القرآن، وقد تضمّنت الإخبار عن مُغيَّـبَين: أحدهما الإخبار عن الكوثر وعِظَمه وسعته وكثرة أوانيه، وذلك يدل على أن الـمُصدِّقين به أكثر من أتباعِ سائر الرسل. والثاني: الإخبار عن الوليد بن المغيرة، وقد كان عند نزول الآية ذا مال وولد، على ما يقتضيه قوله الحق: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا}[المدثر: 11- 14]، ثم أهلك الله سبحانه ماله وولده، وانقطع نسله»[24]. وسورة الكافرون فيها من ذلك الشيء العظيم، ونحن نسوق تفسيرها بعبارة الإمام الطبري ليتّضح ذلك: «{قُلْ} يا محمد؛ لهؤلاء المشركين الذين سألوك عبادة آلهتهم سَنَةً، على أن يعبدوا إلهك سَنَةً: {يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}[الكافرون: 1] بالله، {لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ}[الكافرون: 2] من الآلهة والأوثان الآن، {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}[الكافرون: 3] الآن، {وَلَا أَنَا عَابِدٌ}[الكافرون: 4] فيما أستقبل {مَا عَبَدْتُمْ}[الكافرون: 4] فيما مضى، {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ}[الكافرون: 5] فيما تستقبلون أبدًا {مَا أَعْبُدُ}[الكافرون: 5] أنا الآن، وفيما أستقبل. وإنما قيل ذلك كذلك؛ لأن الخطاب من الله كان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أشخاص بأعيانهم من المشركين، قد علم أنهم لا يؤمنون أبدًا، وسبق لهم ذلك في السابق من علمه، فأمر نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يؤيّسهم من الذي طمعوا فيه، وحدثوا به أنفسهم، وأن ذلك غير كائن منه ولا منهم، في وقت من الأوقات، وآيس نبي الله -صلى الله عليه وسلم- من الطمع في إيمانهم، ومن أن يفلحوا أبدًا، فكانوا كذلك لم يفلحوا ولم ينجحوا، إلى أن قتل بعضهم يوم بدر بالسيف، وهلك بعض قبل ذلك كافرًا»... ثم ساق من آثار السلف دلائل ذلك[25]. وسورة النصر فيها الوعد الذي تحقق بدخول الناس في دين الله أفواجًا، وفيها إعلام النبي -صلى الله عليه وسلم- بقُرب أجَله، وقد كان. وقد تقدَّم قريبًا ما في سورة المسد من ذلك. وسورة الإخلاص متمحّضة للإنباء ببعض أسماء الله -عز وجل- وصفاته تعالى كما هو معلوم، وهي مُصحِّحة لاعتقادات المشركين وضلالات أهل الكتاب في ذلك. وفي المعوذتين إخبارٌ بأسماء الله تعالى: رب الفلق، رب الناس، ملك الناس، إله الناس، الخالق، الحافظ عباده، المعيذ من استعاذ به، وإنباءٌ بخلقٍ من خلقه: الجنّ والشياطين، وصفة من صفة الشيطان: أنَّه يوسوس بالغفلة، ويخنس بالذكر؛ مما وُجِد تصديقه في الواقع؛ يعرفه كلُّ ذاكرٍ يقظٍ، وأنَّ للعين وللسِّحر حقيقةً وتأثيرًا، مما أقرَّ به منصفو الأطبّاء، وأنَّ الذكر والاستعاذة عمومًا -وبالمعوذات خصوصًا- تحُول دون وقوع تأثيرهما، وإنْ أصابَا العبدَ الذاكر فإنَّ أثرهما عليه لا يبلغ التسلُّطَ القاهر. وهذا أمرٌ واقعٌ نراه في أنفسنا وأهلينا، وفي الناس حولنا. فمَن أخبَر النبيَّ بهذه المغيّبات؟ ومِن أين له أنَّ هذه المعوّذات لها هذا التأثير الواقي والشافي بإذن الله؟ وبتأمُّل سائر قصار السُّوَرِ وتدبُّرها يستبين أنَّ أيًّا منها لا يخلو من معنًى أو أكثر من المعاني المندرجة تحت نوع من أنواع الأخبار بالغيب المذكورة. الوجه الرابع: وهو وجهٌ دقيقٌ ومنزع لطيف بحاجة إلى تأمُّل مُتأنٍّ. ذلك أنَّ بعضَ إعجازِ النَّظم القرآني مُتضمِّنٌ للإعجاز الغيبيّ، وبيان ذلك أنَّ حسن اختيار المفردة اللغوية وحسن توظيفها بما يتساوق مع المعنى المراد من أهمّ مُكوّنات إعجاز الأسلوب والنَّظْم، وهذه حقيقة يُقرّرها كلُّ المحققين ممن تكلّموا عن إعجاز النَّظم بطريقة أو بأخرى. والاختيار والتوظيف فرعٌ عن الإحاطة بكلِّ مفردات اللغة ومعانيها الدقيقة؛ ليتسنّى للبليغ إيقاعها في النَّظم على مراده، والنَّظر قاضٍ بأنَّ الإحاطة بدلالات المفردات اللغوية التي غيّبها الزمان، وتفانت في اتّساع ألفاظ اللغة، وذهبت بها بطون الأحياء؛ مستحيلٌ على غير نبيٍّ، من جهة تأييده بالوحي الخبير المحيط لا من جهة طَوْل مَلكاته البشرية المجرّدة. ولذا قال الإمام الشافعي: «ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسانٌ غيرُ نبيٍّ، ولكنه لا يذهب منه شيءٌ على عامتها، حتى لا يكون موجودًا فيها من يعرفه»[26]. قال ابن فارس مُعلّقًا: «وهذا كلام حريٌّ أن يكون صحيحًا، وما بلَغَنا أنّ أحدًا ممن مضى ادّعى حفظ اللغة كلها»[27]. وما كان خارج نطاق الإحاطة فهو غيبٌ، ومجيء النبي -صلى الله عليه وسلم- به من باب مجيئه بالأخبار عن المغيّبات سواءً بسواءٍ، فالمبنى واللفظ وما إليهما وعاءٌ، والمعنى مُوعًى، وكلاهما خارج القدرة البشرية، وتحدّيهم بالنَّظم من هذه الجهة كتحدِّيهم بالاطلاع على بعض مكنون الغيب. نعم، لقد كانوا في الجملة محيطين باللغة، وإن عجَز الآحاد عن جميعها، فعادت بالنسبة لآحادهم غيبًا، فإن اجتمعوا جميعهم في صعيد واحدٍ -وهذا غير واقع عمليًّا- ضُمِن لهم نظريًّا أنَّهم مُلِمُّون بجميع ألفاظها، ولكن لمّا توزّع علمهم بالألفاظ ومواقعها على آحادهم؛ استحال عليهم ضمان أنَّ كلَّ لفظةٍ واقعةٌ موقعها الذي لا تقوم به غيرها. ثم بالنَّظر إلى موضعها من النَّظم، أنَّى لهم المعنى القائم، والرباط الناظم؛ ليأتوا بمثل القرآن بلاغته؟ ومن ظفر بشيءٍ من ذلك وحَذقه غُيّبت عنه أشياء. فقد عاد عجزهم عن الإتيان بمثله إلى ما غُيِّب عنهم من جملة ذلك، وإن وقع لهم في تفاريقِ الكلام أبعاضه. وإنما يقدر عليه مَن أحاط بكلِّ شيء علمًا، وأحصى كلَّ شيءٍ عددًا. وإلى قريبٍ من هذا المعنى أشار الخطّابيّ بقوله: «وإنما تعذَّر على البشر الإتيان بمثله لأمور؛ منها أنَّ علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وبألفاظها التي هي ظروف المعاني والحوامل لها، ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، ولا تكمل معرفتهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض، فيتوصّلوا باختيار الأفضل عن الأحسن من وجوهها إلى أن يأتوا بكلام مثله، وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حامل، ومعنًى به قائم، ورباط لهما ناظم. وإذا تأمّلْتَ القرآن وجَدتَ هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئًا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه ولا ترى نظمًا أحسن تأليفًا وأشدَّ تلاؤمًا وتشاكلًا من نظمه. وأمّا المعاني فلا خفاء على ذي عقل أنها هي التي تشهد لها العقول بالتقدم في أبوابها والترقِّي إلى أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها. وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام، فأمّا أن توجد مجموعة في نوع واحدٍ منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير، الذي أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كلَّ شيء عددًا»[28]. وقال ابن عطية: «والصحيح أنَّ الإتيان بمثل القرآن لم يكن قطُّ في قدرة أحد من المخلوقين، ويظهر لك قصور البشر في أن الفصيح منهم يصنع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده، ثم لا يزال ينقحها حولًا كاملًا، ثم تعطى لآخر نظيره فيأخذها بقريحة جامّة فيبدل فيها وينقح ثم لا تزال كذلك فيها مواضع للنظر والبدل. وكتاب الله لو نُزعت منه لفظة ثم أُدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم يوجد»[29]. الاستشكال الثالث: قال الراغب في معرض حديثه عن إعجاز القرآن: «ولا يتعلق [الإعجاز] أيضًا بمعانيه، فإن كثيرًا منها موجود في (الكتب المتقدمة)؛ ولذلك قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ}[الشعراء: 196]، وقال: {وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى}[طه: 133]، وما هو مُعجز فيه من جهة المعنى، كالإخبار بالغيب؛ فإعجازه ليس يرجع إلى القرآن بما هو قرآن، بل هو لكونه خبرًا بالغيب، وذلك سواء كونه النظم أو بغيره»[30]. وأوَّل ما يقع للمتأمِّل في هذا الكلام أنَّ القائلين به لا ينفون أنَّ الإخبار بالغيب معجزٌ، وإن كانوا يُفرِّقون بين الإعجاز بما يرجع للقرآن بما هو قرآن؛ يَعنون: لغته وأسلوبه ونظمه، أو قُل: لونَه الأدبيَّ، وبين ما هو راجعٌ للقرآن من جهة معناه. وهذا التفريق لا دليل عليه، بل هو تخصيصٌ بغير موجب كما بيَّنَّا مرارًا. وأمَّا كون الكُتب السماوية ستكون مُعجزةً من هذا الوجه؛ لأنها معانٍ من عند الله؛ فما المشكلة في أن تكون كذلك؟ وأين الدليل على أنَّ القرآن وحده هو المعجز من هذا الوجه؟ والحقيقة التي لا إخالُ مُؤمنًا بأنَّ الكُتب السماوية -في صورتها المنزلة على الأنبياء، قبل تحريفها- وحيٌ من عند الله؛ يتوقّف لحظة في الإقرار بأنَّها مُعجزة فعلًا، وأنها كانت مما آتاه الله تعالى أنبياءه من المعجزات التي آمَن عليها بعض البشر؛ ولذا قال تعالى في التوراة مثلًا: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}[البقرة: 53]، وقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ}[المائدة: 44]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ}[الأنبياء: 48، 49]، فوصفها بأوصافٍ وصف بها القرآن، وقال بعد الآية الأخيرة متحدِّثًا عن القرآن: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ}[الأنبياء: 50]. وهذا هو الشأن في الوحي الإلهيّ كله، إذ كله نورٌ ورُوحٌ وهدًى وفرقانٌ وبصائرُ وذِكرٌ؛ ولذا قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ * قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[القصص: 48، 49]، فقرن أيضًا في هذا المقام بين التوراة والقرآن. فالوحي الإلهيُّ كلُّه معجزٌ، وقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ}[الأنعام: 93]، قاضٍ بمفهومه أنَّ مُدّعِيَ أنَّه سيُنزِل مثلَه كاذبٌ، إذ لا سبيل إليه، وهذه عامَّةٌ في كلِّ منزَلٍ. وأمَّا قول الأستاذ محمود شاكر: «ولا أظن أنّ قائلًا يستطيع أنْ يقول إنّ التوراة والإنجيل والزبور كتبٌ معجزة، بالمعنى المعروف في شأن إعجاز القرآن، من أجلِ أنها كتبٌ منزلة من عند الله»[31]، يعني: إعجاز النَّظم، فكذلك أقول: ولا أظنُّ أنَّ قائلًا يستطيع أن ينفي ذلك، كما لا يستطيع أن يقول لنا ما مُعجزة بعض الأنبياء الذين لم تُذكر مُعجزاتهم في القرآن؛ كهودٍ وشعيبٍ -عليهما السلام- مع اليقين بأنَّه كانت لهم آياتٌ ومعجزاتٌ. فكلُّ هذا مما طُوِي عنَّا غيبُه. على أنَّه لو كان لنا أن نُخمِّن -وهو خلاف الأَولى- فسنقول: إنَّ وحيَ الله تعالى إلى أنبيائه إمَّا أن يكون وحيًا بالمعنى، فيكون معناه من الله تعالى ولفظه وصياغته من النبيّ الموحَى به إليه، وإمَّا أن يكون معناه ولفظه كلاهما من الله تعالى؛ فإن كان الأوّل فالمعنى معجزٌ واللفظ غير مُعجزٍ قطعًا؛ من حيث كون الأول من عند الله تعالى، وكون الثاني من عند بشر، وإن كان الثاني فالأقرب أنَّ اللفظ والمعنى كليهما معجزان[32]، وأن النَّظم الذي نزل به الوحي حينئذ وقع على أفضل رُتَبِ النَّظم في اللغة الموحَى بها. فإن قلنا إنَّ التوراة والزبور والإنجيل -قبل أن يطولها التحريف- كان لفظها من عند الله تعالى، فلفظها مُعجِزٌ إذ كانت روحًا من أمر الله تعالى كالقرآن، ولكن لما طالتها أيدي الـمُحرّفين الفانين صارت إلى ما هي عليه، فدخلها من المعاني ما هو كفرٌ وخُرافةٌ[33]. وأمَّا الاستدلال في هذا المقام بحديث: «ما من الأنبياء نبيٌّ إلا قد أُعطي من الآيات ما مثلُه آمَن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيتُ وحيًا أوحَى اللهُ إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعًا يوم القيامة»[34]، فغير ناهض، وقد أوضحنا أنَّه لا يُفهم منه أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يُعطَ غيره من الآيات، ولا أنَّ غيره من الأنبياء لم يُعطَوْا من الوحي ما آمن عليه البشر، وإنما المراد -والله أعلم- ما أشرنا إليه من أنَّ المدعوَّ بالقرآن لا يلزم أن يسمعه مُشافهةً من النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا أن يكون عصريَّه، بل جُلُّ المخاطبين به ليسوا كذلك؛ لأنهم كانوا بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم إن الإيمان به يُهيئ المؤمن للوقوف على سائر آيات النبي -صلى الله عليه وسلم- الأخرى بخلاف القرآن. قال القرطبي: «فالقرآن معجزة نبينا -صلى الله عليه وسلم- الباقية بعده إلى يوم القيامة، ومُعجزة كل نبيٍّ انقرضت بانقراضه، أو دخلها التبديل والتغيير؛ كالتوراة والإنجيل»[35]. وما ذلك إلّا لأنّ الله تعالى تكفَّل بحفظه، فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر: 9]، بخلاف سائر الكتب السابقة؛ استحفظها البشر فضيّعوها. «والسرّ في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت لا التأبيد، وأن هذا القرآن جيء به مصدِّقًا لِما بين يديه من الكتب ومهيمنًا عليها، فكان جامعًا لِما فيها من الحقائق الثابتة، زائدًا عليها بما شاء الله زيادته، وكان سادًّا مسدَّها، ولم يكن شيء منها ليسدّ مسدَّه، فقضى الله أن يبقى حُجةً إلى قيام الساعة، وإذا قضى الله أمرًا يسَّر له أسبابه، وهو الحكيم العليم»[36]. الاستشكال الرابع: ومما قد يُعترَضُ به قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[هود: 13]، قال الزمخشري: «فإن قلت: كيف يكون ما يأتون به مثله، وما يأتون به مفترًى وهذا غير مفترًى؟ قلتُ: معناه مثله في حسن البيان والنظم وإن كان مفترًى»[37]. فهذا يقتضي أنَّ التحدّي واقعٌ بحسن البيان وبالنَّظم فقط، وإن كان مفترًى. وقال الرازيّ: «اختلف الناس في الوجه الذي لأجله كان القرآن معجزًا، فقال بعضهم: هو الفصاحة، وقال بعضهم: هو الأسلوب، وقال ثالث: هو عدم التناقض، وقال رابع: هو اشتماله على العلوم الكثيرة، وقال خامس: هو الصرف، وقال سادس: هو اشتماله على الإخبار عن الغيوب. والمختار عندي وعند الأكثرين أنه معجز بسبب الفصاحة، واحتجوا على صحة قولهم بهذه الآية؛ لأنه لو كان وجه الإعجاز هو كثرة العلوم أو الإخبار عن الغيوب أو عدم التناقض لم يكن لقوله: {مُفْتَرَيَاتٍ} معنًى، أمّا إذا كان وجه الإعجاز هو الفصاحة صحّ ذلك لأنّ فصاحة الفصيح تظهر بالكلام، سواء كان الكلام صدقًا أو كذبًا»[38]. فيجاب عن ذلك بجوابين: الأول: أنَّ قوله: {مُفْتَرَيَاتٍ} ردٌّ على قولهم {افْتَرَاهُ} أي: إن كنتم تزعمون أنَّه من الممكن أن يُفترى من دون الله فيأتي على هذا الوصف من البلاغة وحسن الرصف ورُقِيّ المعاني وصِدق أخباره، فعارِضوه وائتوا بمثله مفترًى. ومعنى افترائه أنَّه من عند غير الله، كما دلَّ قوله تعالى: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[يونس: 37]، فيصير معنى الكلام: إن كان محمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم- ليس نبيًّا، وكان قرآنه من عند غير الله كما تزعمون، وكان على هذا الوصف الذي تعرفون، والرصف الذي تسمعون، فجيئوا بمثله. فالآية معناها معنى نظائرها؛ كقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ}[الطور: 33، 34]، وقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[يونس: 38]. الثاني: ولو سلَّمنا بأنَّ المتحدَّى به في هذا الموضع هو النَّظم فحسب فإنه يكون من قبيل التنزُّل أو التنويع من المتحدِّي، وهو لا يعني الترك والإضراب -كما بيَّنَّا- بل هو أبلغ في إفحامه، فإذ لم يستطع أن يأتي بسورة تماثله في كلّ صفاته، ومنها صِدق إخباره بالغيب، فقد رضينا منه أن يأتي بعشر سورٍ في مثل نظمه وبلاغته وإن كان معناها مفترًى. وإلى نحو هذا ذهب جماعة من المفسرين، قال السمعانيّ: «فإن قيل: قد قال في سورة يونس: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ}[يونس: 38]، وقد عجزوا عن أن يأتوا بسورة، فكيف يصحُّ أن يقول لهم: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ}[هود: 13]، وما هذا إلا كرجل يقول لغيره: أعطني درهمًا، فيعجز عنه فيقول: أعطني عشرة دراهم، وأيضًا فإنه قال: {مُفْتَرَيَاتٍ} وهل يجوز أن يأمر الله تعالى أن يأتوا بالافتراء؟ الجواب عنه: منهم مَن قال: إن سورة هود نزلت أوّلًا، وإن كانت في الترتيب آخرًا، وأنكر المبرِّد هذا، وقال: لا؛ بل نزلت سورة يونس أوّلًا. وأجاب عن السؤال وقال: معنى قوله: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} في سورة يونس يعني مثله في الخبر عن الغيب والأحكام، والوعد والوعيد، فعجزوا، فقال لهم في سورة هود: إن عجزتم عن الإتيان بسورة مثل القرآن في أخباره وأحكامه ووعده ووعيده، {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} يعني: مختلَقات من غير خبرٍ عن غيب، ولا حكم ولا وعد ولا وعيد، وإنما هي مجرد البلاغة. وهذا جواب صحيح. وأمّا السؤال الثاني فالجواب؛ قلنا: الله -سبحانه وتعالى- لم يأمرهم بالافتراء، وإنما تحدَّى، ومعناه: أنّ إصراركم في تكذيب محمد وزعمكم أنه افترى القرآن يوجب عليكم أن تأتوا بمثله افتراءً، ليظهر كَذِبُ محمدٍ كما زعمتموه؛ فلمّا عجزتم دلَّ أنه صادق»[39]. قلتُ: ويلزم من تصحيحه لهذا الوجه قبول أنَّ التنزُّل والتنويع لا يعني الإضراب، بدليل عودته في سورة البقرة المتأخرة النزول باتفاق إلى التحدي بسورة من غير أن يقيدها بالافتراء: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[البقرة: 23]. وقال ابن عطية: «ووقع التحدي في هذه الآية بِعَشْرٍ؛ لأنه قيدها بالافتراء، فوسَّع عليهم في القَدْر لتقوم الحجة غاية القيام؛ إذ قد عَجَّزَهم في غير هذه الآية بسورةٍ مِن مِثلهِ دون تقييد، فهذه مماثلة تامّة في غيوب القرآن ومعانيه الحجة، ونظمه ووعده ووعيده، وعُجِّزُوا في هذه الآية بأنْ قيل لهم: عارضوا القَدْر منه بعشرِ أمثاله في التقدير، والغرض واحد، واجعلوه مفترًى لا يبقى لكم إلا نظمه، فهذه غاية التوسعة. وليس المعنى: عارضوا عشر سور بعشر؛ لأن هذه إنما كانت تجيء معارضة سورة بسورة مفتراة، ولا يُبالي عن تقديم نزول هذه على هذه. ويؤيد هذا النظر أن التكليف في آية البقرة إنما هو بسبب الريب، ولا يزيل الريب إلا العلم بأنهم لا يقدرون على المماثلة التامّة، وفي هذه الآية إنما التكليف بسبب قولهم: {افْتَرَاهُ}، فكُلِّفوا نحو ما قالوا، ولا يطَّرد هذا في آية يونس. وقال بعض الناس: هذه مقدَّمة في النزول على تلك، ولا يصح أن يعجزوا في واحدة فيُكلَّفوا عشرًا، والتكليفان سواء. ولا يصحُّ أن تكون السورة الواحدة إلا مفتراة، وآية سورة يونس في تكليف سورة متركبة على قولهم: {افْتَرَاهُ}، وكذلك آية البقرة، وإنما رَيْـبُهم بأنّ القرآن مفترى. قال القاضي أبو محمد: وقائل هذا القول لم يلحظ الفرق بين التكليفين في كمال المماثلة مرة، ووقوفها على النظم مرة»[40]. خاتمة: الذي يُخلَص إليه في هذه القضية أنَّ القرآن الكريم آيةٌ معجزةٌ من كلِّ وجهٍ يمتُّ إلى معنًى محتمَلٍ في النَّظر السديد من معاني صفاته المبيّنة والمستنبطة، وأنَّ المتحدَّى به أن تأتي أمَّة الدعوة إنسها وجنّها على اجتماعهم وتظاهرهم بسورة من مثله من كلِّ وجهٍ دون تقييد أو تخصيص، بل هي مماثلة تامَّة في بيانه وصدقه وحُكمه وحكمته وتفصيله وائتلافه وهدايته ونورانيته وروحانيته ورحمته وعصمته وعزّته وعلوّه وهيمنته إلى غير ذلك من صفاته ومُضمَّناته، ويدخل فيها ما أخبر به من أنواع الغيوب التي صدَّقها العلمُ الضروري والعلم النَّظري، وأيدتها الفِطَرُ السلمية، والألباب القويمة. وفي تقدير الباحث؛ فإنَّ التأسيس على هذا التأصيلِ مهمٌّ جدًّا للوصول إلى معايير موضوعية صادقةٍ تُحاكَم إليها أوجه الإعجاز التي يقول بها كثيرٌ من الباحثين، لا سيّما المعاصرين، وتُمتحَنُ بها صراحةُ نَسبِها إلى إعجاز القرآن الكريم، وإلى القدر المتحدَّى به منه. وبعدُ، فما كان من توفيق ومن إصابة حقٍّ فمحض مَنِّ الكريم -عز وجل-، وما كان من خطأ أو سهوٍ فمنِّي ومن نفسي، وهو المرجوّ أن يُـنِيل الأجرين، ويُجزل العطاء في الدَّارين. وصلِّ اللهم على سيّد الثقلين. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * موقع الألوكة: (https://2u.pw/FhyLw). [1] المقالة الأولى: (هل في القرآن إعجاز غيبي؟) على هذا الرابط: tafsir.net/article/5326 المقالة الثانية: (هل يدخل الإخبار بالمغيّبات في جملة المتحدّى به؟) على هذا الرابط: tafsir.net/article/5327. [2] مداخل إعجاز القرآن الكريم، للأستاذ محمود شاكر (ص153، 154). [3] انظر: جامع البيان، للطبري (1/ 394-395)، وبحر العلوم، للسمرقندي (1/ 33). [4] مباحث في إعجاز القرآن، للدكتور مصطفى مسلم (ص30). [5] بيان إعجاز القرآن للخطابي ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن (ص23، 24). وانظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي (2/ 95- 96). [6] الإعجاز العلمي إلى أين؟ للدكتور مساعد الطيار، دار ابن الجوزي، السعودية، ط2، 1433هـ (ص13). [7] شرح مقدمة التسهيل (ص278، 279). [8] انظر: تفسير مقاتل بن سليمان (4/ 492- 493). والمستدرك على الصحيحين، للحاكم (ح3872)، ودلائل النبوة، لأبي نعيم (ص234 برقم 186). [9] أحكام القرآن، لابن الفرس، دار ابن حزم، بيروت، تحقيق الجزء الأول: د/ طه بن عليّ بو سريح، ط1، 1427هـ= 2006م (1/ 42). [10] فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب، للطيبي (8/ 31). [11] مِن أجمعِ مَن تحدّث عنها: الزرقاني تحت الوجه السابع من وجوه إعجاز القرآن عنده، مناهل العرفان (2/ 367- 389). وانظر كذلك: النبأ العظيم، للدكتور دراز، ط دار طيبة، الرياض، بعناية عبد الحميد الدخاخني، ط2، 1421هـ= 2000م (ص39- 64). [12] جامع البيان، للطبري (1/ 242). [13] جامع البيان، للطبري (1/ 242). [14] مجموع الفتاوى، لابن تيمية، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، نشرة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، 1416هـ= 1995م (13/ 233). [15] انظر الفصل الرابع: (الكائنات الخرافية في الكتاب المقدّس) ضمن كتاب: العلم وحقائقه بين سلامة القرآن الكريم، وأخطاء التوراة والإنجيل، للدكتور سامي عامري (ص559- 577). [16] مناهل العرفان، للزرقاني (2/ 368). [17] من روائع القرآن، للدكتور محمد سعيد البوطي، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1420هـ= 1999م (ص148). [18] من روائع القرآن، للبوطي (ص150). [19] من روائع القرآن، للبوطي (ص152). [20] انظر: من روائع القرآن، للبوطي (ص153)، والإعجاز العلمي إلى أين؟ للطيار (ص19). [21] التحرير والتنوير، لابن عاشور (30/ 532). [22] انظر الخلاف في ذلك: جامع البيان، للطبري (24/ 619- 620). [23] جامع البيان، للطبري (24/ 676). [24] نقله القرطبي عن ابن الحصار، انظر: الجامع لأحكام القرآن (1/ 74). [25] جامع البيان، للطبري (24/ 702- 704). [26] الرسالة، للإمام الشافعي، تحقيق: الشيخ أحمد شاكر، نشرة مكتبة الحلبي، مصر، ط1، 1358هـ= 1940م (1/ 34). [27] الصاحبي في فقه اللغة العربية، لابن فارس، دار الكتب العلمية، ط1، 1418هـ= 1997م (ص24). [28] بيان إعجاز القرآن، للخطابي (ص26، 27). [29] المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1422هـ (1/ 52). [30] تفسير الراغب الأصفهاني، تحقيق: د. محمد عبد العزيز بسيوني، نشرة كلية الآداب - جامعة طنطا، ط1، 1420هـ= 1999م (1/ 44). وانظر: مداخل إعجاز القرآن الكريم، للأستاذ شاكر (ص154)، والإعجاز العلمي إلى أين؟ للدكتور الطيار (ص19، 20). [31] مداخل إعجاز القرآن الكريم، للأستاذ شاكر (ص154). [32] وإنما قلتُ: «الأقرب» ولم أقطع به؛ لمكان الخلاف المعلوم في الحديث القدسيّ: هل لفظه من الله -عز وجل- أم من النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإن كنتُ أُرجّح الثاني، لأسباب ليس هذا محلَّ البسط بذكرها. وانظر بعضها في: النبأ العظيم، للدكتور دراز (11- 13). [33] ولعل مما يُستروح به لذلك أنَّ بعض تلك الكتب كان يُقرأ ويُرتّل كالقرآن، يشهد له قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «خُفِّفَ على داود -عليه السلام- القرآن، فكان يأمر بدوابّه فتُسرج، فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابّه». أخرجه البخاري في صحيحه (ح3417). قال البيضاوي: «والمراد به: الزبور، ولعله سمّاه قرآنًا لما كان في قراءته من الإعجاز، كما سُمّي القرآن؛ لما في لفظه من الإعجاز». تحفة الأبرار شرح مصابيح السُّنة، تحقيق: لجنة مختصة بإشراف نور الدين طالب، نشرة: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، 1433هـ= 2012م (3/ 453). وقطع به التوربشْتي، قال: «وإنما أطلق القرآن؛ لأنه قصد به إعجازه من طريق القراءة». انظر: الكواكب الدراري، للكرماني (14/ 65)، واللامع الصبيح، للبرْماوي (9/ 527)، وعمدة القاري، للبدر العيني (16/ 7). وقال ابن حجر: «وقراءة كل نبيّ تطلق على كتابه الذي أُوحِي إليه، وإنما سمّاه قرآنًا للإشارة إلى وقوع المعجزة به كوقوع المعجزة بالقرآن؛ أشار إليه صاحب المصابيح». فتح الباري (6/ 455). فقد رأيتَ أنَّ عددًا من جِلّة علماء الملة قد قالوا بما ظنَّ الأستاذ شاكر أنَّ أحدًا لن يستطيع أن يقول به. [34] أخرجه البخاري ومسلم. وقد تقدّم تخريجه. [35] الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (1/ 72). [36] النبأ العظيم، للدكتور دراز، دار طيبة، الرياض، ط2، 1421هـ= 2000م (ص7، 9). [37] الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، للزمخشري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط3، 1407هـ (2/ 383). [38] مفاتيح الغيب، للرازي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط3، 1420هـ (17/ 325). [39] تفسير القرآن، للسمعاني، تحقيق: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم، دار الوطن، الرياض، ط1، 1418هـ= 1997م (2/ 417). [40] المحرر الوجيز، لابن عطية (3/ 155). وانظر ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل، لأبي جعفر الغرناطي (1/ 27)، ولباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن (2/ 476).0
- الإعجاز الغيبي في القرآن بين الإثبات والنفي (2-3)*
هل يدخل الإخبار بالمغيّبات في جملة المتحدّى به؟
الكاتب : محمود عبد الجليل روزن
خلصنا في المقالة الأولى من هذه السلسلة[1] إلى أنَّ الإعجاز الغيبيّ في القرآن الكريم حقيقة لا تُنكَر، ولا ينتصبُ للمماري فيها صراطٌ إلا على ظهر المماحكة اللفظيّة، والمنازعة في الاسم لا في الـمُسمَّى.
وفي هذا المقال الثاني من السلسلة نتوجَّه للإجابة عن السؤال الشائك: هل يدخل الإخبار بالمغيّبات في جملة المتحدَّى به؟
إنَّ منشأ التحدّي بالقرآن أنَّ المكذّبين يشكّكون في الآيات، مع علمهم بأنَّهم لا يقدرون على المجيء بمثلها، فينسبون ذلك إلى قُوى أخرى غير الله تعالى، كأنْ ينسبوها إلى السِّحر الذي يُستعان عليه بالجنِّ، كما في قوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ}[المائدة: 110]، وكما في قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ}[النمل: 13]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وادَّعى الكفارُ أن القرآن قولُ شاعر، وقولُ كاهن، وأنَّه سحرٌ يؤثَر. ولـمَّا كان الشعرُ صنعتَهم، وكان السِّحرُ والكهانةُ غيرَ خارجَين عن طَوْق تعاطي البشر؛ تحدَّاهم الله -عز وجل- أن يأتوا بمثله، فكأنَّه يقول لهم: إن كان شاعرًا فما يمنعكم -وأنتم الشعراء- أن تقولوا مثله؟ وإن كان كاهنًا أو ساحرًا فما أساطين السحرة والكُهّان منكم ببعيدٍ، فلتستعينوا بمَن شئتم منهم من الجنّ والإنس، ولتستعينوا بمَن شئتم وبمَن استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين، فلتأتوا بمثله. فإن لم تفعلوا -ولن تفعلوا- فاعلموا أنَّما أُنزل من عند الله -عز وجل-، وأنَّ الجائي به رسولٌ صادقٌ مُصدَّق.
والقرآنُ الكريمُ هو الرسالةُ الخاتمةُ إلى الإنس والجنّ، وعددُ مَن هم مخاطبون به ممن لم يروا الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولم يشاهدوا سائرَ آياته هم السواد الأعظم من أمَّة دعوته -صلى الله عليه وسلم-، وما معاصروه -صلى الله عليه وسلم- في جملة أمّة دعوته إلا أقلّ القليل، فلم يَبقَ لهؤلاءِ من براهين صدق نبوته إلا القرآن الكريم، وأمورٌ مُتفرّقات مردُّ اعتبار حُجِّيتها والتصديق بإعجازها إلى الإيمان بالقرآن الكريم، فصار القرآن الكريم من هذا الوجه جماع آياته وبراهين نبوته، وإلى ذلك أشار قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ما من الأنبياء من نبيٍّ إلا قد أُعطي من الآيات ما مثلُه آمَنَ عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيتُ وحيًا أوحى اللهُ إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعًا يوم القيامة»[2].
ولا يُفهم من ذلك أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يُعطَ غيره من الآيات، ولا أنَّ غيره من الأنبياء لم يُعطَوْا من الوحي ما آمن عليه البشر، وإنما المراد -والله أعلم- ما أشرنا إليه من أنَّ القرآن لا يلزم أن يسمعه المدعوُّ إليه مُشافهةً من النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا أن يكون عصريَّه، بل جُلُّ المخاطبين به ليسوا كذلك؛ لأنهم جاؤوا بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم إن الإيمان به يُهيئ المؤمن للوقوف على سائر آيات النبي -صلى الله عليه وسلم- الأخرى بخلاف القرآن. وأمّا سائر الرسل -صلوات الله عليهم- كانت رسالتهم تنقطع بموتهم، فيُرسِل الله -عز وجل- للناس الأنبياء بالوحي مصدقًا لما بين يديه من الوحي ومبيّنًا وناسخًا، فلم ينقطع الوحي بموت المتقدِّمين. ولما شاء الله تعالى أن تستمرّ شريعة موسى -عليه السلام- وقتًا طويلًا أرسل النبيِّين يحكمون بالتوراة وعقّبهم الربّانيون والأحبار، ثم خلفهم مَن حرَّف وبدَّل حتّى جاء عيسى -عليه السلام- بالإنجيل مصدقًا لما بين يديه من التوراة، فأحلَّ لهم بعض الذي حُرِّمَ عليهم، وردَّهم إلى الأصل الأوّل.
ولما كان تقدير الله تعالى أن تُختم النبوات بمحمد -صلى الله عليه وسلم- تكفَّل بحفظ القرآن من التحريف ليظلَّ هو الرسالة الخاتمة إلى أن يُرفع من الصدور والسطور، فكان هو الآية التي تقوم بها الحُجَّة على المخاطبين به من الإنس والجنّ إلى يوم القيامة؛ ولذا رجا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يكون أكثر الأنبياء تابعًا.
ولما كان القرآن في ظاهره كلامًا؛ فقد يتبادر إلى ذهن المتشكّك أنه مما لا يُعجِز أن يؤتى بمثله، وهذا واقع في القديم وفي الحديث، قال تعالى حاكيًا عن بعض الكفّار: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}[الأنفال: 31].
فأخضعهم بأنْ طالَبهم أن يأتوا بمثله، فقال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ}[الطور: 33، 34]، ودعا المخاطبين به من الإنس والجنّ إلى التمالؤ على ذلك، ورخّص لهم في الاستعانة بمن شاؤوا والتظاهر بهم عليه فقال: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[الإسراء: 88]، وقال: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[البقرة: 23]، وقال: {وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[يونس: 38، هود: 13]، فانقطعوا وأُبلِسوا واستبان عجزهم لمن كان عنده مسكة من عقل أو أثارة من علم.
فهؤلاء هم المتحدَّوْن بالقرآن في الحقيقة: عموم المخاطبين به من الإنس والجنِّ، لا العرب فقط أو الإنس فقط، كما ذهب إليه بعضهم[3]. ولا يزال التحدّي قائمًا إلى أن يُرفع القرآن من السطور والصدور؛ إيذانًا بوشك قيام الساعة.
فما المتحدَّى به حقيقة؟ أن يأتوا بكلام يُساميه في النَّظم والبلاغة فقط؟ أم تحدَّاهم أن يأتوا بكلامٍ مثله من كلِّ وجهٍ؟
ظاهر قوله تعالى: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ}[الطور: 34]، وقوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[الإسراء: 88]، يدلُّ على المماثلة بين القرآن وبين المطلوب الإتيان به من كلّ وجهٍ، سواء في صفاته المصرّح بها، أو في صفاته المستنبطة بالنَّظر والاستقراء. فأمَّا صفاته المصرّح بها فإنها نعوتٌ لم يتركها الله -عز وجل- لتخمينٍ أو حَدْسٍ، وإنما بيَّن في القرآن صفة القرآن، كما بيّن أسماءَه -عز وجل- وصفاتِه، وكما أنَّ أسماء الله تعالى وأوصافه ذاتُ معانٍ ومدلولات صادقة، فكذلك صفات القرآن الكريم ذات معانٍ ومدلولات صادقة، وليست كأسماء البشر، فقد يتسمّى أحدهم (أشرف) أو (أكرم) وليس لهما من الشرف والكرم شروى نقير، وليست كذلك أسماء الله وصفاته، ولا أسماء القرآن وصفاته.
فوصف اللهُ -عز وجل- القرآنَ بأنه حقٌّ مبين، وأنه بيانٌ وتبيانٌ وعربيٌّ وهُدًى وبصائرُ ونورٌ ورُوح ورحمة وفرقانٌ، وعليٌّ ومجيدٌ وعزيزٌ وحكيم وحِكمةٌ وحُكمًا وذكرى وذكرًا وبُشرى وعصمة وشفاء وأنه صدق وتصديق لِما بين يديه من الكتاب ومهيمنٌ عليه... وغير ذلك من الأوصاف ذات المدلولات المعلومة من لغة العرب، والمفسّرة في مواضعها من كتب التفسير بأوضح بيانٍ.
وإنما عجز البشر عن الإتيان بمثله؛ لاستحالة أن يأتوا بكلامٍ متحقق بتلك الأوصاف الجليلة، فكما أنَّهم عاجزون عن إحياء الموتى بردّ الروح إليهم، فإنهم عاجزون عن الإتيان بمثل كلامٍ وَصَفَه الله تعالى بأنَّه روحٌ ونورٌ: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا}[الشورى: 52]، فالفرق بين القرآن وبين كلام سائر المخلوقين؛ كالفرق بين الحيّ الذي لا يموت سبحانه، وبين سائر خلقه الفانين.
ولعلَّ أوّل مَن وضع يده على شيءٍ من هذا المعنى -وإن لم يُحكم عليه قبضته- الإمامُ الخطّابي؛ إذ يقول: «قلتُ في إعجاز القرآن وجهًا آخر ذهب عنه الناس، فلا يكاد يعرفه إلا الشاذُّ من آحادهم، وذلك صنيعُه بالقلوب وتأثيره في النفوس، فإنَّك لا تسمع كلامًا غير القرآن منظومًا ولا منثورًا، إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه، تستبشر به النفوس وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظَّها منه عادت مرتاعة قد عراها الوجيب والقلق، وتغشّاها الخوف والفرَق، تقشعر منه الجلود، وتنزعج له القلوب، يحول بين النفس وبين مضمراتها وعقائدها الراسخة فيها، فكم من عدوّ للرسول -صلى الله عليه وسلم- من رجال العرب وفتّاكها أقبلوا يريدون اغتياله وقَتْله فسمعوا آيات من القرآن، فلم يلبثوا حين وقعَت في مسامعهم أن يتحوّلوا عن رأيهم الأول، وأن يركنوا إلى مسالمته، ويدخلوا في دينه، وصارت عداوتهم موالاة، وكفرهم إيمانًا»[4].
وما هذه الأمور إلا آثارٌ من مدلولات صفات القرآن، فهو الموصوف بأنه بشيرٌ نذيرٌ موعظةٌ عَلِيٌّ حكيمٌ عزيزٌ مهيمنٌ رحمةٌ هُدًى بصائرُ عصمةٌ شفاءٌ لما في الصدور، ذكرٌ تقشعر منه الجلود، وتلين إليه القلوب والجلود، لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الردّ... وغير ذلك.
فكلامٌ هذه صفتُه لا بّد أن يقع لتاليه ما ذكره الخطّابيّ، وأكَّده غيره، وقد سُئل بندار الفارسي عن موضع الإعجاز من القرآن فقال: «هذه مسألة فيها حَيفٌ على المفتي، وذلك أنه شبيه بقولك: ما موضع الإنسان من الإنسان، فليس للإنسان موضع من الإنسان؛ بل متى أشرت إلى جملته فقد حققته ودللت على ذاته، كذلك القرآن لشرفه لا يشار إلى شيء منه إلا وكان ذلك المعنى آية في نفسه، ومعجزة لمحاوله، وهدى لقائله، وليس في طاقة البشر الإحاطة بأغراض الله في كلامه وأسراره في كتابه فلذلك حارت العقول وتاهت البصائر عنده»[5].
وهذا القاضي عياض يعدُّ من وجوه إعجاز القرآن «الروعة التي تلحق قلوب سامعيه وأسماعهم عند سماعه والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته لقوة حاله وإنافة خطره وهى على المكذبين به أعظم حتى كانوا يستثقلون سماعه ويزيدهم نفورًا كما قال تعالى، ويودون انقطاعه لكراهتهم له... وأمّا المؤمن فلا تزال روعتُه به وهيبتُه إياه مع تلاوته تُوليه انجذابًا وتكسبه هشاشة لميل قلبه إليه وتصديقه به. قال الله تعالى: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}[الزمر: 23]، وقال: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}[الحشر: 21]. ويدلُّ على أنَّ هذا شيءٌ خُصَّ به، أنه يَعتري مَن لا يَفهم معانيه ولا يعلم تفاسيره، كما رُوي عن نصرانيّ أنه مَرّ بقارئٍ فوقف يبكي، فقيل له: مِمَّ بكيت؟ قال: للشجا والنظم. وهذه الروعة قد اعترت جماعة قبل الإسلام وبعده، فمنهم مَن أسلم لها لأول وهلة وآمن به، ومنهم من كفر، فحُكي في الصحيح عن جبير بن مطعم -رضي الله عنه- قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأ في المغرب بالطور، فلمّا بلغ هذه الآية: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ}[الطور: 35- 37] كاد قلبي أن يطير للإسلام. وفي رواية: وذلك أول ما وقر الإسلام في قلبي...»[6].
ثم قال القاضي: «قد عدَّ جماعة من الأئمة ومقلِّدي الأمة في إعجازه وجوهًا كثيرة؛ منها: أنّ قارئه لا يمَلُّه وسامعَه لا يمُجُّه بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة وترديده يوجب له محبة، لا يزال غضًّا طريًّا، وغيره من الكلام ولو بلغ في الحسن والبلاغة مبلغه يُمَلّ مع الترديد، ويُعادَى إذا أُعيد، وكتابنا يُستلَذُّ به في الخلوات ويؤنس بتلاوته في الأزمات، وسواه من الكتب لا يوجد فيها ذلك؛ حتى أحدث أصحابها لها لحونًا وطرقًا يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على قراءتها، ولهذا وصف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القرآن بأنه لا يخلَق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عِبَرُه ولا تفنى عجائبه، هو الفصل ليس بالهزل، لا يشبع منه العلماء ولا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة، هو الذي لم تنتهِ الجن حين سمعته أن قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا}[الجن: 1]»[7].
وقال ابن كثير: «ومَن تدبَّر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونًا ظاهرة وخفية من حيث اللفظ ومن جهة المعنى، قال الله تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}[هود: 1]، فأحكمت ألفاظه وفصلت معانيه أو بالعكس على الخلاف، فكلٌّ مِنْ لفظه ومعناه فصيح لا يجارى ولا يدانى، فقد أخبر عن مغيبات ماضية وآتية كانت ووقعت طبق ما أخبر سواء بسواء، وأمر بكل خير، ونهى عن كل شر كما قال: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا}[الأنعام: 115]، أي: صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام، فكُلُّه حقٌّ وصدق وعدل وهدًى، ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء، كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها، كما قيل في الشعر: إنّ أعذبَه أكذبُه، وتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء أو الخيل أو الخمر، أو في مدح شخص معيّن أو فرس أو ناقة أو حرب أو كائنة أو مخافة أو سبع، أو شيء من المشاهدات المتعيّنة التي لا تفيد شيئًا إلا قدرة المتكلم المعبِّر على التعبير عن الشيء الخفيّ أو الدقيق أو إبرازه إلى الشيء الواضح، ثم تجد له فيها بيتًا أو بيتين أو أكثر هي بيوت القصيد، وسائرها هذر لا طائل تحته.
وأمّا القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك تفصيلًا وإجمالًا ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير، فإنه إنْ تأمّلْتَ أخباره وجدتها في غاية الحلاوة، سواء كانت مبسوطة أو وجيزة، وسواء تكررت أم لا، وكلما تكرر حَلا وعَلا، لا يخلق عن كثرة الردّ، ولا يملّ منه العلماء، وإنْ أخَذَ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصُّم الراسيات، فما ظنك بالقلوب الفاهمات؟ وإنْ وَعَدَ أتى بما يفتح القلوب والآذان، ويشوق إلى دار السلام ومجاورة عرش الرحمن، كما قال في الترغيب: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[السجدة: 17]، وقال: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[الزخرف: 71]، وقال في الترهيب: {أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا}[الإسراء: 68]، {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ}[الملك: 16، 17]، وقال في الزجر: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ}[العنكبوت: 40]، وقال في الوعظ: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ}[الشعراء: 205- 207]، إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة، وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي، اشتملت على الأمر بكل معروف حسن نافع طيب محبوب، والنهي عن كل قبيح رذيل دنيء؛ كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: إذا سمعت الله تعالى يقول في القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأوعها سمعك؛ فإنه خيرٌ ما يأمر به أو شرٌّ ينهى عنه؛ ولهذا قال تعالى: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}[الأعراف: 157] الآية، وإن جاءت الآيات في وصف المعاد وما فيه من الأهوال، وفي وصف الجنة والنار، وما أعدّ الله فيهما لأوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم والملاذ والعذاب الأليم؛ بشَّرت به وحذّرت وأنذرت، ودَعَت إلى فعل الخيرات واجتناب المنكرات، وزهّدت في الدنيا ورغّبت في الأخرى، وثـبّـتت على الطريقة المثلى، وهَدَت إلى صراط الله المستقيم وشرعه القويم، ونفَت عن القلوب رجس الشيطان الرجيم»[8].
ويقول الدكتور مصطفى مسلم: «ولا شك أن القول بالصَّرْفة كان نتيجة للتفكير الفلسفي المجرد عن نور الهداية، حيث نظر القائلون بها إلى أن القرآن مؤلَّف من كلمات عربية معروفة باستطاعة البلغاء أن يأتوا بمثلها، فإذا عرفت المفردات أمكن التوصل إلى تركيبها، وإذا عرفت التراكيب أمكن تأليفها، وفاتهم أن المفردات والتراكيب تحتاج إلى الصبغة الإلهية واللمسة الربانية حتى تضفي عليها الإشراق والحياة فيسري فيها الروح فتكون معجزة: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ}[الشورى: 52، 53]. إنّ مثل هؤلاء كمثل الطبيعيين اليوم ينظرون إلى الكائنات الحية وعلى رأسها الإنسان، ويحاولون تحليلها إلى المواد الأولية التي تتكوّن منها. يحاولون بواسطة هذه التحليلات معرفة سر الحياة وإيجاد إنسان أو حيوان أو نبات في المعمل. لقد فات هؤلاء أيضًا أن النفخة الإلهية هي سر الحياة، فلولا هذه النفخة الإلهية لما تكوّنت الحياة في المواد الأولية، ولولا الصبغة الربانية لما كانت الكلمات العربية معجزة»[9].
ثم إذا ذهبنا نُحلّل مضمون الخطاب القرآنيّ اتّضحت لنا صفاتٌ أخرى؛ منها أنَّه متضمّن لقصص الأولين لا تكاد سورة تخلو منه، وقد وصف الله قصصه بأنَّه القصصُ الحقُّ، كما قال تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[آل عمران: 62]، فهو القصص الحقُّ على الحقيقة، وكلُّ ما عَدَاه يدخله الكذب لا محالة، كما وصفه بأنَّه أحسن القصص كما قال تعالى: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ}[يوسف: 1- 3]، فكلُّ ما عدَاه نازلٌ عن رتبته في الحسن لا محالة.
وبهذا، يستبين أنَّ مَن رام أن يُعارِض القرآن فعليه -إن كان صادقًا- أن يأتي بمثله في صفاته المصرّح بها، ومنها -وليس كلها- نظمُه وبلاغتُه وبيانُه العربيّ، وأن يأتي بمثله في متضمَّناته ومشتملاته، ومنها الأخبار الغيبية، فإن لم يفعل لم يكن آتيًا بمثله.
وإذن، فحقيقة التحدّي بالإخبار بالغيب أن يأتوا بكلامٍ على غرار القرآن في اشتماله على ذكر الغيب، وعن الأخبار الغيبية التي يثبت صدقها بنحو ثبوت صدق أخبار القرآن ما كان منها عن الماضي وما كان منها إنباءً بالمستقبل، وما كان منها كشفًا للسرائر، وإنباءً في الضمائر، وما كان منها إنباءً بالسنن السائرة الـمُطَّردة التي لا يزيدها مرّ الزمان إلا تأكُّدًا واستقرارًا، فلن تجد لسنّة الله تبديلًا ولا تحويلًا.
وليس للمتحدَّى إلا أن يكون مُتصوِّرًا لما هو مطلوبٌ منه، ولا معنى لحدّ بعضهم التحدِّي بأن يكون من جنس ما برع فيه الـمُتحدَّى، وإن كان التحدّي بذلك أبلغَ.
فإذا أصرَّ بعضهم على أن يكون الـمُتحدَّى به من جنس ما برع فيه المتحدَّوْن فهذا دليلٌ آخر على أنَّ الأمر المتحدَّى به في القرآن الكريم غير محصور في وجهٍ واحدٍ، ذلك أنَّ المتحدَّيْن بالقرآن عموم أمة الدعوة المحمدية من الإنس والجنّ، فناسب أن يجدَ كلٌّ منهم في المتحدَّى به شيئًا مما برع هو فيه، واختّص بحذقه. فتأمل!
ويصحُّ لنا -حينئذ- الاستئناس لكون الإخبار بالغيب داخلًا في شرط التحدّي؛ بأنَّه أدخل الجنَّ في المتحدَّيْن به، وبراعة الجنّ إنما تكمن في ادّعائهم علم الغيب، بما كانوا يسترقون من السمع إلى خبر السماء، فيخطفون الخطفة ويبنون عليها مائة كذبة. وقد بُكِّتوا بدعواهم، فقال تعالى في شأن سليمان: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ}[سبأ: 14]، وهو ما حرص مؤمنو الجنّ على الإقرار به، كما قال تعالى حكايةً عنهم: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا}[الجن: 10]، ثم أكّدت السورة الكريمة ذلك: {قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا * عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا}[الجن: 25- 28].
فالتصريحُ بدخولهم في جملة المتحدَّيْن إشارةٌ إلى أنَّ ما ادَّعوه لأنفسهم، وادَّعاه لهم رجال من الإنس، من قدرتهم على علم الغيب؛ ليس بمسعفهم للإتيان بمثله، فليفعلوا إن كانوا صادقين، ولو تظاهروا عليه وتمالؤوا، فليستعينوا بالجنّ في الكشف عن المغيّبات، وليستعينوا بأرباب الصناعات من أمم الإنس المختلفة في تحرير حقائق صناعاتهم، ثم ليدفعوا ذلك إلى الحكماء والفلاسفة والمناطقة ليودعوه شيئًا من حكمتهم وفلسفتهم ومنطقهم، ثم ليدفعوا كلّ ذلك إلى العرب الأقحاح أهل الفصاحة لينظموه هذا النظم المعجز، ثم ليستعينوا على ذلك بالزَّمن وما يصلون إليه من علومٍ ومبتكراتٍ، لعلّهم يستطيعون أن يأتوا بمثله. هذا هو ما يجب أن يُفهم من استفزازهم إلى التعاضد والتمالؤ والتظاهر إنسًا وجنًّا، وهذا هو التحدّي الحقيقيّ، لا ما ذهب إليه بعضُهم من أنَّ التحدّي منوطٌ بالعربِ فقط أن يأتوا بمثل بلاغته، فإنْ عجزوا وهم أرباب الفصاحة؛ فسواهم من الإنس أعجز، وإنْ عجز الإنس وهم الجنس الأشرف والأكمل؛ فالجنّ أعجز. فشتّان ما بين تصوير التحدي على الوجه الأول الذي ذهبنا إليه، وعلى الوجه الثاني الذي يذهب إليه بعض الباحثين.
ومما يؤكد ذلك قوله تعالى: {فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ}[الطور: 29- 34]، فنَفَى عنه الكهانة والجنون المقتضي أن يكون له رَئِيٌّ من الجنّ يخبره بالغيب، ونفَى عنه الشِّعر الذي قد يُبرّر هذا النظم الفريد، ونفى عنه الكذب والتقوُّل، ثم تحدَّاهم بأن يأتوا بمثله، فعُلِمَ أنَّ أخباره الغيبية ليست مستقاةً من المصادر التي اقترحوها، كما أنَّه ليست مما يمكن أن ينتجها الكذب والتقوُّل، إذ لو كانت كذلك لكان خطؤها هو الأصل، وصوابها هو الاستثناء الذي يُثبت التقوّل ولا ينفيه، ثم إنَّ نظمه مما يتعالى على الشعر الذي يحذقونه كما يحذقون النَّفَس، فإن كانوا في شكٍّ من ذلك فليجرّبوا أن يأتوا بمثله في نظمه وفي إخباره بالمغيّبات تشاعرًا وتكهُّنًا وتقوُّلًا.
وانظر إلى قيلِ أُنَيسٍ أخي أبي ذر -رضي الله عنهما- في قصة إسلامه: «لقد سمعتُ قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعتُ قوله على أَقْراءِ الشعر، فما يلتئم على لسان أحدٍ بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون»[10]، فاعتبَر بصدقه وكذبهم، فعُلِم أنَّ القرآن مباينٌ لقول الكهنة والشعراء من جهة أنَّه صِدقٌ وأنَّهم كاذبون.
ولمّا ادّعوا قدرتهم على أن يقولوا مثله وصَفوه بأنّه أساطير الأولين، قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}[الأنفال: 31]، فما لمحوا فيه إلا أنَّه أساطير الأولين، فتوجّه فِكرهم في المعارضة نحو مضمونه الذي هو -في زعمهم- أساطير الأولين.
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «كان النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي من شياطين قريش، وكان يؤذي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وينصب له العداوة، وكان قد قَدِمَ الحيرة، تعلَّم بها أحاديث ملوك فارس، وأحاديث رستم وأسفنديار، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا جلس مجلسًا فذكَّر بالله، وحدَّث قومه ما أصاب مَن قبلهم مِن الأمم من نقمةِ الله، خَلَفه في مجلسه إذا قام، ثم يقول: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثًا منه، فهلُمُّوا، فأنا أحدثكم أحسن من حديثه. ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وأسفنديار، ثم يقول: ما محمد أحسن حديثًا منّي. قال: فأنزل الله تبارك وتعالى في النضر ثماني آيات من القرآن، قوله: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}[القلم: 15]، وكل ما ذكر فيه الأساطير في القرآن»[11].
ويؤكّد أصالة التحدّي بالإخبار بالمغيّبات على الوجه الذي وضحّناه أنَّ ألفًا وأربعمائة سنة ونيِّفًا لم تُسقط التحدّي بل زادته ظهورًا وجلاءً بما استحدثه البشر من علومٍ أثبتَت صدق القرآن، وأنَّه من المستحيل أن يكون قائلُه رجلًا عاش قبل ألف وأربعمائة سنة، فلا بد أنَّه أُنزل بعلم الله، وأنَّ تلك العلوم نفسها لا تمكّن البشر من أن يفْجرُوا الغيبَ فيتنبّؤوا بحقائق كثيرة مفصّلة تقع خلال ألف وأربعمائة سنة قادمة، ولا نِصْف تلك المدة، ولا عُشرها، فما زال التحدّي قائمًا، والعجز حاصلًا، والحصر شاملًا.
قال القاضي عياض في معرض تعليقه على حديث: «ما من الأنبياءِ من نبيٍّ إلا قد أُعطي من الآيات ما مثلُه آمَن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيتُ وحيًا أوحى اللهُ إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعًا يوم القيامة»[12]، قال: «وفيه وجه آخر وهو: أنَّ سائر معجزات الأنبياء انقرضت بانقراضهم، ولم يشاهدها إلا ما كان حاضرًا لها، ومعجزة نبينا -صلى الله عليه وسلم- من القرآن وخرقه للعادة في أسلوبه وبلاغته بَيِّـنة لكل من يأتي إلى يوم القيامة، إلى ما انطوى عليه من الإخبار عن الغيوب، فلا يمر عصر إلا ويظهر فيه معجزة مما أخبر أنها تكون، تدلُّ على صدقه وصحة نبوته وتُجدِّد الإيمان في قلوب أمّته»[13].
وأمَّا لو قصرنا التحدّي على النَّظم والبلاغة فإنَّ حجّيته لا تحصل لأصحاب تلك العصور بهذه السهولة، إذ إنَّ الوصول لذلك يقتضي سلوك أحد طريقين؛ الأول: أن يثبت لديه إبلاس الأولين، وأنَّهم إذ أُفحموا وهم أرباب البلاغة فالخَلَفُ أولى بذلك. والثاني: أن يحاولوا ذلك فيتبيّن بمعيار صحيحٍ أنَّ ما جاؤوا به نازلٌ عن رتبة نظم القرآن وبلاغته.
فإن وُجد فيهما منازِعٌ في العصور المتأخرة -وخصوصًا من غير العرب- فردُّه إلى جادَّة الصواب ممكنٌ إن كان مُنصِفًا، ولكنه يستلزمُ الكثير من الجهد والوقت. وأمَّا بتوسعة نطاق التحدّي ليشمل المعاني على الوجه الذي وضّحناه فلا يستطيع أن ينازع في ذلك منازعٌ للوهلة الأولى، ولا بتقليب النَّظر ورجعه كرّة بعد كرّة. والله المستعان.
وقد أحسن الإمام ابن عاشور التعبير عن هذا المعنى فقال: «وهذا النوع من الإعجاز [يعني الإعجاز العلمي الراجع إلى الإخبار بالمغيّبات] هو الذي خالف به القرآن أساليب الشعر وأغراضه مخالفة واضحة. هذا والشاطبي قال في (الموافقات): «إن القرآن لا تُحمل معانيه ولا يتأوّل إلا على ما هو متعارَف عند العرب»، ولعلَّ هذا الكلام صدر منه في التفصي من مشكلات في مطاعن الملحدين؛ اقتصادًا في البحث وإبقاءً على نفيس الوقت، وإلا فكيف ينفي إعجاز القرآن لأهل كلِّ العصور، وكيف يقصر إدراك إعجازه بعد عصر العرب على الاستدلال بعجز أهل زمانه إذ عجزوا عن معارضته، وإذ نحن نسلم لهم التفوق في البلاغة والفصاحة، فهذا إعجاز إقناعي بعجز أهل عصر واحد، ولا يفيد أهلَ كلّ عصر إدراكُ طائفة منهم لإعجاز القرآن»[14].
فكأنَّ المكلّفين جميعًا إنسًا وجنًّا على اتّصالِ بقائهم في الدنيا مذ تحدَّاهم إلى أن يبلغوا أجَلَهم الذي أجَّل لهم؛ في العجز كيانٌ واحدٌ، ولو كانت مَلكاتُه جِماعَ ملكاتهم، وقدراتُه مِلاكَ قدراتهم.
وبذا؛ يستبين لك وجه المغالطة في كلام الأستاذ محمود شاكر إذ يقول: «فهذا التحيُّر المظلم الذي غشَّاهم [يعني قريشًا]، وأخذ منهم بالكظم، والذي نعته الوليد فاستجاد النعت؛ كان تحيُّرًا لِما يسمعون مِن نَظْمِه وبيانِه، لا لِما يُدرِكون من دقائق التشريع، وخفيّ الدلالات، وما لا يؤمنون به من الغيب، وما لا يعرفون من أنباء القرون التي خلَت مِن قبل»[15].
فليس الوليدُ وزمرتُه هم كلَّ المتحدَّيْنَ بالقرآن حتى يُلزمنا هذا الكلامُ إخراجَ الإنباء بالغيب من جملة المتحدَّى به. ولو قيل: إنَّ كلام الأستاذ شاكر متوجّه إلى ما وقع به التحدّي لقريش خاصَّةً في أوَّل الأمر فحسب؛ لكان له مساغٌ.
على أنَّ نعت الوليد للقرآن: «والله؛ لقد سمعت من محمد كلامًا آنفًا ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإنّ أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وإنَّ له لحلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، [وإن له لَنورًا، وإن له لفرعًا]، وإنه ليعلو وما يُعلى، [وإنه ليحطم ما تحته]»[16]، ليس فيه ما يدلُّ على أنَّه تحيَّر لما سمع من نظمه وبيانه فحسب؛ بل هذه الأوصاف تحتمل الرجوع إلى معانيه كما تحتمل الرجوع إلى نظمه وبيانه، والسبيل الوحيد لقصرها على أحدهما دون الآخر هو التحكُّم الذي لا يعجز عنه أحدٌ.
ضابط الإخبار بالغيب المتحدَّى به:
فإن قيل: ما الضابط للإخبار بالمغيَّبات التي لو صدرت من بشرٍ عُلِم أنَّه جاء بمثل القرآن، وأنَّ القرآن يمكن أن يكون مُختلَقًا؟
فالجواب: يجب ألّا يُنسى ابتداءً أنَّ الإخبار بالغيب ليس هو الوجه الوحيد للإعجاز القرآني، ولا بد أن يأتي هذا الإخبار بالغيب في قالبٍ لُغويٍّ يضاهي القرآن نظمًا وبلاغةً وأسلوبًا وبيانًا. فإن سقط هذا الشرط لا يصحّ الانتقال إلى النَّظَر في فحوى الإخبار المزعوم، كما يرفض مقوّمو سلامة الغذاء الذي حقُّه أن يكون مُعبَّأً النَّظرَ في مفردات سلامته، ومحدّدات جودته التركيبية؛ إن وجدوه بغير عُبوّته.
وهذا الشرط عاصمٌ من الإفك الذي يأتي به بعضهم من خزعبلاتٍ في صورة تنبؤات يخرجونها في لغة غامضة محتملة أشبه بلغة الشفرة يمكن تأويلها على عشرات الأوجه؛ بل على الوجه ونقيضه، ثم يزعمون أنَّها وقعت كما تنبّأ بها المتنبِّئ، ثم يُطيِّرونها كل مطار. وأوضح مثال على ذلك تنبؤات نوستراداموس. فأين هي من تفصيل الأخبار الغيبية الواقعة في القرآن الكريم؟ وأين بيانها من بيانه؟
وأمَّا من حيث هو إخبارٌ بمغيَّب، فيجب أن تجتمع فيه الشروط الآتية:
1- أن يكون إخبارًا بمغيَّبٍ لا يوصل إليه باستشرافٍ؛ كالتنبؤ بالأرصاد الجوية والكسوف والخسوف وغيرها من الظواهر الطبيعية، وكذا تنبؤات النظريات العلمية المرتفقة على قوانين طبيعية، فتلك -وما جرى مجراها- علوم شهادة وإن ظنَّها بعضهم علومَ غيب.
2- ألَّا يكون مُستقًى من وحيٍ سماويٍّ صحيحٍ، وإلّا لكانوا كَمَن رام معارضة نظم القرآن فعمد إلى بعض ألفاظ الآية، واستبدل بها ألفاظًا ترادفها على نفس وزنها وجرسها. ويمكن القول إنّ ما أخبر به الوحي الصحيح غير المحرّف مما هو صريح الدلالة صار في حكم علوم الشهادة، فإن اتَّكأ عليها المتنبئ لم يكن -في الحقيقة- مخبرًا بغيبٍ.
3- ألّا تعارض في الإمكان عِلمًا ضروريًّا ولا عِلمًا نظريًّا قطعيًّا. ولا يصحُّ هنا أن يقال إنَّ العلم الضروريَّ يفتقر إلى معيار يضبطه، فهذا مُنافٍ لتعريف العلم الضروريّ أو الضرورات العقلية[17].
4- ويلزم منه أن يكون المخبَر به مؤتلِفًا غير مختلف، ولا يناقض بعضه بعضًا؛ إذ العلم القطعيُّ لا يعارض بعضه بعضًا.
5- ألّا يكذِّبه مَرُّ الزمن وتقدُّم العلوم والمكتشفات، فإنْ تحقَّق صدقُ وقوعه بعدُ بما يستجدُّ من معارِفَ وعلومٍ، وبما ينكشف عنه مرُّ الزمن، كان أقطع بالوفاء بالمراد.
6- وكلَّما وقع لهم في قدر القطعة المتحدَّى بها عددٌ صالحٌ من تلك الأخبار يربو على ما تحتمله الصدفةُ -بالقوانين الإحصائية التي يعرفها المتخصصون في علم الإحصاء- كان أقطع بوفائهم بالمراد.
7- وكلَّما توزَّعت أخباره على مجالات الغيب المختلفة كان أقطع بالوفاء بالمراد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* موقع الألوكة: (https://2u.pw/4Uod0).
[1] المقالة الأولى: (هل في القرآن إعجاز غيبي؟) على هذا الرابط: tafsir.net/article/5326.
[2] أخرجه البخاري في صحيحه (ح4981، ح7274). ومسلم في صحيحه (ح152).
[3] قال الرماني: «فإن قال قائل: فلم اعتمدتم على الاحتجاج بعجز العرب دون المولَّدِين، وهو عندكم معجز للجميع، مع أنه يوجد للمولّدين من الكلام البليغ شيء كثير؟ قيل: لأن العرب كانت تقيم الأوزان والإعراب بالطباع، وليس في المولدين مَن يقيم الإعراب بالطباع كما يقيم الأوزان، والعرب على البلاغة أقدر لما بيّنّا من فطنتهم لما لا يَفطن له المولَّدون من إقامة الإعراب بالطباع، فإذا عجزوا عن ذلك فالمولدون عنه أعجز». النكت في إعجاز القرآن، للرماني (ص113).
وقال الزركشي، وهو من كلام السبكي وإن لم يصرح به الزركشي: «التحدي إنما وقع للإنس دون الجن؛ لأن الجنَّ ليسوا من أهل اللسان العربي الذي جاء القرآن على أساليبه، وإنما ذكروا في قوله: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ} تعظيمًا لإعجازه؛ لأن الهيئة الاجتماعية لها من القوة ما ليس للأفراد، فإذا فرض اجتماع جميع الإنس والجن وظاهر بعضهم بعضًا وعجزوا عن المعارضة كان الفريق الواحد أعجز». انظر: فتاوى السبكي (2/ 616- 617)، والبرهان في علوم القرآن (2/ 111).
ويقول الدكتور مساعد الطيار: «ومع تكاثر وجوه الأدلة الدالة على صدقه إلا أنني أوكِّد على أنَّ المقصودين أولًا بهذا التحدي هم العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، أمّا مَن عداهم من الأمم إلى قيام الساعة فهم تبع لهم في هذا؛ لأنه إذا عجز العرب الذين هم أرباب الفصاحة والبيان وأصحاب اللغة التي نزل بها القرآن فمن باب أولى أن يعجز غيرهم؛ لأنهم لا يمكن أن يصلوا إلى درجة العرب في البيان» [شرح مقدمة التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي، للدكتور الطيار، نشرة دار ابن الجوزي، السعودية، ط1، 1431هـ، ص282]. وهو قول ناتجٌ عن حصر المتحدَّى به في بلاغة القرآن وأسلوبه ونظمه فقط، وظاهر القرآن بخلافه كما بيَّنَّا، وهو دليل آخر على عدم دقّة هذا الحصر. وفيه تقليلٌ من شأن التحدّي بقصره على قبيلة واحدةٍ في حقبة محدودة من الزمن، وفيه جعل إقامة حجّة القرآن على جُلّ المخاطبين به من الإنس والجنّ في كلِّ عصر ومصر تبعًا لا كفاحًا. علاوة على أنَّ في مذهب السبكيّ والزركشي ومن تبعهما قطعًا بأنَّ الجنّ ليسوا من أهل اللسان العربيّ، وهذا من الرجم بالغيب. ولعلَّ ظاهر الدليل النقليِّ على خلافه إذ ثبت أنَّ وفود الجنّ لقيت النبي -صلى الله عليه وسلم- غير مرَّة، وأنَّهم سمعوا القرآن وفهموه، ثم ولَّوْا إلى قومهم يدعونهم إلى الإيمان به، وأنهم خاطبوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- وخاطبهم، وسألوه وأجابهم. فهذا ظاهره أنَّهم يتقنون اللسان العربي، والله أعلم بلغتهم ولسانهم وبما كان من هيئة حديثهم مع النبي -صلى الله عليه وسلم-. ولو قيل إنهم ليسوا من أهل اللسان العربي، ولكنهم يقدرون أن يتعلموه كما يحصل من الإنس إذ يتعلَّم بعضهم أكثر من لغة؛ فما الذي يمنع حذقهم لها بعد تعلُّمها حتى يبزّوا فيها بعض أهلها؟
[4] بيان إعجاز القرآن، للخطابي (ص70).
[5] البرهان في علوم القرآن، للزركشي (2/ 100).
[6] الشفا، للقاضي عياض (1/ 226- 227).
[7] الشفا، للقاضي عياض (1/ 229- 230).
[8] تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ط دار طيبة، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، ط2، 1420هـ= 1999م (1/ 199- 200).
[9] مباحث في إعجاز القرآن، للدكتور مصطفى مسلم، دار القلم، دمشق، ط3، 1426هـ= 2005م (ص68).
[10] أخرجه مسلم في صحيحه (ح2473).
[11] جامع البيان، للطبري، ط دار هجر، القاهرة، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط1، 1422هـ= 2001م (17/ 399).
[12] أخرجه البخاري في صحيحه (ح4981، ح7274). ومسلم في صحيحه (ح152).
[13] إكمال المُعْلِم بفوائد مُسْلِم، للقاضي عياض، دار الوفاء، تحقيق: د. يحيى إسماعيل، ط1، 1419هـ= 1998م (1/ 467).
[14] التحرير والتنوير، لابن عاشور (1/ 128).
[15] مداخل إعجاز القرآن، للأستاذ محمود شاكر (ص160).
[16] انظر: تفسير مقاتل بن سليمان (4/ 492- 493)، والمستدرك على الصحيحين، للحاكم (ح3872)، ودلائل النبوة، لأبي نعيم (ص234 برقم 186).
[17] يُعرِّف ابن سينا الضرورات العقلية بأنها: قضايا ومقدّمات تحدث في الإنسان من جهة قوّته العقلية من غير سبب يُوجب التصديق بها إلّا ذواتها، ومثال ذلك: إدراك أنَّ الكلَّ أعظم من الجزء، فإنَّ هذا الحكم غير مستفاد من حسٍّ ولا استقراء ولا شيء آخر. انظر: النجاة في المنطق والإلهيات، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، ط1، 1412هـ (1/ 81).
ويقول التفتازاني: «أمّا البديهيات، وتسمّى أوَّليّات؛ فهي قضايا يحكم العقل بها بمجرّد تصوُّر طرفيها؛ كالحكم بأنَّ الواحد نصف الاثنين، والجسم الواحد لا يكون في آن واحدٍ في مكانين». انظر: شرح المقاصد، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، عالم الكتب، بيروت، ط2، 1419هـ (1/ 211).
وعرَّفها الساويّ بأنها القضايا التي يُصدّق بها العقل الصريح لذاته ولغريزيته؛ لا لسببٍ من الأسباب الخارجة عنه. انظر: البصائر النصيرية في المنطق، زين الدين عمر بن سهلان الساوي، تعليق: رفيق العجم، دار الفكر اللبناني، بيروت، ط1، 1997م (ص220).
والمقصود بأنها تحصل من جهة القوة العقلية: أنها هي المقتضى المباشر للغريزة العقلية، بحيث لا يمكن الاستدلال عليها إلا من جهة مطابقتها للغريزة العقلية؛ ولذا فلا تحتاج إلى استدلال، بل هي أساس كلِّ استدلالٍ عقليّ.
وعليه؛ يُمكن أن نُعرّف المبادئ العقلية بأنها «قضايا يُسلِّم بها العقل الـمُدرِك بمجرد تصوُّرها دون افتقارٍ لـمُصدِّقٍ خارجيٍّ لها».
فقولنا: «قضايا»، أي: أحكام تشمل العقليات والحسيّات، وقولنا: «بمجرّد تصوُّرها» يُخرج عقل الطفل قبل أن يقدر على تصوُّر بعض هذه الحقائق، فعدم إدراكه لها لا ينقض حقيقة أنه مفطورٌ عليها، وأنها مغروسة فيه، وكذلك يُخرج عقول المجانين والبُلَداء متناهي البلادة، وقولنا «دون افتقار لمصدّق خارجيٍّ لها» من مجرّب أو خبر، فمجرّد تصوُّرها كافٍ للحكم بصحّتها.
من بحثنا: (المبادئ العقلية الأولية: أهميتها وخطورة الطعن فيها) مخطوط؛ يسَّر الله نشره.الإعجاز الغيبي في القرآن بين الإثبات والنفي (2-3)* هل يدخل الإخبار بالمغيّبات في جملة المتحدّى به؟ الكاتب : محمود عبد الجليل روزن خلصنا في المقالة الأولى من هذه السلسلة[1] إلى أنَّ الإعجاز الغيبيّ في القرآن الكريم حقيقة لا تُنكَر، ولا ينتصبُ للمماري فيها صراطٌ إلا على ظهر المماحكة اللفظيّة، والمنازعة في الاسم لا في الـمُسمَّى. وفي هذا المقال الثاني من السلسلة نتوجَّه للإجابة عن السؤال الشائك: هل يدخل الإخبار بالمغيّبات في جملة المتحدَّى به؟ إنَّ منشأ التحدّي بالقرآن أنَّ المكذّبين يشكّكون في الآيات، مع علمهم بأنَّهم لا يقدرون على المجيء بمثلها، فينسبون ذلك إلى قُوى أخرى غير الله تعالى، كأنْ ينسبوها إلى السِّحر الذي يُستعان عليه بالجنِّ، كما في قوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ}[المائدة: 110]، وكما في قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ}[النمل: 13]، والآيات في هذا المعنى كثيرة. وادَّعى الكفارُ أن القرآن قولُ شاعر، وقولُ كاهن، وأنَّه سحرٌ يؤثَر. ولـمَّا كان الشعرُ صنعتَهم، وكان السِّحرُ والكهانةُ غيرَ خارجَين عن طَوْق تعاطي البشر؛ تحدَّاهم الله -عز وجل- أن يأتوا بمثله، فكأنَّه يقول لهم: إن كان شاعرًا فما يمنعكم -وأنتم الشعراء- أن تقولوا مثله؟ وإن كان كاهنًا أو ساحرًا فما أساطين السحرة والكُهّان منكم ببعيدٍ، فلتستعينوا بمَن شئتم منهم من الجنّ والإنس، ولتستعينوا بمَن شئتم وبمَن استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين، فلتأتوا بمثله. فإن لم تفعلوا -ولن تفعلوا- فاعلموا أنَّما أُنزل من عند الله -عز وجل-، وأنَّ الجائي به رسولٌ صادقٌ مُصدَّق. والقرآنُ الكريمُ هو الرسالةُ الخاتمةُ إلى الإنس والجنّ، وعددُ مَن هم مخاطبون به ممن لم يروا الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولم يشاهدوا سائرَ آياته هم السواد الأعظم من أمَّة دعوته -صلى الله عليه وسلم-، وما معاصروه -صلى الله عليه وسلم- في جملة أمّة دعوته إلا أقلّ القليل، فلم يَبقَ لهؤلاءِ من براهين صدق نبوته إلا القرآن الكريم، وأمورٌ مُتفرّقات مردُّ اعتبار حُجِّيتها والتصديق بإعجازها إلى الإيمان بالقرآن الكريم، فصار القرآن الكريم من هذا الوجه جماع آياته وبراهين نبوته، وإلى ذلك أشار قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ما من الأنبياء من نبيٍّ إلا قد أُعطي من الآيات ما مثلُه آمَنَ عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيتُ وحيًا أوحى اللهُ إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعًا يوم القيامة»[2]. ولا يُفهم من ذلك أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يُعطَ غيره من الآيات، ولا أنَّ غيره من الأنبياء لم يُعطَوْا من الوحي ما آمن عليه البشر، وإنما المراد -والله أعلم- ما أشرنا إليه من أنَّ القرآن لا يلزم أن يسمعه المدعوُّ إليه مُشافهةً من النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا أن يكون عصريَّه، بل جُلُّ المخاطبين به ليسوا كذلك؛ لأنهم جاؤوا بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم إن الإيمان به يُهيئ المؤمن للوقوف على سائر آيات النبي -صلى الله عليه وسلم- الأخرى بخلاف القرآن. وأمّا سائر الرسل -صلوات الله عليهم- كانت رسالتهم تنقطع بموتهم، فيُرسِل الله -عز وجل- للناس الأنبياء بالوحي مصدقًا لما بين يديه من الوحي ومبيّنًا وناسخًا، فلم ينقطع الوحي بموت المتقدِّمين. ولما شاء الله تعالى أن تستمرّ شريعة موسى -عليه السلام- وقتًا طويلًا أرسل النبيِّين يحكمون بالتوراة وعقّبهم الربّانيون والأحبار، ثم خلفهم مَن حرَّف وبدَّل حتّى جاء عيسى -عليه السلام- بالإنجيل مصدقًا لما بين يديه من التوراة، فأحلَّ لهم بعض الذي حُرِّمَ عليهم، وردَّهم إلى الأصل الأوّل. ولما كان تقدير الله تعالى أن تُختم النبوات بمحمد -صلى الله عليه وسلم- تكفَّل بحفظ القرآن من التحريف ليظلَّ هو الرسالة الخاتمة إلى أن يُرفع من الصدور والسطور، فكان هو الآية التي تقوم بها الحُجَّة على المخاطبين به من الإنس والجنّ إلى يوم القيامة؛ ولذا رجا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يكون أكثر الأنبياء تابعًا. ولما كان القرآن في ظاهره كلامًا؛ فقد يتبادر إلى ذهن المتشكّك أنه مما لا يُعجِز أن يؤتى بمثله، وهذا واقع في القديم وفي الحديث، قال تعالى حاكيًا عن بعض الكفّار: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}[الأنفال: 31]. فأخضعهم بأنْ طالَبهم أن يأتوا بمثله، فقال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ}[الطور: 33، 34]، ودعا المخاطبين به من الإنس والجنّ إلى التمالؤ على ذلك، ورخّص لهم في الاستعانة بمن شاؤوا والتظاهر بهم عليه فقال: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[الإسراء: 88]، وقال: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[البقرة: 23]، وقال: {وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[يونس: 38، هود: 13]، فانقطعوا وأُبلِسوا واستبان عجزهم لمن كان عنده مسكة من عقل أو أثارة من علم. فهؤلاء هم المتحدَّوْن بالقرآن في الحقيقة: عموم المخاطبين به من الإنس والجنِّ، لا العرب فقط أو الإنس فقط، كما ذهب إليه بعضهم[3]. ولا يزال التحدّي قائمًا إلى أن يُرفع القرآن من السطور والصدور؛ إيذانًا بوشك قيام الساعة. فما المتحدَّى به حقيقة؟ أن يأتوا بكلام يُساميه في النَّظم والبلاغة فقط؟ أم تحدَّاهم أن يأتوا بكلامٍ مثله من كلِّ وجهٍ؟ ظاهر قوله تعالى: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ}[الطور: 34]، وقوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[الإسراء: 88]، يدلُّ على المماثلة بين القرآن وبين المطلوب الإتيان به من كلّ وجهٍ، سواء في صفاته المصرّح بها، أو في صفاته المستنبطة بالنَّظر والاستقراء. فأمَّا صفاته المصرّح بها فإنها نعوتٌ لم يتركها الله -عز وجل- لتخمينٍ أو حَدْسٍ، وإنما بيَّن في القرآن صفة القرآن، كما بيّن أسماءَه -عز وجل- وصفاتِه، وكما أنَّ أسماء الله تعالى وأوصافه ذاتُ معانٍ ومدلولات صادقة، فكذلك صفات القرآن الكريم ذات معانٍ ومدلولات صادقة، وليست كأسماء البشر، فقد يتسمّى أحدهم (أشرف) أو (أكرم) وليس لهما من الشرف والكرم شروى نقير، وليست كذلك أسماء الله وصفاته، ولا أسماء القرآن وصفاته. فوصف اللهُ -عز وجل- القرآنَ بأنه حقٌّ مبين، وأنه بيانٌ وتبيانٌ وعربيٌّ وهُدًى وبصائرُ ونورٌ ورُوح ورحمة وفرقانٌ، وعليٌّ ومجيدٌ وعزيزٌ وحكيم وحِكمةٌ وحُكمًا وذكرى وذكرًا وبُشرى وعصمة وشفاء وأنه صدق وتصديق لِما بين يديه من الكتاب ومهيمنٌ عليه... وغير ذلك من الأوصاف ذات المدلولات المعلومة من لغة العرب، والمفسّرة في مواضعها من كتب التفسير بأوضح بيانٍ. وإنما عجز البشر عن الإتيان بمثله؛ لاستحالة أن يأتوا بكلامٍ متحقق بتلك الأوصاف الجليلة، فكما أنَّهم عاجزون عن إحياء الموتى بردّ الروح إليهم، فإنهم عاجزون عن الإتيان بمثل كلامٍ وَصَفَه الله تعالى بأنَّه روحٌ ونورٌ: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا}[الشورى: 52]، فالفرق بين القرآن وبين كلام سائر المخلوقين؛ كالفرق بين الحيّ الذي لا يموت سبحانه، وبين سائر خلقه الفانين. ولعلَّ أوّل مَن وضع يده على شيءٍ من هذا المعنى -وإن لم يُحكم عليه قبضته- الإمامُ الخطّابي؛ إذ يقول: «قلتُ في إعجاز القرآن وجهًا آخر ذهب عنه الناس، فلا يكاد يعرفه إلا الشاذُّ من آحادهم، وذلك صنيعُه بالقلوب وتأثيره في النفوس، فإنَّك لا تسمع كلامًا غير القرآن منظومًا ولا منثورًا، إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه، تستبشر به النفوس وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظَّها منه عادت مرتاعة قد عراها الوجيب والقلق، وتغشّاها الخوف والفرَق، تقشعر منه الجلود، وتنزعج له القلوب، يحول بين النفس وبين مضمراتها وعقائدها الراسخة فيها، فكم من عدوّ للرسول -صلى الله عليه وسلم- من رجال العرب وفتّاكها أقبلوا يريدون اغتياله وقَتْله فسمعوا آيات من القرآن، فلم يلبثوا حين وقعَت في مسامعهم أن يتحوّلوا عن رأيهم الأول، وأن يركنوا إلى مسالمته، ويدخلوا في دينه، وصارت عداوتهم موالاة، وكفرهم إيمانًا»[4]. وما هذه الأمور إلا آثارٌ من مدلولات صفات القرآن، فهو الموصوف بأنه بشيرٌ نذيرٌ موعظةٌ عَلِيٌّ حكيمٌ عزيزٌ مهيمنٌ رحمةٌ هُدًى بصائرُ عصمةٌ شفاءٌ لما في الصدور، ذكرٌ تقشعر منه الجلود، وتلين إليه القلوب والجلود، لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الردّ... وغير ذلك. فكلامٌ هذه صفتُه لا بّد أن يقع لتاليه ما ذكره الخطّابيّ، وأكَّده غيره، وقد سُئل بندار الفارسي عن موضع الإعجاز من القرآن فقال: «هذه مسألة فيها حَيفٌ على المفتي، وذلك أنه شبيه بقولك: ما موضع الإنسان من الإنسان، فليس للإنسان موضع من الإنسان؛ بل متى أشرت إلى جملته فقد حققته ودللت على ذاته، كذلك القرآن لشرفه لا يشار إلى شيء منه إلا وكان ذلك المعنى آية في نفسه، ومعجزة لمحاوله، وهدى لقائله، وليس في طاقة البشر الإحاطة بأغراض الله في كلامه وأسراره في كتابه فلذلك حارت العقول وتاهت البصائر عنده»[5]. وهذا القاضي عياض يعدُّ من وجوه إعجاز القرآن «الروعة التي تلحق قلوب سامعيه وأسماعهم عند سماعه والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته لقوة حاله وإنافة خطره وهى على المكذبين به أعظم حتى كانوا يستثقلون سماعه ويزيدهم نفورًا كما قال تعالى، ويودون انقطاعه لكراهتهم له... وأمّا المؤمن فلا تزال روعتُه به وهيبتُه إياه مع تلاوته تُوليه انجذابًا وتكسبه هشاشة لميل قلبه إليه وتصديقه به. قال الله تعالى: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}[الزمر: 23]، وقال: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}[الحشر: 21]. ويدلُّ على أنَّ هذا شيءٌ خُصَّ به، أنه يَعتري مَن لا يَفهم معانيه ولا يعلم تفاسيره، كما رُوي عن نصرانيّ أنه مَرّ بقارئٍ فوقف يبكي، فقيل له: مِمَّ بكيت؟ قال: للشجا والنظم. وهذه الروعة قد اعترت جماعة قبل الإسلام وبعده، فمنهم مَن أسلم لها لأول وهلة وآمن به، ومنهم من كفر، فحُكي في الصحيح عن جبير بن مطعم -رضي الله عنه- قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأ في المغرب بالطور، فلمّا بلغ هذه الآية: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ}[الطور: 35- 37] كاد قلبي أن يطير للإسلام. وفي رواية: وذلك أول ما وقر الإسلام في قلبي...»[6]. ثم قال القاضي: «قد عدَّ جماعة من الأئمة ومقلِّدي الأمة في إعجازه وجوهًا كثيرة؛ منها: أنّ قارئه لا يمَلُّه وسامعَه لا يمُجُّه بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة وترديده يوجب له محبة، لا يزال غضًّا طريًّا، وغيره من الكلام ولو بلغ في الحسن والبلاغة مبلغه يُمَلّ مع الترديد، ويُعادَى إذا أُعيد، وكتابنا يُستلَذُّ به في الخلوات ويؤنس بتلاوته في الأزمات، وسواه من الكتب لا يوجد فيها ذلك؛ حتى أحدث أصحابها لها لحونًا وطرقًا يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على قراءتها، ولهذا وصف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القرآن بأنه لا يخلَق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عِبَرُه ولا تفنى عجائبه، هو الفصل ليس بالهزل، لا يشبع منه العلماء ولا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة، هو الذي لم تنتهِ الجن حين سمعته أن قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا}[الجن: 1]»[7]. وقال ابن كثير: «ومَن تدبَّر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونًا ظاهرة وخفية من حيث اللفظ ومن جهة المعنى، قال الله تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}[هود: 1]، فأحكمت ألفاظه وفصلت معانيه أو بالعكس على الخلاف، فكلٌّ مِنْ لفظه ومعناه فصيح لا يجارى ولا يدانى، فقد أخبر عن مغيبات ماضية وآتية كانت ووقعت طبق ما أخبر سواء بسواء، وأمر بكل خير، ونهى عن كل شر كما قال: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا}[الأنعام: 115]، أي: صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام، فكُلُّه حقٌّ وصدق وعدل وهدًى، ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء، كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها، كما قيل في الشعر: إنّ أعذبَه أكذبُه، وتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء أو الخيل أو الخمر، أو في مدح شخص معيّن أو فرس أو ناقة أو حرب أو كائنة أو مخافة أو سبع، أو شيء من المشاهدات المتعيّنة التي لا تفيد شيئًا إلا قدرة المتكلم المعبِّر على التعبير عن الشيء الخفيّ أو الدقيق أو إبرازه إلى الشيء الواضح، ثم تجد له فيها بيتًا أو بيتين أو أكثر هي بيوت القصيد، وسائرها هذر لا طائل تحته. وأمّا القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك تفصيلًا وإجمالًا ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير، فإنه إنْ تأمّلْتَ أخباره وجدتها في غاية الحلاوة، سواء كانت مبسوطة أو وجيزة، وسواء تكررت أم لا، وكلما تكرر حَلا وعَلا، لا يخلق عن كثرة الردّ، ولا يملّ منه العلماء، وإنْ أخَذَ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصُّم الراسيات، فما ظنك بالقلوب الفاهمات؟ وإنْ وَعَدَ أتى بما يفتح القلوب والآذان، ويشوق إلى دار السلام ومجاورة عرش الرحمن، كما قال في الترغيب: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[السجدة: 17]، وقال: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[الزخرف: 71]، وقال في الترهيب: {أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا}[الإسراء: 68]، {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ}[الملك: 16، 17]، وقال في الزجر: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ}[العنكبوت: 40]، وقال في الوعظ: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ}[الشعراء: 205- 207]، إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة، وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي، اشتملت على الأمر بكل معروف حسن نافع طيب محبوب، والنهي عن كل قبيح رذيل دنيء؛ كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: إذا سمعت الله تعالى يقول في القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأوعها سمعك؛ فإنه خيرٌ ما يأمر به أو شرٌّ ينهى عنه؛ ولهذا قال تعالى: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}[الأعراف: 157] الآية، وإن جاءت الآيات في وصف المعاد وما فيه من الأهوال، وفي وصف الجنة والنار، وما أعدّ الله فيهما لأوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم والملاذ والعذاب الأليم؛ بشَّرت به وحذّرت وأنذرت، ودَعَت إلى فعل الخيرات واجتناب المنكرات، وزهّدت في الدنيا ورغّبت في الأخرى، وثـبّـتت على الطريقة المثلى، وهَدَت إلى صراط الله المستقيم وشرعه القويم، ونفَت عن القلوب رجس الشيطان الرجيم»[8]. ويقول الدكتور مصطفى مسلم: «ولا شك أن القول بالصَّرْفة كان نتيجة للتفكير الفلسفي المجرد عن نور الهداية، حيث نظر القائلون بها إلى أن القرآن مؤلَّف من كلمات عربية معروفة باستطاعة البلغاء أن يأتوا بمثلها، فإذا عرفت المفردات أمكن التوصل إلى تركيبها، وإذا عرفت التراكيب أمكن تأليفها، وفاتهم أن المفردات والتراكيب تحتاج إلى الصبغة الإلهية واللمسة الربانية حتى تضفي عليها الإشراق والحياة فيسري فيها الروح فتكون معجزة: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ}[الشورى: 52، 53]. إنّ مثل هؤلاء كمثل الطبيعيين اليوم ينظرون إلى الكائنات الحية وعلى رأسها الإنسان، ويحاولون تحليلها إلى المواد الأولية التي تتكوّن منها. يحاولون بواسطة هذه التحليلات معرفة سر الحياة وإيجاد إنسان أو حيوان أو نبات في المعمل. لقد فات هؤلاء أيضًا أن النفخة الإلهية هي سر الحياة، فلولا هذه النفخة الإلهية لما تكوّنت الحياة في المواد الأولية، ولولا الصبغة الربانية لما كانت الكلمات العربية معجزة»[9]. ثم إذا ذهبنا نُحلّل مضمون الخطاب القرآنيّ اتّضحت لنا صفاتٌ أخرى؛ منها أنَّه متضمّن لقصص الأولين لا تكاد سورة تخلو منه، وقد وصف الله قصصه بأنَّه القصصُ الحقُّ، كما قال تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[آل عمران: 62]، فهو القصص الحقُّ على الحقيقة، وكلُّ ما عَدَاه يدخله الكذب لا محالة، كما وصفه بأنَّه أحسن القصص كما قال تعالى: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ}[يوسف: 1- 3]، فكلُّ ما عدَاه نازلٌ عن رتبته في الحسن لا محالة. وبهذا، يستبين أنَّ مَن رام أن يُعارِض القرآن فعليه -إن كان صادقًا- أن يأتي بمثله في صفاته المصرّح بها، ومنها -وليس كلها- نظمُه وبلاغتُه وبيانُه العربيّ، وأن يأتي بمثله في متضمَّناته ومشتملاته، ومنها الأخبار الغيبية، فإن لم يفعل لم يكن آتيًا بمثله. وإذن، فحقيقة التحدّي بالإخبار بالغيب أن يأتوا بكلامٍ على غرار القرآن في اشتماله على ذكر الغيب، وعن الأخبار الغيبية التي يثبت صدقها بنحو ثبوت صدق أخبار القرآن ما كان منها عن الماضي وما كان منها إنباءً بالمستقبل، وما كان منها كشفًا للسرائر، وإنباءً في الضمائر، وما كان منها إنباءً بالسنن السائرة الـمُطَّردة التي لا يزيدها مرّ الزمان إلا تأكُّدًا واستقرارًا، فلن تجد لسنّة الله تبديلًا ولا تحويلًا. وليس للمتحدَّى إلا أن يكون مُتصوِّرًا لما هو مطلوبٌ منه، ولا معنى لحدّ بعضهم التحدِّي بأن يكون من جنس ما برع فيه الـمُتحدَّى، وإن كان التحدّي بذلك أبلغَ. فإذا أصرَّ بعضهم على أن يكون الـمُتحدَّى به من جنس ما برع فيه المتحدَّوْن فهذا دليلٌ آخر على أنَّ الأمر المتحدَّى به في القرآن الكريم غير محصور في وجهٍ واحدٍ، ذلك أنَّ المتحدَّيْن بالقرآن عموم أمة الدعوة المحمدية من الإنس والجنّ، فناسب أن يجدَ كلٌّ منهم في المتحدَّى به شيئًا مما برع هو فيه، واختّص بحذقه. فتأمل! ويصحُّ لنا -حينئذ- الاستئناس لكون الإخبار بالغيب داخلًا في شرط التحدّي؛ بأنَّه أدخل الجنَّ في المتحدَّيْن به، وبراعة الجنّ إنما تكمن في ادّعائهم علم الغيب، بما كانوا يسترقون من السمع إلى خبر السماء، فيخطفون الخطفة ويبنون عليها مائة كذبة. وقد بُكِّتوا بدعواهم، فقال تعالى في شأن سليمان: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ}[سبأ: 14]، وهو ما حرص مؤمنو الجنّ على الإقرار به، كما قال تعالى حكايةً عنهم: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا}[الجن: 10]، ثم أكّدت السورة الكريمة ذلك: {قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا * عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا}[الجن: 25- 28]. فالتصريحُ بدخولهم في جملة المتحدَّيْن إشارةٌ إلى أنَّ ما ادَّعوه لأنفسهم، وادَّعاه لهم رجال من الإنس، من قدرتهم على علم الغيب؛ ليس بمسعفهم للإتيان بمثله، فليفعلوا إن كانوا صادقين، ولو تظاهروا عليه وتمالؤوا، فليستعينوا بالجنّ في الكشف عن المغيّبات، وليستعينوا بأرباب الصناعات من أمم الإنس المختلفة في تحرير حقائق صناعاتهم، ثم ليدفعوا ذلك إلى الحكماء والفلاسفة والمناطقة ليودعوه شيئًا من حكمتهم وفلسفتهم ومنطقهم، ثم ليدفعوا كلّ ذلك إلى العرب الأقحاح أهل الفصاحة لينظموه هذا النظم المعجز، ثم ليستعينوا على ذلك بالزَّمن وما يصلون إليه من علومٍ ومبتكراتٍ، لعلّهم يستطيعون أن يأتوا بمثله. هذا هو ما يجب أن يُفهم من استفزازهم إلى التعاضد والتمالؤ والتظاهر إنسًا وجنًّا، وهذا هو التحدّي الحقيقيّ، لا ما ذهب إليه بعضُهم من أنَّ التحدّي منوطٌ بالعربِ فقط أن يأتوا بمثل بلاغته، فإنْ عجزوا وهم أرباب الفصاحة؛ فسواهم من الإنس أعجز، وإنْ عجز الإنس وهم الجنس الأشرف والأكمل؛ فالجنّ أعجز. فشتّان ما بين تصوير التحدي على الوجه الأول الذي ذهبنا إليه، وعلى الوجه الثاني الذي يذهب إليه بعض الباحثين. ومما يؤكد ذلك قوله تعالى: {فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ}[الطور: 29- 34]، فنَفَى عنه الكهانة والجنون المقتضي أن يكون له رَئِيٌّ من الجنّ يخبره بالغيب، ونفَى عنه الشِّعر الذي قد يُبرّر هذا النظم الفريد، ونفى عنه الكذب والتقوُّل، ثم تحدَّاهم بأن يأتوا بمثله، فعُلِمَ أنَّ أخباره الغيبية ليست مستقاةً من المصادر التي اقترحوها، كما أنَّه ليست مما يمكن أن ينتجها الكذب والتقوُّل، إذ لو كانت كذلك لكان خطؤها هو الأصل، وصوابها هو الاستثناء الذي يُثبت التقوّل ولا ينفيه، ثم إنَّ نظمه مما يتعالى على الشعر الذي يحذقونه كما يحذقون النَّفَس، فإن كانوا في شكٍّ من ذلك فليجرّبوا أن يأتوا بمثله في نظمه وفي إخباره بالمغيّبات تشاعرًا وتكهُّنًا وتقوُّلًا. وانظر إلى قيلِ أُنَيسٍ أخي أبي ذر -رضي الله عنهما- في قصة إسلامه: «لقد سمعتُ قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعتُ قوله على أَقْراءِ الشعر، فما يلتئم على لسان أحدٍ بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون»[10]، فاعتبَر بصدقه وكذبهم، فعُلِم أنَّ القرآن مباينٌ لقول الكهنة والشعراء من جهة أنَّه صِدقٌ وأنَّهم كاذبون. ولمّا ادّعوا قدرتهم على أن يقولوا مثله وصَفوه بأنّه أساطير الأولين، قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}[الأنفال: 31]، فما لمحوا فيه إلا أنَّه أساطير الأولين، فتوجّه فِكرهم في المعارضة نحو مضمونه الذي هو -في زعمهم- أساطير الأولين. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «كان النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي من شياطين قريش، وكان يؤذي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وينصب له العداوة، وكان قد قَدِمَ الحيرة، تعلَّم بها أحاديث ملوك فارس، وأحاديث رستم وأسفنديار، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا جلس مجلسًا فذكَّر بالله، وحدَّث قومه ما أصاب مَن قبلهم مِن الأمم من نقمةِ الله، خَلَفه في مجلسه إذا قام، ثم يقول: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثًا منه، فهلُمُّوا، فأنا أحدثكم أحسن من حديثه. ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وأسفنديار، ثم يقول: ما محمد أحسن حديثًا منّي. قال: فأنزل الله تبارك وتعالى في النضر ثماني آيات من القرآن، قوله: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}[القلم: 15]، وكل ما ذكر فيه الأساطير في القرآن»[11]. ويؤكّد أصالة التحدّي بالإخبار بالمغيّبات على الوجه الذي وضحّناه أنَّ ألفًا وأربعمائة سنة ونيِّفًا لم تُسقط التحدّي بل زادته ظهورًا وجلاءً بما استحدثه البشر من علومٍ أثبتَت صدق القرآن، وأنَّه من المستحيل أن يكون قائلُه رجلًا عاش قبل ألف وأربعمائة سنة، فلا بد أنَّه أُنزل بعلم الله، وأنَّ تلك العلوم نفسها لا تمكّن البشر من أن يفْجرُوا الغيبَ فيتنبّؤوا بحقائق كثيرة مفصّلة تقع خلال ألف وأربعمائة سنة قادمة، ولا نِصْف تلك المدة، ولا عُشرها، فما زال التحدّي قائمًا، والعجز حاصلًا، والحصر شاملًا. قال القاضي عياض في معرض تعليقه على حديث: «ما من الأنبياءِ من نبيٍّ إلا قد أُعطي من الآيات ما مثلُه آمَن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيتُ وحيًا أوحى اللهُ إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعًا يوم القيامة»[12]، قال: «وفيه وجه آخر وهو: أنَّ سائر معجزات الأنبياء انقرضت بانقراضهم، ولم يشاهدها إلا ما كان حاضرًا لها، ومعجزة نبينا -صلى الله عليه وسلم- من القرآن وخرقه للعادة في أسلوبه وبلاغته بَيِّـنة لكل من يأتي إلى يوم القيامة، إلى ما انطوى عليه من الإخبار عن الغيوب، فلا يمر عصر إلا ويظهر فيه معجزة مما أخبر أنها تكون، تدلُّ على صدقه وصحة نبوته وتُجدِّد الإيمان في قلوب أمّته»[13]. وأمَّا لو قصرنا التحدّي على النَّظم والبلاغة فإنَّ حجّيته لا تحصل لأصحاب تلك العصور بهذه السهولة، إذ إنَّ الوصول لذلك يقتضي سلوك أحد طريقين؛ الأول: أن يثبت لديه إبلاس الأولين، وأنَّهم إذ أُفحموا وهم أرباب البلاغة فالخَلَفُ أولى بذلك. والثاني: أن يحاولوا ذلك فيتبيّن بمعيار صحيحٍ أنَّ ما جاؤوا به نازلٌ عن رتبة نظم القرآن وبلاغته. فإن وُجد فيهما منازِعٌ في العصور المتأخرة -وخصوصًا من غير العرب- فردُّه إلى جادَّة الصواب ممكنٌ إن كان مُنصِفًا، ولكنه يستلزمُ الكثير من الجهد والوقت. وأمَّا بتوسعة نطاق التحدّي ليشمل المعاني على الوجه الذي وضّحناه فلا يستطيع أن ينازع في ذلك منازعٌ للوهلة الأولى، ولا بتقليب النَّظر ورجعه كرّة بعد كرّة. والله المستعان. وقد أحسن الإمام ابن عاشور التعبير عن هذا المعنى فقال: «وهذا النوع من الإعجاز [يعني الإعجاز العلمي الراجع إلى الإخبار بالمغيّبات] هو الذي خالف به القرآن أساليب الشعر وأغراضه مخالفة واضحة. هذا والشاطبي قال في (الموافقات): «إن القرآن لا تُحمل معانيه ولا يتأوّل إلا على ما هو متعارَف عند العرب»، ولعلَّ هذا الكلام صدر منه في التفصي من مشكلات في مطاعن الملحدين؛ اقتصادًا في البحث وإبقاءً على نفيس الوقت، وإلا فكيف ينفي إعجاز القرآن لأهل كلِّ العصور، وكيف يقصر إدراك إعجازه بعد عصر العرب على الاستدلال بعجز أهل زمانه إذ عجزوا عن معارضته، وإذ نحن نسلم لهم التفوق في البلاغة والفصاحة، فهذا إعجاز إقناعي بعجز أهل عصر واحد، ولا يفيد أهلَ كلّ عصر إدراكُ طائفة منهم لإعجاز القرآن»[14]. فكأنَّ المكلّفين جميعًا إنسًا وجنًّا على اتّصالِ بقائهم في الدنيا مذ تحدَّاهم إلى أن يبلغوا أجَلَهم الذي أجَّل لهم؛ في العجز كيانٌ واحدٌ، ولو كانت مَلكاتُه جِماعَ ملكاتهم، وقدراتُه مِلاكَ قدراتهم. وبذا؛ يستبين لك وجه المغالطة في كلام الأستاذ محمود شاكر إذ يقول: «فهذا التحيُّر المظلم الذي غشَّاهم [يعني قريشًا]، وأخذ منهم بالكظم، والذي نعته الوليد فاستجاد النعت؛ كان تحيُّرًا لِما يسمعون مِن نَظْمِه وبيانِه، لا لِما يُدرِكون من دقائق التشريع، وخفيّ الدلالات، وما لا يؤمنون به من الغيب، وما لا يعرفون من أنباء القرون التي خلَت مِن قبل»[15]. فليس الوليدُ وزمرتُه هم كلَّ المتحدَّيْنَ بالقرآن حتى يُلزمنا هذا الكلامُ إخراجَ الإنباء بالغيب من جملة المتحدَّى به. ولو قيل: إنَّ كلام الأستاذ شاكر متوجّه إلى ما وقع به التحدّي لقريش خاصَّةً في أوَّل الأمر فحسب؛ لكان له مساغٌ. على أنَّ نعت الوليد للقرآن: «والله؛ لقد سمعت من محمد كلامًا آنفًا ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإنّ أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وإنَّ له لحلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، [وإن له لَنورًا، وإن له لفرعًا]، وإنه ليعلو وما يُعلى، [وإنه ليحطم ما تحته]»[16]، ليس فيه ما يدلُّ على أنَّه تحيَّر لما سمع من نظمه وبيانه فحسب؛ بل هذه الأوصاف تحتمل الرجوع إلى معانيه كما تحتمل الرجوع إلى نظمه وبيانه، والسبيل الوحيد لقصرها على أحدهما دون الآخر هو التحكُّم الذي لا يعجز عنه أحدٌ. ضابط الإخبار بالغيب المتحدَّى به: فإن قيل: ما الضابط للإخبار بالمغيَّبات التي لو صدرت من بشرٍ عُلِم أنَّه جاء بمثل القرآن، وأنَّ القرآن يمكن أن يكون مُختلَقًا؟ فالجواب: يجب ألّا يُنسى ابتداءً أنَّ الإخبار بالغيب ليس هو الوجه الوحيد للإعجاز القرآني، ولا بد أن يأتي هذا الإخبار بالغيب في قالبٍ لُغويٍّ يضاهي القرآن نظمًا وبلاغةً وأسلوبًا وبيانًا. فإن سقط هذا الشرط لا يصحّ الانتقال إلى النَّظَر في فحوى الإخبار المزعوم، كما يرفض مقوّمو سلامة الغذاء الذي حقُّه أن يكون مُعبَّأً النَّظرَ في مفردات سلامته، ومحدّدات جودته التركيبية؛ إن وجدوه بغير عُبوّته. وهذا الشرط عاصمٌ من الإفك الذي يأتي به بعضهم من خزعبلاتٍ في صورة تنبؤات يخرجونها في لغة غامضة محتملة أشبه بلغة الشفرة يمكن تأويلها على عشرات الأوجه؛ بل على الوجه ونقيضه، ثم يزعمون أنَّها وقعت كما تنبّأ بها المتنبِّئ، ثم يُطيِّرونها كل مطار. وأوضح مثال على ذلك تنبؤات نوستراداموس. فأين هي من تفصيل الأخبار الغيبية الواقعة في القرآن الكريم؟ وأين بيانها من بيانه؟ وأمَّا من حيث هو إخبارٌ بمغيَّب، فيجب أن تجتمع فيه الشروط الآتية: 1- أن يكون إخبارًا بمغيَّبٍ لا يوصل إليه باستشرافٍ؛ كالتنبؤ بالأرصاد الجوية والكسوف والخسوف وغيرها من الظواهر الطبيعية، وكذا تنبؤات النظريات العلمية المرتفقة على قوانين طبيعية، فتلك -وما جرى مجراها- علوم شهادة وإن ظنَّها بعضهم علومَ غيب. 2- ألَّا يكون مُستقًى من وحيٍ سماويٍّ صحيحٍ، وإلّا لكانوا كَمَن رام معارضة نظم القرآن فعمد إلى بعض ألفاظ الآية، واستبدل بها ألفاظًا ترادفها على نفس وزنها وجرسها. ويمكن القول إنّ ما أخبر به الوحي الصحيح غير المحرّف مما هو صريح الدلالة صار في حكم علوم الشهادة، فإن اتَّكأ عليها المتنبئ لم يكن -في الحقيقة- مخبرًا بغيبٍ. 3- ألّا تعارض في الإمكان عِلمًا ضروريًّا ولا عِلمًا نظريًّا قطعيًّا. ولا يصحُّ هنا أن يقال إنَّ العلم الضروريَّ يفتقر إلى معيار يضبطه، فهذا مُنافٍ لتعريف العلم الضروريّ أو الضرورات العقلية[17]. 4- ويلزم منه أن يكون المخبَر به مؤتلِفًا غير مختلف، ولا يناقض بعضه بعضًا؛ إذ العلم القطعيُّ لا يعارض بعضه بعضًا. 5- ألّا يكذِّبه مَرُّ الزمن وتقدُّم العلوم والمكتشفات، فإنْ تحقَّق صدقُ وقوعه بعدُ بما يستجدُّ من معارِفَ وعلومٍ، وبما ينكشف عنه مرُّ الزمن، كان أقطع بالوفاء بالمراد. 6- وكلَّما وقع لهم في قدر القطعة المتحدَّى بها عددٌ صالحٌ من تلك الأخبار يربو على ما تحتمله الصدفةُ -بالقوانين الإحصائية التي يعرفها المتخصصون في علم الإحصاء- كان أقطع بوفائهم بالمراد. 7- وكلَّما توزَّعت أخباره على مجالات الغيب المختلفة كان أقطع بالوفاء بالمراد. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * موقع الألوكة: (https://2u.pw/4Uod0). [1] المقالة الأولى: (هل في القرآن إعجاز غيبي؟) على هذا الرابط: tafsir.net/article/5326. [2] أخرجه البخاري في صحيحه (ح4981، ح7274). ومسلم في صحيحه (ح152). [3] قال الرماني: «فإن قال قائل: فلم اعتمدتم على الاحتجاج بعجز العرب دون المولَّدِين، وهو عندكم معجز للجميع، مع أنه يوجد للمولّدين من الكلام البليغ شيء كثير؟ قيل: لأن العرب كانت تقيم الأوزان والإعراب بالطباع، وليس في المولدين مَن يقيم الإعراب بالطباع كما يقيم الأوزان، والعرب على البلاغة أقدر لما بيّنّا من فطنتهم لما لا يَفطن له المولَّدون من إقامة الإعراب بالطباع، فإذا عجزوا عن ذلك فالمولدون عنه أعجز». النكت في إعجاز القرآن، للرماني (ص113). وقال الزركشي، وهو من كلام السبكي وإن لم يصرح به الزركشي: «التحدي إنما وقع للإنس دون الجن؛ لأن الجنَّ ليسوا من أهل اللسان العربي الذي جاء القرآن على أساليبه، وإنما ذكروا في قوله: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ} تعظيمًا لإعجازه؛ لأن الهيئة الاجتماعية لها من القوة ما ليس للأفراد، فإذا فرض اجتماع جميع الإنس والجن وظاهر بعضهم بعضًا وعجزوا عن المعارضة كان الفريق الواحد أعجز». انظر: فتاوى السبكي (2/ 616- 617)، والبرهان في علوم القرآن (2/ 111). ويقول الدكتور مساعد الطيار: «ومع تكاثر وجوه الأدلة الدالة على صدقه إلا أنني أوكِّد على أنَّ المقصودين أولًا بهذا التحدي هم العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، أمّا مَن عداهم من الأمم إلى قيام الساعة فهم تبع لهم في هذا؛ لأنه إذا عجز العرب الذين هم أرباب الفصاحة والبيان وأصحاب اللغة التي نزل بها القرآن فمن باب أولى أن يعجز غيرهم؛ لأنهم لا يمكن أن يصلوا إلى درجة العرب في البيان» [شرح مقدمة التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي، للدكتور الطيار، نشرة دار ابن الجوزي، السعودية، ط1، 1431هـ، ص282]. وهو قول ناتجٌ عن حصر المتحدَّى به في بلاغة القرآن وأسلوبه ونظمه فقط، وظاهر القرآن بخلافه كما بيَّنَّا، وهو دليل آخر على عدم دقّة هذا الحصر. وفيه تقليلٌ من شأن التحدّي بقصره على قبيلة واحدةٍ في حقبة محدودة من الزمن، وفيه جعل إقامة حجّة القرآن على جُلّ المخاطبين به من الإنس والجنّ في كلِّ عصر ومصر تبعًا لا كفاحًا. علاوة على أنَّ في مذهب السبكيّ والزركشي ومن تبعهما قطعًا بأنَّ الجنّ ليسوا من أهل اللسان العربيّ، وهذا من الرجم بالغيب. ولعلَّ ظاهر الدليل النقليِّ على خلافه إذ ثبت أنَّ وفود الجنّ لقيت النبي -صلى الله عليه وسلم- غير مرَّة، وأنَّهم سمعوا القرآن وفهموه، ثم ولَّوْا إلى قومهم يدعونهم إلى الإيمان به، وأنهم خاطبوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- وخاطبهم، وسألوه وأجابهم. فهذا ظاهره أنَّهم يتقنون اللسان العربي، والله أعلم بلغتهم ولسانهم وبما كان من هيئة حديثهم مع النبي -صلى الله عليه وسلم-. ولو قيل إنهم ليسوا من أهل اللسان العربي، ولكنهم يقدرون أن يتعلموه كما يحصل من الإنس إذ يتعلَّم بعضهم أكثر من لغة؛ فما الذي يمنع حذقهم لها بعد تعلُّمها حتى يبزّوا فيها بعض أهلها؟ [4] بيان إعجاز القرآن، للخطابي (ص70). [5] البرهان في علوم القرآن، للزركشي (2/ 100). [6] الشفا، للقاضي عياض (1/ 226- 227). [7] الشفا، للقاضي عياض (1/ 229- 230). [8] تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ط دار طيبة، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، ط2، 1420هـ= 1999م (1/ 199- 200). [9] مباحث في إعجاز القرآن، للدكتور مصطفى مسلم، دار القلم، دمشق، ط3، 1426هـ= 2005م (ص68). [10] أخرجه مسلم في صحيحه (ح2473). [11] جامع البيان، للطبري، ط دار هجر، القاهرة، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط1، 1422هـ= 2001م (17/ 399). [12] أخرجه البخاري في صحيحه (ح4981، ح7274). ومسلم في صحيحه (ح152). [13] إكمال المُعْلِم بفوائد مُسْلِم، للقاضي عياض، دار الوفاء، تحقيق: د. يحيى إسماعيل، ط1، 1419هـ= 1998م (1/ 467). [14] التحرير والتنوير، لابن عاشور (1/ 128). [15] مداخل إعجاز القرآن، للأستاذ محمود شاكر (ص160). [16] انظر: تفسير مقاتل بن سليمان (4/ 492- 493)، والمستدرك على الصحيحين، للحاكم (ح3872)، ودلائل النبوة، لأبي نعيم (ص234 برقم 186). [17] يُعرِّف ابن سينا الضرورات العقلية بأنها: قضايا ومقدّمات تحدث في الإنسان من جهة قوّته العقلية من غير سبب يُوجب التصديق بها إلّا ذواتها، ومثال ذلك: إدراك أنَّ الكلَّ أعظم من الجزء، فإنَّ هذا الحكم غير مستفاد من حسٍّ ولا استقراء ولا شيء آخر. انظر: النجاة في المنطق والإلهيات، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، ط1، 1412هـ (1/ 81). ويقول التفتازاني: «أمّا البديهيات، وتسمّى أوَّليّات؛ فهي قضايا يحكم العقل بها بمجرّد تصوُّر طرفيها؛ كالحكم بأنَّ الواحد نصف الاثنين، والجسم الواحد لا يكون في آن واحدٍ في مكانين». انظر: شرح المقاصد، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، عالم الكتب، بيروت، ط2، 1419هـ (1/ 211). وعرَّفها الساويّ بأنها القضايا التي يُصدّق بها العقل الصريح لذاته ولغريزيته؛ لا لسببٍ من الأسباب الخارجة عنه. انظر: البصائر النصيرية في المنطق، زين الدين عمر بن سهلان الساوي، تعليق: رفيق العجم، دار الفكر اللبناني، بيروت، ط1، 1997م (ص220). والمقصود بأنها تحصل من جهة القوة العقلية: أنها هي المقتضى المباشر للغريزة العقلية، بحيث لا يمكن الاستدلال عليها إلا من جهة مطابقتها للغريزة العقلية؛ ولذا فلا تحتاج إلى استدلال، بل هي أساس كلِّ استدلالٍ عقليّ. وعليه؛ يُمكن أن نُعرّف المبادئ العقلية بأنها «قضايا يُسلِّم بها العقل الـمُدرِك بمجرد تصوُّرها دون افتقارٍ لـمُصدِّقٍ خارجيٍّ لها». فقولنا: «قضايا»، أي: أحكام تشمل العقليات والحسيّات، وقولنا: «بمجرّد تصوُّرها» يُخرج عقل الطفل قبل أن يقدر على تصوُّر بعض هذه الحقائق، فعدم إدراكه لها لا ينقض حقيقة أنه مفطورٌ عليها، وأنها مغروسة فيه، وكذلك يُخرج عقول المجانين والبُلَداء متناهي البلادة، وقولنا «دون افتقار لمصدّق خارجيٍّ لها» من مجرّب أو خبر، فمجرّد تصوُّرها كافٍ للحكم بصحّتها. من بحثنا: (المبادئ العقلية الأولية: أهميتها وخطورة الطعن فيها) مخطوط؛ يسَّر الله نشره.1
0
- الإعجاز الغيبي في القرآن بين الإثبات والنفي (1-3)*
هل في القرآن الكريم إعجازٌ غيبيٌّ؟
الكاتب : محمود عبد الجليل روزن
تنبعثُ هذه المقالة في التوفيق بين آراء المتكلمين في بعض مشكلات إعجاز القرآن الكريم؛ خلوصًا إلى محاولة تثبيت وجهٍ أصيل من أوجه إعجاز القرآن، وهو الإعجاز الغيبيّ، إذ هال بعضَ الباحثين السُّيولةُ المتصاعدةُ في عدّ أوجه إعجاز القرآن دون قيدٍ ولا ضابطٍ، فكان منهم أن نَفَوْا أن يكون في القرآن معجزٌ إلا البلاغة والنظم؛ فنَفَوْا أوجهًا تتابع علماء الأمة على عدِّها من إعجاز القرآن الكريم، ومنها الإعجاز الغيبيّ معقد حديثنا.
فالمقصد الرئيس لهذه المقالة هو: إثبات أنَّ إخبار القرآن بالغيبِ مُعجِزٌ على المعنى الذي قاد إلى استظهاره النَّظرُ المنهجيُّ، ومن ثَمَّ التأهُّل للإجابة عن سؤال: هل يدخل الإخبار بالغيب في جملة المتحدَّى به من القرآن الكريم أم لا؟
ولم تتطرَّق المقالة للتقويم التفصيليّ لما يدخل في الـمُعجِز وما لا يدخل، وإن كانت قدَّمت ضابطًا عامًّا يمكن التأسيس عليه لبناء المعيار الصحيح الصالح للاضطلاع بهذه المهمة.
كما تؤكّد المقالة ابتداءً أنَّه مهما اختلفت الأقوال في شأن أوجه إعجاز القرآن، ومهما استجدّت الآراء؛ فإنَّ الإعجاز البياني هو أساس كلِّ إعجاز قرآنيّ، ففي بيان القرآن تستكنّ كل وجوه إعجازه الأخرى الصحيحة، وعلى أساس ما ندرك من تراكيبه ومفرداته يكون تصوُّرنا لآيات الله تعالى في مضمونها الذي نبحث عنه[1].
وعليه؛ فالمقالة ستنتظم -بإذن الله- في ثلاثة أجزاء متسلسلة، كل منها يعالج جانبًا من الإشكال، وبيانها كالآتي:
الجزء الأول: بعد التمهيد وضبط المصطلحات والحدود، يجيب عن سؤال: هل في القرآن الكريم إعجازٌ غيبيٌّ؟
الجزء الثاني: يجيب عن سؤال: هل يدخل الإخبار بالمغـيّبات في جملة المتحدَّى به؟
الجزء الثالث: ردّ بعض ما يُستشكل أو يَرِدُ على إجابة السؤال الثاني[2].
تمهيد:
يتجاذب تفسيرَ إعجاز القرآن -في الجملة- ثلاثةُ مذاهب: 1- فبينَ مَن ينفي أن يكون القرآنُ معجِزًا بغير النَّظم والبيان[3]، وغالبًا ما يُطلق عليه الإعجاز اللغوي أو الإعجاز البلاغي أو إعجاز النَّظم، أو الإعجاز البياني. 2- وبين مُتوسِّعٍ في إثبات ألوانٍ من الإعجاز لا تقوم بها الحُجَّة، ولا ترتكز على أصولٍ مستقيمة في النَّظَر. 3- يأتي المذهب الوسط منذ ابتكار الكلام في قضية إعجاز القرآن، وهو أنَّ للقرآن وجوهًا من الإعجاز تتجاوز إعجاز النَّظم والبلاغة، مع الوقوف بحَذَر أمام بعض وجوه الإعجاز التي يقول بها المتوسِّعون.
ولا يليق في هذا المقام المختصر أن نمثِّل بأمثلة دون أن نسوق حُجَجَ النُّظَّار وحجج مخالفيهم، وسيكون لذلك -إن شاء الله- مقامه ومقاله.
غير أنَّ جُلَّ التفاوت في الإثبات والنفي لألوان من إعجاز القرآن الكريم راجعٌ إلى عدم ضبط مفهومه وحدوده، فالحقُّ أنَّ المثبت والنافي قد يكونان على حقٍّ كلُّهم إذا احتُكم في الفصل بينهم إلى الحدود التي وضعها كلٌّ منهم لتعريف إعجاز القرآن.
والحقيقة الواضحة التي قد يُغفل عنها أنَّ حدود المفاهيم وضوابطها ومعايير اعتبارها تُكتَشَف ولا تُخترَع، فإذا رامَ باحثٌ اختراعَ ما حقُّه الاكتشافُ خرج عن نطاق البحث المنهجيّ المنضبط إلى ما يُشبه الذَّوقَ النسبيَّ الخاصَّ الذي قد يُوافَق عليه وقد لا يُوافَق.
وعليه؛ فإنَّ أوَّل منطلق لتقويمِ النَّظَر إلى ألوان إعجاز القرآن الكريم أن تُحرَّر ضوابطُه وتخطَّطَ حدودُه استكشافًا لا اختراعًا.
وتُلمِحُ القضيةُ من وجهها للمفرِّق بين ثلاثة مفاهيم حاضرةٍ في الكلام على براهين النبوة، يسقط باستظهارها -في تقديري- كثيرٌ من الاختلاف بين طوائف المتكلِّمين في اشتراط التحدِّي للمعجزة، وما يلزم منه من إسقاط كثير من معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- التي لم يَـتحدَّ بها. ويتأسَّس على هذا الطرحِ البناءُ الصحيحُ لبيان أوجه إعجاز القرآن الكريم، وضبط ما يدخل فيها وما يخرج منها.
وفيما يأتي نستعرض بإيجاز تلك المفاهيم الثلاثة.
الأول: مطلق مفهوم الآية:
وهي العَلَامة على صدق النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبرهان نبوّته.
ولا يشترط للعلامة أن تكون مما يفوق قدرة المخلوقين على الإتيان به أو بمثله، كما كان صدقُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وأمانتُه قبلَ نُبوَّته آيةً على أنَّه رسولٌ، فكان ذلك حاديًا كافيًا لكثيرٍ ممَّن آمنوا به وصدّقوه -صلى الله عليه وسلم-، وكما وقع في المسائل التي سأل هرقلُ عنها أبا سفيان -رضي الله عنه-، وكانت كافية لأن يقول: «فإن كان ما تقول حقًّا فإنه نبيٌّ [وفي رواية: فسَيَمْلِكُ موضعَ قدمَيَّ هاتين]، وقد كنتُ أعلمُ أنه خارجٌ، ولم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أنِّي أعلمُ أنّي أَخْلُصُ إليه لأحببتُ لقاءَه [وفي رواية: لتجشَّمتُ]، ولو كنتُ عنده لغَسَلْتُ عن قدَمَيْه»[4].
الثاني: مفهوم الـمُعجزة:
وهي الآية التي يَعجِز المخلوقون عن الإتيان بها من عند أنفسهم، وإنما يؤيِّد بها الله -عز وجل- المرسلين -صلوات الله عليهم- برهانًا على صدق رسالتهم.
فالمعجزة: برهان صدق المخبِر يعجز غيره عن الإتيان بمثله بإطلاقٍ.
وعليه، فالآية أعمُّ من الـمُعجزة، فكلُّ معجزةٍ آيةٌ، ولا عكس.
ومعجزة القرآن كامنةٌ في الدلائل القاطعة بتعيُّن كونه من عند الله تعالى؛ لعجز مَن سواه -سبحانه وتعالى- عن الإتيان بمثله.
وإعجاز القرآن: احتواؤه شكلًا وجوهرًا ومضمونًا على ما يُعجَزُ عن الإتيان بمثله من عند غير الله تعالى.
ولـمَّا كان القرآن يستعمل لفظ (الآية) و(البرهان)، و(السلطان) للدلالة على مفهوم المعجزة، ولما كان السَّواد الأعظم من آيات الرسل مُعجزاتٍ لا يُقدر على الإتيان بمثلها؛ جاز إطلاق المعجزة على الآية، والآية على المعجزة، ولا غضاضة في ذلك؛ فالأول اصطلاح القرآن، والثاني صفةٌ غالبةٌ، فإن اقتُصر عليه جاز من باب إطلاق الصفة على الموصوف، فهذا من الاصطلاح الذي لا مُشاحَّة فيه، ما دام الفرق بينهما مُستحضرًا عند الحاجة.
المفهوم الثالث: مفهوم الإفحام بالتحدِّي:
وهو أن يُدعَى المكذِّب بالمعجزة إلى الإتيان بمثلها فيُبلِس وينقطع، فيتحقّق صدقُ الرسول.
والصواب الذي دلَّ عليه النقل والنَّظر أنَّ المعجزة مُتحقِّقة بالتحدِّي أو دونه، فهي لا تفتقر إلى التحدِّي لتكون معجزة.
فانفلاقُ البحر لموسى -عليه السلام- وانفجار الحَجَر بضربة عصاه باثنتي عشرة عينًا، وفرار الحجَر بثوبه، ونبع الماء من بين يدي النبيّ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وانشقاق القمر، وحنين الجذع ونحو ذلك؛ مُعجزاتٌ، إذ يَعجِز أن يأتي بها غيرُ مؤيَّد من عند الله تعالى، ومع ذلك لم يتَحدَّ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بغير القرآن، ولم يتحدَّ موسى -عليه السلام- بشيء من المعجزات المذكورة. فاشتراط التحدِّي يُسقط جُلَّ المعجزات[5].
فالمعجزةُ تُعجِز مَن رامَ الإتيان بمثلها ولو من غير تحدٍّ، فإذا طالبه صاحب المعجزة بالإتيان بمثلها فانقطع وأُفحِم، فهو أمعن في البرهان على صدق المتحدِّي. فهذا هو مفهوم الإفحام بالتحدّي، وهو زائد عن مفهوم الإعجاز كما ترى.
فالتحدّي قدر زائد عن الإعجاز، إذ عجْزُ الـمُتحدَّى حاصلٌ قبل التحدّي، كما هو حاصلٌ بعده، ولكن إذا تحدّاهم فأُبلسوا وانقطعوا جاز أن نسمّيه إفحامًا.
فإفحام القرآنِ: إبلاس المتحدَّى بالإتيان بمثله.
ومما يتّضح به الأمر تمثيلًا: أنَّ رجلًا إذا أراد أن يحمل حملًا ثقيلًا فلم يستطع صحَّ أن يُسمّى عاجزًا، والحمل مُعجزه، فإذا باراه رجلٌ فحمل حملًا ثم تحدَّاه أن يحمله أو يحمل مثله، فحاول فلم يستطع؛ فهو فوق عجزه مُفحَم خاسرٌ للتحدِّي.
وعليه، فكلّ مُفحِمٌ مُعجِزٌ، ولكن لا يتحقّق الإفحام إلا بعد التحدِّي. وإعجاز القرآن سابقٌ للتحدِّي به، ويجوز أن نقول: الإعجاز لازمٌ، والتحدّي طارئٌ، «ولا بد أن نقرّر هنا أنَّ مفهوم الإعجاز كان قائمًا وواردًا من أول يوم نزلت فيه الآيات الأولى من سورة العلق»[6].
ويجب أن يُعلَم أنَّ عدم إقرار المتحدَّى بإبلاسه، وتشغيبه بالتُّهَم، والادّعاء الأجوف بالقدرة عليه، والإتيان بتفاهاتٍ يدّعِي بها المعارضة؛ كل ذلك لا يُغيّر حقيقة إبلاسه، كما لم يُغيّر حقيقة إبلاس الإنس والجنّ وعجزهم أن يأتوا بمثل القرآن دعوى المخالف قديمًا وحديثًا أنه سِحرٌ وشِعرٌ وافتراءٌ، وهَذَيَان مسيلمة، والفرقان الأمريكي... ونحو ذلك مما هو معلوم بطلانه وسقوطه للمخالف قبل الموافق.
هل في القرآن الكريم إعجازٌ غيبيٌّ؟
بناءً على ما تقدّم، فإنّه يكفي لإثبات الإعجاز الغيبي في القرآن أن نجد فيه إخبارًا بغيوبٍ يستحيل -بإطلاقٍ- على البشر الإخبار بها، أو يستحيل على مَن كان مثلَ النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يُخبر بها من عند نفسه.
والـمُعجزة قد تكون برهانًا في نفسها بغضِّ النَّظر عن ظرفها وملابساتها، كما كان إحياء الموتى وخَلْق الطير بإذن الله برهانًا على كَوْن المسيح -عليه السلام- رسولًا من عند الله -عز وجل- إذ لا يقدر على ذلك في الحقيقة إلا الله -عز وجل-. ووجه البرهان فيها أنَّها لما كانت خارجة عن قدرة المخلوقين كانت دليلًا على أنَّها من عند الخالقِ -عز وجل-، فإذا اقترن ذلك بإخبار الرسول بأنَّها من عند الله -عز وجل- وأنَّه مرسلٌ لإبلاغ رسالة الله -عز وجل- قامت عليهم الحُجَّة، فيحيا من حييَ عن بينة ويهلك من هلك عن بيّنة.
وقد تكون المعجزة برهانًا على صدق مَن جاء بها لحالٍ معيّنة مُلابِسة لظرف المجيء بها، كحملِ مريم بالمسيح -عليهما السلام- فحملُ المرأة البالغة أمرٌ ممكن إذا جامعها بالِغٌ، ولكن غير المعتاد أن تحمل دون ذلك، فتلك آيتُها ومُعجزتُها.
وقد يتكلم الرضيعُ مُبكِّرًا عن أنداده، ولكن أن يتكلَّم في أسبوع وضعه فهذا خارجٌ عن المعهود، ثم أنْ يتكلَّمَ بحديثٍ كحديث عيسى -عليه السلام- في مهده، فهذا أمرٌ مُعجِزٌ خارقٌ لا محالة، فهذا وجه كونه برهانًا على صدق نبوّته، وعلى براءة والدته.
وأن يتكلَّمَ القارئُ المعلَّمُ الذي وقف عمره لطلب العلم ببعض ما استفاده من علوم السابقين والباقين فيُخبر بما لا يعلمه إلا الصفوة المعلِّمون؛ فذلك أمرٌ مطروقٌ مقدورٌ. وأمَّا أن يفعل ذلك مَن استفاض العلمُ بأنَّه لا يقرأ ولا يكتبُ، ولم يجلس يومًا ليطلب هذه العلوم على أربابها، ولم يسمعها من نقَلتِها، ولم يتكهَّن؛ فهذا مُعجِزٌ خارجٌ عن قدرات الإنس والجنّ، فإذا كانت الأخبار التي يُحدِّث بها مما اندرس علمه إلا على صفوة الصفوة، أو مما طوته الأزمان الغابرة، وتراكم عليه غبار النسيان، فيأتي بها على ما كانَ؛ فهذا أقومُ بالإعجاز، لا يتوقّف عاقلٌ في القول بأنَّه مُعجزٌ لا محالةَ.
وإذا كانت تلك الأخبار مما لا سبيل إلى معرفته أصلًا بما لدى البشر ومَن في مقدورهم الاستعانة بهم كالجنِّ، من علومٍ وفنونٍ ومعارف وقدرات؛ كالأخبار عن الغيب، والأخبار عن الحوادث الماضية التي حُرّفت أو تنوسيت تمامًا، وكالكوائن المستقبلة، ثم تتقدّم علوم البشر وتتنوّع مآخذها ومناهجها فلا يوجد في القرآن مصادمٌ لحقائقها[7]؛ بل يجدون به أخبارًا يُتحقَّق صدقُ وقوعها كلها بعدُ بما يستجدُّ لديهم من معارف وعلومٍ، وبما ينكشف عنه مَرُّ الزمن؛ فهذا هو المنتهى في الإعجاز، لا سيما والمخبَر به من هذه الأنواع كثيرٌ جدًّا، وليس خبرًا واحدًا ولا اثنين ولا نحو ذلك مما يمكن أن يقال فيه: حدسٌ مصيبٌ، أو نبوءة مُوفَّقة، أو صُدفة مُواتية.
فإذا نزَّل الـمُنصِفُ هذه الحقيقةَ على القرآن الكريم حَكَم لا محالة بأنَّه كتاب مُعجِزٌ من هذا الوجه؛ أعني الإخبارَ بالمغيَّبات، ما كان منها ضاربًا في القِدَم، وما كان منها مستقبلًا، وما كان منها كامنًا في السرائر فيجلّيه ويفضحه، وغير ذلك من صنوف الغيوب.
فهو وجهٌ من وجوهِ الإعجاز القرآني لأسبابٍ؛ منها:
الأول: أنَّ الجائي به أميٌّ غير معلَّم.
الثاني: أنَّ بعض الأخبار الماضية التي يذكرها تندُّ عن علوم الصفوة، فلا تتوقَّف عند حدِّ علومهم، بل تتجاوزها وتُصوِّبها، ثم لا يملك المنصفون منهم إلا أن يُقرّوا بصوابه وبخطئهم، وبعُلوّه عليهم وهيمنته.
الثالث: أنَّ بعض هذه الأخبار الماضية مما كان علمه وقت نزول القرآن منطويًا عن البشرية جمعاء، ولم يكن مُدوَّنًا في صحفٍ يمكن الوصول إليها وقتئذٍ، ولم يكن مما يتناقله الرواة؛ بل ربما كانت مروياتهم وحسبانهم بعكس ما أثبته، فلما تطاول العُمُر بالبشرية تحقَّق لديهم بعلومهم المبتكرة صِدقُ ما أخبر به، فأقروا بأنَّهم مسبوقون.
الرابع: أنَّ الأخبار المستقبلة الكثيرة التي أخبر بها لم تزل تقع واحدةً تلو الأخرى على الوجه الذي نبَّأ به، لا يزيدها تقدُّم العلوم إلا تأكُّدًا، وتسليمًا بصحّتها، «ولا يكون ذلك على الاتفاق مع كثرة ما أخبر به عن الغير في الأمور المستقبلة فوجد مخبره على ما أخبر به من غير خُلف، وذلك لا يكون إلا من عند الله تعالى العالم بالغيوب؛ إذ ليس في وُسع أحدٍ من الخلق الإخبار بالأمور المستقبلة، ثم يتفق مخبر إخباره على ما أخبر به من غير خُلف لشيء منه»[8].
الخامس: أنَّ كلَّ ذلك متساوقٌ أوله مع آخره في ائتلافٍ تامٍّ، لا يتّفق وقوعه -فيما قضت به العادة- في كتابٍ بشريٍّ به هذا العدد الهائل من المعلومات، فهذا داخلٌ فيما يصحّ أن يُطلق عليه إعجاز الائتلاف المشار إليه في قوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}[النساء: 82].
ومن هذا الائتلاف أنَّ الحقائق المذكورة فيه منسجمة مع السنن والقوانين الكونية الطبيعية؛ وهذا لا يكون إلا إذا كان مُنزِلُ الكتاب المسطور هو خالقَ الكون المنظور وفاطِرَه.
قال الطِّيبي شارحًا: {لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}[النساء: 82]؛ أي: «لكان الكثير منه متناقضًا، قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه، فكان بعضه بالغًا حد الإعجاز، وبعضه قاصرًا عنه يمكن معارضته، وبعضه إخبارًا بغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه مخالفًا، وبعضه دالًّا على معنًى صحيح عند علماء المعاني، وبعضه بخلافه. فلما تجاوب كله بلاغة معجزة فائتة لقوى البلغاء، وتناصر صحة معانٍ وصدق إخبار؛ عُلم أنه ليس إلا من عند قادر يقدر على ما لا يقدر عليه غيره، عالم بما لا يعلمه أحد سواه»[9].
فالإعجاز الغيبي إذن وجهٌ أصيلٌ من وجوه إعجاز القرآن، سواء قلنا بأنَّه داخلٌ فيما هو متحدًّى به أم لا، وعلى ذلك تعاقبت كلمة جمهور المتكلّمين من علماء الأمة في إعجاز القرآن. وكانت هذه الحقيقة جليَّة للإمام الخطابيّ (ت 388هـ)، وهو مِن أوّل مَن وصَلَنا كلامُهم في إعجاز القرآن، ورغم أنَّه يذهب إلى عدم دخول الإخبار بالمغيّبات في جملة المتحدَّى به؛ فإنه يقرّر دخوله في أوجه إعجاز القرآن الكريم.
قال: «وزعمَتْ طائفة أنَّ إعجازه إنما هو فيما يتضمنه من الإخبار عن الكوائن في مستقبل الزمان نحو قوله سبحانه: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ}[الروم: 1- 4]، وكقوله سبحانه: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ}[الفتح: 16]، ونحوهما من الأخبار التي صدَّقَت أقوالَها مواقعُ أكوانها. قلت: ولا يُشَكُّ في أنَّ هذا وما أشبهه من أخباره نوعٌ من أنواع إعجازه، ولكنه ليس بالأمر العام الموجود في كل سورة من سور القرآن، وقد جعل سبحانه في صفة كل سورة أن تكون معجزة بنفسها لا يقدر أحدٌ من الخلق أن يأتي بمثلها: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[البقرة: 23] من غير تعيين، فدلّ على أنَّ المعنى فيه غير ما ذهبوا إليه»[10].
فهو يقرُّ بوضوح بأنَّ هذا نوعٌ من أنواع إعجازه، ولكنّه لا يُسلَّم بعمومه لعدم وقوع الإخبار بالمغيّبات في كلِّ سورة، وآخرُ المتحدّى به سورةٌ كما هو معلوم.
وبغضِّ النَّظر عن دقَّة هذا الأمر[11]؛ فلعلَّ الإمام لو فرَّق بين مفهوم الإعجاز والإفحام لجاءت عبارته خالية من شبهة التناقض، ولأغلق باب الخلاف حول اشتراط التحدّي للمعجزة قبل أن يفتحه الباقلانيّ، وقد كان قريبًا جدًّا من ذلك. والله أعلم.
وتأمّلْ قوله: «فتفهَّم الآن واعلمْ أنَّ القرآن إنما صار مُعجزًا؛ لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمنًا أصحَّ المعاني من توحيدٍ له -عَزَّت قدرته-، وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان بمنهاج عبادته من تحليل وتحريم، وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق، وزجر عن مساوئها، واضعًا كلَّ شيءٍ منها موضعه الذي لا يُرى شيءٌ أولى منه، ولا يُرى في صورة العقل أمرٌ أليق منه، مودعًا أخبار القرون الماضية، وما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم، منبئًا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الباقية من الزمان، جامعًا في ذلك بين الحُجَّة والمحتجّ له، والدليل والمدلول عليه؛ ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وإنباء عن وجوب ما أمر به، ونهى عنه. ومعلوم أنَّ الإتيان بمثل هذه الأمور، والجمع بين شتاتها حتى تنتظم وتتَّسق؛ أمرٌ تعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قدرتهم، فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته بمثله أو مناقضته في شكله. ثم صار المعاندون له ممن كفر به وأنكره يقولون مرة: إنه شِعرٌ، لما رأوه كلامًا منظومًا، ومرة سِحرٌ، إذ رأوه معجوزًا عنه، غير مقدور عليه، وقد كانوا يجدون له وقعًا في القلوب وقرعًا في النفوس يُريبهم ويحيّرهم، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعًا من الاعتراف، ولذلك قال قائلهم: إنّ له حلاوة وإن عليه طلاوة، وكانوا مرة لجهلهم وحيرتهم يقولون: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}[الفرقان: 5]، مع علمهم أن صاحبه أميٌّ وليس بحضرته مَن يُملي أو يكتب، في نحو ذلك من الأمور التي جماعها الجهل والعجز»[12].
وكذلك الزركشي (ت 794هـ) ذكر في وجوه إعجاز القرآن ما فيه من الإخبار عن الغيوب المستقبلة مما أخبر به بأنه سيقع فوقع، ولم يكن ذلك من شأن العرب. وكذا ما تضمَّن من إخباره عن قصص الأولين وسائر المتقدمين حكايةَ مَن شاهدها وحضرها. وذكر أنَّ هذين الوجهين مردودان بأنه يستلزم أن الآيات التي لا خبر فيها بذلك لا إعجاز فيها، وهو باطل فقد جعل الله كل سورة معجزة بنفسها. ثم قال: «نَعَم، هذا والذي قبله من أنواع الإعجاز؛ إلا أنه غير منحصر فيه»[13].
فالإعجاز الغيبي عنده مُعتبَر، على ألَّا ينحصر فيه الإعجاز؛ لأنَّ حصره فيه يجعل بعض السُّور لا إعجاز فيها؛ لأنَّ الـمُتحدَّى به سورةٌ.
وكذلك الإمام الطاهر بن عاشور (ت 1393هـ) فإنه عدَّ الجهة الثالثة من جهات إعجاز القرآن ما أودع فيه من المعاني الحكمية والإشارات إلى الحقائق العقلية والعلمية مما لم تبلغ إليه عقول البشر في عصر نزول القرآن وفي عصور بعده متفاوتة، وذكر في الجهة الرابعة ما انطوى عليه من الأخبار عن المغيّبات مما دلَّ على أنه منزل من علام الغيوب[14]. ثم ذكر قرب نهاية هذا البحث أنَّ «هذه الجهة من الإعجاز إنما تثبت للقرآن بمجموعه، أيْ: مجموع هذا الكتاب؛ إذ ليست كل آية من آياته، ولا كلّ سورة من سوره بمشتملة على هذا النوع من الإعجاز، ولذلك فهو إعجاز حاصل من القرآن، وغير حاصلٍ به التحدِّي إلا إشارةً نحو قوله: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}[النساء: 82]»[15].
ولم يزل العلماء مُتتابعين على عدِّ الإعجاز الغيبيّ من وجوهِ إعجاز القرآن الكريم، فقال الرماني (ت 384هـ): «وجوه إعجاز القرآن تظهر من سبع جهات: ترك المعارضة مع توفُّر الدواعي وشدة الحاجة، والتحدي للكافة، والصَّرفة، والبلاغة، والأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلة، ونقض العادة، وقياسه بكل معجزة»[16].
ثم بيّنها فقال: «وأمّا الأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلة فإنه لمّا كان لا يجوز أن تقع على الاتفاق؛ دلَّ على أنها من عند علّام الغيوب، فمِن ذلك قوله -عز وجل-: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ}[الأنفال: 7]، فكان الأمر كما وعد من الظفر بإحدى الطائفتين: العير التي كان فيها أبو سفيان، أو الجيش الذين خرجوا يحملونها من قريش، فأظفرهم الله -عز وجل- بقريش يوم بدر على ما تقدم به الوعد. ومنه قوله تعالى: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}[الروم: 1- 3]، ومنه: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}[التوبة: 33، والصف: 9]، ومنه: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}[البقرة: 94، 95]، ومنه: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}[البقرة: 23، 24]، ومنه: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}[القمر: 45]، ومنه: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ}[الفتح: 27]، ومنه: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ}[الفتح: 20]، ثم قال: {وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا}[الفتح: 21]»[17].
وقال أبو بكر الباقلاني (ت 403هـ): «في جملة وجوه إعجاز القرآن: ذكر أصحابنا وغيرهم في ذلك ثلاثة أوجه من الإعجاز؛ أحدها: يتضمن الإخبار عن الغيوب، وذلك مما لا يقدر عليه البشر، ولا سبيل لهم إليه...»[18].
وقال مكيّ بن أبي طالب (ت 437هـ): «ومن إعجازه ما فيه من علوم الغيب التي لم تكن وقت نزوله ثم كانت ومنها ما لم تكن بعدُ. ومنها ما كانت ولم يكن أحد يعرفها في ذلك الوقت، فنزل علمها وتفسيرها في القرآن؛ كخبر يوسف وإخوته، وخبر ذي القرنين، وأهل الكهف، وإخبار الأمم الماضية والقرون الخالية، التي قد اندرس خبرها وعدم عارف أخبارها، وغير ذلك... فنزل القرآن بتبيانها ونصها على ما كانت عليه»[19].
وذكر القاضي عياض (ت 544هـ) أوجه إعجاز القرآن، فعدَّ الوجه الثالث منها «ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيّبات، وما لم يكن ولم يقع فوجد كما ورد على الوجه الذي أَخبر؛ كقوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ}[الفتح: 27]، وقوله تعالى: {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}[الروم: 3]، وقوله: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}[التوبة: 33، والفتح: 28، والصف: 9]، وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ}[النور: 55]؛ الآية، وقوله: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}[النصر: 1]؛ إلى آخرها. فكان جميع هذا كما قال؛ فغَلبَت الرومُ فارس في بضع سنين، ودخل الناس في الإسلام أفواجًا، فما مات -صلى الله عليه وسلم- وفي بلاد العرب كلها موضعٌ لم يدخله الإسلام، واستخلف اللهُ المؤمنين في الأرض، ومكَّن فيها دينهم ومَلَّكَهم إياها من أقصى المشارق إلى أقصى المغارب... وقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر: 9]، فكان كذلك لا يكاد يُعدُّ مَن سعى في تغييره وتبديل محكمه من الملحدة والمعطِّلة لا سيما القرامطة، فأجمعوا كيدهم وحولهم وقوّتهم اليوم نيِّفًا على خمسمائة عام فما قدروا على إطفاء شيء من نوره، ولا تغيير كلمة من كلامه، ولا تشكيك المسلمين في حرف من حروفه والحمد لله... وما فيه من كشفِ أسرار المنافقين واليهود ومقالِهم وكذِبِهم في حَلِفِهم وتقريعهم بذلك كقوله: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ}[المجادلة: 8]، وقوله: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ}[آل عمران: 154]؛ الآية، وقوله: {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ}[المائدة: 41]؛ الآية، وقوله: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ}[النساء: 46]. وقد قال مُبديًا ما قدَّره الله واعتقده المؤمنون يوم بدر: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}[الأنفال: 7]. ومنه قوله تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ}[الحجر: 95]، ولما نزلت بشَّر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك أصحابه بأنَّ الله كفاه إيّاهم، وكان المستهزئون نفرًا بمكة يُنفّرون الناس عنه ويؤذونه فهَلكوا، وقوله: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}[المائدة: 67]، فكان كذلك على كثرة مَن رامَ ضرَّه وقصَد قَتْله. والأخبار بذلك معروفة صحيحة».
ثم ذكر الوجه الرابع فعدَّ فيه «ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة والأمم البائدة والشرائع الداثرة مما كان لا يَعلم منه القصةَ الواحدةَ إلا الفذُّ من أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلُّم ذلك، فيورده النبي -صلى الله عليه وسلم- على وجهه، ويأتي به على نصّه فيعترف العالم بذلك بصحته وصدقه، وأن مثله لم ينله بتعليم، وقد علموا أنه -صلى الله عليه وسلم- أميٌّ لا يقرأ ولا يكتب، ولا اشتغل بمدارسة ولا مثافنة، ولم يغب عنهم ولا جهل حالَه أحدٌ منهم. وقد كان أهل الكتاب كثيرًا ما يسألونه -صلى الله عليه وسلم- عن هذا فينزل عليه من القرآن ما يتلو عليهم منه ذِكرًا؛ كقصص الأنبياء مع قومهم، وخبر موسى والخضر ويوسف وإخوته وأصحاب الكهف وذي القرنين ولقمان وابنه وأشباه ذلك من الأنباء، وبدء الخلق، وما في التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى مما صدَّقه فيه العلماء بها، ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها؛ بل أذعنوا لذلك، فمِن موفَّقٍ آمن بما سبق له من خيرٍ ومن شقيٍّ مُعاند حاسد، ومع هذا لم يُحكَ عن واحد من النصارى واليهود على شدة عداوتهم له وحرصهم على تكذيبه وطول احتجاجه عليهم بما في كتبهم وتقريعهم بما انطوت عليه مصاحفهم وكثرة سؤالهم له -صلى الله عليه وسلم- وتعنيتهم إياه عن أخبار أنبيائهم وأسرار علومهم ومستودعات سيرهم وإعلامه لهم بمكتوم شرائعهم ومضمَّنات كتبهم؛ مثل سؤالهم عن الروح وذي القرنين وأصحاب الكهف وعيسى وحكم الرجم وما حَرَّم إسرائيل على نفسه وما حُرِّم عليهم من الأنعام ومن طيباتٍ كانت أُحِلَّت لهم فحرِّمت عليهم ببغيهم، وقوله: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ}[الفتح: 29]، وغير ذلك من أمورهم التي نزل فيها القرآن فأجابهم وعرّفهم بما أُوحي إليهم من ذلك، فما أنكروا ذلك ولا كذّبوه، بل أكثرهم صرَّح بصحةِ نبوته وصدقِ مقالته واعترف بعناده وحسَده إيَّاه؛ كأهل نَجْرانَ وابن صُوريا وابنَيْ أخطب وغيرهم. ومَن باهَتَ في ذلك بعض المباهتة وادَّعى أن فيما عندهم من ذلك لما حكاه مخالفةً دُعِي إلى إقامة حجته وكشف دعوته فقيل له: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[آل عمران: 93- 94]، فقرَّع ووبَّخ ودعا إلى إحضارِ ممكِنٍ غير ممتنِعٍ، فمِن معترفٍ بما جحده، ومتواقحٍ يُلقِي على فضيحته من كتابه يدَه، ولم يؤثَر أن واحدًا منهم أظهر خلافَ قوله من كتبه ولا أبدى صحيحًا ولا سقيمًا من صُحفه. قال الله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}[المائدة: 15]؛ الآيتين».
ثم عدَّ من غير هذين الوجهين «آيًا وردت بتعجيز قوم في قضايا، وإعلامهم أنهم لا يفعلونها، فما فعلوا ولا قدروا على ذلك؛ كقوله لليهود: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[البقرة: 94]، قال أبو إسحاق الزجاج: في هذه الآية أعظم حجة وأظهر دلالة على صحة الرسالة؛ لأنه قال لهم: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ}، وأعلمهم أنهم لن يتمنوه أبدًا؛ فلم يتمنَّه واحدٌ منهم... فصَرَفهم الله عن تمنّيه وجزَّعهم؛ ليُظهر صِدقَ رسوله وصحَّةَ ما أَوحى إليه؛ إذ لم يتمنه أحد منهم، وكانوا على تكذيبه أحرص لو قدروا، ولكن الله يفعل ما يريد. فظهرت بذلك معجزاته وبانت حجته... وكذلك آية المباهلة من هذا المعنى حيث وفد عليه أساقفة نجران وأبَوا الإسلام، فأنزل الله تعالى عليه آية المباهلة بقوله: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}[آل عمران: 61]، فامتنعوا منها ورضوا بأداء الجزية، وذلك أن العاقب عظيمهم قال لهم: قد علمتهم أنه نبي، وأنه ما لاعن قومًا نبيٌّ قط فبقي كبيرهم ولا صغيرهم. ومثله قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا}[البقرة: 23، 24]، فأخبرهم أنهم لا يفعلون كما كان. وهذه الآية أَدخَلُ في باب الإخبار عن الغيب، ولكن فيها من التعجيز ما في التي قبلها»[20].
وكذا القرطبي، عدَّ من وجوه إعجازه «الإخبار عن الأمور التي تقدّمت في أول الدنيا إلى وقت نزوله من أميٍّ ما كان يتلو مِن قبله من كتاب، ولا يخطُّه بيمينه، فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها، والقرون الخالية في دهرها، وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه، وتحدَّوه به من قصص أهل الكهف، وشأن موسى والخضر -عليهما السلام-، وحال ذي القرنين، فجاءهم وهو أميٌّ من أمّة أُمِّيَّة، ليس لها بذلك علمٌ بما عرفوا من الكتب السالفة صحته، فتحققوا صِدقه»[21].
وقال ابن تيمية (ت 728هـ): «ومعجزاته -صلى الله عليه وسلم- تزيد على ألف معجزة، مثل انشقاق القمر وغيره من الآيات، ومثل القرآن المعجز... ومثل إخباره بالغيوب التي لا يعلمها أحدٌ إلا بتعليم الله -عز وجل- من غير أن يُعلِّمه إيّاها بشرٌ. فأخبرهم بالماضي مثل قصة آدم ونوح وإبراهيم وموسى والمسيح وهود وشعيب وصالح وغيرهم، وبالمستقبلات. وكان قومه يعلمون أنه لم يتعلم من أهل الكتاب، ولا غيرهم، ولم يكن بمكة أحدٌ من علماء أهل الكتاب ممن يتعلم هو منه، بل ولا كان يجتمع بأحد منهم يعرف اللسان العربي، ولا كان هو يحسن لسانًا غير العربي، ولا كان يكتب كتابًا، ولا يقرأ كتابًا مكتوبًا... ولكن المقصود هنا ذِكر بعض ما في القرآن من أنه كان يخبرهم بالأمور الماضية خبرًا مفصَّلًا لا يعلمه أحد إلا أن يكون نبيًّا، أو مَن أخبره نبيٌّ، وقومه يعلمون أنه لم يخبره بذلك أحد من البشر، وهذا مما قامت به الحجة عليهم، وهم مع قوة عداوتهم له وحرصهم على ما يطعنون به عليه لم يمكنهم أن يطعنوا طعنًا يُقبل منهم، وكان علمُ سائر الأمم بأنّ قومه المعادين له المجتهدين في الطعن عليه لم يمكنهم أن يقولوا: إن هذه الغيوب علّمها إيّاه بشر، فوجب على جميع الخلق أنّ هذا لم يعلمه إياها بشر. ولهذا قال تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا}[هود: 49]»[22].
ومن العلماء المتأخرين الذين أبانوا عن هذا المذهب بأنصع بيان الشيخ محمد رشيد رضا (ت 1354هـ)؛ إذ ذكَر لإعجاز القرآن سبعة وجوهٍ؛ أولها: إعجاز القرآن بأسلوبه ونظمه. والثاني: إعجاز القرآن ببلاغته. والثالث: إعجاز القرآن بما فيه من علم الغيب. والرابع: إعجاز القرآن بسلامته من الاختلاف. والخامس: إعجاز القرآن بالعلوم الدينية والتشريع. والسادس: إعجاز القرآن بعجز الزمان عن إبطال شيء منه. والسابع: إعجاز القرآن بتحقيق مسائل كانت مجهولة للبشر[23].
والناظر في هذه الوجوه يرى أنَّ مَردَّ الخمسة الأخيرة منها -بصورة أو بأخرى- إلى الإعجاز الغيبي.
ثم قال: «والحق الذي يقال في هذا المقام: أنّ ما أيّد اللهُ تعالى به رسلَه من الآيات الكونية كان مناسبًا لحال زمانِ كلٍّ منهم وأهله، وقامت الحجة على مَن شاهَد تلك الآيات في عهده ثم على مَن صدَّق المخبرين من بعده، وقد علم الله تعالى أن سلسلة النقل ستنقطع، وأن ثقة بعض المتأخرين به ولا سيما بعد انقطاع سلسلته ستَضعُف، وأن دلالتها على الرسالة ستُنكَر، فجعل الآية الكبرى على إثبات رسالة خاتم النبيين عِلمية دائمة لا تنقطع، وهي هذا الكتاب المعجز للخلق بما فيه من أنواع الإعجاز السبعة التي ذكرناها، وبينّا أن كل واحد منها آية بيِّـنة لمن ألقى السمع وهو شهيد، وكان مستقلًّا مطلقًا من أسْرِ النظريات المادية وقيود التقليد، إذ لا يَـتصور عاقلٌ يؤمن برب العالمين أن يَصدُر هذا الكتاب المشتمل على هذا القدر السَّنِيع[24] من المعاني، في هذا الأسلوب البديع والنظم المنيع من المباني من رجلٍ أميٍّ ولا متعلِّمٍ أيضًا، إلا أن يكون وحيًا اختصه به الرب -عز وجل-، ناهيك به وقد جزم بعجز الإنس والجن عن أن يأتوا بمثله، ثم تحداهم بأن يأتوا بسورة من مثله، فهذا التحدِّي حجةٌ مستقلة على نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- بصرف النظر عن المتحدَّى به ما هو. وكل نوع من تلك الأنواع السبعة الثابتة للقرآن حجةٌ مستقلة في نفسها، وحجةٌ أنهضُ وأقوى باعتبار أميّة مَن جاء بها، فإن أمكَن تمحُّل المراء والجدل في بعض الوجوه التي ذكرنا لإعجازه، فهل يمكن ذلك في جملتها أو في كلٍّ منها؟ كلّا»[25].
ولو ذهبنا نستقصي العلماءَ القائلين بذلك في كلِّ عصر ومِصر على اختلاف مذاهبهم ومدارسهم فلن توفي بذلك الطروس، ولجاء من ذلك ملء خزانة، ولكن فيما ذكر كفاية ومقنع[26].
ولا إخالُ المخالفَ ينازعُ في هذا إلا أن يكون من جهة الاسم، لا من جهة الـمُسمَّى، فعبارة الأستاذ محمود شاكر «أنَّ ما في القرآن من مكنون الغيب، ومن دقائق التشريع ومن عجائب آيات الله في خلقه، كل ذلك بمعزل عن هذا التحدي المفضي إلى الإعجاز، وإن كان ما فيه من ذلك كله يعدّ دليلًا على أنَّه من عند الله تعالى، ولكنه لا يدلّ على أنَّ نظمه وبيانه مباين لنظم كلام البشر وبيانهم، وأنَّه كلام ربِّ العالمين، لا كلام بشر مثلهم»[27]، جَعلَت الإعجازَ تاليًا للتحدّي، والتحدي مُفضيًا إلى الإعجاز، فدلَّت قطعًا على أنَّه يعني بالإعجاز ما نعنيه بالإفحام والإبلاس، كما أكَّدت أنَّ ما في القرآن من مكنون الغيب ودقائق التشريع وعجائب الآيات في الخلق دليلٌ على أنَّه من عند الله تعالى. ولا مصير لذلك إلا إذا استبان صدقُها، واستحالةُ اطّراد صدقِ الراجم بالغيب في مثلها، فيُقطع بضرورة كونه من عند الله تعالى؛ لعجزِ البشر عن اختلاقها، وهذا هو معنى الإعجاز على ما حرَّرته المقالة.
نعم؛ إنَّني -في الحقيقة- لا أستشكلُ صنيع الأستاذ شاكر -رحمه الله- بقدر ما أستشكلُ صنيع مَن اختار أنَّ التحدّي شرطٌ للإعجاز، وأنَّ المتحدَّى به من القرآن هو البلاغة والنظم فقط، ثم هو يَعُدُّ لإعجاز القرآن الكريم أوجهًا. فلازمُ الأمرين ألّا يوجد مُعجِزٌ في القرآن إلّا النظم والبلاغة وما إليهما، وهذا ما سار عليه الأستاذ شاكر -رحمه الله-. وأمَّا صنيع الأوَّل فلا يُحمل إلا على المسامحة، وإلا ففيه عدم ضبط حقائق المفاهيم وحدودها ومقاديرها والاصطلاحات الدالَّة عليها.
وخلاصة القول:
إنَّ القرآن الكريم بما ينطوي عليه من الإخبار بالمغيّبات التي لا يستطيع أن يأتي بمثلها مخلوقٌ؛ آيةُ صدقٍ وشاهِدُ عدلٍ على أنَّ الجائي به رسولُ الله إلى الإنس والجنّ. وإنَّ ذلك لمن أوجه إعجاز القرآن الكريم؛ لعجز المخلوقين إنسهم وجنّهم أن يأتوا بحديثٍ مثله يُخبر فيتحقق صدقه، ويطّرد وقوع خبره، وعلاوة على ذلك «فإعجازه من هذه الجهة للعرب ظاهر، إذ لا قِبل لهم بتلك العلوم، كما قال الله تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا}[هود: 49]، وإعجازه لعامّة الناس أن تجيء تلك العلوم من رجلٍ نشَأ أميًّا في قوم أُميِّين، وإعجازه لأهل الكتاب خاصة؛ إذ كان ينبئهم بعلوم دينهم مع كونه أميًّا، ولا قِبَل لهم بأن يدَّعوا أنهم علَّموه؛ لأنه كان بمرأى من قومه في مكة بعيدًا عن أهل الكتاب الذين كان مستقرهم بقرى النضير وقريظة وخيبر وتيماء وبلاد فلسطين، ولأنه جاء بنَسْخِ دين اليهودية والنصرانية، والإِنحاء على اليهود والنصارى في تحريفهم، فلو كان قد تعلَّم منهم لأعلنوا ذلك وسجَّلوا عليه أنه عَقَّهم حقَّ التعليم»[28].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* موقع الألوكة: (https://cutt.us/py5DH).
[1] انظر: عربية القرآن، للدكتور عبد الصبور شاهين، مكتبة النافذة، مصر، ط1، 2006م (ص84).
[2] لا يفوتني أن أتقدّم بخالص الشكر والتقدير لأخي العزيز فضيلة الباحث الدكتور خليل اليماني -حفظه الله تعالى- على اطلاعه على مسوّدة المقالة، وإثرائه إيّاها بملحوظاته ومناقشاته.
[3] خير مَن يُمثّل هذا المذهب هو العلّامة الأستاذ محمود شاكر في تقديمه لكتاب (الظاهرة القرآنية) للمفكر الكبير مالك بن نبيّ، رحمهما الله تعالى. وسيأتي في ثنايا المقالة -بإذن الله- الجواب عن جملة كلامه.
[4] أخرجه البخاري في صحيحه (ح7، ح4553)، ومسلم (ح1773).
[5] وهو رأي ابن حزم وابن تيمية وغيرهم. انظر: الفصل في الملل والأهواء والنِّحَل، لابن حزم، ط مكتبة الخانجي، القاهرة (5/ 5-6)، وفيه يقول: «لو كان ما قالوا لسقطت أكثر آيات رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ كنبعان الماء من بين أصابعه، وإطعامه المئين والعشرات من صاع شعير وعَنَاق، ومرة أخرى من كسر ملفوفة في خمار، وكتَفْلِه في العين فجاشت بماء غزير إلى اليوم، وحنين الجذع، وتكليم الذراع، وشكوى البعير والذئب، والإخبار بالغيوب، وتمر جابر، وسائر معجزاته العظام؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- لم يتحدَّ بذلك كله أحدًا، ولا عمله إلا بحضرة أهل اليقين من أصحابه -رضي الله عنهم-»، في أوجه أخرى مذكورة ثَمَّ. وانظر: النبوات، لابن تيمية، ط أضواء السلف، الرياض، ط1، 1420هـ= 2000م (2/ 794- 795). وفيه يقول: «عامّة معجزات الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يتحدَّى بها ويقول: ائتوا بمثلها. والقرآن إنما تحداهم لمّا قالوا إنه افتراه، ولم يتحدّهم به ابتداءً، وسائر المعجزات لم يتحدَّ بها، وليس فيما نُقِلَ تحدٍّ إلا بالقرآن؛ لكن قد عُلم أنهم لا يأتون بمثل آيات الأنبياء. فهذا لازمٌ لها، لكن ليس من شرط ذلك أن يقارن خبره».
[6] عربية القرآن، للدكتور عبد الصبور شاهين (ص83).
[7] قد يُظَنُّ أنَّ سلامة القرآن من مصادمة الحقائق العلمية المستقرة أمرٌ هيّن، إذ لم يكن عليه إلا أن يتجنَّب الخوض في مُبهَمات العلوم، وغوامض المعارف، وأسرار الكون، وخفايا العلم؛ فيكون في مأمنٍ من ذلك، ولكن -على العكس- تقصَّد القرآن الكريم ذكر كثير من أسرار الكون وظواهره وتعمَّده؛ كخلق السماوات والأرض، وخلق الإنس والجنّ والملائكة، وسَوْق السحاب، وإزجائه، ومراكمته، ونزول الغيث، وظواهر الفَلَك والأجرام السماوية، وتكوُّن الأجنَّة ومراحل تطوُّرها، وعالم النبات، والبحار، والجبال... وغير ذلك الكثير، ومع هذا كلّه لم يُسقط العلم كلمة من كلماته، ولم يصادم جزئية من جزئياته. وما من كتاب من وضع البشر عرض لتنبؤات بهذه الكثرة في هذه المجالات إلا وأبطلها مَرُّ الزمان، واستقرارُ الحقائق العلمية. فالقولُ بإعجاز القرآن لخُلوِّه من الخطأ العلميّ حقٌّ؛ لنزول القرآن بمعلوماتٍ كان أهل عصر تنزيله يجهلونها أو كانوا يعتقدون فيها غير ما أخبر به القرآن عنها. انظر: خصائص القرآن الكريم، للدكتور فهد الرومي، ط3، طبعة وقفية (ص75، 76)، والعلم وحقائقه بين سلامة القرآن الكريم وأخطاء التوراة والإنجيل، للدكتور سامي عامري، إصدار مركز رواسخ، ط1، 1441هـ= 2019م (ص45، 46).
[8] أحكام القرآن، للجصاص (2/ 8).
[9] فتوح الغيب في الكشف عن قناع الغيب، للطيبي، نشرة جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، ط1، 1434هـ= 2013م (8/ 31- 32). فإعجاز الائتلاف هذا له جوانبُ عديدة؛ منها: 1- عدم وقوع تناقُض داخليّ فيه. 2- عدم مصادمته للحقائق الكونية. 3- ما أشار إليه الزرقاني وغيره من «أنَّ القرآن الكريم تقرؤه من أوله إلى آخره، فإذا هو محكَم السرد، دقيق السبك، متين الأسلوب، قوي الاتصال، آخذٌ بعضُه برقاب بعضٍ في سوره وآياته وجمله، يجري دم الإعجاز فيه كلِّه مِن ألِفه إلى يائه، كأنه سبيكة واحدة، ولا يكاد يوجد بين أجزائه تفكُّك ولا تخاذل، كأنه حلقة مفرغة أو كأنه سمطٌ وحيد، وعقد فريد، يأخذ بالأبصار، نُظمت حروفه وكلماته، ونسقت جمله وآياته، وجاء آخره مساوقًا لأوله، وبدَا أوله مواتيًا لآخره». انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن، للزّرقاني، مطبعة عيسى البابي الحلبي، ط3 (1/ 60). وبالجملة؛ فهذا النوع من الإعجاز حقيق بالاستقصاء والتصنيف والتجلية بضرب الأمثلة.
[10] بيان إعجاز القرآن، للخطابي، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، ط دار المعارف بمصر (ص23، 24).
[11] سيأتي الردّ على هذا الاستشكال في الجزء الثالث من المقال بإذن الله.
[12] بيان إعجاز القرآن، للخطابي (ص27، 28).
[13] انظر: البرهان في علوم القرآن، للزركشي، ط دار إحياء الكتب العربية، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط1، 1376هـ= 1957م (2/ 95- 96).
[14] التحرير والتنوير، لابن عاشور، الدار التونسية للنشر، 1984م (1/ 104- 105).
[15] التحرير والتنوير، لابن عاشور (1/ 129).
[16] النكت في إعجاز القرآن، للرماني، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن (ص75).
[17] النكت في إعجاز القرآن، للرماني (ص110، 111).
[18] إعجاز القرآن، للباقلاني، نشرة المعارف، تحقيق: السيد أحمد صقر، ط8، 2017م (33، 34)، وانظر: (ص48- 50) منه.
[19] الهداية إلى بلوغ النهاية، لمكيّ بن أبي طالب، نشرة مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة، حُقّق في عدّة رسائل جامعية بإشراف الدكتور الشاهد البوشيخي، ط1، 1429هـ= 2008م (6/ 4286).
[20] انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض، ط عبد الحميد أحمد حنفي (1/ 221- 226).
[21] الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، نشرة دار الكتب المصرية، القاهرة، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، ط2، 1384هـ= 1964م (1/ 74).
[22] الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح، لابن تيمية، نشرة دار العاصمة، السعودية، تحقيق: علي بن حسن - عبد العزيز بن إبراهيم - حمدان بن محمد، ط2، 1419هـ= 1999م (1/ 399- 403).
[23] انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا، نشرة الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990م (1/ 165- 180).
[24] السَّنِيع: الحَسَن. انظر: تهذيب اللغة (2/ 62).
[25] تفسير المنار، محمد رشيد رضا (1/ 182- 183).
[26] وانظر على سبيل المثال لا الحصر: تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/ 729)، والسيف المسلول، للسبكي (ص509)، وفتح الباري، لابن حجر (6/ 583)، وبهجة المحافل وبغية الأماثل في تلخيص المعجزات والسير والشمائل، للحرضي (2/ 208)، ومعترك الأقران في إعجاز القرآن، للسيوطي (1/ 239- 242)، والإتقان، للسيوطي (4/ 19)، ومناهل العرفان، للزّرقاني (2/ 367- 389)، والمعجزة الكبرى، لأبي زهرة (ص65)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (1/ 104- 105)، والنبأ العظيم، للدكتور دراز (98- 99).
[27] مداخل إعجاز القرآن الكريم، للأستاذ محمود شاكر، مطبعة المدني (ص158، 159).
[28] التحرير والتنوير، لابن عاشور (1/ 129).الإعجاز الغيبي في القرآن بين الإثبات والنفي (1-3)* هل في القرآن الكريم إعجازٌ غيبيٌّ؟ الكاتب : محمود عبد الجليل روزن تنبعثُ هذه المقالة في التوفيق بين آراء المتكلمين في بعض مشكلات إعجاز القرآن الكريم؛ خلوصًا إلى محاولة تثبيت وجهٍ أصيل من أوجه إعجاز القرآن، وهو الإعجاز الغيبيّ، إذ هال بعضَ الباحثين السُّيولةُ المتصاعدةُ في عدّ أوجه إعجاز القرآن دون قيدٍ ولا ضابطٍ، فكان منهم أن نَفَوْا أن يكون في القرآن معجزٌ إلا البلاغة والنظم؛ فنَفَوْا أوجهًا تتابع علماء الأمة على عدِّها من إعجاز القرآن الكريم، ومنها الإعجاز الغيبيّ معقد حديثنا. فالمقصد الرئيس لهذه المقالة هو: إثبات أنَّ إخبار القرآن بالغيبِ مُعجِزٌ على المعنى الذي قاد إلى استظهاره النَّظرُ المنهجيُّ، ومن ثَمَّ التأهُّل للإجابة عن سؤال: هل يدخل الإخبار بالغيب في جملة المتحدَّى به من القرآن الكريم أم لا؟ ولم تتطرَّق المقالة للتقويم التفصيليّ لما يدخل في الـمُعجِز وما لا يدخل، وإن كانت قدَّمت ضابطًا عامًّا يمكن التأسيس عليه لبناء المعيار الصحيح الصالح للاضطلاع بهذه المهمة. كما تؤكّد المقالة ابتداءً أنَّه مهما اختلفت الأقوال في شأن أوجه إعجاز القرآن، ومهما استجدّت الآراء؛ فإنَّ الإعجاز البياني هو أساس كلِّ إعجاز قرآنيّ، ففي بيان القرآن تستكنّ كل وجوه إعجازه الأخرى الصحيحة، وعلى أساس ما ندرك من تراكيبه ومفرداته يكون تصوُّرنا لآيات الله تعالى في مضمونها الذي نبحث عنه[1]. وعليه؛ فالمقالة ستنتظم -بإذن الله- في ثلاثة أجزاء متسلسلة، كل منها يعالج جانبًا من الإشكال، وبيانها كالآتي: الجزء الأول: بعد التمهيد وضبط المصطلحات والحدود، يجيب عن سؤال: هل في القرآن الكريم إعجازٌ غيبيٌّ؟ الجزء الثاني: يجيب عن سؤال: هل يدخل الإخبار بالمغـيّبات في جملة المتحدَّى به؟ الجزء الثالث: ردّ بعض ما يُستشكل أو يَرِدُ على إجابة السؤال الثاني[2]. تمهيد: يتجاذب تفسيرَ إعجاز القرآن -في الجملة- ثلاثةُ مذاهب: 1- فبينَ مَن ينفي أن يكون القرآنُ معجِزًا بغير النَّظم والبيان[3]، وغالبًا ما يُطلق عليه الإعجاز اللغوي أو الإعجاز البلاغي أو إعجاز النَّظم، أو الإعجاز البياني. 2- وبين مُتوسِّعٍ في إثبات ألوانٍ من الإعجاز لا تقوم بها الحُجَّة، ولا ترتكز على أصولٍ مستقيمة في النَّظَر. 3- يأتي المذهب الوسط منذ ابتكار الكلام في قضية إعجاز القرآن، وهو أنَّ للقرآن وجوهًا من الإعجاز تتجاوز إعجاز النَّظم والبلاغة، مع الوقوف بحَذَر أمام بعض وجوه الإعجاز التي يقول بها المتوسِّعون. ولا يليق في هذا المقام المختصر أن نمثِّل بأمثلة دون أن نسوق حُجَجَ النُّظَّار وحجج مخالفيهم، وسيكون لذلك -إن شاء الله- مقامه ومقاله. غير أنَّ جُلَّ التفاوت في الإثبات والنفي لألوان من إعجاز القرآن الكريم راجعٌ إلى عدم ضبط مفهومه وحدوده، فالحقُّ أنَّ المثبت والنافي قد يكونان على حقٍّ كلُّهم إذا احتُكم في الفصل بينهم إلى الحدود التي وضعها كلٌّ منهم لتعريف إعجاز القرآن. والحقيقة الواضحة التي قد يُغفل عنها أنَّ حدود المفاهيم وضوابطها ومعايير اعتبارها تُكتَشَف ولا تُخترَع، فإذا رامَ باحثٌ اختراعَ ما حقُّه الاكتشافُ خرج عن نطاق البحث المنهجيّ المنضبط إلى ما يُشبه الذَّوقَ النسبيَّ الخاصَّ الذي قد يُوافَق عليه وقد لا يُوافَق. وعليه؛ فإنَّ أوَّل منطلق لتقويمِ النَّظَر إلى ألوان إعجاز القرآن الكريم أن تُحرَّر ضوابطُه وتخطَّطَ حدودُه استكشافًا لا اختراعًا. وتُلمِحُ القضيةُ من وجهها للمفرِّق بين ثلاثة مفاهيم حاضرةٍ في الكلام على براهين النبوة، يسقط باستظهارها -في تقديري- كثيرٌ من الاختلاف بين طوائف المتكلِّمين في اشتراط التحدِّي للمعجزة، وما يلزم منه من إسقاط كثير من معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- التي لم يَـتحدَّ بها. ويتأسَّس على هذا الطرحِ البناءُ الصحيحُ لبيان أوجه إعجاز القرآن الكريم، وضبط ما يدخل فيها وما يخرج منها. وفيما يأتي نستعرض بإيجاز تلك المفاهيم الثلاثة. الأول: مطلق مفهوم الآية: وهي العَلَامة على صدق النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبرهان نبوّته. ولا يشترط للعلامة أن تكون مما يفوق قدرة المخلوقين على الإتيان به أو بمثله، كما كان صدقُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وأمانتُه قبلَ نُبوَّته آيةً على أنَّه رسولٌ، فكان ذلك حاديًا كافيًا لكثيرٍ ممَّن آمنوا به وصدّقوه -صلى الله عليه وسلم-، وكما وقع في المسائل التي سأل هرقلُ عنها أبا سفيان -رضي الله عنه-، وكانت كافية لأن يقول: «فإن كان ما تقول حقًّا فإنه نبيٌّ [وفي رواية: فسَيَمْلِكُ موضعَ قدمَيَّ هاتين]، وقد كنتُ أعلمُ أنه خارجٌ، ولم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أنِّي أعلمُ أنّي أَخْلُصُ إليه لأحببتُ لقاءَه [وفي رواية: لتجشَّمتُ]، ولو كنتُ عنده لغَسَلْتُ عن قدَمَيْه»[4]. الثاني: مفهوم الـمُعجزة: وهي الآية التي يَعجِز المخلوقون عن الإتيان بها من عند أنفسهم، وإنما يؤيِّد بها الله -عز وجل- المرسلين -صلوات الله عليهم- برهانًا على صدق رسالتهم. فالمعجزة: برهان صدق المخبِر يعجز غيره عن الإتيان بمثله بإطلاقٍ. وعليه، فالآية أعمُّ من الـمُعجزة، فكلُّ معجزةٍ آيةٌ، ولا عكس. ومعجزة القرآن كامنةٌ في الدلائل القاطعة بتعيُّن كونه من عند الله تعالى؛ لعجز مَن سواه -سبحانه وتعالى- عن الإتيان بمثله. وإعجاز القرآن: احتواؤه شكلًا وجوهرًا ومضمونًا على ما يُعجَزُ عن الإتيان بمثله من عند غير الله تعالى. ولـمَّا كان القرآن يستعمل لفظ (الآية) و(البرهان)، و(السلطان) للدلالة على مفهوم المعجزة، ولما كان السَّواد الأعظم من آيات الرسل مُعجزاتٍ لا يُقدر على الإتيان بمثلها؛ جاز إطلاق المعجزة على الآية، والآية على المعجزة، ولا غضاضة في ذلك؛ فالأول اصطلاح القرآن، والثاني صفةٌ غالبةٌ، فإن اقتُصر عليه جاز من باب إطلاق الصفة على الموصوف، فهذا من الاصطلاح الذي لا مُشاحَّة فيه، ما دام الفرق بينهما مُستحضرًا عند الحاجة. المفهوم الثالث: مفهوم الإفحام بالتحدِّي: وهو أن يُدعَى المكذِّب بالمعجزة إلى الإتيان بمثلها فيُبلِس وينقطع، فيتحقّق صدقُ الرسول. والصواب الذي دلَّ عليه النقل والنَّظر أنَّ المعجزة مُتحقِّقة بالتحدِّي أو دونه، فهي لا تفتقر إلى التحدِّي لتكون معجزة. فانفلاقُ البحر لموسى -عليه السلام- وانفجار الحَجَر بضربة عصاه باثنتي عشرة عينًا، وفرار الحجَر بثوبه، ونبع الماء من بين يدي النبيّ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وانشقاق القمر، وحنين الجذع ونحو ذلك؛ مُعجزاتٌ، إذ يَعجِز أن يأتي بها غيرُ مؤيَّد من عند الله تعالى، ومع ذلك لم يتَحدَّ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بغير القرآن، ولم يتحدَّ موسى -عليه السلام- بشيء من المعجزات المذكورة. فاشتراط التحدِّي يُسقط جُلَّ المعجزات[5]. فالمعجزةُ تُعجِز مَن رامَ الإتيان بمثلها ولو من غير تحدٍّ، فإذا طالبه صاحب المعجزة بالإتيان بمثلها فانقطع وأُفحِم، فهو أمعن في البرهان على صدق المتحدِّي. فهذا هو مفهوم الإفحام بالتحدّي، وهو زائد عن مفهوم الإعجاز كما ترى. فالتحدّي قدر زائد عن الإعجاز، إذ عجْزُ الـمُتحدَّى حاصلٌ قبل التحدّي، كما هو حاصلٌ بعده، ولكن إذا تحدّاهم فأُبلسوا وانقطعوا جاز أن نسمّيه إفحامًا. فإفحام القرآنِ: إبلاس المتحدَّى بالإتيان بمثله. ومما يتّضح به الأمر تمثيلًا: أنَّ رجلًا إذا أراد أن يحمل حملًا ثقيلًا فلم يستطع صحَّ أن يُسمّى عاجزًا، والحمل مُعجزه، فإذا باراه رجلٌ فحمل حملًا ثم تحدَّاه أن يحمله أو يحمل مثله، فحاول فلم يستطع؛ فهو فوق عجزه مُفحَم خاسرٌ للتحدِّي. وعليه، فكلّ مُفحِمٌ مُعجِزٌ، ولكن لا يتحقّق الإفحام إلا بعد التحدِّي. وإعجاز القرآن سابقٌ للتحدِّي به، ويجوز أن نقول: الإعجاز لازمٌ، والتحدّي طارئٌ، «ولا بد أن نقرّر هنا أنَّ مفهوم الإعجاز كان قائمًا وواردًا من أول يوم نزلت فيه الآيات الأولى من سورة العلق»[6]. ويجب أن يُعلَم أنَّ عدم إقرار المتحدَّى بإبلاسه، وتشغيبه بالتُّهَم، والادّعاء الأجوف بالقدرة عليه، والإتيان بتفاهاتٍ يدّعِي بها المعارضة؛ كل ذلك لا يُغيّر حقيقة إبلاسه، كما لم يُغيّر حقيقة إبلاس الإنس والجنّ وعجزهم أن يأتوا بمثل القرآن دعوى المخالف قديمًا وحديثًا أنه سِحرٌ وشِعرٌ وافتراءٌ، وهَذَيَان مسيلمة، والفرقان الأمريكي... ونحو ذلك مما هو معلوم بطلانه وسقوطه للمخالف قبل الموافق. هل في القرآن الكريم إعجازٌ غيبيٌّ؟ بناءً على ما تقدّم، فإنّه يكفي لإثبات الإعجاز الغيبي في القرآن أن نجد فيه إخبارًا بغيوبٍ يستحيل -بإطلاقٍ- على البشر الإخبار بها، أو يستحيل على مَن كان مثلَ النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يُخبر بها من عند نفسه. والـمُعجزة قد تكون برهانًا في نفسها بغضِّ النَّظر عن ظرفها وملابساتها، كما كان إحياء الموتى وخَلْق الطير بإذن الله برهانًا على كَوْن المسيح -عليه السلام- رسولًا من عند الله -عز وجل- إذ لا يقدر على ذلك في الحقيقة إلا الله -عز وجل-. ووجه البرهان فيها أنَّها لما كانت خارجة عن قدرة المخلوقين كانت دليلًا على أنَّها من عند الخالقِ -عز وجل-، فإذا اقترن ذلك بإخبار الرسول بأنَّها من عند الله -عز وجل- وأنَّه مرسلٌ لإبلاغ رسالة الله -عز وجل- قامت عليهم الحُجَّة، فيحيا من حييَ عن بينة ويهلك من هلك عن بيّنة. وقد تكون المعجزة برهانًا على صدق مَن جاء بها لحالٍ معيّنة مُلابِسة لظرف المجيء بها، كحملِ مريم بالمسيح -عليهما السلام- فحملُ المرأة البالغة أمرٌ ممكن إذا جامعها بالِغٌ، ولكن غير المعتاد أن تحمل دون ذلك، فتلك آيتُها ومُعجزتُها. وقد يتكلم الرضيعُ مُبكِّرًا عن أنداده، ولكن أن يتكلَّم في أسبوع وضعه فهذا خارجٌ عن المعهود، ثم أنْ يتكلَّمَ بحديثٍ كحديث عيسى -عليه السلام- في مهده، فهذا أمرٌ مُعجِزٌ خارقٌ لا محالة، فهذا وجه كونه برهانًا على صدق نبوّته، وعلى براءة والدته. وأن يتكلَّمَ القارئُ المعلَّمُ الذي وقف عمره لطلب العلم ببعض ما استفاده من علوم السابقين والباقين فيُخبر بما لا يعلمه إلا الصفوة المعلِّمون؛ فذلك أمرٌ مطروقٌ مقدورٌ. وأمَّا أن يفعل ذلك مَن استفاض العلمُ بأنَّه لا يقرأ ولا يكتبُ، ولم يجلس يومًا ليطلب هذه العلوم على أربابها، ولم يسمعها من نقَلتِها، ولم يتكهَّن؛ فهذا مُعجِزٌ خارجٌ عن قدرات الإنس والجنّ، فإذا كانت الأخبار التي يُحدِّث بها مما اندرس علمه إلا على صفوة الصفوة، أو مما طوته الأزمان الغابرة، وتراكم عليه غبار النسيان، فيأتي بها على ما كانَ؛ فهذا أقومُ بالإعجاز، لا يتوقّف عاقلٌ في القول بأنَّه مُعجزٌ لا محالةَ. وإذا كانت تلك الأخبار مما لا سبيل إلى معرفته أصلًا بما لدى البشر ومَن في مقدورهم الاستعانة بهم كالجنِّ، من علومٍ وفنونٍ ومعارف وقدرات؛ كالأخبار عن الغيب، والأخبار عن الحوادث الماضية التي حُرّفت أو تنوسيت تمامًا، وكالكوائن المستقبلة، ثم تتقدّم علوم البشر وتتنوّع مآخذها ومناهجها فلا يوجد في القرآن مصادمٌ لحقائقها[7]؛ بل يجدون به أخبارًا يُتحقَّق صدقُ وقوعها كلها بعدُ بما يستجدُّ لديهم من معارف وعلومٍ، وبما ينكشف عنه مَرُّ الزمن؛ فهذا هو المنتهى في الإعجاز، لا سيما والمخبَر به من هذه الأنواع كثيرٌ جدًّا، وليس خبرًا واحدًا ولا اثنين ولا نحو ذلك مما يمكن أن يقال فيه: حدسٌ مصيبٌ، أو نبوءة مُوفَّقة، أو صُدفة مُواتية. فإذا نزَّل الـمُنصِفُ هذه الحقيقةَ على القرآن الكريم حَكَم لا محالة بأنَّه كتاب مُعجِزٌ من هذا الوجه؛ أعني الإخبارَ بالمغيَّبات، ما كان منها ضاربًا في القِدَم، وما كان منها مستقبلًا، وما كان منها كامنًا في السرائر فيجلّيه ويفضحه، وغير ذلك من صنوف الغيوب. فهو وجهٌ من وجوهِ الإعجاز القرآني لأسبابٍ؛ منها: الأول: أنَّ الجائي به أميٌّ غير معلَّم. الثاني: أنَّ بعض الأخبار الماضية التي يذكرها تندُّ عن علوم الصفوة، فلا تتوقَّف عند حدِّ علومهم، بل تتجاوزها وتُصوِّبها، ثم لا يملك المنصفون منهم إلا أن يُقرّوا بصوابه وبخطئهم، وبعُلوّه عليهم وهيمنته. الثالث: أنَّ بعض هذه الأخبار الماضية مما كان علمه وقت نزول القرآن منطويًا عن البشرية جمعاء، ولم يكن مُدوَّنًا في صحفٍ يمكن الوصول إليها وقتئذٍ، ولم يكن مما يتناقله الرواة؛ بل ربما كانت مروياتهم وحسبانهم بعكس ما أثبته، فلما تطاول العُمُر بالبشرية تحقَّق لديهم بعلومهم المبتكرة صِدقُ ما أخبر به، فأقروا بأنَّهم مسبوقون. الرابع: أنَّ الأخبار المستقبلة الكثيرة التي أخبر بها لم تزل تقع واحدةً تلو الأخرى على الوجه الذي نبَّأ به، لا يزيدها تقدُّم العلوم إلا تأكُّدًا، وتسليمًا بصحّتها، «ولا يكون ذلك على الاتفاق مع كثرة ما أخبر به عن الغير في الأمور المستقبلة فوجد مخبره على ما أخبر به من غير خُلف، وذلك لا يكون إلا من عند الله تعالى العالم بالغيوب؛ إذ ليس في وُسع أحدٍ من الخلق الإخبار بالأمور المستقبلة، ثم يتفق مخبر إخباره على ما أخبر به من غير خُلف لشيء منه»[8]. الخامس: أنَّ كلَّ ذلك متساوقٌ أوله مع آخره في ائتلافٍ تامٍّ، لا يتّفق وقوعه -فيما قضت به العادة- في كتابٍ بشريٍّ به هذا العدد الهائل من المعلومات، فهذا داخلٌ فيما يصحّ أن يُطلق عليه إعجاز الائتلاف المشار إليه في قوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}[النساء: 82]. ومن هذا الائتلاف أنَّ الحقائق المذكورة فيه منسجمة مع السنن والقوانين الكونية الطبيعية؛ وهذا لا يكون إلا إذا كان مُنزِلُ الكتاب المسطور هو خالقَ الكون المنظور وفاطِرَه. قال الطِّيبي شارحًا: {لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}[النساء: 82]؛ أي: «لكان الكثير منه متناقضًا، قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه، فكان بعضه بالغًا حد الإعجاز، وبعضه قاصرًا عنه يمكن معارضته، وبعضه إخبارًا بغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه مخالفًا، وبعضه دالًّا على معنًى صحيح عند علماء المعاني، وبعضه بخلافه. فلما تجاوب كله بلاغة معجزة فائتة لقوى البلغاء، وتناصر صحة معانٍ وصدق إخبار؛ عُلم أنه ليس إلا من عند قادر يقدر على ما لا يقدر عليه غيره، عالم بما لا يعلمه أحد سواه»[9]. فالإعجاز الغيبي إذن وجهٌ أصيلٌ من وجوه إعجاز القرآن، سواء قلنا بأنَّه داخلٌ فيما هو متحدًّى به أم لا، وعلى ذلك تعاقبت كلمة جمهور المتكلّمين من علماء الأمة في إعجاز القرآن. وكانت هذه الحقيقة جليَّة للإمام الخطابيّ (ت 388هـ)، وهو مِن أوّل مَن وصَلَنا كلامُهم في إعجاز القرآن، ورغم أنَّه يذهب إلى عدم دخول الإخبار بالمغيّبات في جملة المتحدَّى به؛ فإنه يقرّر دخوله في أوجه إعجاز القرآن الكريم. قال: «وزعمَتْ طائفة أنَّ إعجازه إنما هو فيما يتضمنه من الإخبار عن الكوائن في مستقبل الزمان نحو قوله سبحانه: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ}[الروم: 1- 4]، وكقوله سبحانه: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ}[الفتح: 16]، ونحوهما من الأخبار التي صدَّقَت أقوالَها مواقعُ أكوانها. قلت: ولا يُشَكُّ في أنَّ هذا وما أشبهه من أخباره نوعٌ من أنواع إعجازه، ولكنه ليس بالأمر العام الموجود في كل سورة من سور القرآن، وقد جعل سبحانه في صفة كل سورة أن تكون معجزة بنفسها لا يقدر أحدٌ من الخلق أن يأتي بمثلها: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[البقرة: 23] من غير تعيين، فدلّ على أنَّ المعنى فيه غير ما ذهبوا إليه»[10]. فهو يقرُّ بوضوح بأنَّ هذا نوعٌ من أنواع إعجازه، ولكنّه لا يُسلَّم بعمومه لعدم وقوع الإخبار بالمغيّبات في كلِّ سورة، وآخرُ المتحدّى به سورةٌ كما هو معلوم. وبغضِّ النَّظر عن دقَّة هذا الأمر[11]؛ فلعلَّ الإمام لو فرَّق بين مفهوم الإعجاز والإفحام لجاءت عبارته خالية من شبهة التناقض، ولأغلق باب الخلاف حول اشتراط التحدّي للمعجزة قبل أن يفتحه الباقلانيّ، وقد كان قريبًا جدًّا من ذلك. والله أعلم. وتأمّلْ قوله: «فتفهَّم الآن واعلمْ أنَّ القرآن إنما صار مُعجزًا؛ لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمنًا أصحَّ المعاني من توحيدٍ له -عَزَّت قدرته-، وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان بمنهاج عبادته من تحليل وتحريم، وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق، وزجر عن مساوئها، واضعًا كلَّ شيءٍ منها موضعه الذي لا يُرى شيءٌ أولى منه، ولا يُرى في صورة العقل أمرٌ أليق منه، مودعًا أخبار القرون الماضية، وما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم، منبئًا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الباقية من الزمان، جامعًا في ذلك بين الحُجَّة والمحتجّ له، والدليل والمدلول عليه؛ ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وإنباء عن وجوب ما أمر به، ونهى عنه. ومعلوم أنَّ الإتيان بمثل هذه الأمور، والجمع بين شتاتها حتى تنتظم وتتَّسق؛ أمرٌ تعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قدرتهم، فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته بمثله أو مناقضته في شكله. ثم صار المعاندون له ممن كفر به وأنكره يقولون مرة: إنه شِعرٌ، لما رأوه كلامًا منظومًا، ومرة سِحرٌ، إذ رأوه معجوزًا عنه، غير مقدور عليه، وقد كانوا يجدون له وقعًا في القلوب وقرعًا في النفوس يُريبهم ويحيّرهم، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعًا من الاعتراف، ولذلك قال قائلهم: إنّ له حلاوة وإن عليه طلاوة، وكانوا مرة لجهلهم وحيرتهم يقولون: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}[الفرقان: 5]، مع علمهم أن صاحبه أميٌّ وليس بحضرته مَن يُملي أو يكتب، في نحو ذلك من الأمور التي جماعها الجهل والعجز»[12]. وكذلك الزركشي (ت 794هـ) ذكر في وجوه إعجاز القرآن ما فيه من الإخبار عن الغيوب المستقبلة مما أخبر به بأنه سيقع فوقع، ولم يكن ذلك من شأن العرب. وكذا ما تضمَّن من إخباره عن قصص الأولين وسائر المتقدمين حكايةَ مَن شاهدها وحضرها. وذكر أنَّ هذين الوجهين مردودان بأنه يستلزم أن الآيات التي لا خبر فيها بذلك لا إعجاز فيها، وهو باطل فقد جعل الله كل سورة معجزة بنفسها. ثم قال: «نَعَم، هذا والذي قبله من أنواع الإعجاز؛ إلا أنه غير منحصر فيه»[13]. فالإعجاز الغيبي عنده مُعتبَر، على ألَّا ينحصر فيه الإعجاز؛ لأنَّ حصره فيه يجعل بعض السُّور لا إعجاز فيها؛ لأنَّ الـمُتحدَّى به سورةٌ. وكذلك الإمام الطاهر بن عاشور (ت 1393هـ) فإنه عدَّ الجهة الثالثة من جهات إعجاز القرآن ما أودع فيه من المعاني الحكمية والإشارات إلى الحقائق العقلية والعلمية مما لم تبلغ إليه عقول البشر في عصر نزول القرآن وفي عصور بعده متفاوتة، وذكر في الجهة الرابعة ما انطوى عليه من الأخبار عن المغيّبات مما دلَّ على أنه منزل من علام الغيوب[14]. ثم ذكر قرب نهاية هذا البحث أنَّ «هذه الجهة من الإعجاز إنما تثبت للقرآن بمجموعه، أيْ: مجموع هذا الكتاب؛ إذ ليست كل آية من آياته، ولا كلّ سورة من سوره بمشتملة على هذا النوع من الإعجاز، ولذلك فهو إعجاز حاصل من القرآن، وغير حاصلٍ به التحدِّي إلا إشارةً نحو قوله: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}[النساء: 82]»[15]. ولم يزل العلماء مُتتابعين على عدِّ الإعجاز الغيبيّ من وجوهِ إعجاز القرآن الكريم، فقال الرماني (ت 384هـ): «وجوه إعجاز القرآن تظهر من سبع جهات: ترك المعارضة مع توفُّر الدواعي وشدة الحاجة، والتحدي للكافة، والصَّرفة، والبلاغة، والأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلة، ونقض العادة، وقياسه بكل معجزة»[16]. ثم بيّنها فقال: «وأمّا الأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلة فإنه لمّا كان لا يجوز أن تقع على الاتفاق؛ دلَّ على أنها من عند علّام الغيوب، فمِن ذلك قوله -عز وجل-: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ}[الأنفال: 7]، فكان الأمر كما وعد من الظفر بإحدى الطائفتين: العير التي كان فيها أبو سفيان، أو الجيش الذين خرجوا يحملونها من قريش، فأظفرهم الله -عز وجل- بقريش يوم بدر على ما تقدم به الوعد. ومنه قوله تعالى: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}[الروم: 1- 3]، ومنه: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}[التوبة: 33، والصف: 9]، ومنه: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}[البقرة: 94، 95]، ومنه: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}[البقرة: 23، 24]، ومنه: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}[القمر: 45]، ومنه: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ}[الفتح: 27]، ومنه: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ}[الفتح: 20]، ثم قال: {وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا}[الفتح: 21]»[17]. وقال أبو بكر الباقلاني (ت 403هـ): «في جملة وجوه إعجاز القرآن: ذكر أصحابنا وغيرهم في ذلك ثلاثة أوجه من الإعجاز؛ أحدها: يتضمن الإخبار عن الغيوب، وذلك مما لا يقدر عليه البشر، ولا سبيل لهم إليه...»[18]. وقال مكيّ بن أبي طالب (ت 437هـ): «ومن إعجازه ما فيه من علوم الغيب التي لم تكن وقت نزوله ثم كانت ومنها ما لم تكن بعدُ. ومنها ما كانت ولم يكن أحد يعرفها في ذلك الوقت، فنزل علمها وتفسيرها في القرآن؛ كخبر يوسف وإخوته، وخبر ذي القرنين، وأهل الكهف، وإخبار الأمم الماضية والقرون الخالية، التي قد اندرس خبرها وعدم عارف أخبارها، وغير ذلك... فنزل القرآن بتبيانها ونصها على ما كانت عليه»[19]. وذكر القاضي عياض (ت 544هـ) أوجه إعجاز القرآن، فعدَّ الوجه الثالث منها «ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيّبات، وما لم يكن ولم يقع فوجد كما ورد على الوجه الذي أَخبر؛ كقوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ}[الفتح: 27]، وقوله تعالى: {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}[الروم: 3]، وقوله: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}[التوبة: 33، والفتح: 28، والصف: 9]، وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ}[النور: 55]؛ الآية، وقوله: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}[النصر: 1]؛ إلى آخرها. فكان جميع هذا كما قال؛ فغَلبَت الرومُ فارس في بضع سنين، ودخل الناس في الإسلام أفواجًا، فما مات -صلى الله عليه وسلم- وفي بلاد العرب كلها موضعٌ لم يدخله الإسلام، واستخلف اللهُ المؤمنين في الأرض، ومكَّن فيها دينهم ومَلَّكَهم إياها من أقصى المشارق إلى أقصى المغارب... وقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر: 9]، فكان كذلك لا يكاد يُعدُّ مَن سعى في تغييره وتبديل محكمه من الملحدة والمعطِّلة لا سيما القرامطة، فأجمعوا كيدهم وحولهم وقوّتهم اليوم نيِّفًا على خمسمائة عام فما قدروا على إطفاء شيء من نوره، ولا تغيير كلمة من كلامه، ولا تشكيك المسلمين في حرف من حروفه والحمد لله... وما فيه من كشفِ أسرار المنافقين واليهود ومقالِهم وكذِبِهم في حَلِفِهم وتقريعهم بذلك كقوله: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ}[المجادلة: 8]، وقوله: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ}[آل عمران: 154]؛ الآية، وقوله: {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ}[المائدة: 41]؛ الآية، وقوله: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ}[النساء: 46]. وقد قال مُبديًا ما قدَّره الله واعتقده المؤمنون يوم بدر: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}[الأنفال: 7]. ومنه قوله تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ}[الحجر: 95]، ولما نزلت بشَّر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك أصحابه بأنَّ الله كفاه إيّاهم، وكان المستهزئون نفرًا بمكة يُنفّرون الناس عنه ويؤذونه فهَلكوا، وقوله: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}[المائدة: 67]، فكان كذلك على كثرة مَن رامَ ضرَّه وقصَد قَتْله. والأخبار بذلك معروفة صحيحة». ثم ذكر الوجه الرابع فعدَّ فيه «ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة والأمم البائدة والشرائع الداثرة مما كان لا يَعلم منه القصةَ الواحدةَ إلا الفذُّ من أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلُّم ذلك، فيورده النبي -صلى الله عليه وسلم- على وجهه، ويأتي به على نصّه فيعترف العالم بذلك بصحته وصدقه، وأن مثله لم ينله بتعليم، وقد علموا أنه -صلى الله عليه وسلم- أميٌّ لا يقرأ ولا يكتب، ولا اشتغل بمدارسة ولا مثافنة، ولم يغب عنهم ولا جهل حالَه أحدٌ منهم. وقد كان أهل الكتاب كثيرًا ما يسألونه -صلى الله عليه وسلم- عن هذا فينزل عليه من القرآن ما يتلو عليهم منه ذِكرًا؛ كقصص الأنبياء مع قومهم، وخبر موسى والخضر ويوسف وإخوته وأصحاب الكهف وذي القرنين ولقمان وابنه وأشباه ذلك من الأنباء، وبدء الخلق، وما في التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى مما صدَّقه فيه العلماء بها، ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها؛ بل أذعنوا لذلك، فمِن موفَّقٍ آمن بما سبق له من خيرٍ ومن شقيٍّ مُعاند حاسد، ومع هذا لم يُحكَ عن واحد من النصارى واليهود على شدة عداوتهم له وحرصهم على تكذيبه وطول احتجاجه عليهم بما في كتبهم وتقريعهم بما انطوت عليه مصاحفهم وكثرة سؤالهم له -صلى الله عليه وسلم- وتعنيتهم إياه عن أخبار أنبيائهم وأسرار علومهم ومستودعات سيرهم وإعلامه لهم بمكتوم شرائعهم ومضمَّنات كتبهم؛ مثل سؤالهم عن الروح وذي القرنين وأصحاب الكهف وعيسى وحكم الرجم وما حَرَّم إسرائيل على نفسه وما حُرِّم عليهم من الأنعام ومن طيباتٍ كانت أُحِلَّت لهم فحرِّمت عليهم ببغيهم، وقوله: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ}[الفتح: 29]، وغير ذلك من أمورهم التي نزل فيها القرآن فأجابهم وعرّفهم بما أُوحي إليهم من ذلك، فما أنكروا ذلك ولا كذّبوه، بل أكثرهم صرَّح بصحةِ نبوته وصدقِ مقالته واعترف بعناده وحسَده إيَّاه؛ كأهل نَجْرانَ وابن صُوريا وابنَيْ أخطب وغيرهم. ومَن باهَتَ في ذلك بعض المباهتة وادَّعى أن فيما عندهم من ذلك لما حكاه مخالفةً دُعِي إلى إقامة حجته وكشف دعوته فقيل له: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[آل عمران: 93- 94]، فقرَّع ووبَّخ ودعا إلى إحضارِ ممكِنٍ غير ممتنِعٍ، فمِن معترفٍ بما جحده، ومتواقحٍ يُلقِي على فضيحته من كتابه يدَه، ولم يؤثَر أن واحدًا منهم أظهر خلافَ قوله من كتبه ولا أبدى صحيحًا ولا سقيمًا من صُحفه. قال الله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}[المائدة: 15]؛ الآيتين». ثم عدَّ من غير هذين الوجهين «آيًا وردت بتعجيز قوم في قضايا، وإعلامهم أنهم لا يفعلونها، فما فعلوا ولا قدروا على ذلك؛ كقوله لليهود: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[البقرة: 94]، قال أبو إسحاق الزجاج: في هذه الآية أعظم حجة وأظهر دلالة على صحة الرسالة؛ لأنه قال لهم: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ}، وأعلمهم أنهم لن يتمنوه أبدًا؛ فلم يتمنَّه واحدٌ منهم... فصَرَفهم الله عن تمنّيه وجزَّعهم؛ ليُظهر صِدقَ رسوله وصحَّةَ ما أَوحى إليه؛ إذ لم يتمنه أحد منهم، وكانوا على تكذيبه أحرص لو قدروا، ولكن الله يفعل ما يريد. فظهرت بذلك معجزاته وبانت حجته... وكذلك آية المباهلة من هذا المعنى حيث وفد عليه أساقفة نجران وأبَوا الإسلام، فأنزل الله تعالى عليه آية المباهلة بقوله: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}[آل عمران: 61]، فامتنعوا منها ورضوا بأداء الجزية، وذلك أن العاقب عظيمهم قال لهم: قد علمتهم أنه نبي، وأنه ما لاعن قومًا نبيٌّ قط فبقي كبيرهم ولا صغيرهم. ومثله قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا}[البقرة: 23، 24]، فأخبرهم أنهم لا يفعلون كما كان. وهذه الآية أَدخَلُ في باب الإخبار عن الغيب، ولكن فيها من التعجيز ما في التي قبلها»[20]. وكذا القرطبي، عدَّ من وجوه إعجازه «الإخبار عن الأمور التي تقدّمت في أول الدنيا إلى وقت نزوله من أميٍّ ما كان يتلو مِن قبله من كتاب، ولا يخطُّه بيمينه، فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها، والقرون الخالية في دهرها، وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه، وتحدَّوه به من قصص أهل الكهف، وشأن موسى والخضر -عليهما السلام-، وحال ذي القرنين، فجاءهم وهو أميٌّ من أمّة أُمِّيَّة، ليس لها بذلك علمٌ بما عرفوا من الكتب السالفة صحته، فتحققوا صِدقه»[21]. وقال ابن تيمية (ت 728هـ): «ومعجزاته -صلى الله عليه وسلم- تزيد على ألف معجزة، مثل انشقاق القمر وغيره من الآيات، ومثل القرآن المعجز... ومثل إخباره بالغيوب التي لا يعلمها أحدٌ إلا بتعليم الله -عز وجل- من غير أن يُعلِّمه إيّاها بشرٌ. فأخبرهم بالماضي مثل قصة آدم ونوح وإبراهيم وموسى والمسيح وهود وشعيب وصالح وغيرهم، وبالمستقبلات. وكان قومه يعلمون أنه لم يتعلم من أهل الكتاب، ولا غيرهم، ولم يكن بمكة أحدٌ من علماء أهل الكتاب ممن يتعلم هو منه، بل ولا كان يجتمع بأحد منهم يعرف اللسان العربي، ولا كان هو يحسن لسانًا غير العربي، ولا كان يكتب كتابًا، ولا يقرأ كتابًا مكتوبًا... ولكن المقصود هنا ذِكر بعض ما في القرآن من أنه كان يخبرهم بالأمور الماضية خبرًا مفصَّلًا لا يعلمه أحد إلا أن يكون نبيًّا، أو مَن أخبره نبيٌّ، وقومه يعلمون أنه لم يخبره بذلك أحد من البشر، وهذا مما قامت به الحجة عليهم، وهم مع قوة عداوتهم له وحرصهم على ما يطعنون به عليه لم يمكنهم أن يطعنوا طعنًا يُقبل منهم، وكان علمُ سائر الأمم بأنّ قومه المعادين له المجتهدين في الطعن عليه لم يمكنهم أن يقولوا: إن هذه الغيوب علّمها إيّاه بشر، فوجب على جميع الخلق أنّ هذا لم يعلمه إياها بشر. ولهذا قال تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا}[هود: 49]»[22]. ومن العلماء المتأخرين الذين أبانوا عن هذا المذهب بأنصع بيان الشيخ محمد رشيد رضا (ت 1354هـ)؛ إذ ذكَر لإعجاز القرآن سبعة وجوهٍ؛ أولها: إعجاز القرآن بأسلوبه ونظمه. والثاني: إعجاز القرآن ببلاغته. والثالث: إعجاز القرآن بما فيه من علم الغيب. والرابع: إعجاز القرآن بسلامته من الاختلاف. والخامس: إعجاز القرآن بالعلوم الدينية والتشريع. والسادس: إعجاز القرآن بعجز الزمان عن إبطال شيء منه. والسابع: إعجاز القرآن بتحقيق مسائل كانت مجهولة للبشر[23]. والناظر في هذه الوجوه يرى أنَّ مَردَّ الخمسة الأخيرة منها -بصورة أو بأخرى- إلى الإعجاز الغيبي. ثم قال: «والحق الذي يقال في هذا المقام: أنّ ما أيّد اللهُ تعالى به رسلَه من الآيات الكونية كان مناسبًا لحال زمانِ كلٍّ منهم وأهله، وقامت الحجة على مَن شاهَد تلك الآيات في عهده ثم على مَن صدَّق المخبرين من بعده، وقد علم الله تعالى أن سلسلة النقل ستنقطع، وأن ثقة بعض المتأخرين به ولا سيما بعد انقطاع سلسلته ستَضعُف، وأن دلالتها على الرسالة ستُنكَر، فجعل الآية الكبرى على إثبات رسالة خاتم النبيين عِلمية دائمة لا تنقطع، وهي هذا الكتاب المعجز للخلق بما فيه من أنواع الإعجاز السبعة التي ذكرناها، وبينّا أن كل واحد منها آية بيِّـنة لمن ألقى السمع وهو شهيد، وكان مستقلًّا مطلقًا من أسْرِ النظريات المادية وقيود التقليد، إذ لا يَـتصور عاقلٌ يؤمن برب العالمين أن يَصدُر هذا الكتاب المشتمل على هذا القدر السَّنِيع[24] من المعاني، في هذا الأسلوب البديع والنظم المنيع من المباني من رجلٍ أميٍّ ولا متعلِّمٍ أيضًا، إلا أن يكون وحيًا اختصه به الرب -عز وجل-، ناهيك به وقد جزم بعجز الإنس والجن عن أن يأتوا بمثله، ثم تحداهم بأن يأتوا بسورة من مثله، فهذا التحدِّي حجةٌ مستقلة على نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- بصرف النظر عن المتحدَّى به ما هو. وكل نوع من تلك الأنواع السبعة الثابتة للقرآن حجةٌ مستقلة في نفسها، وحجةٌ أنهضُ وأقوى باعتبار أميّة مَن جاء بها، فإن أمكَن تمحُّل المراء والجدل في بعض الوجوه التي ذكرنا لإعجازه، فهل يمكن ذلك في جملتها أو في كلٍّ منها؟ كلّا»[25]. ولو ذهبنا نستقصي العلماءَ القائلين بذلك في كلِّ عصر ومِصر على اختلاف مذاهبهم ومدارسهم فلن توفي بذلك الطروس، ولجاء من ذلك ملء خزانة، ولكن فيما ذكر كفاية ومقنع[26]. ولا إخالُ المخالفَ ينازعُ في هذا إلا أن يكون من جهة الاسم، لا من جهة الـمُسمَّى، فعبارة الأستاذ محمود شاكر «أنَّ ما في القرآن من مكنون الغيب، ومن دقائق التشريع ومن عجائب آيات الله في خلقه، كل ذلك بمعزل عن هذا التحدي المفضي إلى الإعجاز، وإن كان ما فيه من ذلك كله يعدّ دليلًا على أنَّه من عند الله تعالى، ولكنه لا يدلّ على أنَّ نظمه وبيانه مباين لنظم كلام البشر وبيانهم، وأنَّه كلام ربِّ العالمين، لا كلام بشر مثلهم»[27]، جَعلَت الإعجازَ تاليًا للتحدّي، والتحدي مُفضيًا إلى الإعجاز، فدلَّت قطعًا على أنَّه يعني بالإعجاز ما نعنيه بالإفحام والإبلاس، كما أكَّدت أنَّ ما في القرآن من مكنون الغيب ودقائق التشريع وعجائب الآيات في الخلق دليلٌ على أنَّه من عند الله تعالى. ولا مصير لذلك إلا إذا استبان صدقُها، واستحالةُ اطّراد صدقِ الراجم بالغيب في مثلها، فيُقطع بضرورة كونه من عند الله تعالى؛ لعجزِ البشر عن اختلاقها، وهذا هو معنى الإعجاز على ما حرَّرته المقالة. نعم؛ إنَّني -في الحقيقة- لا أستشكلُ صنيع الأستاذ شاكر -رحمه الله- بقدر ما أستشكلُ صنيع مَن اختار أنَّ التحدّي شرطٌ للإعجاز، وأنَّ المتحدَّى به من القرآن هو البلاغة والنظم فقط، ثم هو يَعُدُّ لإعجاز القرآن الكريم أوجهًا. فلازمُ الأمرين ألّا يوجد مُعجِزٌ في القرآن إلّا النظم والبلاغة وما إليهما، وهذا ما سار عليه الأستاذ شاكر -رحمه الله-. وأمَّا صنيع الأوَّل فلا يُحمل إلا على المسامحة، وإلا ففيه عدم ضبط حقائق المفاهيم وحدودها ومقاديرها والاصطلاحات الدالَّة عليها. وخلاصة القول: إنَّ القرآن الكريم بما ينطوي عليه من الإخبار بالمغيّبات التي لا يستطيع أن يأتي بمثلها مخلوقٌ؛ آيةُ صدقٍ وشاهِدُ عدلٍ على أنَّ الجائي به رسولُ الله إلى الإنس والجنّ. وإنَّ ذلك لمن أوجه إعجاز القرآن الكريم؛ لعجز المخلوقين إنسهم وجنّهم أن يأتوا بحديثٍ مثله يُخبر فيتحقق صدقه، ويطّرد وقوع خبره، وعلاوة على ذلك «فإعجازه من هذه الجهة للعرب ظاهر، إذ لا قِبل لهم بتلك العلوم، كما قال الله تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا}[هود: 49]، وإعجازه لعامّة الناس أن تجيء تلك العلوم من رجلٍ نشَأ أميًّا في قوم أُميِّين، وإعجازه لأهل الكتاب خاصة؛ إذ كان ينبئهم بعلوم دينهم مع كونه أميًّا، ولا قِبَل لهم بأن يدَّعوا أنهم علَّموه؛ لأنه كان بمرأى من قومه في مكة بعيدًا عن أهل الكتاب الذين كان مستقرهم بقرى النضير وقريظة وخيبر وتيماء وبلاد فلسطين، ولأنه جاء بنَسْخِ دين اليهودية والنصرانية، والإِنحاء على اليهود والنصارى في تحريفهم، فلو كان قد تعلَّم منهم لأعلنوا ذلك وسجَّلوا عليه أنه عَقَّهم حقَّ التعليم»[28]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * موقع الألوكة: (https://cutt.us/py5DH). [1] انظر: عربية القرآن، للدكتور عبد الصبور شاهين، مكتبة النافذة، مصر، ط1، 2006م (ص84). [2] لا يفوتني أن أتقدّم بخالص الشكر والتقدير لأخي العزيز فضيلة الباحث الدكتور خليل اليماني -حفظه الله تعالى- على اطلاعه على مسوّدة المقالة، وإثرائه إيّاها بملحوظاته ومناقشاته. [3] خير مَن يُمثّل هذا المذهب هو العلّامة الأستاذ محمود شاكر في تقديمه لكتاب (الظاهرة القرآنية) للمفكر الكبير مالك بن نبيّ، رحمهما الله تعالى. وسيأتي في ثنايا المقالة -بإذن الله- الجواب عن جملة كلامه. [4] أخرجه البخاري في صحيحه (ح7، ح4553)، ومسلم (ح1773). [5] وهو رأي ابن حزم وابن تيمية وغيرهم. انظر: الفصل في الملل والأهواء والنِّحَل، لابن حزم، ط مكتبة الخانجي، القاهرة (5/ 5-6)، وفيه يقول: «لو كان ما قالوا لسقطت أكثر آيات رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ كنبعان الماء من بين أصابعه، وإطعامه المئين والعشرات من صاع شعير وعَنَاق، ومرة أخرى من كسر ملفوفة في خمار، وكتَفْلِه في العين فجاشت بماء غزير إلى اليوم، وحنين الجذع، وتكليم الذراع، وشكوى البعير والذئب، والإخبار بالغيوب، وتمر جابر، وسائر معجزاته العظام؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- لم يتحدَّ بذلك كله أحدًا، ولا عمله إلا بحضرة أهل اليقين من أصحابه -رضي الله عنهم-»، في أوجه أخرى مذكورة ثَمَّ. وانظر: النبوات، لابن تيمية، ط أضواء السلف، الرياض، ط1، 1420هـ= 2000م (2/ 794- 795). وفيه يقول: «عامّة معجزات الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يتحدَّى بها ويقول: ائتوا بمثلها. والقرآن إنما تحداهم لمّا قالوا إنه افتراه، ولم يتحدّهم به ابتداءً، وسائر المعجزات لم يتحدَّ بها، وليس فيما نُقِلَ تحدٍّ إلا بالقرآن؛ لكن قد عُلم أنهم لا يأتون بمثل آيات الأنبياء. فهذا لازمٌ لها، لكن ليس من شرط ذلك أن يقارن خبره». [6] عربية القرآن، للدكتور عبد الصبور شاهين (ص83). [7] قد يُظَنُّ أنَّ سلامة القرآن من مصادمة الحقائق العلمية المستقرة أمرٌ هيّن، إذ لم يكن عليه إلا أن يتجنَّب الخوض في مُبهَمات العلوم، وغوامض المعارف، وأسرار الكون، وخفايا العلم؛ فيكون في مأمنٍ من ذلك، ولكن -على العكس- تقصَّد القرآن الكريم ذكر كثير من أسرار الكون وظواهره وتعمَّده؛ كخلق السماوات والأرض، وخلق الإنس والجنّ والملائكة، وسَوْق السحاب، وإزجائه، ومراكمته، ونزول الغيث، وظواهر الفَلَك والأجرام السماوية، وتكوُّن الأجنَّة ومراحل تطوُّرها، وعالم النبات، والبحار، والجبال... وغير ذلك الكثير، ومع هذا كلّه لم يُسقط العلم كلمة من كلماته، ولم يصادم جزئية من جزئياته. وما من كتاب من وضع البشر عرض لتنبؤات بهذه الكثرة في هذه المجالات إلا وأبطلها مَرُّ الزمان، واستقرارُ الحقائق العلمية. فالقولُ بإعجاز القرآن لخُلوِّه من الخطأ العلميّ حقٌّ؛ لنزول القرآن بمعلوماتٍ كان أهل عصر تنزيله يجهلونها أو كانوا يعتقدون فيها غير ما أخبر به القرآن عنها. انظر: خصائص القرآن الكريم، للدكتور فهد الرومي، ط3، طبعة وقفية (ص75، 76)، والعلم وحقائقه بين سلامة القرآن الكريم وأخطاء التوراة والإنجيل، للدكتور سامي عامري، إصدار مركز رواسخ، ط1، 1441هـ= 2019م (ص45، 46). [8] أحكام القرآن، للجصاص (2/ 8). [9] فتوح الغيب في الكشف عن قناع الغيب، للطيبي، نشرة جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، ط1، 1434هـ= 2013م (8/ 31- 32). فإعجاز الائتلاف هذا له جوانبُ عديدة؛ منها: 1- عدم وقوع تناقُض داخليّ فيه. 2- عدم مصادمته للحقائق الكونية. 3- ما أشار إليه الزرقاني وغيره من «أنَّ القرآن الكريم تقرؤه من أوله إلى آخره، فإذا هو محكَم السرد، دقيق السبك، متين الأسلوب، قوي الاتصال، آخذٌ بعضُه برقاب بعضٍ في سوره وآياته وجمله، يجري دم الإعجاز فيه كلِّه مِن ألِفه إلى يائه، كأنه سبيكة واحدة، ولا يكاد يوجد بين أجزائه تفكُّك ولا تخاذل، كأنه حلقة مفرغة أو كأنه سمطٌ وحيد، وعقد فريد، يأخذ بالأبصار، نُظمت حروفه وكلماته، ونسقت جمله وآياته، وجاء آخره مساوقًا لأوله، وبدَا أوله مواتيًا لآخره». انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن، للزّرقاني، مطبعة عيسى البابي الحلبي، ط3 (1/ 60). وبالجملة؛ فهذا النوع من الإعجاز حقيق بالاستقصاء والتصنيف والتجلية بضرب الأمثلة. [10] بيان إعجاز القرآن، للخطابي، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، ط دار المعارف بمصر (ص23، 24). [11] سيأتي الردّ على هذا الاستشكال في الجزء الثالث من المقال بإذن الله. [12] بيان إعجاز القرآن، للخطابي (ص27، 28). [13] انظر: البرهان في علوم القرآن، للزركشي، ط دار إحياء الكتب العربية، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط1، 1376هـ= 1957م (2/ 95- 96). [14] التحرير والتنوير، لابن عاشور، الدار التونسية للنشر، 1984م (1/ 104- 105). [15] التحرير والتنوير، لابن عاشور (1/ 129). [16] النكت في إعجاز القرآن، للرماني، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن (ص75). [17] النكت في إعجاز القرآن، للرماني (ص110، 111). [18] إعجاز القرآن، للباقلاني، نشرة المعارف، تحقيق: السيد أحمد صقر، ط8، 2017م (33، 34)، وانظر: (ص48- 50) منه. [19] الهداية إلى بلوغ النهاية، لمكيّ بن أبي طالب، نشرة مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة، حُقّق في عدّة رسائل جامعية بإشراف الدكتور الشاهد البوشيخي، ط1، 1429هـ= 2008م (6/ 4286). [20] انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض، ط عبد الحميد أحمد حنفي (1/ 221- 226). [21] الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، نشرة دار الكتب المصرية، القاهرة، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، ط2، 1384هـ= 1964م (1/ 74). [22] الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح، لابن تيمية، نشرة دار العاصمة، السعودية، تحقيق: علي بن حسن - عبد العزيز بن إبراهيم - حمدان بن محمد، ط2، 1419هـ= 1999م (1/ 399- 403). [23] انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا، نشرة الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990م (1/ 165- 180). [24] السَّنِيع: الحَسَن. انظر: تهذيب اللغة (2/ 62). [25] تفسير المنار، محمد رشيد رضا (1/ 182- 183). [26] وانظر على سبيل المثال لا الحصر: تخجيل من حرَّف التوراة والإنجيل (2/ 729)، والسيف المسلول، للسبكي (ص509)، وفتح الباري، لابن حجر (6/ 583)، وبهجة المحافل وبغية الأماثل في تلخيص المعجزات والسير والشمائل، للحرضي (2/ 208)، ومعترك الأقران في إعجاز القرآن، للسيوطي (1/ 239- 242)، والإتقان، للسيوطي (4/ 19)، ومناهل العرفان، للزّرقاني (2/ 367- 389)، والمعجزة الكبرى، لأبي زهرة (ص65)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (1/ 104- 105)، والنبأ العظيم، للدكتور دراز (98- 99). [27] مداخل إعجاز القرآن الكريم، للأستاذ محمود شاكر، مطبعة المدني (ص158، 159). [28] التحرير والتنوير، لابن عاشور (1/ 129).0
- مراعاة التركيب وأثره في بيان انسجام نظم القرآن
ابن عاشور أنموذجًا (3-3)
الكاتب : مصطفى فاتيحي
سبق معنا بيان أهمية مراعاة التركيب في فهم انسجام خطاب النصّ وحفظه من التعارض والانقطاع الدلالي. وقد مرّ معنا فرط عناية ابن عاشور بمراعاة التركيب في تفسيره للقرآن الكريم واعتنائه البالغ بتحليل الاستئناف البياني وإثبات تحقّق تماسك النصّ والدلالات من خلاله[1]، وفي هذه المقالة سنحاول بيان الأثر العلمي للاهتمام بالتركيب البياني عند ابن عاشور في بيان تماسك الخطاب في النصّ القرآني من خلال تسليط الضوء على تحليلاته للجملة المعترضة وتوظيفها في هذا الصدد، وبيانه على النحو الآتي:
الجملة المعترضة؛ مدخل عامّ:
قال الشيخ خالد بن عبد الله الأزهري في شرحه المسمَّى (موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب) -والشرح ممزوج بالمتن المشروح-: «الجملة الثالثة: المعترضة بين شيئين متلازمين، وهي إمّا للتسديد (بالسين المهملة)، أي: التقوية، أو التبيين وهو الإيضاح. ولا يعترض بها إلّا بين الأجزاء المنفصل بعضها من بعض، المقتضي كلّ منهما الآخر: فتقع بين الفعل وفاعله...، أو مفعوله...، وبين المبتدأ والخبر...، أو ما هما أصلُه...، وبين الشرط وجوابه...، وبين أجزاء الصلة...، وبين المجرور وجارّه...، وبين الحرف وتوكيده...، وبين قد والفعل...، وبين الحرف ومَنْفِيِّه...، وبين القسَم وجوابه، والموصوف وصفته...» إلخ.
ثم قال: «ويجوز الاعتراض بأكثر من جملة، خلافًا لأبي عليّ الفارسي في منعه من ذلك. ومن الاعتراض بأكثر من جملة قوله تعالى: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ}[آل عمران: 36]، فالجملة الاسمية هي: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} بإسكان التاء، والفعلية هي: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} معترضتان بين الجملتين المصدَّرتين بإني...» إلخ.
ولذلك فما قيل عن الاستئناف البياني من ضبط للمعنى وتحقيق تناسقه، يقال عن الجملة الاعتراضية، ذلك أن «النظر الوظيفي في التركيب يستدعي استحضار فكرة الأصل والفرع في النحو العربي، تلك الفكرة التي أسهمت إسهامًا واضحًا في ردّ الأداءات اللغوية، ذلك لتقعيد اللغة وضبط تطوّراتها، وبالنسبة للتركيب المعترض خصوصًا، فدخوله على الرسالة اللغوية فاصلًا بين ما حقّه الارتباط يعدّ مظهرًا من مظاهر الفرع الناتج عن الأصل؛ إذ الأصل اكتمال أركان الجملة، ثم الانتقال إلى جملة أخرى، بينما يأتي التركيب المعترض ليخرج بفرع من ذلك الأصل، وما نتج هذا الفرع إلّا لوظيفة تواصلية قادت المبدع إلى إنتاج أداءات خالفت الأصل، لتصبح أصلًا مستقلًّا بذاته»[2].
وللاعتراض وظيفة بلاغية، هي: المبادرة بإبلاغ معنى قد يرِد على الكلام بدونه مما لا يرِد عليه في وجوده[3].
يقول ابن عاشور: «إنّ الغرض الأكبر للقرآن هو إصلاح الأمة بأسرها، فإصلاح كفّارها بدعوتهم إلى الإيمان ونبذ العبادة الضالة واتباع الإيمان والإسلام، وإصلاح المؤمنين بتقويم أخلاقهم وتثبيتهم على هداهم وإرشادهم إلى طرق النجاح وتزكية نفوسهم؛ ولذلك كانت أغراضه مرتبطة بأحوال المجتمع في مدّة الدعوة، فكانت آيات القرآن مستقلًّا بعضها عن بعض؛ لأن كلّ آية منه ترجع إلى غرض الإصلاح والاستدلال عليه، وتكميله وتخليصه من تسرّب الضلالات إليه، فلم يلزم أن تكون آياته متسلسلة، ولكن حال القرآن كحال الخطيب يتطرّق إلى معالجة الأحوال الحاضرة على اختلافها، وينتقل من حال إلى حال بالمناسبة؛ ولذلك تكثر في القرآن الجمل المعترضة لأسباب اقتضت نزولها أو بدون ذلك، فإن كلّ جملة تشتمل على حكمة وإرشاد، أو تقويم معوجّ، كقوله: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} إلى قوله: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ}[آل عمران: 72، 73]. فقوله: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} جملة معترضة»[4].
إذن، ينبّه ابن عاشور إلى ضرورة أخذ طبيعة تنزل القرآن، ومراميه التربوية ومعالجته للواقع، في بيان سبب إكثار النصّ من استعمال الجمل الاعتراضية من ناحية، وكذلك من أجل تحديد الجمل الاعتراضية لتلمس المعاني والتوجيهات والإرشادات القرآنية، وتحقيق القصد التربوي من ناحية أخرى. فمنهج القرآن في الإصلاح والتربية والتغيير ومعالجة قضايا الواقع والتفاعل معها يستوجب هذا التنقل من معنى إلى آخر، والجمع في الآية الواحدة بين أغراض متعدّدة، وأساليب متنوعة يقتضيها المقام وأحوال المتلقِّين.
ومنه ينبغي أن لا نغفل عن دور الجملة المعترضة في التأثير على دلالة النصّ، فهي جزء من النصّ الذي هو عبارة عن مجموعة جمل ترتبط وتشترك فيما بينها في أمرين: أمر السبك وهو الربط اللغوي، وأمر الحبك وهو الربط الدلالي والانسجام[5].
وفيما يلي نبيّن كيف تعمّق ابن عاشور في تحليل الجملة الاعتراضية في القرآن وبيان كيفية انسجام النظم من خلالها.
النموذج الأول: قول الله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ}[النمل: 88].
يقول ابن عاشور: «الذي قاله جمهور المفسرين أن الآية حكت حادثًا يحصل يوم يُنفخ في الصور، فجعلوا قوله: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} عطفًا على: {يُنْفَخُ فِي الصُّورِ}[النمل: 87]،أي: ويوم ترى الجبال تحسبها جامدة...إلخ. وجعلوا الرؤية بصرية، و{مَرَّ السَّحَابِ} تشبيهًا لتنقُّلِها بمر السحاب في السرعة، وجعلوا اختيار التشبيه بمرور السحاب مقصودًا منه إدماج تشبيه حال الجبال حين ذلك المرور بحال السحاب في تخلخل الأجزاء وانتفاشها، فيكون من معنى قوله: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ}[القارعة: 5]، وجعلوا الخطاب في قوله: (وترى) لغير معيّن، ليعمَّ كلَّ مَن يَرى، وجعلوا معنى هذه الآية في معنى قوله تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ}[الكهف: 47]، فلما أشكل أن هذه الأحوال تكون قبل يوم الحشر؛ لأنّ الآيات التي ورَد فيها ذِكْرُ دكِّ الجبال ونسفِها تشير إلى أن ذلك في انتهاء الدنيا عند القارعة وهي النفخة الأولى أو قُبيلها، فأجابوا بأنها تندكُّ حينئذ ثم تُسيَّر يوم الحشر... ولا يخفى على الناقد البصير بُعد هذه التأويلات[6].
وبعد أن عرض ابن عاشور مجمل أقوال المفسرين توسع في تَعقُّبها بقوله: «وليس في كلام المفسرين شفاء لبيان اختصاص هذه الآية بأنّ الرائي يحسب الجبال جامدة، ولا بيان وجه تشبيه سيرها بسير السحاب، ولا توجيه التذييل بقوله تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}[النمل: 88]؛ فلذلك كان لهذه الآية وضعٌ دقيقٌ، ومعنًى بالتأمل خليقٌ، فوَضْعُها أنها وقعَتْ موقع الجملة المعترضة بين المجمَل وبيانه من قوله: {فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ}[النمل: 87]، إلى قوله: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}[النمل: 89]، بأن يكون مِن تَخلُّلِ دليلٍ على دقيقِ صنعِ الله تعالى في أثناء الإنذار والوعيد؛ إدماجًا وجمعًا بين استدعاءٍ للنظر، وبين الزواجر والنُّذُر...، وجملة: {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ}[النمل: 87] معترضة بينهما؛ لمناسبة ما في الجملة المعطوف عليها من الإيماء إلى تمثيل الحياة بعد الموت، ولكن هذا استدعاء لأهل العلم والحكمة لتتوجّه أنظارهم إلى ما في الكون من دقائق الحكمة وبديع الصنعة.
وهذا من العلم الذي أُودع في القرآن ليكون معجزة من الجانب العلمي يدركها أهل العلم، كما كان معجزة للبلغاء من جانبه النظمي.
وجملة: {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ}[النمل: 88]، تذييل أو اعتراض في آخر الكلام، للتذكير والوعظ والتحذير، عقب قوله: {الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}[النمل: 88]؛ لأن إتقان الصنع أثر من آثار سعة العلم، فالذي بعلمه أتقن كلّ شيء هو خبير بما يفعل الخلق، فليحذروا أن يخالفوا عن أمره»[7].
وإذا كان شأن الاستئناف البياني عند ابن عاشور كما وصفنا وبينَّا، فإنّ شأن الجملة المعترضة كذلك أيضًا، ويتضح الأمر عند التأمل في الآية المذكورة. وحاصله أن الآية وإن جاءت بعد الحديث عن النفخ في الصور، إلّا أن استحضار كونها جملة معترضة، جعل ابن عاشور ينصرف إلى مضامين أكثر اتساعًا، كالذي عبر عنه «بما في الكون من دقائق الحكمة وبديع الصنعة»، ومثل ذلك كثير في القرآن الكريم عند الحديث عن أحوال اليوم الآخر، فتُذكر بعض الظواهر الطبيعة في سياق بيان قدرة الله.
ورغم وجاهة استدراك ابن عاشور، إلّا أنه يمكن تسجيل ملحوظة تتعلّق بأنه ما كان هو نفسه أن يستنتج ذلك المعنى لولا أنه كان على دراية بما أصبح في الوقت الراهن من البديهيات هو دوران الأرض. ولذلك، «فإن النصّ القرآني كتاب الزمن كلّه والمكان كلّه، والمفسر ابن عصره، فهو ليس بنصِّ عصرٍ أو جيلٍ أو مصرٍ ثم ينتهي بانتهائه، وهو غير قابل للتأقيت؛ لأنه يتضمّن كلمات الله الباقية وهدايته المستمرة»[8].
وكلمات الله جاءت على سنن العربية وأساليبها وأفانين القول فيها، ولا ريب أن الجملة المعترضة من ذلك الباب، وهي التي سمحت بالتقاط هذا المعنى الذي ذهب إليه ابن عاشور، فلم يَنْبُ عنه اللفظ أو السياق أو المعطى العلمي، بل كلّها عناصر تتضافر وتتكامل لإفادة المعنى وانسجام الدلالات، كما بينّا قبلُ مِن تلازُم العلاقة بين فهم التركيب والسياق، وأنّ كلًّا منهما يفضي لحسن الفهم للآخر.
النموذج الثاني: قول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[النحل: 14].
قال ابن عاشور: «وجملة: {وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ} معترضة بين الجمل المتعاطفة مع إمكان العطف لقصد مخالفة الأسلوب للتعجيب من تسخير السير في البحر، باستحضار الحالة العجيبة بواسطة فعل الرؤية. وهو يستعمل في التعجيب كثيرًا بصيغ كثيرة، نحو: ولو ترى! وأرأيت! وماذا تَرى! واجتلاب فعل الرؤية في أمثاله يفيد الحثّ على معرفة ذلك، فهذا النظم للكلام لإفادة هذا المعنى، ولولاها لكان الكلام هكذا: وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وتبتغوا من فضله في فُلْكٍ مَواخِرَ»[9].
يُستفاد مما ذكَر ابن عاشور أن وقوع جملة: {وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ} معترضة من شأنه أن يدفع إلى ضرورة إعمال النظر وإجالة الفكر في صنع الله ونِعمه العظيمة؛ لأن ذلك الاعتراض يوقف القارئ لبرهة ليرى بعمق وينظر برويَّة، فهو بمثابة المنبّه الذي يأخذ بتلابيب المتدبر لكي لا تكون قراءته عابرة ومروره عاديًّا. وما كان لهذا أن يحصل لولا الجملة الاعتراضية، التي تضفي على تتابع الجمل وتركيبها معاني ثـرَّة ودلالات جمَّة.
النموذج الثالث: قول الله تعالى:{الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}[النحل: 32-34].
كان سياق الكلام قبلُ عن أحوال المتقين وما أعدّ الله لهم في جناته، حيث قال تعالى: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ}[النحل: 30، 31]، وبعد ذلك ختَم بأن هؤلاء المؤمنين {طَيِّبِينَ} وأنّ جزاءهم هو دخول الجنة بخلاف مَن سبق الحديث عنهم من الكافرين في سياق الآيات. ومن هاهنا فإن انتقال الحديث بعد ذلك لـ{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}[النحل: 33، 34]، قد يمثل إشكالًا في اتساق النظم.
وقد حلّل ابن عاشور هذا التركيب مبينًا اتساق الكلام به، حيث بيّن أولًا أن {هَلْ يَنْظُرُونَ...} عبارة عن «استئناف بياني ناشئ عن جملة: قد مكر الذين من قبلهم [سورة الرعد: 42]؛ لأنها تثير سؤالَ من يسأل عن إبّانِ حُلول العذاب على هؤلاء كما حلّ بالذين من قبلهم، فقيل: ما ينظرون إلّا أحد أمرين؛ هما مجيء الملائكة لقبض أرواحهم فيحقّ عليهم الوعيد المتقدِّم، أو أن يأتي أمرُ الله. والمراد به الاستئصال المعرَّض بالتهديد في قوله: {فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ}[سورة النحل: 26]. والاستفهام إنكاري في معنى النفي؛ ولذلك جاء بعده الاستثناء»[10].
وأمّا بقية الآية بعدها فقد بيّنَ اتساق نظمها كالتالي: «{وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}: هذه جملة معترضة بين جملة: {الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}[النحل: 33]، وجملة: {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا}. ووجه هذا الاعتراض أن التعرُّض إلى ما فعله الذين من قبلهم يشير إلى ما كان مِن عاقبتهم وهو استئصالهم، فعُقِّب بقوله تعالى: {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ}، أي: فيما أصابهم»، ثم قال بعد ذلك: «ولمّا كان هذا الاعتراض مشتملًا على أنهم ظلموا أنفسهم صار تفريع {فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا} عليه أو على ما قبله. وهو أسلوب من نظم الكلام عزيز، وتقديرُ أصله: (كذلك فعل الذين من قبلهم وظلموا أنفسهم فأصابهم سيئات ما عملوا وما ظلمهم الله). ففي تغيير الأسلوب المتعارَف تشويقٌ إلى الخبر، وتهويل له بأنهم ظلموا أنفسهم، وأن الله لم يظلمهم، فيتَرقَّب السامع خبرًا مُفظِعًا، وهو: {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا}».
وهكذا استطاع ابن عاشور ببراعة أن يبين اتساق النظم، وذلك من خلال الاستئناف البياني والذي عالجناه في مقالتنا السابقة، وكذا من خلال الجملة المعترضة وتحليل وضعيتها في الجملة.
ونلاحظ أنه عندما يستنتج ابن عاشور إرادة التشويق والتهويل بالنظر إلى موقع الجملة المعترضة، نفهم أن من أغراض الاعتراض العناية بالأساليب المؤثرة في المتلقي، من خلال مراعاة مستويات الخطاب من حيث التنوّع والتدرّج وحال المخاطَبِين. وأنّ تركيب الجمل يتضمّن أبعادًا نفسية تأتي على مقتضى عمق المعنى المراد إيصاله، والذي لا يمكن أن يُحْدِث التأثير المنشود ويقع في النفس موقعًا بليغًا لو أُلْقِي بطريق تقريري مباشر.
النموذج الرابع: قول الله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}[البقرة: 238].
إدراكًا من ابن عاشور أنَّ تطلُّب المناسبة أمرٌ نسبي تختلف فيه الأنظار حاوَل الفرش من بعيد حتى يصل إلى المبتغَى في هذا الموضع، فقال: «الانتقال من غرض إلى غرض في آي القرآن، لا تلزم له قوة ارتباط؛ لأن القرآن ليس كتاب تدريس يرتَّب بالتبويب وتفريعِ المسائل بعضها على بعض، ولكنه كتاب تذكير وموعظة، فهو مجموع ما نزَل من الوحي في هَدْي الأمة وتشريعها وموعظتها وتعليمها، فقد يُجْمَع فيه الشيء للشيء من غير لزوم ارتباط وتفرُّع مناسبة، وربما كفى في ذلك نزول الغرض الثاني عقب الغرض الأول، أو تكون الآية مأمورًا بإلحاقها بموضع معيّن من إحدى سور القرآن، ولا يخلو ذلك من مناسبة في المعاني، أو في انسجام نظم الكلام، فلعلّ آية: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} نزلت عقب آيات تشريع العِدّة والطلاق؛ لسبب اقتضى ذلك: من غفلةٍ عن الصلاة الوسطى، أو استشعار مشقّة في المحافظة عليها؛ فموقع هذه الآية موقع الجملة المعترضة بين أحكام الطلاق والعدد...، فالظاهر أنه لمّا طال تبيان أحكام كثيرة متوالية؛ ابتداء من قوله: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ}[البقرة: 215]، جاءت هذه الآية مرتبطة بالتذييل الذي ذُيِّلَت به الآية السابقة، وهو قوله: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}[البقرة: 237]، فإن الله دعانا إلى خُلق حميد، وهو العفو عن الحقوق، ولمّا كان ذلك الخُلق قد يعسُر على النفس، لِما فيه مِن تركِ ما تحبه من الملائم، من مال وغيره؛ كالانتقام من الظالم، وكان في طباع الأنفس الشُّح، علَّمنا الله تعالى دواء هذا الداء بدواءين: أحدهما: دنيوي عقلي، وهو قوله: {وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} المذكِّر بأنّ العفو يقرِّب إليك البعيد، ويصير العدوّ صديقًا، وإنك إنْ عفوتَ فيوشك أن تقترف ذنبًا فيُعفى عنك إذا تعارف الناس الفضل بينهم، بخلاف ما إذا أصبحوا لا يتنازلون عن الحقّ. الدواء الثاني: أخروي روحاني، وهو الصلاة التي وصفها الله تعالى في آية أخرى بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، فلما كانت مُعِينة على التقوى ومكارم الأخلاق، حث الله على المحافظة عليها.
ولك أن تقول: لمّا طال تعاقُب الآيات المبيِّنة تشريعاتٍ تغلب فيها الحظوظ الدنيوية للمكلَّفين، عُقِّبَت تلك التشريعات بتشريع تغلب فيه الحظوظ الأخروية، لكي لا يشتغل الناس بدراسة أحد الصنفين من التشريع عن دراسة الصنف الآخر»[11].
نفيد مما ذكَر ابن عاشور أن الجملة المعترضة هنا تعدّ جملة مؤسسة لارتباط الأحكام الشرعية بالتربية القيمية والخلقية، وأن داعي الوازع الديني يجعل النفوس تنقاد لِما يُطْلَب منها، وتسارع إلى العمل به دون تلكُّؤ.
وفي ضوء ذلك يمكن أن نصحّح كثيرًا من المناهج التربوية التي يطغى فيها جانب على آخر فتختلّ الموازين، وكذا بعض الأقوال الفقهية أو الاختيارات المذهبية التي تقدَّم بشكل جاف يفتقد للندَى الإيماني والحسّ القِيَمِي والبناء الفكري؛ لأن تعديل السلوك الإنساني عملية معقدة ومركبة.
قال الشيخ رشيد رضا: «لأن المقصد الأول من القرآن هو الهداية بأن تكون تلاوته عظة وذكرى وعِبرة ينمَّى بها الإيمان والمعرفة بالله -عز وجل-، وبسُنّته في خلقه، وحكمته في عبادته، ويقوَّى بها شعور التعظيم والحب له، وتزيد الرغبة في الخير والحرص على التزام الحقّ، ولو طال سردُ الآيات في موضع واحد -ولا سيما موضوع أحكام المعاملات البشرية- لملَّ القارئ لها في الصلاة وغير الصلاة، أو غلب على قلبه التفكر في جزئياتها ووقائعها، فيفوت بذلك المقصد الأول، والمطلوب الذي عليه المعوَّل، وحَسْبُ طُلّاب الأحكام المفصَّلة فيه أن يرجعوا إليها عند الحاجة في الآيات المتفرقة والسور المتعددة، ولا يجعلوها هي الأصل المقصود من التلاوة في الصلاة وللتعبد في غير الصلاة، فإن الأصل الأول هو ما علمْتَ»[12].
النموذج الخامس: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا *إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا}[النساء: 29-31].
تكلّم السياق على ذنبين كبيرين، وهما: قَتْل النفس، وأَكْل أموال الناس بالباطل. وأبرزَ عاقبة ذلك، ثم انتقل بعد ذلك انتقالًا آخر، حيث انتقل بعد ذلك لبيان موعظة عامة، فقال: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا}[النساء: 31]. وأتْبَعها كذلك بقوله: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}[النساء: 32].
ويبيّن ابن عاشور هاهنا علّة هذا الانتقال المفاجئ فيقول: «إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه... اعتراض ناسَب ذِكره بعد ذِكر ذنبَيْن كبيَرين: وهما قَتْل النفس، وأَكْل المال بالباطل. على عادة القرآن في التفنُّن من أسلوب إلى أسلوب، وفي انتهاز الفرص في إلقاء التشريع عقب المواعظ وعكسه»[13].
ونلاحظ هاهنا أنه إذا كان الحقّ -سبحانه وتعالى- يقدِّم أوامره العليا بما يراعِي أحوال المخاطَبِين وطبائع النفوس، فإنه في المنطق البشري أَولى، ولكن للأسف نجد نوعًا من الغِلظة في الخطاب والتقرير في الوصف عوض البناء المستوعب، بل يصل أحيانًا بحسن نية عند بعضٍ إلى أن يحصل الالتباس بين الوعيد الإلهي في الآخرة وإصدار الأحكام دون مراعاةٍ للمآلات.
النموذج السادس: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}[آل عمران: 154].
قال ابن عاشور: «وجملة: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}، رَدَّ عليهم هذا العذر الباطل، أي أنّ الله ورسوله غير محتاجَيْن إلى أمركم. والجملة معترضة... لقَّن الله رسوله الجواب عن قولهم: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا}. والجواب إبطالٌ لقولهم، وتعليمٌ للمؤمنين لدفعِ ما عسى أن يقع في نفوسهم من الرَّيب إذا سمعوا كلام المنافقين، أو هو جوابٌ للمنافقين ويحصل به علمٌ للمؤمنين؛ وفُصِلَت الجملة جريًا على حكاية المقاولة...
وهذا الجواب جارٍ على الحقيقة، وهي جريان الأشياء على قدَرٍ من الله والتسليم لذلك بعد استفراغ الجهد في مصادفة المأمول، فليس هذا الجواب ونظائره بمقتضٍ تَرْك الأسباب؛ لأنّ قدَر الله تعالى وقضاءه غير معلومَين لنا إلّا بعد الوقوع، فنحن مأمورون بالسعي فيما عساه أن يكون كاشفًا عن مصادفة قدَرِ الله لمأمولنا، فإِنِ استفرَغْنا جهودَنا وحُرِمْنا المأمول، علِمْنا أنّ قدر الله جرى من قبلُ على خلاف مرادنا. فأمّا تركُ الأسباب فليس من شأننا، وهو مخالف لما أراد الله منا، وإعراضٌ عمّا أقامنا الله فيه في هذا العالم وهو تحريف لمعنى القَدَر.
والمعنى: لو لم تكونوا هاهنا وكنتم في بيوتكم لخرج الذين كَتب الله عليهم أن يموتوا مقتولين فقُتِلوا في مضاجعهم التي اضطجعوا فيها يوم أحُد، أي: مصارعهم، فالمراد بقوله: {كُتِبَ}: قُدِّر، ومعنى {لَبَرَزَ}: خرَج إلى البَراز، وهو الأرض»[14].
ولننظر إلى هذه اللفتة التربوية من ابن عاشور وهذا التوجيه المنهجي الذي يجعل من عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر عامِلَ طمأنينة نفسية وراحة قلبية وباعثًا على العمل، وليس مقبولًا أن يُبرِّر الإنسان عجزه أو يُنيط تقصيره بأقدار الله؛ بل مطلوب منه العمل واتخاذ الأسباب واستفراغ الوُسع. ويندرج هذا ضمن اهتمامات الطاهر ابن عاشور بالفكر السُّنَني وقوانين الله الكونية والاجتماعية. يقول ابن عاشور في هذا السياق أيضًا: «فالرضا بالقضاء والقدر أدب إسلامي موقعه عند الأحوال التي يُغْلَب المسلم فيها على سعيه فيخيب فيه، أو عند الحوادث الخارجة عن مقدرة الإنسان، فمن الأدب الديني أن يرضى بذلك ولا يجزع، وهو ضربٌ من الصبر معلَّلٌ باعتقاد أن قدرة الله أكبر من كلّ مقدرة، فعدم تيسُّر المسبَّب مع السعي في الأسباب بدون تقصير يدلّ على أن الله لم تتعلّق إرادته بحصوله؛ لأنه عَلِم أنه غير كائن، فذلك معنى قوله في الحديث: (كلّ شيء بقضاء وقدر)، ونِعْم هو للرجل المسلم في حياته بحيث يكون مطمئنَّ البال عند المصائب، متأدِّبًا مع ربه، ملتفتًا إلى ما عسى أن يأتي من اليُسْر بعد العُسْر والفرج بعد الشدّة، فالرضا بالقضاء والقدر سلوة وعزاء للمؤمن لكي يذهب حرج نفسه عقب الخيبة أو عند حلول المصيبة، فهو أدبٌ خاصّ بنفس المؤمن، وليس هو عذر يعتذر به المقصر عند تقصيره، أو المستسلم في فشله»[15].
وما أحوجنا إلى استنبات هذه المعاني والدلالات في أُفق تحقيق الوعي الرشيد والمتوازن.
النموذج السابع: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا}[البقرة: 233].
قال ابن عاشور: «وجُمَل: {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} إلى قوله: {وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} معترضات بين جملة: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ}، وجملة: {وَعَلَى الْوَارِثِ}، فموقع جملة: {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} تعليل لقوله: {بِالْمَعْرُوفِ}، وموقع جملة: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ} إلى آخرها موقع التعليل أيضًا، وهو اعتراض يفيد أصولًا عظيمة للتشريع ونظام الاجتماع»[16].
قال الشيخ رشيد رضا:«ولو عمل المسلمون بهذه القواعد وأمثالها من أحكام الكتاب والسُّنة لكانوا أسعد الأمم في بيوتهم، ولَمَا وُجِد من أعدائهم ولا من زنادقتهم مَن يهذِي بإسناد ظلمِ النساء إلى الإسلام، أو حاجة المسلمين إلى تقليد غيرهم في شيء من إصلاح البيوت (العائلات)»[17].
النموذج الثامن: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}[الأحزاب: 50].
قال ابن عاشور: «وقوله: {إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} جملة معترضة بين جملة: {إِنْ وَهَبَتْ} وبين: {خَالِصَةً}، وليس مسوقًا للتقييد؛ إذ لا حاجة إلى ذِكر إرادته نكاحها، فإن هذا معلوم من معنى الإباحة، وإنما جيء بهذا الشرط لدفعِ توهُّم أن يكون قبوله هبتها نفسها له واجبًا عليه كما كان عُرْف أهل الجاهلية. وجوابه محذوف دلّ عليه ما قبله، والتقدير: (إنْ أراد أن يستنكحها فهي حلال له)، فهذا شرط مستقلّ وليس شرطًا في الشرط الذي قبله.والعُدول عن الإضمار في قوله: {إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ} بأن يقال: (إن أراد أن يستنكحها)؛ لِما في إظهار لفظ النبيّ من التفخيم والتكريم.وفائدةُ الاحتراز بهذا الشرط الثاني إبطالُ عادة العرب في الجاهلية، وهي أنهم كانوا إذا وهَبَت المرأة نفسها للرجل تعيَّن عليه نكاحُها ولم يَجُزْ له ردُّها، فأبطل الله هذا الالتزام بتخيير النبي -عليه الصلاة والسلام- في قبول هبة المرأة نفسها له وعدمه، وليرفع التعيير عن المرأة الواهبة بأنّ الردَّ مأذونٌ به»[18].
يظهر مما استنبطه ابن عاشور أن الجملة المعترضة الواردة في سياق الحديث عن حكم شرعي يمكن الاستناد إليها لترجيح دلالة حكم شرعي -الإباحة أو الندب أو الكراهة أو التحريم-، خصوصًا إذا استحضَرْنا احتمال خروج هذه الأحكام من معانيها الأصلية إلى معانٍ ثانوية.
النموذج الثامن:{وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ * اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ}[ص: 16، 17].
قال ابن عاشور: «إن قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ} قد أوردَت للمخاطب حيرة عن سبب هذا الذّكر الذي صِيغ في صورة الأمر، فأزال حيرته بالتركيب الاعتراضي: {إِنَّهُ أَوَّابٌ}، فالاعتراض بجملة: (إنَّ ومعموليها) إنما يكون مستفادًا من موقعها في السياق، واعلم أن هذا الاعتراض له فائدتان؛ أولهما: التوكيد، والثانية: الربط. حيث ترتبط جملتها بسابقتها فتأتلفان، ولو أُسقطت من الكلام لَـنَبا ما بعدها عمّا قبلها، فشتان الفارق بين وجود الجملة الاعتراضية: {إِنَّهُ أَوَّابٌ} في هذا النظم القرآني المحكم، وعدم وجودها[19].
نلاحظ هنا أن ابن عاشور في هذا المثال وهو يتحدّث عن الجملة الاعتراضية، استعمل كلمة: (السياق)، واستعمل: (النظم)، واستعمل: (الائتلاف والإحكام)، وهي مصطلحات لها دلالاتها في تحقيق انسجام الخطاب القرآني؛ لذلك ختمتُ بها النماذج المستعرضة.
نستشف من النماذج والأمثلة المسوقة أن الاعتراض ينطوي في كتاب الله على دلالات عظيمة ومكنونات نفيسة وهو ما سماه حبنكة الميداني: (التربية المعترضة)، وإن استحضار ذلك يجعل المعاني وإن تعدَّدت تصبّ في نفس الغاية وتستهدف نفس المقصد؛ لذا ينبغي للمتدبّر أن يكتشف الروابط الفكرية بين الجمل المقترنة ولو كان كلّ منها يتحدّث عن حقيقة من الحقائق منفصلة في الظاهر عن الحقيقة الأخرى التي جاءت مقترنة بها في اللفظ... ولا يخفى ارتباط الجملة أو الجمل القرآنية بسائر عناصر النصّ التي هي جزء منه إلّا في نحو (التربية المعترضة)... كما يربِّي المعلم الطالب ضمن درس من العلم فينهاه أو يأمره، حول واجب من واجبات المتعلم، أو طريقة من طرق التعلم، ثم يستمر معه في متابعة درسه الذي يُلقيه عليه[20].
خاتمة:
نتوصل من خلال ما تم تحريره آنفًا إلى أن مراعاة التركيب عند ابن عاشور مكَّنته من التماس الانسجام في الخطاب القرآني، موظفًا الاستئناف البياني والجملة المعترضة باعتبارهما أدوات ناجعة في نَيل تلك الطلبة، وتحقيق تلك البغية، وهو مسلك مهم في بيان اتساق النظم القرآني وتماسك خطابه، يحتاج لدراسات موسّعة عند ابن عاشور لبيان كيف استثمره وكيف وظَّفه، وطبيعة الإلمحات التي خرج بها من هذا التوظيف في بيان روعة التركيب في الخطاب القرآني.
كما أن هذا المسلك -كما رأينا في ثنايا كلام ابن عاشور- يسهم كذلك في تملُّك الصنعة في ميدان التفسير، ويسعف في تجديد الفهم بضوابط مكينة، ويساعد على النقد الرصين والاستدراك المسؤول على ما سلف أو جدَّ من أقوال، بحيث توزن بميزان العلم وقواعده المنهجية.
ومنه، فإنّ الباحث في العلوم الشرعية لا بد له من تحصيل مادة لغوية واسعة، ويحصل ذلك من خلال التمرس على الأساليب المختلفة مع الشواهد والتطبيقات؛ لأن المباحث اللغوية خصوصًا جانب البيان لا يطاوِع إلّا مَن وصل إلى مرتبة تذوُّقه، مما يجعل المعاني تنساب والدلالات تشفُّ عمّا تنطوي عليه الآيات من أسرار ودقائق.
كما نستنتج أن العكوف على المظان العلمية المؤسّسة من شأنه أن يسهم أيضًا في اكتساب الملَكة التي تعدُّ أهم ما يفضي إلى الإنتاجية، بدل اجترار ما تم تحصيله دون إضافة نوعية، ومن هذه المظان المعتبرة: (التحرير والتنوير) الذي وإن كان مؤلِّفُه معاصرًا، لكن أسلوبه بالمناهج القديمة ألصقُ؛ باعتبار الرصانة في العبارة، والعمق في التحقيق، والنّفَس الطويل، والشخصية العلميّة البارزة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* موقع تفسير: (https://2u.pw/a9zzt).
[1] تُراجَع المقالتان الأولى والثانية على هذين الرابطين:
- الأولى: tafsir.net/article/5268
- الثانية: tafsir.net/article/5270.
[2] الوظائف التركيبية للجملة المعترضة بين لفظين مفردين في القرآن الكريم، نور الدين عبد الجليل العواودة (تحليل لساني). بحث مرقون. ص268.
[3] مفاهيم ومواقف في اللغة والقرآن، تمام حسان، ص336.
[4] التحرير والتنوير، (1/ 81، 82).
[5] نحو النص، اتجاه جديد في الدرس النحوي، أحمد عفيف، ص63.
[6] التحرير والتنوير، (20/ 48).
[7] التحرير والتنوير، (20/ 48) وما بعدها.
[8] الخطاب القرآني ومناهج التأويل، عبد الرحمن بودرع، ص24.
[9] التحرير والتنوير، (14/ 119).
[10] التحرير والتنوير، (14/ 145).
[11] التحرير والتنوير، (2/ 456).
[12] تفسير المنار، (5/ 361).
[13] التحرير والتنوير، (5/ 26).
[14] التحرير والتنوير، (4/ 138).
[15] أصول النظام الاجتماعي، (ص126).
[16] التحرير والتنوير، (2/ 432).
[17] تفسير المنار، (1/ 100).
[18] التحرير والتنوير، (70/ 22).
[19] الجملة الاعتراضية في سورة (ص) بين الموقع والدلالة، مخزوم عليّ الفرجاني، مجلة الجامعة الأسمرية (عدد 26/ سنة 13).
[20] قواعد التدبر الأمثل، (ص15، 16).مراعاة التركيب وأثره في بيان انسجام نظم القرآن ابن عاشور أنموذجًا (3-3) الكاتب : مصطفى فاتيحي سبق معنا بيان أهمية مراعاة التركيب في فهم انسجام خطاب النصّ وحفظه من التعارض والانقطاع الدلالي. وقد مرّ معنا فرط عناية ابن عاشور بمراعاة التركيب في تفسيره للقرآن الكريم واعتنائه البالغ بتحليل الاستئناف البياني وإثبات تحقّق تماسك النصّ والدلالات من خلاله[1]، وفي هذه المقالة سنحاول بيان الأثر العلمي للاهتمام بالتركيب البياني عند ابن عاشور في بيان تماسك الخطاب في النصّ القرآني من خلال تسليط الضوء على تحليلاته للجملة المعترضة وتوظيفها في هذا الصدد، وبيانه على النحو الآتي: الجملة المعترضة؛ مدخل عامّ: قال الشيخ خالد بن عبد الله الأزهري في شرحه المسمَّى (موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب) -والشرح ممزوج بالمتن المشروح-: «الجملة الثالثة: المعترضة بين شيئين متلازمين، وهي إمّا للتسديد (بالسين المهملة)، أي: التقوية، أو التبيين وهو الإيضاح. ولا يعترض بها إلّا بين الأجزاء المنفصل بعضها من بعض، المقتضي كلّ منهما الآخر: فتقع بين الفعل وفاعله...، أو مفعوله...، وبين المبتدأ والخبر...، أو ما هما أصلُه...، وبين الشرط وجوابه...، وبين أجزاء الصلة...، وبين المجرور وجارّه...، وبين الحرف وتوكيده...، وبين قد والفعل...، وبين الحرف ومَنْفِيِّه...، وبين القسَم وجوابه، والموصوف وصفته...» إلخ. ثم قال: «ويجوز الاعتراض بأكثر من جملة، خلافًا لأبي عليّ الفارسي في منعه من ذلك. ومن الاعتراض بأكثر من جملة قوله تعالى: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ}[آل عمران: 36]، فالجملة الاسمية هي: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} بإسكان التاء، والفعلية هي: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} معترضتان بين الجملتين المصدَّرتين بإني...» إلخ. ولذلك فما قيل عن الاستئناف البياني من ضبط للمعنى وتحقيق تناسقه، يقال عن الجملة الاعتراضية، ذلك أن «النظر الوظيفي في التركيب يستدعي استحضار فكرة الأصل والفرع في النحو العربي، تلك الفكرة التي أسهمت إسهامًا واضحًا في ردّ الأداءات اللغوية، ذلك لتقعيد اللغة وضبط تطوّراتها، وبالنسبة للتركيب المعترض خصوصًا، فدخوله على الرسالة اللغوية فاصلًا بين ما حقّه الارتباط يعدّ مظهرًا من مظاهر الفرع الناتج عن الأصل؛ إذ الأصل اكتمال أركان الجملة، ثم الانتقال إلى جملة أخرى، بينما يأتي التركيب المعترض ليخرج بفرع من ذلك الأصل، وما نتج هذا الفرع إلّا لوظيفة تواصلية قادت المبدع إلى إنتاج أداءات خالفت الأصل، لتصبح أصلًا مستقلًّا بذاته»[2]. وللاعتراض وظيفة بلاغية، هي: المبادرة بإبلاغ معنى قد يرِد على الكلام بدونه مما لا يرِد عليه في وجوده[3]. يقول ابن عاشور: «إنّ الغرض الأكبر للقرآن هو إصلاح الأمة بأسرها، فإصلاح كفّارها بدعوتهم إلى الإيمان ونبذ العبادة الضالة واتباع الإيمان والإسلام، وإصلاح المؤمنين بتقويم أخلاقهم وتثبيتهم على هداهم وإرشادهم إلى طرق النجاح وتزكية نفوسهم؛ ولذلك كانت أغراضه مرتبطة بأحوال المجتمع في مدّة الدعوة، فكانت آيات القرآن مستقلًّا بعضها عن بعض؛ لأن كلّ آية منه ترجع إلى غرض الإصلاح والاستدلال عليه، وتكميله وتخليصه من تسرّب الضلالات إليه، فلم يلزم أن تكون آياته متسلسلة، ولكن حال القرآن كحال الخطيب يتطرّق إلى معالجة الأحوال الحاضرة على اختلافها، وينتقل من حال إلى حال بالمناسبة؛ ولذلك تكثر في القرآن الجمل المعترضة لأسباب اقتضت نزولها أو بدون ذلك، فإن كلّ جملة تشتمل على حكمة وإرشاد، أو تقويم معوجّ، كقوله: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} إلى قوله: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ}[آل عمران: 72، 73]. فقوله: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} جملة معترضة»[4]. إذن، ينبّه ابن عاشور إلى ضرورة أخذ طبيعة تنزل القرآن، ومراميه التربوية ومعالجته للواقع، في بيان سبب إكثار النصّ من استعمال الجمل الاعتراضية من ناحية، وكذلك من أجل تحديد الجمل الاعتراضية لتلمس المعاني والتوجيهات والإرشادات القرآنية، وتحقيق القصد التربوي من ناحية أخرى. فمنهج القرآن في الإصلاح والتربية والتغيير ومعالجة قضايا الواقع والتفاعل معها يستوجب هذا التنقل من معنى إلى آخر، والجمع في الآية الواحدة بين أغراض متعدّدة، وأساليب متنوعة يقتضيها المقام وأحوال المتلقِّين. ومنه ينبغي أن لا نغفل عن دور الجملة المعترضة في التأثير على دلالة النصّ، فهي جزء من النصّ الذي هو عبارة عن مجموعة جمل ترتبط وتشترك فيما بينها في أمرين: أمر السبك وهو الربط اللغوي، وأمر الحبك وهو الربط الدلالي والانسجام[5]. وفيما يلي نبيّن كيف تعمّق ابن عاشور في تحليل الجملة الاعتراضية في القرآن وبيان كيفية انسجام النظم من خلالها. النموذج الأول: قول الله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ}[النمل: 88]. يقول ابن عاشور: «الذي قاله جمهور المفسرين أن الآية حكت حادثًا يحصل يوم يُنفخ في الصور، فجعلوا قوله: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} عطفًا على: {يُنْفَخُ فِي الصُّورِ}[النمل: 87]،أي: ويوم ترى الجبال تحسبها جامدة...إلخ. وجعلوا الرؤية بصرية، و{مَرَّ السَّحَابِ} تشبيهًا لتنقُّلِها بمر السحاب في السرعة، وجعلوا اختيار التشبيه بمرور السحاب مقصودًا منه إدماج تشبيه حال الجبال حين ذلك المرور بحال السحاب في تخلخل الأجزاء وانتفاشها، فيكون من معنى قوله: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ}[القارعة: 5]، وجعلوا الخطاب في قوله: (وترى) لغير معيّن، ليعمَّ كلَّ مَن يَرى، وجعلوا معنى هذه الآية في معنى قوله تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ}[الكهف: 47]، فلما أشكل أن هذه الأحوال تكون قبل يوم الحشر؛ لأنّ الآيات التي ورَد فيها ذِكْرُ دكِّ الجبال ونسفِها تشير إلى أن ذلك في انتهاء الدنيا عند القارعة وهي النفخة الأولى أو قُبيلها، فأجابوا بأنها تندكُّ حينئذ ثم تُسيَّر يوم الحشر... ولا يخفى على الناقد البصير بُعد هذه التأويلات[6]. وبعد أن عرض ابن عاشور مجمل أقوال المفسرين توسع في تَعقُّبها بقوله: «وليس في كلام المفسرين شفاء لبيان اختصاص هذه الآية بأنّ الرائي يحسب الجبال جامدة، ولا بيان وجه تشبيه سيرها بسير السحاب، ولا توجيه التذييل بقوله تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}[النمل: 88]؛ فلذلك كان لهذه الآية وضعٌ دقيقٌ، ومعنًى بالتأمل خليقٌ، فوَضْعُها أنها وقعَتْ موقع الجملة المعترضة بين المجمَل وبيانه من قوله: {فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ}[النمل: 87]، إلى قوله: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}[النمل: 89]، بأن يكون مِن تَخلُّلِ دليلٍ على دقيقِ صنعِ الله تعالى في أثناء الإنذار والوعيد؛ إدماجًا وجمعًا بين استدعاءٍ للنظر، وبين الزواجر والنُّذُر...، وجملة: {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ}[النمل: 87] معترضة بينهما؛ لمناسبة ما في الجملة المعطوف عليها من الإيماء إلى تمثيل الحياة بعد الموت، ولكن هذا استدعاء لأهل العلم والحكمة لتتوجّه أنظارهم إلى ما في الكون من دقائق الحكمة وبديع الصنعة. وهذا من العلم الذي أُودع في القرآن ليكون معجزة من الجانب العلمي يدركها أهل العلم، كما كان معجزة للبلغاء من جانبه النظمي. وجملة: {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ}[النمل: 88]، تذييل أو اعتراض في آخر الكلام، للتذكير والوعظ والتحذير، عقب قوله: {الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}[النمل: 88]؛ لأن إتقان الصنع أثر من آثار سعة العلم، فالذي بعلمه أتقن كلّ شيء هو خبير بما يفعل الخلق، فليحذروا أن يخالفوا عن أمره»[7]. وإذا كان شأن الاستئناف البياني عند ابن عاشور كما وصفنا وبينَّا، فإنّ شأن الجملة المعترضة كذلك أيضًا، ويتضح الأمر عند التأمل في الآية المذكورة. وحاصله أن الآية وإن جاءت بعد الحديث عن النفخ في الصور، إلّا أن استحضار كونها جملة معترضة، جعل ابن عاشور ينصرف إلى مضامين أكثر اتساعًا، كالذي عبر عنه «بما في الكون من دقائق الحكمة وبديع الصنعة»، ومثل ذلك كثير في القرآن الكريم عند الحديث عن أحوال اليوم الآخر، فتُذكر بعض الظواهر الطبيعة في سياق بيان قدرة الله. ورغم وجاهة استدراك ابن عاشور، إلّا أنه يمكن تسجيل ملحوظة تتعلّق بأنه ما كان هو نفسه أن يستنتج ذلك المعنى لولا أنه كان على دراية بما أصبح في الوقت الراهن من البديهيات هو دوران الأرض. ولذلك، «فإن النصّ القرآني كتاب الزمن كلّه والمكان كلّه، والمفسر ابن عصره، فهو ليس بنصِّ عصرٍ أو جيلٍ أو مصرٍ ثم ينتهي بانتهائه، وهو غير قابل للتأقيت؛ لأنه يتضمّن كلمات الله الباقية وهدايته المستمرة»[8]. وكلمات الله جاءت على سنن العربية وأساليبها وأفانين القول فيها، ولا ريب أن الجملة المعترضة من ذلك الباب، وهي التي سمحت بالتقاط هذا المعنى الذي ذهب إليه ابن عاشور، فلم يَنْبُ عنه اللفظ أو السياق أو المعطى العلمي، بل كلّها عناصر تتضافر وتتكامل لإفادة المعنى وانسجام الدلالات، كما بينّا قبلُ مِن تلازُم العلاقة بين فهم التركيب والسياق، وأنّ كلًّا منهما يفضي لحسن الفهم للآخر. النموذج الثاني: قول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[النحل: 14]. قال ابن عاشور: «وجملة: {وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ} معترضة بين الجمل المتعاطفة مع إمكان العطف لقصد مخالفة الأسلوب للتعجيب من تسخير السير في البحر، باستحضار الحالة العجيبة بواسطة فعل الرؤية. وهو يستعمل في التعجيب كثيرًا بصيغ كثيرة، نحو: ولو ترى! وأرأيت! وماذا تَرى! واجتلاب فعل الرؤية في أمثاله يفيد الحثّ على معرفة ذلك، فهذا النظم للكلام لإفادة هذا المعنى، ولولاها لكان الكلام هكذا: وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وتبتغوا من فضله في فُلْكٍ مَواخِرَ»[9]. يُستفاد مما ذكَر ابن عاشور أن وقوع جملة: {وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ} معترضة من شأنه أن يدفع إلى ضرورة إعمال النظر وإجالة الفكر في صنع الله ونِعمه العظيمة؛ لأن ذلك الاعتراض يوقف القارئ لبرهة ليرى بعمق وينظر برويَّة، فهو بمثابة المنبّه الذي يأخذ بتلابيب المتدبر لكي لا تكون قراءته عابرة ومروره عاديًّا. وما كان لهذا أن يحصل لولا الجملة الاعتراضية، التي تضفي على تتابع الجمل وتركيبها معاني ثـرَّة ودلالات جمَّة. النموذج الثالث: قول الله تعالى:{الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}[النحل: 32-34]. كان سياق الكلام قبلُ عن أحوال المتقين وما أعدّ الله لهم في جناته، حيث قال تعالى: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ}[النحل: 30، 31]، وبعد ذلك ختَم بأن هؤلاء المؤمنين {طَيِّبِينَ} وأنّ جزاءهم هو دخول الجنة بخلاف مَن سبق الحديث عنهم من الكافرين في سياق الآيات. ومن هاهنا فإن انتقال الحديث بعد ذلك لـ{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}[النحل: 33، 34]، قد يمثل إشكالًا في اتساق النظم. وقد حلّل ابن عاشور هذا التركيب مبينًا اتساق الكلام به، حيث بيّن أولًا أن {هَلْ يَنْظُرُونَ...} عبارة عن «استئناف بياني ناشئ عن جملة: قد مكر الذين من قبلهم [سورة الرعد: 42]؛ لأنها تثير سؤالَ من يسأل عن إبّانِ حُلول العذاب على هؤلاء كما حلّ بالذين من قبلهم، فقيل: ما ينظرون إلّا أحد أمرين؛ هما مجيء الملائكة لقبض أرواحهم فيحقّ عليهم الوعيد المتقدِّم، أو أن يأتي أمرُ الله. والمراد به الاستئصال المعرَّض بالتهديد في قوله: {فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ}[سورة النحل: 26]. والاستفهام إنكاري في معنى النفي؛ ولذلك جاء بعده الاستثناء»[10]. وأمّا بقية الآية بعدها فقد بيّنَ اتساق نظمها كالتالي: «{وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}: هذه جملة معترضة بين جملة: {الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}[النحل: 33]، وجملة: {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا}. ووجه هذا الاعتراض أن التعرُّض إلى ما فعله الذين من قبلهم يشير إلى ما كان مِن عاقبتهم وهو استئصالهم، فعُقِّب بقوله تعالى: {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ}، أي: فيما أصابهم»، ثم قال بعد ذلك: «ولمّا كان هذا الاعتراض مشتملًا على أنهم ظلموا أنفسهم صار تفريع {فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا} عليه أو على ما قبله. وهو أسلوب من نظم الكلام عزيز، وتقديرُ أصله: (كذلك فعل الذين من قبلهم وظلموا أنفسهم فأصابهم سيئات ما عملوا وما ظلمهم الله). ففي تغيير الأسلوب المتعارَف تشويقٌ إلى الخبر، وتهويل له بأنهم ظلموا أنفسهم، وأن الله لم يظلمهم، فيتَرقَّب السامع خبرًا مُفظِعًا، وهو: {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا}». وهكذا استطاع ابن عاشور ببراعة أن يبين اتساق النظم، وذلك من خلال الاستئناف البياني والذي عالجناه في مقالتنا السابقة، وكذا من خلال الجملة المعترضة وتحليل وضعيتها في الجملة. ونلاحظ أنه عندما يستنتج ابن عاشور إرادة التشويق والتهويل بالنظر إلى موقع الجملة المعترضة، نفهم أن من أغراض الاعتراض العناية بالأساليب المؤثرة في المتلقي، من خلال مراعاة مستويات الخطاب من حيث التنوّع والتدرّج وحال المخاطَبِين. وأنّ تركيب الجمل يتضمّن أبعادًا نفسية تأتي على مقتضى عمق المعنى المراد إيصاله، والذي لا يمكن أن يُحْدِث التأثير المنشود ويقع في النفس موقعًا بليغًا لو أُلْقِي بطريق تقريري مباشر. النموذج الرابع: قول الله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}[البقرة: 238]. إدراكًا من ابن عاشور أنَّ تطلُّب المناسبة أمرٌ نسبي تختلف فيه الأنظار حاوَل الفرش من بعيد حتى يصل إلى المبتغَى في هذا الموضع، فقال: «الانتقال من غرض إلى غرض في آي القرآن، لا تلزم له قوة ارتباط؛ لأن القرآن ليس كتاب تدريس يرتَّب بالتبويب وتفريعِ المسائل بعضها على بعض، ولكنه كتاب تذكير وموعظة، فهو مجموع ما نزَل من الوحي في هَدْي الأمة وتشريعها وموعظتها وتعليمها، فقد يُجْمَع فيه الشيء للشيء من غير لزوم ارتباط وتفرُّع مناسبة، وربما كفى في ذلك نزول الغرض الثاني عقب الغرض الأول، أو تكون الآية مأمورًا بإلحاقها بموضع معيّن من إحدى سور القرآن، ولا يخلو ذلك من مناسبة في المعاني، أو في انسجام نظم الكلام، فلعلّ آية: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} نزلت عقب آيات تشريع العِدّة والطلاق؛ لسبب اقتضى ذلك: من غفلةٍ عن الصلاة الوسطى، أو استشعار مشقّة في المحافظة عليها؛ فموقع هذه الآية موقع الجملة المعترضة بين أحكام الطلاق والعدد...، فالظاهر أنه لمّا طال تبيان أحكام كثيرة متوالية؛ ابتداء من قوله: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ}[البقرة: 215]، جاءت هذه الآية مرتبطة بالتذييل الذي ذُيِّلَت به الآية السابقة، وهو قوله: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}[البقرة: 237]، فإن الله دعانا إلى خُلق حميد، وهو العفو عن الحقوق، ولمّا كان ذلك الخُلق قد يعسُر على النفس، لِما فيه مِن تركِ ما تحبه من الملائم، من مال وغيره؛ كالانتقام من الظالم، وكان في طباع الأنفس الشُّح، علَّمنا الله تعالى دواء هذا الداء بدواءين: أحدهما: دنيوي عقلي، وهو قوله: {وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} المذكِّر بأنّ العفو يقرِّب إليك البعيد، ويصير العدوّ صديقًا، وإنك إنْ عفوتَ فيوشك أن تقترف ذنبًا فيُعفى عنك إذا تعارف الناس الفضل بينهم، بخلاف ما إذا أصبحوا لا يتنازلون عن الحقّ. الدواء الثاني: أخروي روحاني، وهو الصلاة التي وصفها الله تعالى في آية أخرى بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، فلما كانت مُعِينة على التقوى ومكارم الأخلاق، حث الله على المحافظة عليها. ولك أن تقول: لمّا طال تعاقُب الآيات المبيِّنة تشريعاتٍ تغلب فيها الحظوظ الدنيوية للمكلَّفين، عُقِّبَت تلك التشريعات بتشريع تغلب فيه الحظوظ الأخروية، لكي لا يشتغل الناس بدراسة أحد الصنفين من التشريع عن دراسة الصنف الآخر»[11]. نفيد مما ذكَر ابن عاشور أن الجملة المعترضة هنا تعدّ جملة مؤسسة لارتباط الأحكام الشرعية بالتربية القيمية والخلقية، وأن داعي الوازع الديني يجعل النفوس تنقاد لِما يُطْلَب منها، وتسارع إلى العمل به دون تلكُّؤ. وفي ضوء ذلك يمكن أن نصحّح كثيرًا من المناهج التربوية التي يطغى فيها جانب على آخر فتختلّ الموازين، وكذا بعض الأقوال الفقهية أو الاختيارات المذهبية التي تقدَّم بشكل جاف يفتقد للندَى الإيماني والحسّ القِيَمِي والبناء الفكري؛ لأن تعديل السلوك الإنساني عملية معقدة ومركبة. قال الشيخ رشيد رضا: «لأن المقصد الأول من القرآن هو الهداية بأن تكون تلاوته عظة وذكرى وعِبرة ينمَّى بها الإيمان والمعرفة بالله -عز وجل-، وبسُنّته في خلقه، وحكمته في عبادته، ويقوَّى بها شعور التعظيم والحب له، وتزيد الرغبة في الخير والحرص على التزام الحقّ، ولو طال سردُ الآيات في موضع واحد -ولا سيما موضوع أحكام المعاملات البشرية- لملَّ القارئ لها في الصلاة وغير الصلاة، أو غلب على قلبه التفكر في جزئياتها ووقائعها، فيفوت بذلك المقصد الأول، والمطلوب الذي عليه المعوَّل، وحَسْبُ طُلّاب الأحكام المفصَّلة فيه أن يرجعوا إليها عند الحاجة في الآيات المتفرقة والسور المتعددة، ولا يجعلوها هي الأصل المقصود من التلاوة في الصلاة وللتعبد في غير الصلاة، فإن الأصل الأول هو ما علمْتَ»[12]. النموذج الخامس: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا *إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا}[النساء: 29-31]. تكلّم السياق على ذنبين كبيرين، وهما: قَتْل النفس، وأَكْل أموال الناس بالباطل. وأبرزَ عاقبة ذلك، ثم انتقل بعد ذلك انتقالًا آخر، حيث انتقل بعد ذلك لبيان موعظة عامة، فقال: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا}[النساء: 31]. وأتْبَعها كذلك بقوله: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}[النساء: 32]. ويبيّن ابن عاشور هاهنا علّة هذا الانتقال المفاجئ فيقول: «إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه... اعتراض ناسَب ذِكره بعد ذِكر ذنبَيْن كبيَرين: وهما قَتْل النفس، وأَكْل المال بالباطل. على عادة القرآن في التفنُّن من أسلوب إلى أسلوب، وفي انتهاز الفرص في إلقاء التشريع عقب المواعظ وعكسه»[13]. ونلاحظ هاهنا أنه إذا كان الحقّ -سبحانه وتعالى- يقدِّم أوامره العليا بما يراعِي أحوال المخاطَبِين وطبائع النفوس، فإنه في المنطق البشري أَولى، ولكن للأسف نجد نوعًا من الغِلظة في الخطاب والتقرير في الوصف عوض البناء المستوعب، بل يصل أحيانًا بحسن نية عند بعضٍ إلى أن يحصل الالتباس بين الوعيد الإلهي في الآخرة وإصدار الأحكام دون مراعاةٍ للمآلات. النموذج السادس: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}[آل عمران: 154]. قال ابن عاشور: «وجملة: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}، رَدَّ عليهم هذا العذر الباطل، أي أنّ الله ورسوله غير محتاجَيْن إلى أمركم. والجملة معترضة... لقَّن الله رسوله الجواب عن قولهم: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا}. والجواب إبطالٌ لقولهم، وتعليمٌ للمؤمنين لدفعِ ما عسى أن يقع في نفوسهم من الرَّيب إذا سمعوا كلام المنافقين، أو هو جوابٌ للمنافقين ويحصل به علمٌ للمؤمنين؛ وفُصِلَت الجملة جريًا على حكاية المقاولة... وهذا الجواب جارٍ على الحقيقة، وهي جريان الأشياء على قدَرٍ من الله والتسليم لذلك بعد استفراغ الجهد في مصادفة المأمول، فليس هذا الجواب ونظائره بمقتضٍ تَرْك الأسباب؛ لأنّ قدَر الله تعالى وقضاءه غير معلومَين لنا إلّا بعد الوقوع، فنحن مأمورون بالسعي فيما عساه أن يكون كاشفًا عن مصادفة قدَرِ الله لمأمولنا، فإِنِ استفرَغْنا جهودَنا وحُرِمْنا المأمول، علِمْنا أنّ قدر الله جرى من قبلُ على خلاف مرادنا. فأمّا تركُ الأسباب فليس من شأننا، وهو مخالف لما أراد الله منا، وإعراضٌ عمّا أقامنا الله فيه في هذا العالم وهو تحريف لمعنى القَدَر. والمعنى: لو لم تكونوا هاهنا وكنتم في بيوتكم لخرج الذين كَتب الله عليهم أن يموتوا مقتولين فقُتِلوا في مضاجعهم التي اضطجعوا فيها يوم أحُد، أي: مصارعهم، فالمراد بقوله: {كُتِبَ}: قُدِّر، ومعنى {لَبَرَزَ}: خرَج إلى البَراز، وهو الأرض»[14]. ولننظر إلى هذه اللفتة التربوية من ابن عاشور وهذا التوجيه المنهجي الذي يجعل من عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر عامِلَ طمأنينة نفسية وراحة قلبية وباعثًا على العمل، وليس مقبولًا أن يُبرِّر الإنسان عجزه أو يُنيط تقصيره بأقدار الله؛ بل مطلوب منه العمل واتخاذ الأسباب واستفراغ الوُسع. ويندرج هذا ضمن اهتمامات الطاهر ابن عاشور بالفكر السُّنَني وقوانين الله الكونية والاجتماعية. يقول ابن عاشور في هذا السياق أيضًا: «فالرضا بالقضاء والقدر أدب إسلامي موقعه عند الأحوال التي يُغْلَب المسلم فيها على سعيه فيخيب فيه، أو عند الحوادث الخارجة عن مقدرة الإنسان، فمن الأدب الديني أن يرضى بذلك ولا يجزع، وهو ضربٌ من الصبر معلَّلٌ باعتقاد أن قدرة الله أكبر من كلّ مقدرة، فعدم تيسُّر المسبَّب مع السعي في الأسباب بدون تقصير يدلّ على أن الله لم تتعلّق إرادته بحصوله؛ لأنه عَلِم أنه غير كائن، فذلك معنى قوله في الحديث: (كلّ شيء بقضاء وقدر)، ونِعْم هو للرجل المسلم في حياته بحيث يكون مطمئنَّ البال عند المصائب، متأدِّبًا مع ربه، ملتفتًا إلى ما عسى أن يأتي من اليُسْر بعد العُسْر والفرج بعد الشدّة، فالرضا بالقضاء والقدر سلوة وعزاء للمؤمن لكي يذهب حرج نفسه عقب الخيبة أو عند حلول المصيبة، فهو أدبٌ خاصّ بنفس المؤمن، وليس هو عذر يعتذر به المقصر عند تقصيره، أو المستسلم في فشله»[15]. وما أحوجنا إلى استنبات هذه المعاني والدلالات في أُفق تحقيق الوعي الرشيد والمتوازن. النموذج السابع: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا}[البقرة: 233]. قال ابن عاشور: «وجُمَل: {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} إلى قوله: {وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} معترضات بين جملة: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ}، وجملة: {وَعَلَى الْوَارِثِ}، فموقع جملة: {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} تعليل لقوله: {بِالْمَعْرُوفِ}، وموقع جملة: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ} إلى آخرها موقع التعليل أيضًا، وهو اعتراض يفيد أصولًا عظيمة للتشريع ونظام الاجتماع»[16]. قال الشيخ رشيد رضا:«ولو عمل المسلمون بهذه القواعد وأمثالها من أحكام الكتاب والسُّنة لكانوا أسعد الأمم في بيوتهم، ولَمَا وُجِد من أعدائهم ولا من زنادقتهم مَن يهذِي بإسناد ظلمِ النساء إلى الإسلام، أو حاجة المسلمين إلى تقليد غيرهم في شيء من إصلاح البيوت (العائلات)»[17]. النموذج الثامن: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}[الأحزاب: 50]. قال ابن عاشور: «وقوله: {إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} جملة معترضة بين جملة: {إِنْ وَهَبَتْ} وبين: {خَالِصَةً}، وليس مسوقًا للتقييد؛ إذ لا حاجة إلى ذِكر إرادته نكاحها، فإن هذا معلوم من معنى الإباحة، وإنما جيء بهذا الشرط لدفعِ توهُّم أن يكون قبوله هبتها نفسها له واجبًا عليه كما كان عُرْف أهل الجاهلية. وجوابه محذوف دلّ عليه ما قبله، والتقدير: (إنْ أراد أن يستنكحها فهي حلال له)، فهذا شرط مستقلّ وليس شرطًا في الشرط الذي قبله.والعُدول عن الإضمار في قوله: {إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ} بأن يقال: (إن أراد أن يستنكحها)؛ لِما في إظهار لفظ النبيّ من التفخيم والتكريم.وفائدةُ الاحتراز بهذا الشرط الثاني إبطالُ عادة العرب في الجاهلية، وهي أنهم كانوا إذا وهَبَت المرأة نفسها للرجل تعيَّن عليه نكاحُها ولم يَجُزْ له ردُّها، فأبطل الله هذا الالتزام بتخيير النبي -عليه الصلاة والسلام- في قبول هبة المرأة نفسها له وعدمه، وليرفع التعيير عن المرأة الواهبة بأنّ الردَّ مأذونٌ به»[18]. يظهر مما استنبطه ابن عاشور أن الجملة المعترضة الواردة في سياق الحديث عن حكم شرعي يمكن الاستناد إليها لترجيح دلالة حكم شرعي -الإباحة أو الندب أو الكراهة أو التحريم-، خصوصًا إذا استحضَرْنا احتمال خروج هذه الأحكام من معانيها الأصلية إلى معانٍ ثانوية. النموذج الثامن:{وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ * اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ}[ص: 16، 17]. قال ابن عاشور: «إن قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ} قد أوردَت للمخاطب حيرة عن سبب هذا الذّكر الذي صِيغ في صورة الأمر، فأزال حيرته بالتركيب الاعتراضي: {إِنَّهُ أَوَّابٌ}، فالاعتراض بجملة: (إنَّ ومعموليها) إنما يكون مستفادًا من موقعها في السياق، واعلم أن هذا الاعتراض له فائدتان؛ أولهما: التوكيد، والثانية: الربط. حيث ترتبط جملتها بسابقتها فتأتلفان، ولو أُسقطت من الكلام لَـنَبا ما بعدها عمّا قبلها، فشتان الفارق بين وجود الجملة الاعتراضية: {إِنَّهُ أَوَّابٌ} في هذا النظم القرآني المحكم، وعدم وجودها[19]. نلاحظ هنا أن ابن عاشور في هذا المثال وهو يتحدّث عن الجملة الاعتراضية، استعمل كلمة: (السياق)، واستعمل: (النظم)، واستعمل: (الائتلاف والإحكام)، وهي مصطلحات لها دلالاتها في تحقيق انسجام الخطاب القرآني؛ لذلك ختمتُ بها النماذج المستعرضة. نستشف من النماذج والأمثلة المسوقة أن الاعتراض ينطوي في كتاب الله على دلالات عظيمة ومكنونات نفيسة وهو ما سماه حبنكة الميداني: (التربية المعترضة)، وإن استحضار ذلك يجعل المعاني وإن تعدَّدت تصبّ في نفس الغاية وتستهدف نفس المقصد؛ لذا ينبغي للمتدبّر أن يكتشف الروابط الفكرية بين الجمل المقترنة ولو كان كلّ منها يتحدّث عن حقيقة من الحقائق منفصلة في الظاهر عن الحقيقة الأخرى التي جاءت مقترنة بها في اللفظ... ولا يخفى ارتباط الجملة أو الجمل القرآنية بسائر عناصر النصّ التي هي جزء منه إلّا في نحو (التربية المعترضة)... كما يربِّي المعلم الطالب ضمن درس من العلم فينهاه أو يأمره، حول واجب من واجبات المتعلم، أو طريقة من طرق التعلم، ثم يستمر معه في متابعة درسه الذي يُلقيه عليه[20]. خاتمة: نتوصل من خلال ما تم تحريره آنفًا إلى أن مراعاة التركيب عند ابن عاشور مكَّنته من التماس الانسجام في الخطاب القرآني، موظفًا الاستئناف البياني والجملة المعترضة باعتبارهما أدوات ناجعة في نَيل تلك الطلبة، وتحقيق تلك البغية، وهو مسلك مهم في بيان اتساق النظم القرآني وتماسك خطابه، يحتاج لدراسات موسّعة عند ابن عاشور لبيان كيف استثمره وكيف وظَّفه، وطبيعة الإلمحات التي خرج بها من هذا التوظيف في بيان روعة التركيب في الخطاب القرآني. كما أن هذا المسلك -كما رأينا في ثنايا كلام ابن عاشور- يسهم كذلك في تملُّك الصنعة في ميدان التفسير، ويسعف في تجديد الفهم بضوابط مكينة، ويساعد على النقد الرصين والاستدراك المسؤول على ما سلف أو جدَّ من أقوال، بحيث توزن بميزان العلم وقواعده المنهجية. ومنه، فإنّ الباحث في العلوم الشرعية لا بد له من تحصيل مادة لغوية واسعة، ويحصل ذلك من خلال التمرس على الأساليب المختلفة مع الشواهد والتطبيقات؛ لأن المباحث اللغوية خصوصًا جانب البيان لا يطاوِع إلّا مَن وصل إلى مرتبة تذوُّقه، مما يجعل المعاني تنساب والدلالات تشفُّ عمّا تنطوي عليه الآيات من أسرار ودقائق. كما نستنتج أن العكوف على المظان العلمية المؤسّسة من شأنه أن يسهم أيضًا في اكتساب الملَكة التي تعدُّ أهم ما يفضي إلى الإنتاجية، بدل اجترار ما تم تحصيله دون إضافة نوعية، ومن هذه المظان المعتبرة: (التحرير والتنوير) الذي وإن كان مؤلِّفُه معاصرًا، لكن أسلوبه بالمناهج القديمة ألصقُ؛ باعتبار الرصانة في العبارة، والعمق في التحقيق، والنّفَس الطويل، والشخصية العلميّة البارزة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * موقع تفسير: (https://2u.pw/a9zzt). [1] تُراجَع المقالتان الأولى والثانية على هذين الرابطين: - الأولى: tafsir.net/article/5268 - الثانية: tafsir.net/article/5270. [2] الوظائف التركيبية للجملة المعترضة بين لفظين مفردين في القرآن الكريم، نور الدين عبد الجليل العواودة (تحليل لساني). بحث مرقون. ص268. [3] مفاهيم ومواقف في اللغة والقرآن، تمام حسان، ص336. [4] التحرير والتنوير، (1/ 81، 82). [5] نحو النص، اتجاه جديد في الدرس النحوي، أحمد عفيف، ص63. [6] التحرير والتنوير، (20/ 48). [7] التحرير والتنوير، (20/ 48) وما بعدها. [8] الخطاب القرآني ومناهج التأويل، عبد الرحمن بودرع، ص24. [9] التحرير والتنوير، (14/ 119). [10] التحرير والتنوير، (14/ 145). [11] التحرير والتنوير، (2/ 456). [12] تفسير المنار، (5/ 361). [13] التحرير والتنوير، (5/ 26). [14] التحرير والتنوير، (4/ 138). [15] أصول النظام الاجتماعي، (ص126). [16] التحرير والتنوير، (2/ 432). [17] تفسير المنار، (1/ 100). [18] التحرير والتنوير، (70/ 22). [19] الجملة الاعتراضية في سورة (ص) بين الموقع والدلالة، مخزوم عليّ الفرجاني، مجلة الجامعة الأسمرية (عدد 26/ سنة 13). [20] قواعد التدبر الأمثل، (ص15، 16).1
0
- مراعاة التركيب وأثره في بيان انسجام نظم القرآن*
ابن عاشور أنموذجًا (2-3)
الكاتب : مصطفى فاتيحي
سبق معنا بيان أهمية مراعاة التركيب في التعامل مع النصّ وأنه يفضي لتحقيق انسجام خطاب النصّ وحفظه من الاتهام بالتعارض والانقطاع الدلالي وفساد النّظم واختلال التركيب. وقد مرّ معنا شدّة عناية ابن عاشور بمراعاة التركيب في تفسيره للقرآن الكريم، واعتنائه البالغ بإبراز ذلك في تناوله للقرآن الكريم وبيان اتساق خطابه وحسن نظمه[1]، وفي هذه المقالة سنحاول بيان الأثر العلمي للاهتمام بالتركيب البياني في بيان انسجام الخطاب القرآني، من خلال تسليط الضوء على تطبيقات ابن عاشور له فيما يتعلّق بقضية الاستئناف البياني، وكيف تمكَّن ابن عاشور من بيان اتساق النّظم من خلال تعمُّقه في تحليل هذا التركيب، وبيانه على النحو الآتي:
الاستئناف البياني؛ مدخل عام:
الاستئناف البياني: «هو الذي تنقطع بسببه الصلة الإعرابية بين الجملة المستأنفة والجملة التي قبلها، دون الصلة المعنوية بينهما، فكلتاهما مستقلّة بنفسها في الإعراب وحده، أمّا في المعنى فلا بد بينهما من ارتباط بجعل الثانية -في الغالب- بمنزلة جواب عن سؤال ناشئ من معنى الأُولى. أمّا غير البياني فتنقطع فيه الصلة الإعرابية والمعنوية بين الجملتين، فتكون الجملة المستأنفة مستقلّة بإعرابها وبمعناها الجديد»[2].
ولهذا فإنّ الاستئناف البياني قد يُحدث للوهلة الأولى قدرًا من الانقطاع الدلالي في النصّ ظاهريًّا، وفي ضوء كثرة حضور هذا الأسلوب في القرآن الكريم فإنّ المرء قد يحار في فهم وجه اتصال الكلام في النصّ، وطريقة اتصال نظمه وتركيبه.
ومن هاهنا توجَّهَت عناية العلماء لتأمّل هذا الاستئناف في النصّ القرآني، وبيان كيفية حصول انسجام أجزاء النصّ القرآني مع وجوده.
قال صاحب رسالة (من أسرار الجملة الاستئنافية): «وقد رأيتُ الذين هم أهل ذلك الحديث عن أغراض الجملة الاستئنافية وبيان وظائفها واستكناه أسرارها ودلائل إعجازها، هم أصحاب التفسير وعلماء البيان خاصّة، الذين توجهوا نحو إظهار بلاغة القرآن الكريم بعد أن عكفوا على دراسة دقائق البلاغة العربية وروائع حِكَم العرب في أشعارها ونثرها. وبعد أن أعطوا الأسلوب القرآني -وخاصّة الجملة الاستئنافية- مقادتهم، وألَانُوا لها جانبهم، حتى ظفروا بالدُّر من معدنه، وبالجوهر من أصله»[3].
ويعدُّ ابن عاشور من أبرز من اعتنى بتحليل الاستئناف البياني في القرآن وبيان كيفية تماسك الخطاب القرآني من خلاله، وأن الانتقال من غرض لغرض واستئناف كلام جديد بعد كلام سابق لا يمثّل انقطاعًا دلاليًّا في النصّ، بل تكون له أغراض مهمّة في النصّ وتماسك دلالاته وتناسبها؛ يقول ابن عاشور: «واعلم أن جمل الكلام البليغ لا يخلو انتظامها عن المناسبة، وإن كان بعضها استئنافًا، وإنما لا تطلب المناسبة في المحادثات والاقتضابات»[4].
وفيما يأتي بعض النماذج التي تبرز ذلك:
النموذج الأول: قول الله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[البقرة: 256].
الناظر في السياق القرآني الذي جاءت فيه هذه الآية يجده تكلّم على أمر القتال وأمَر به وحضّ عليه، حيث قال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[البقرة: 243، 244]، ثم عالج بعد ذلك قصصًا وقعَت في الأمم السابقة تتعلّق بأمر القتال والجهاد: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا...}[البقرة: 246، 247]، وتوسّعت الآيات في بيان قصة طالوت وما كان من أمر قتاله لجالوت، وبعد ذلك بقليل جاء قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}[البقرة: 256]، وموقع هذه الآيات قد يستغرب في سياق نظم الآيات، ولكن المتأمل في طرح ابن عاشور يجده قد جمع بين تأمُّل تركيب النصّ وسياقه العامّ تأملًا مدققًا، خلص منه إلى اعتبار هذه الآية بمثابة استئناف بياني ناتج عن الأمر بالقتال في بداية الآيات، وهو ما يبرز ما بيّناه قبل من أن العلاقة بين دلالة التركيب والسياق علاقة تلازمية وأن كلًّا منهما يعين على تجلية الآخر.
فقد ذكر ابن عاشور أن هذه الآية: «استئناف بياني ناشئ عن الأمر بالقتال في سبيل الله في قوله: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[البقرة: 244]، إذ يبدو للسامع أن القتال لأجل دخول العدو في الإسلام، فبين في هذه الآية أنه لا إكراه على الدخول في الإسلام»[5]، ثم قال: «وتعقيب آية الكرسي بهاته الآية بمناسبة أن ما اشتملت عليه الآية السابقة من دلائل الوحدانية وعظمة الخالق وتنزيهه عن شوائب ما كفرت به الأمم من شأنه أن يسوق ذوي العقول إلى قبول هذا الدين الواضح العقيدة، المستقيم الشريعة، باختيارهم دون جبر ولا إكراه، ومن شأنه أن يجعل دوامهم على الشرك بمحل السؤال: أيُتركون عليه أم يُكرهون على الإسلام، فكانت الجملة استئنافًا بيانيًّا. ونفي الإكراه خبر في معنى النهي، والمراد نفي أسباب الإكراه في حكم الإسلام، أي: لا تكرهوا أحدًا على اتّباع الإسلام قسرًا، وجيء بنفي الجنس لقصد العموم نصًّا، وهي دليل واضح على إبطال الإكراه على الدين بسائر أنواعه؛ لأنّ أمر الإيمان يجري على الاستدلال والتمكن من النظر، وبالاختيار».
لقد بيّن ابن عاشور من خلال تحليله للتركيب أن موقع الآية بديع، وأن الاستئناف لعب دورًا مهمًّا في بيان انسجام الخطاب وتكامله، كما يتضح من تحرير ابن عاشور -من باب الاستطراد- أن القراءة النسقية للآيات القرآنية تعصم من الزلل والخطل الناتجَيْن عن الاستدلالات المفصولة عن المناسبات، وعليه إذا استحضرنا موقع: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} بالنظر إلى ما ورد قبلها من عرضٍ للبراهين الدالة على العقيدة الصحيحة وانبلاج الحقّ وظهور أماراته، كانت قاعدة: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} كليّة من الكليات القرآنية تنهج فهمنا وتسدّد طريقة التعامل مع موضوع العقيدة دون إفراط أوتفريط.
وعليه، فإذا كان التفكير المنهجي يعصم من التيه في التفاصيل والجزئيات كانت القراءة النسقية أداة في تسديد الفهم وبناء الفكر السليم، بحيث تردُّ الجزئيات إلى الكليات والمتشابهات إلى المحكمات والمتغيرات إلى الثوابت. لذلك، فإنّ صنيع ابن عاشور هذا على ارتباط وثيق بمباحث أخرى توسل بها لتحقيق الفهم السليم، وليس هنا مجال الحديث عنها؛ من ذلك مقاصد القرآن، ومقاصد السور، وعادات القرآن، ومبتكرات القرآن، والسياق، والمناسبات...، وكلّها مباحث وقضايا تتراص فيما بينها وينبثق بعضها من بعض، والغاية من كلّ ذلك إصابة جودة الفهم الإفهام.
النموذج الثاني: قول الله تعالى: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا}[الطلاق: 3].
قال ابن عاشور: «لهذه الجملة موقع تتجلى فيه صورة من صور إعجاز القرآن في ترتيب مواقع الجمل بعضها بعد بعض...، فهذه الجملة لها موقع الاستئناف البياني ناشئ عمّا اشتملت عليه جمل: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}[الطلاق: 2]، إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ}[الطلاق: 3]؛ لأن استعداد السامعين لليقين بما تضمنته تلك الجمل متفاوت؛ فقد يستبعد بعض السامعين تحقّق الوعد لأمثاله بما تضمنته تلك الجمل بعرضها على ارتباك أحواله، أو يتردد يقينه فيقول: أين أنا من تحصيل هذا، حين يتبع نظره فيرى بَونًا عن حصول الموعود بسبب انعدام وسائله لديه فيتملكه اليأس، فهذا الاستئناف البياني وقع عقب الوعد؛ تذكيرًا بأن الله علم مواعيده وهيّأ لها مقادير حصولها، لأنه جعل لكلّ شيء قدرًا.
ولها موقع التعليل لجملة: {وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ}[الطلاق: 1]، فإنّ العِدّة من الأشياء، فلما أمَر الله بإحصاء أمْرِها علّل ذلك بأن تقدير مدة العدة جعله الله، فلا يسوغ التهاون فيه.
ولهذا موقع التذييل لجملة: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}[الطلاق: 1]، أي: الذي وضع تلك الحدود قد جعل لكلّ شيء قدرًا لا يعدوه كما جعل الحدود.
ولها موقع التعليل لجملة: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}[الطلاق: 2]؛ لأن المعنى إذا بلغن القَدْر الذي جعله الله لمدة العدّة فقد حصل المقصد الشرعي الذي أشار إليه قوله تعالى: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا}[الطلاق: 1]، فالمعنى: فإن لم يُحدِث اللهُ أمْرَ المراجعة فقد رَفق بكم وحطّ عنكم امتداد العدّة.
ولها موقع التعليل لجملة وأقيموا الشهادة لله فإن الله جعل الشهادة قدرًا لرفع النزاع. فهذه الجملة جزء آية وهي تحتوي على حقائق من الحكمة»[6].
لقد أبصر ابن عاشور أمر التركيب في الآية من خلال الاستئناف البياني الذي تضمنته جملة: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}[الطلاق: 3]، فانتظمت المعاني وتماسكت الدلالات، بعضها يأخذ بحُجَز بعض، فتحقّق بذلك الأداء اللغوي المحكم وانسياب المعاني التربوية، وبهذا يقع الحكم الشرعي الذي يتناول قضية من قضايا الطلاق موقعًا مؤثرًا في النفوس، فتسلم قيادها طائعة مختارة بين منزلة الخوف والرجاء، خصوصًا إذا استحضرنا أن أحكام الأسرة تتسم بالثبات والوضوح والتفصيل والبيان.
وإنه مسلك يكشف عن عظمة كتاب الله، باعتباره معجزة خالدة مفارقة للزمان والمكان، فهل يا ترى هذا النضد والترتيل الجامع بين حسن الأداء وبلاغة التأثير جاء صدفة وعثريًّا، أم وراءه حكمة بالغة وتدبير قاصد؟
ومنه، فقد أبعد النجعة مَنْ رامَ تفسير القرآن مفكِّكًا نظم الآيات، أو من يدّعي عدم وجود ذلك التماسك، كما هو الشأن مع القراءات المعاصرة التي أبانت عن تهافت فظيع كدعوى تفسير القرآن على حسب ترتيب النزول.
النموذج الثالث: قول الله تعالى: {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ}[يوسف: 9].
قال ابن عاشور: جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا؛ لأن الكلام المتقدّم يثير سؤالًا في نفوس السامعين عن غرض القائلين مما قالوه، فهذا المقصود للقائلين. وإنما جعلوا له الكلام السابق كالمقدمة لتتأثر نفوس السامعين، فإذا ألقي إليها المطلوب كانت سريعة الامتثال إليه.
وهذا فنّ من صناعة الخطابة أن يفتتح الخطيب كلامه بتهيئة نفوس السامعين لتتأثر بالغرض المطلوب، فإنّ حالة تأثر النفوس تغني عن الخطيب غناء جمل كثيرة من بيان العلل والفوائد[7].
هنا يتضح الحسّ البيداغوجي الذي يملكه ابن عاشور، حيث يستنبط من التركيب وموقع الجملة المستأنفة الإشارة إلى أسلوب من أساليب الإلقاء من أجل حسن التأثير في السامعين، فذلك أدعى إلى انخراطهم فيما يعرض عليهم. وهو نوع من أنواع التعلم التفاعلي في نظريات التعلم المعاصرة.
النموذج الرابع: قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[لقمان: 34].
قال ابن عاشور: «كان من جملة غرورهم في نفي البعث أنهم يجعلون عدم إعلام الناس بتعيين وقته أمارة على أنه غير واقع، قال تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[يونس: 48]، وقال: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا}[الشورى: 17]، فلما جرى في الآيات قبلها ذكر يوم القيامة أعقبت بأن وقت الساعة لا يعلمه إلّا الله.
فجملة: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، لوقوعها جوابًا عن سؤال مقدَّر في نفوس الناس، والجمل الأربع التي بعدها إدماج لجمع نظائرها تعليمًا للأمة[8].
لقد أفاد هذا التركيب كون الخطاب القرآني ينحو منحًى حواريًّا، من خلال تقديم جواب يُفترض بداهة ضرورة طَرْحِه من طرف القارئ المستبصر وطالب المعنى المتأمل، وأن الاستئناف البياني فيه لا يمثّل قطعًا دلاليًّا في النصّ يفضي لاستشكال النظم وانسياب المعنى وإنما هو استئناف يأتي لغرض مهم يكمل الخطاب ويحافظ على تماسكه ويعين على أداء الرسالة المرادة منه.
النموذج الخامس: قول الله تعالى: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ}[الرعد: 26].
يقول ابن عاشور: هذه الجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا جوابًا عمّا يهجس في نفوس السامعين من المؤمنين والكافرين من سماع قوله: {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}[الرعد: 25] المفيد أنهم مغضوب عليهم، فأمّا المؤمنون فيقولون: كيف بسط الله الرزق لهم في الدنيا فازدادوا به طغيانًا وكفرًا، وهلا عذبهم في الدنيا بالخصاصة كما قدّر تعذيبهم في الآخرة، وذلك مثل قول موسى -عليه السلام-: {رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ}[يونس: 88]. وأمّا الكافرون فيسخرون من الوعيد مُزْدَهِين بما لهم من نعمة، فأجيب الفريقان بأن الله يشاء بَسْطَ الرزق لبعض عباده ونَقْصه لبعضٍ آخر، لحكمة متصلة بأسباب العيش في الدنيا، ولذلك اتصال بحال الكرامة عنده في الآخرة؛ ولذلك جاء التعميم في قوله: {لِمَنْ يَشَاءُ}[الرعد: 26]، ومشيئته تعالى وأسبابها لا يطلع عليها أحد[9].
هنا أيضًا يبرز ابن عاشور كيف أن الاستئناف البياني شكّل أداة فعّالة في استجلاء معانٍ تربوية، باستحضار ما جُبلت عليه النفوس من استعجال حصول الشيء، وكذا تطلّعها إلى رؤية ثمرات الإيمان في مصالح الدنيا، فيأتي الجواب على وزان طبيعة النفوس، فيحصل الـتأثير المقصود والتفاعل المنشود.
النموذج السادس: قول الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ}[الغاشية: 8-10].
قال ابن عاشور: «يتبادر في بادئ الرأي أن حقّ هذه الجملة أن تعطف على جملة: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ}[الغاشية: 2] بالواو؛ لأنها مشاركة لها في حكم البيان لحديث الغاشية، كما عطفت جملة: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ}[عبس: 40]، على جملة: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ}[عبس: 38] في سورة عبس، فيتجه أن يسأل عن وجه فصلها عن التي قبلها؛ ووجه الفصل التنبيه على أن المقصود من الاستفهام في: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}[الغاشية: 1] الإعلام بحال المعرض بتهديدهم، وهم أصحاب الوجوه الخاشعة، فلما حصل ذلك الإعلام بجملة: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ}[الغاشية: 2] إلى آخرها تم المقصود، فجاءت الجملة بعدها مفصولة؛ لأنها جعلت استئنافًا بيانيًّا جوابًا عن سؤال مقدر تثيره الجملة السابقة فيتساءل السامع: هل من حديث الغاشية ما هو مغاير لهذا الهول؟ أي: ما هو أُنْسٌ ونعيم لقوم آخرين.
ولهذا النظم صارت هذه الجملة بمنزلة الاستطراد والتتميم؛ لإظهار الفرق بين حالي الفريقين، ولتعقيب النذارة بالبشارة، فموقع هذه الجملة المستأنفة موقع الاعتراض، ولا تَنافي بين الاستئناف والاعتراض، وذلك موجب لفصلها عمّا قبلها، وفيه جري القرآن على سننه من تعقيب الترهيب والترغيب.
وقد علم من سياق توجيه الخطاب إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن الوجوه الأولى وجوه المكذبين بالرسول، والوجوه المذكورة بعدها وجوه المؤمنين المصدقين بما جاء به»[10].
عندما نتأمل فيما ذكر ابن عاشور ندرك وظيفة الاستئناف البياني في تحقيق انسجام المعنى؛ حتى لا تُقرأ الآيات ممزوعة الأوصال، ويحصل الانسجام هنا من خلال ذلك التفاعل بين النصّ والقارئ الذي يتأمّل ويتساءل ويفترض، ثم لا يلبث أن يجد الجواب من خلال عرض الصورة المقابلة للمشهد السابق بيانه. وبهذا يكون التفاعل منضبطًا للقواعد اللغوية وللسياق السابق واللاحق، وليس كما هو حاصل في ذاتية التأويلات المنفلتة من كلّ قيد أو شرط، وما يعبر عنه بالنصّ المفتوح.
النموذج السابع: قول الله تعالى: {ثُمَّ أوْرَثْنا الْكِتابَ الذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ومِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}[فاطر: 32].
جاء قبل هذه الآية قوله تعالى: {وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ}[فاطر: 31]، وإن الناظر في وجه اتصال الآيتين قد يستغربه، إذ يتوقع تتابُع الكلام على الوحي وسَرْد براهين تصديقه لما بين يديه، لا أن يكون استئنافًا في الكلام بأن الكتاب سيستمر أمره ويدوم القائمون عليه، وقد مثّل هذا الاستئناف إشكالًا لدي بعض المفسرين؛ حيث حاولوا الفرار منه باعتبار أن (ثم) هاهنا للتراخي حتى يجدوا وجهًا لاتصال الكلام، إلّا أن ابن عاشور بيّن من خلال تأمله للتركيب والاستئناف البياني في هذا الموضع أنه يفضي لانسجام النصّ على نحو بارع، فقال: «(ثم) للترتيب الرتبي كما هو شأنها في عطفها الجمل، فهي هنا لعطف الجمل عطفًا ذكريًّا، فالمتعاطفات بها بمنزلة المستأنفات، فهذه الجملة كالمستأنفة، و(ثم) للترقي في الاستئناف. وهذا ارتقاء في التنويه بالقرآن المتضمن التنويه بالرسول -صلى الله عليه وسلم- وعروج في مسرّته وتبشيره؛ فبعد أن ذَكّر بفضيلة كتابه -وهو أمر قد تقرّر لديه- زِيد تبشيرًا بدوام كتابه، وإيتائه أمة هم المصطفون من عباد الله تعالى، وتبشيره بأنهم يعملون به ولا يتركونه كما ترك أممٌ من قبله كتبهم ورسلهم، لقوله: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} الآية، فهذه البشارة أهم عند النبي -صلى الله عليه وسلم- من الإخبار بأن القرآن حقّ مصدق لما بين يديه؛ لأن هذه البشارة لم تكن معلومة عنده، فوَقْعُها أهمُّ. وحمل الزمخشري (ثم) هنا على التراخي الزمني فاحتاج إلى تكلُّف في إقامة المعنى»[11].
لقد بيّن ابن عاشور من خلال تأمّله للاستئناف كيف تحقّق انسجام النصّ على نحوٍ متّسق، وأن هذا الاستئناف لا يشكّل قطعًا دلاليًّا يحول دون وحدة انسجام النصّ وتتابع دلالاته مبينًا العلّة الخفيّة والدقيقة التي كانت وراء هذا الاستئناف حيث جاء كبشارة للنبي، وهي «أهمّ عند النبي -صلى الله عليه وسلم- من الإخبار بأن القرآن حقّ مصدق لما بين يديه؛ لأن هذه البشارة لم تكن معلومة عنده، فوَقْعُها أهَمُّ».
النموذج الثامن: قول الله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ}[الحج: 19].
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ}[الحج: 18]، ثم قال بعد ذلك: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ}[الحج: 19]، وفي بيان اتساق وجه اتصال الآيتين يقول ابن عاشور: «جملة: {هَذَانِ خَصْمَانِ} في موقع الاستئناف البياني؛ لأن قوله: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ}[الحج: 18] يثير سؤال من يسأل عن بعض تفصيل صفة العذاب الذي حقّ على كثير من الناس الذين لم يسجدوا لله تعالى، فجاءت هذه الجملة لتفصيل ذلك، فهي استئناف بياني. فاسم الإشارة المثنى مشير إلى ما يفيده قوله تعالى: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ}[الحج: 18] من انقسام المذكورين إلى فريقين: أهل توحيد، وأهل شرك. كما يقتضيه قوله: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} مِن كون أولئك فريقين: فريق يسجد لله تعالى، وفريق يسجد لغيره. فالإشارة إلى ما يستفاد من الكلام بتنزيله منزلة ما يشاهد بالعين، ومثلها كثير في الكلام»[12].
نلاحظ هنا أن ابن عاشور من خلال تأمله العميق للاستئناف البياني نجح في الكشف عن وجه انسجام النصّ بصورة متقنة، حيث اعتبره جاء توقعًا لسؤال قد يرِد في سياق الكلام فرضته نهاية الجملة السابقة، والتي قد تثير التساؤل «عن بعض تفصيل صفة العذاب الذي حقّ على كثير من الناس الذين لم يسجدوا لله تعالى».
يستفاد من النماذج المسوقة آنفًا أنّ ابن عاشور، وإن لم يكن منفردًا باستثمار الاستئناف البياني في تفسيره، إلّا أنه يعدُّ من المكثرين في تأمّله وتحليله له، فقد أسعفه عمقه في تحليل الاستئناف البياني في الربط المحكم بين الآيات وتحقيق المناسبة، وهو ما يبرز أن ابن عاشور طرح تحليلات مدقّقة للاستئناف البياني في القرآن تبرز أن هذا الاستئناف يأتي متميزًا في القرآن ويلعب دورًا عند التأمل في تحقيق تماسك الخطاب وليس كما يتصوّر، كما أن هذه التحليلات المعمّقة تتيح مجالًا رحبًا للتدبّر والتفاعل مع كلام الله -عز وجل- بتؤدة ورويّة وعدم التسرّع في اتهامه بضَعف التماسك.
كما أن ابن عاشور كشف عن طرائق استثمار النصّ القرآني لهذا الاستئناف في أغراض جذب إثارة السامع والردّ على أسئلة قد تتوقّع وترِد على ذهنه؛ ولذلك نجد ابن عاشور يكرّر هذه العبارة وأمثالها: «لأن مثل هذا مما تشرئبّ إليه الأفهام عند سماع قوله... ويتطلع السائل... ويرِد سؤال في نفوس المؤمنين، وهذا يثير سؤالًا...»، ولا شك أن هذا المسلك القرآني في استعمال الاستئناف يجعل القارئ في تفاعل مع الخطاب بشكلٍ واعٍ، فتنساب المعاني وتتفتّق الدلالات، وفي ذلك الدربة الظاهرة في تقصِّي الاحتمالات الممكنة، مما يجعل الطالب والباحث في ميدان التفسير والدراسات القرآنية على طريق اكتساب المَلَكة والصنعة وجودة القريحة، وهو ما يسمى في حقل التربية والتعليم بالبيداغوجيا والكفاية والمهارة. ومنه نفهم لماذا يلحّ العلماء المبرزون على ضرورة التخرّج على أمهات الكتب ومظانّ العلم المعتبرة.
هذا فضلًا عمّا يتيحه البحث من فوائد وأنظار في سبيل تجويد طرق تدريس التفسير وإصلاح مناهجه.
يقول أيمن عبد الرزاق الشوا: «والحاصل أنه ترِد الجملة الاستئنافية للتوضيح بعد الإبهام، وفائدتها تكثير لذّة العلم بهذا الإبهام؛ لأن الشيء إذا عرف من وجهٍ ما، تشوّقت النفس للعلم به من باقي وجوهه وتأملت، فإذا حصل العلم من بقية الوجوه كانت لذّته أشد من علمه من جميع وجوهه دفعة واحدة»[13].
وإلى هذا المعنى أشار فريد الأنصاري حين اعتبر فقه اللسان أصلًا من أصول العلوم الشرعية، فهو عنده: «الملَكة البيانية التي يعبر بها المتكلم عمّا يجده من معانٍ وأحاسيس؛ بما يجعل المتلقِّي يشعر بما يشعر به الملقِي، وذلك هو البيان بمعناه القرآني»[14].
ولطالما استند ابن عاشور أيضًا إلى الاستئناف البياني لاستجلاء الدلالات التربوية والتوجيهات القرآنية، مستحضرًا أسلوب القرآن في التربية والتعليم، الذي يقتضي الانتقال من موضوع إلى آخر: من الترغيب إلى الترهيب، ومن البشارة إلى الإنذار، وضرب الأمثلة، ومراعاة حال المتلقي، وتنشيط السامع، والجمع بين إقناع العقل وإمتاع العاطفة كما يعبر محمد عبد الله دراز.
يقول ابن عاشور: «نرى من أعظمِ الأساليب التي خالف بها القرآن أساليب العرب أنه جاء في نظمه بأسلوب جامع بين مقصديه؛ وهما: مقصد الموعظة، ومقصد التشريع. فكان نظمه يمنح بظاهره السامعين ما يحتاجون أن يعلموه، وهو في هذا النوع يشبه خطبهم، وكان في مطاوي معانيه ما يستخرج منه العالم الخبير أحكامًا كثيرة في التشريع والآداب وغيرها»[15].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* موقع تفسير: (https://2u.pw/T8Zxn).
[1] تراجع المقالة الأولى على هذا الرابط: tafsir.net/article/5268.
[2] النحو الوافي، عباس حسن، دار المعارف مصر، ط3. (4/ 390).
[3] من أسرار الجملة الاستئنافية، دراسة لغوية قرآنية، أيمن عبد الرزاق الشوا، ص20.
[4] التحرير والتنوير، (3/ 188).
[5] التحرير والتنوير، (3/ 26).
[6] التحرير والتنوير، (28/ 314).
[7] التحرير والتنوير، (12/ 222).
[8] التحرير والتنوير، (21/ 126).
[9] التحرير والتنوير، (13/ 134).
[10] التحرير والتنوير، (30/ 298).
[11] التحرير والتنوير، (22/ 311).
[12] التحرير والتنوير، (17/ 227).
[13] من أسرار الجملة الاستئنافية، أيمن عبد الرزاق الشوا. ص94.
[14] مفهوم العالمية، فريد الأنصاري، ص124.
[15] التحرير والتنوير، (1/ 115).مراعاة التركيب وأثره في بيان انسجام نظم القرآن* ابن عاشور أنموذجًا (2-3) الكاتب : مصطفى فاتيحي سبق معنا بيان أهمية مراعاة التركيب في التعامل مع النصّ وأنه يفضي لتحقيق انسجام خطاب النصّ وحفظه من الاتهام بالتعارض والانقطاع الدلالي وفساد النّظم واختلال التركيب. وقد مرّ معنا شدّة عناية ابن عاشور بمراعاة التركيب في تفسيره للقرآن الكريم، واعتنائه البالغ بإبراز ذلك في تناوله للقرآن الكريم وبيان اتساق خطابه وحسن نظمه[1]، وفي هذه المقالة سنحاول بيان الأثر العلمي للاهتمام بالتركيب البياني في بيان انسجام الخطاب القرآني، من خلال تسليط الضوء على تطبيقات ابن عاشور له فيما يتعلّق بقضية الاستئناف البياني، وكيف تمكَّن ابن عاشور من بيان اتساق النّظم من خلال تعمُّقه في تحليل هذا التركيب، وبيانه على النحو الآتي: الاستئناف البياني؛ مدخل عام: الاستئناف البياني: «هو الذي تنقطع بسببه الصلة الإعرابية بين الجملة المستأنفة والجملة التي قبلها، دون الصلة المعنوية بينهما، فكلتاهما مستقلّة بنفسها في الإعراب وحده، أمّا في المعنى فلا بد بينهما من ارتباط بجعل الثانية -في الغالب- بمنزلة جواب عن سؤال ناشئ من معنى الأُولى. أمّا غير البياني فتنقطع فيه الصلة الإعرابية والمعنوية بين الجملتين، فتكون الجملة المستأنفة مستقلّة بإعرابها وبمعناها الجديد»[2]. ولهذا فإنّ الاستئناف البياني قد يُحدث للوهلة الأولى قدرًا من الانقطاع الدلالي في النصّ ظاهريًّا، وفي ضوء كثرة حضور هذا الأسلوب في القرآن الكريم فإنّ المرء قد يحار في فهم وجه اتصال الكلام في النصّ، وطريقة اتصال نظمه وتركيبه. ومن هاهنا توجَّهَت عناية العلماء لتأمّل هذا الاستئناف في النصّ القرآني، وبيان كيفية حصول انسجام أجزاء النصّ القرآني مع وجوده. قال صاحب رسالة (من أسرار الجملة الاستئنافية): «وقد رأيتُ الذين هم أهل ذلك الحديث عن أغراض الجملة الاستئنافية وبيان وظائفها واستكناه أسرارها ودلائل إعجازها، هم أصحاب التفسير وعلماء البيان خاصّة، الذين توجهوا نحو إظهار بلاغة القرآن الكريم بعد أن عكفوا على دراسة دقائق البلاغة العربية وروائع حِكَم العرب في أشعارها ونثرها. وبعد أن أعطوا الأسلوب القرآني -وخاصّة الجملة الاستئنافية- مقادتهم، وألَانُوا لها جانبهم، حتى ظفروا بالدُّر من معدنه، وبالجوهر من أصله»[3]. ويعدُّ ابن عاشور من أبرز من اعتنى بتحليل الاستئناف البياني في القرآن وبيان كيفية تماسك الخطاب القرآني من خلاله، وأن الانتقال من غرض لغرض واستئناف كلام جديد بعد كلام سابق لا يمثّل انقطاعًا دلاليًّا في النصّ، بل تكون له أغراض مهمّة في النصّ وتماسك دلالاته وتناسبها؛ يقول ابن عاشور: «واعلم أن جمل الكلام البليغ لا يخلو انتظامها عن المناسبة، وإن كان بعضها استئنافًا، وإنما لا تطلب المناسبة في المحادثات والاقتضابات»[4]. وفيما يأتي بعض النماذج التي تبرز ذلك: النموذج الأول: قول الله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[البقرة: 256]. الناظر في السياق القرآني الذي جاءت فيه هذه الآية يجده تكلّم على أمر القتال وأمَر به وحضّ عليه، حيث قال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[البقرة: 243، 244]، ثم عالج بعد ذلك قصصًا وقعَت في الأمم السابقة تتعلّق بأمر القتال والجهاد: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا...}[البقرة: 246، 247]، وتوسّعت الآيات في بيان قصة طالوت وما كان من أمر قتاله لجالوت، وبعد ذلك بقليل جاء قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}[البقرة: 256]، وموقع هذه الآيات قد يستغرب في سياق نظم الآيات، ولكن المتأمل في طرح ابن عاشور يجده قد جمع بين تأمُّل تركيب النصّ وسياقه العامّ تأملًا مدققًا، خلص منه إلى اعتبار هذه الآية بمثابة استئناف بياني ناتج عن الأمر بالقتال في بداية الآيات، وهو ما يبرز ما بيّناه قبل من أن العلاقة بين دلالة التركيب والسياق علاقة تلازمية وأن كلًّا منهما يعين على تجلية الآخر. فقد ذكر ابن عاشور أن هذه الآية: «استئناف بياني ناشئ عن الأمر بالقتال في سبيل الله في قوله: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[البقرة: 244]، إذ يبدو للسامع أن القتال لأجل دخول العدو في الإسلام، فبين في هذه الآية أنه لا إكراه على الدخول في الإسلام»[5]، ثم قال: «وتعقيب آية الكرسي بهاته الآية بمناسبة أن ما اشتملت عليه الآية السابقة من دلائل الوحدانية وعظمة الخالق وتنزيهه عن شوائب ما كفرت به الأمم من شأنه أن يسوق ذوي العقول إلى قبول هذا الدين الواضح العقيدة، المستقيم الشريعة، باختيارهم دون جبر ولا إكراه، ومن شأنه أن يجعل دوامهم على الشرك بمحل السؤال: أيُتركون عليه أم يُكرهون على الإسلام، فكانت الجملة استئنافًا بيانيًّا. ونفي الإكراه خبر في معنى النهي، والمراد نفي أسباب الإكراه في حكم الإسلام، أي: لا تكرهوا أحدًا على اتّباع الإسلام قسرًا، وجيء بنفي الجنس لقصد العموم نصًّا، وهي دليل واضح على إبطال الإكراه على الدين بسائر أنواعه؛ لأنّ أمر الإيمان يجري على الاستدلال والتمكن من النظر، وبالاختيار». لقد بيّن ابن عاشور من خلال تحليله للتركيب أن موقع الآية بديع، وأن الاستئناف لعب دورًا مهمًّا في بيان انسجام الخطاب وتكامله، كما يتضح من تحرير ابن عاشور -من باب الاستطراد- أن القراءة النسقية للآيات القرآنية تعصم من الزلل والخطل الناتجَيْن عن الاستدلالات المفصولة عن المناسبات، وعليه إذا استحضرنا موقع: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} بالنظر إلى ما ورد قبلها من عرضٍ للبراهين الدالة على العقيدة الصحيحة وانبلاج الحقّ وظهور أماراته، كانت قاعدة: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} كليّة من الكليات القرآنية تنهج فهمنا وتسدّد طريقة التعامل مع موضوع العقيدة دون إفراط أوتفريط. وعليه، فإذا كان التفكير المنهجي يعصم من التيه في التفاصيل والجزئيات كانت القراءة النسقية أداة في تسديد الفهم وبناء الفكر السليم، بحيث تردُّ الجزئيات إلى الكليات والمتشابهات إلى المحكمات والمتغيرات إلى الثوابت. لذلك، فإنّ صنيع ابن عاشور هذا على ارتباط وثيق بمباحث أخرى توسل بها لتحقيق الفهم السليم، وليس هنا مجال الحديث عنها؛ من ذلك مقاصد القرآن، ومقاصد السور، وعادات القرآن، ومبتكرات القرآن، والسياق، والمناسبات...، وكلّها مباحث وقضايا تتراص فيما بينها وينبثق بعضها من بعض، والغاية من كلّ ذلك إصابة جودة الفهم الإفهام. النموذج الثاني: قول الله تعالى: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا}[الطلاق: 3]. قال ابن عاشور: «لهذه الجملة موقع تتجلى فيه صورة من صور إعجاز القرآن في ترتيب مواقع الجمل بعضها بعد بعض...، فهذه الجملة لها موقع الاستئناف البياني ناشئ عمّا اشتملت عليه جمل: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}[الطلاق: 2]، إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ}[الطلاق: 3]؛ لأن استعداد السامعين لليقين بما تضمنته تلك الجمل متفاوت؛ فقد يستبعد بعض السامعين تحقّق الوعد لأمثاله بما تضمنته تلك الجمل بعرضها على ارتباك أحواله، أو يتردد يقينه فيقول: أين أنا من تحصيل هذا، حين يتبع نظره فيرى بَونًا عن حصول الموعود بسبب انعدام وسائله لديه فيتملكه اليأس، فهذا الاستئناف البياني وقع عقب الوعد؛ تذكيرًا بأن الله علم مواعيده وهيّأ لها مقادير حصولها، لأنه جعل لكلّ شيء قدرًا. ولها موقع التعليل لجملة: {وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ}[الطلاق: 1]، فإنّ العِدّة من الأشياء، فلما أمَر الله بإحصاء أمْرِها علّل ذلك بأن تقدير مدة العدة جعله الله، فلا يسوغ التهاون فيه. ولهذا موقع التذييل لجملة: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}[الطلاق: 1]، أي: الذي وضع تلك الحدود قد جعل لكلّ شيء قدرًا لا يعدوه كما جعل الحدود. ولها موقع التعليل لجملة: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}[الطلاق: 2]؛ لأن المعنى إذا بلغن القَدْر الذي جعله الله لمدة العدّة فقد حصل المقصد الشرعي الذي أشار إليه قوله تعالى: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا}[الطلاق: 1]، فالمعنى: فإن لم يُحدِث اللهُ أمْرَ المراجعة فقد رَفق بكم وحطّ عنكم امتداد العدّة. ولها موقع التعليل لجملة وأقيموا الشهادة لله فإن الله جعل الشهادة قدرًا لرفع النزاع. فهذه الجملة جزء آية وهي تحتوي على حقائق من الحكمة»[6]. لقد أبصر ابن عاشور أمر التركيب في الآية من خلال الاستئناف البياني الذي تضمنته جملة: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}[الطلاق: 3]، فانتظمت المعاني وتماسكت الدلالات، بعضها يأخذ بحُجَز بعض، فتحقّق بذلك الأداء اللغوي المحكم وانسياب المعاني التربوية، وبهذا يقع الحكم الشرعي الذي يتناول قضية من قضايا الطلاق موقعًا مؤثرًا في النفوس، فتسلم قيادها طائعة مختارة بين منزلة الخوف والرجاء، خصوصًا إذا استحضرنا أن أحكام الأسرة تتسم بالثبات والوضوح والتفصيل والبيان. وإنه مسلك يكشف عن عظمة كتاب الله، باعتباره معجزة خالدة مفارقة للزمان والمكان، فهل يا ترى هذا النضد والترتيل الجامع بين حسن الأداء وبلاغة التأثير جاء صدفة وعثريًّا، أم وراءه حكمة بالغة وتدبير قاصد؟ ومنه، فقد أبعد النجعة مَنْ رامَ تفسير القرآن مفكِّكًا نظم الآيات، أو من يدّعي عدم وجود ذلك التماسك، كما هو الشأن مع القراءات المعاصرة التي أبانت عن تهافت فظيع كدعوى تفسير القرآن على حسب ترتيب النزول. النموذج الثالث: قول الله تعالى: {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ}[يوسف: 9]. قال ابن عاشور: جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا؛ لأن الكلام المتقدّم يثير سؤالًا في نفوس السامعين عن غرض القائلين مما قالوه، فهذا المقصود للقائلين. وإنما جعلوا له الكلام السابق كالمقدمة لتتأثر نفوس السامعين، فإذا ألقي إليها المطلوب كانت سريعة الامتثال إليه. وهذا فنّ من صناعة الخطابة أن يفتتح الخطيب كلامه بتهيئة نفوس السامعين لتتأثر بالغرض المطلوب، فإنّ حالة تأثر النفوس تغني عن الخطيب غناء جمل كثيرة من بيان العلل والفوائد[7]. هنا يتضح الحسّ البيداغوجي الذي يملكه ابن عاشور، حيث يستنبط من التركيب وموقع الجملة المستأنفة الإشارة إلى أسلوب من أساليب الإلقاء من أجل حسن التأثير في السامعين، فذلك أدعى إلى انخراطهم فيما يعرض عليهم. وهو نوع من أنواع التعلم التفاعلي في نظريات التعلم المعاصرة. النموذج الرابع: قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[لقمان: 34]. قال ابن عاشور: «كان من جملة غرورهم في نفي البعث أنهم يجعلون عدم إعلام الناس بتعيين وقته أمارة على أنه غير واقع، قال تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[يونس: 48]، وقال: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا}[الشورى: 17]، فلما جرى في الآيات قبلها ذكر يوم القيامة أعقبت بأن وقت الساعة لا يعلمه إلّا الله. فجملة: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، لوقوعها جوابًا عن سؤال مقدَّر في نفوس الناس، والجمل الأربع التي بعدها إدماج لجمع نظائرها تعليمًا للأمة[8]. لقد أفاد هذا التركيب كون الخطاب القرآني ينحو منحًى حواريًّا، من خلال تقديم جواب يُفترض بداهة ضرورة طَرْحِه من طرف القارئ المستبصر وطالب المعنى المتأمل، وأن الاستئناف البياني فيه لا يمثّل قطعًا دلاليًّا في النصّ يفضي لاستشكال النظم وانسياب المعنى وإنما هو استئناف يأتي لغرض مهم يكمل الخطاب ويحافظ على تماسكه ويعين على أداء الرسالة المرادة منه. النموذج الخامس: قول الله تعالى: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ}[الرعد: 26]. يقول ابن عاشور: هذه الجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا جوابًا عمّا يهجس في نفوس السامعين من المؤمنين والكافرين من سماع قوله: {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}[الرعد: 25] المفيد أنهم مغضوب عليهم، فأمّا المؤمنون فيقولون: كيف بسط الله الرزق لهم في الدنيا فازدادوا به طغيانًا وكفرًا، وهلا عذبهم في الدنيا بالخصاصة كما قدّر تعذيبهم في الآخرة، وذلك مثل قول موسى -عليه السلام-: {رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ}[يونس: 88]. وأمّا الكافرون فيسخرون من الوعيد مُزْدَهِين بما لهم من نعمة، فأجيب الفريقان بأن الله يشاء بَسْطَ الرزق لبعض عباده ونَقْصه لبعضٍ آخر، لحكمة متصلة بأسباب العيش في الدنيا، ولذلك اتصال بحال الكرامة عنده في الآخرة؛ ولذلك جاء التعميم في قوله: {لِمَنْ يَشَاءُ}[الرعد: 26]، ومشيئته تعالى وأسبابها لا يطلع عليها أحد[9]. هنا أيضًا يبرز ابن عاشور كيف أن الاستئناف البياني شكّل أداة فعّالة في استجلاء معانٍ تربوية، باستحضار ما جُبلت عليه النفوس من استعجال حصول الشيء، وكذا تطلّعها إلى رؤية ثمرات الإيمان في مصالح الدنيا، فيأتي الجواب على وزان طبيعة النفوس، فيحصل الـتأثير المقصود والتفاعل المنشود. النموذج السادس: قول الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ}[الغاشية: 8-10]. قال ابن عاشور: «يتبادر في بادئ الرأي أن حقّ هذه الجملة أن تعطف على جملة: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ}[الغاشية: 2] بالواو؛ لأنها مشاركة لها في حكم البيان لحديث الغاشية، كما عطفت جملة: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ}[عبس: 40]، على جملة: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ}[عبس: 38] في سورة عبس، فيتجه أن يسأل عن وجه فصلها عن التي قبلها؛ ووجه الفصل التنبيه على أن المقصود من الاستفهام في: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}[الغاشية: 1] الإعلام بحال المعرض بتهديدهم، وهم أصحاب الوجوه الخاشعة، فلما حصل ذلك الإعلام بجملة: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ}[الغاشية: 2] إلى آخرها تم المقصود، فجاءت الجملة بعدها مفصولة؛ لأنها جعلت استئنافًا بيانيًّا جوابًا عن سؤال مقدر تثيره الجملة السابقة فيتساءل السامع: هل من حديث الغاشية ما هو مغاير لهذا الهول؟ أي: ما هو أُنْسٌ ونعيم لقوم آخرين. ولهذا النظم صارت هذه الجملة بمنزلة الاستطراد والتتميم؛ لإظهار الفرق بين حالي الفريقين، ولتعقيب النذارة بالبشارة، فموقع هذه الجملة المستأنفة موقع الاعتراض، ولا تَنافي بين الاستئناف والاعتراض، وذلك موجب لفصلها عمّا قبلها، وفيه جري القرآن على سننه من تعقيب الترهيب والترغيب. وقد علم من سياق توجيه الخطاب إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن الوجوه الأولى وجوه المكذبين بالرسول، والوجوه المذكورة بعدها وجوه المؤمنين المصدقين بما جاء به»[10]. عندما نتأمل فيما ذكر ابن عاشور ندرك وظيفة الاستئناف البياني في تحقيق انسجام المعنى؛ حتى لا تُقرأ الآيات ممزوعة الأوصال، ويحصل الانسجام هنا من خلال ذلك التفاعل بين النصّ والقارئ الذي يتأمّل ويتساءل ويفترض، ثم لا يلبث أن يجد الجواب من خلال عرض الصورة المقابلة للمشهد السابق بيانه. وبهذا يكون التفاعل منضبطًا للقواعد اللغوية وللسياق السابق واللاحق، وليس كما هو حاصل في ذاتية التأويلات المنفلتة من كلّ قيد أو شرط، وما يعبر عنه بالنصّ المفتوح. النموذج السابع: قول الله تعالى: {ثُمَّ أوْرَثْنا الْكِتابَ الذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ومِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}[فاطر: 32]. جاء قبل هذه الآية قوله تعالى: {وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ}[فاطر: 31]، وإن الناظر في وجه اتصال الآيتين قد يستغربه، إذ يتوقع تتابُع الكلام على الوحي وسَرْد براهين تصديقه لما بين يديه، لا أن يكون استئنافًا في الكلام بأن الكتاب سيستمر أمره ويدوم القائمون عليه، وقد مثّل هذا الاستئناف إشكالًا لدي بعض المفسرين؛ حيث حاولوا الفرار منه باعتبار أن (ثم) هاهنا للتراخي حتى يجدوا وجهًا لاتصال الكلام، إلّا أن ابن عاشور بيّن من خلال تأمله للتركيب والاستئناف البياني في هذا الموضع أنه يفضي لانسجام النصّ على نحو بارع، فقال: «(ثم) للترتيب الرتبي كما هو شأنها في عطفها الجمل، فهي هنا لعطف الجمل عطفًا ذكريًّا، فالمتعاطفات بها بمنزلة المستأنفات، فهذه الجملة كالمستأنفة، و(ثم) للترقي في الاستئناف. وهذا ارتقاء في التنويه بالقرآن المتضمن التنويه بالرسول -صلى الله عليه وسلم- وعروج في مسرّته وتبشيره؛ فبعد أن ذَكّر بفضيلة كتابه -وهو أمر قد تقرّر لديه- زِيد تبشيرًا بدوام كتابه، وإيتائه أمة هم المصطفون من عباد الله تعالى، وتبشيره بأنهم يعملون به ولا يتركونه كما ترك أممٌ من قبله كتبهم ورسلهم، لقوله: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} الآية، فهذه البشارة أهم عند النبي -صلى الله عليه وسلم- من الإخبار بأن القرآن حقّ مصدق لما بين يديه؛ لأن هذه البشارة لم تكن معلومة عنده، فوَقْعُها أهمُّ. وحمل الزمخشري (ثم) هنا على التراخي الزمني فاحتاج إلى تكلُّف في إقامة المعنى»[11]. لقد بيّن ابن عاشور من خلال تأمّله للاستئناف كيف تحقّق انسجام النصّ على نحوٍ متّسق، وأن هذا الاستئناف لا يشكّل قطعًا دلاليًّا يحول دون وحدة انسجام النصّ وتتابع دلالاته مبينًا العلّة الخفيّة والدقيقة التي كانت وراء هذا الاستئناف حيث جاء كبشارة للنبي، وهي «أهمّ عند النبي -صلى الله عليه وسلم- من الإخبار بأن القرآن حقّ مصدق لما بين يديه؛ لأن هذه البشارة لم تكن معلومة عنده، فوَقْعُها أهَمُّ». النموذج الثامن: قول الله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ}[الحج: 19]. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ}[الحج: 18]، ثم قال بعد ذلك: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ}[الحج: 19]، وفي بيان اتساق وجه اتصال الآيتين يقول ابن عاشور: «جملة: {هَذَانِ خَصْمَانِ} في موقع الاستئناف البياني؛ لأن قوله: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ}[الحج: 18] يثير سؤال من يسأل عن بعض تفصيل صفة العذاب الذي حقّ على كثير من الناس الذين لم يسجدوا لله تعالى، فجاءت هذه الجملة لتفصيل ذلك، فهي استئناف بياني. فاسم الإشارة المثنى مشير إلى ما يفيده قوله تعالى: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ}[الحج: 18] من انقسام المذكورين إلى فريقين: أهل توحيد، وأهل شرك. كما يقتضيه قوله: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} مِن كون أولئك فريقين: فريق يسجد لله تعالى، وفريق يسجد لغيره. فالإشارة إلى ما يستفاد من الكلام بتنزيله منزلة ما يشاهد بالعين، ومثلها كثير في الكلام»[12]. نلاحظ هنا أن ابن عاشور من خلال تأمله العميق للاستئناف البياني نجح في الكشف عن وجه انسجام النصّ بصورة متقنة، حيث اعتبره جاء توقعًا لسؤال قد يرِد في سياق الكلام فرضته نهاية الجملة السابقة، والتي قد تثير التساؤل «عن بعض تفصيل صفة العذاب الذي حقّ على كثير من الناس الذين لم يسجدوا لله تعالى». يستفاد من النماذج المسوقة آنفًا أنّ ابن عاشور، وإن لم يكن منفردًا باستثمار الاستئناف البياني في تفسيره، إلّا أنه يعدُّ من المكثرين في تأمّله وتحليله له، فقد أسعفه عمقه في تحليل الاستئناف البياني في الربط المحكم بين الآيات وتحقيق المناسبة، وهو ما يبرز أن ابن عاشور طرح تحليلات مدقّقة للاستئناف البياني في القرآن تبرز أن هذا الاستئناف يأتي متميزًا في القرآن ويلعب دورًا عند التأمل في تحقيق تماسك الخطاب وليس كما يتصوّر، كما أن هذه التحليلات المعمّقة تتيح مجالًا رحبًا للتدبّر والتفاعل مع كلام الله -عز وجل- بتؤدة ورويّة وعدم التسرّع في اتهامه بضَعف التماسك. كما أن ابن عاشور كشف عن طرائق استثمار النصّ القرآني لهذا الاستئناف في أغراض جذب إثارة السامع والردّ على أسئلة قد تتوقّع وترِد على ذهنه؛ ولذلك نجد ابن عاشور يكرّر هذه العبارة وأمثالها: «لأن مثل هذا مما تشرئبّ إليه الأفهام عند سماع قوله... ويتطلع السائل... ويرِد سؤال في نفوس المؤمنين، وهذا يثير سؤالًا...»، ولا شك أن هذا المسلك القرآني في استعمال الاستئناف يجعل القارئ في تفاعل مع الخطاب بشكلٍ واعٍ، فتنساب المعاني وتتفتّق الدلالات، وفي ذلك الدربة الظاهرة في تقصِّي الاحتمالات الممكنة، مما يجعل الطالب والباحث في ميدان التفسير والدراسات القرآنية على طريق اكتساب المَلَكة والصنعة وجودة القريحة، وهو ما يسمى في حقل التربية والتعليم بالبيداغوجيا والكفاية والمهارة. ومنه نفهم لماذا يلحّ العلماء المبرزون على ضرورة التخرّج على أمهات الكتب ومظانّ العلم المعتبرة. هذا فضلًا عمّا يتيحه البحث من فوائد وأنظار في سبيل تجويد طرق تدريس التفسير وإصلاح مناهجه. يقول أيمن عبد الرزاق الشوا: «والحاصل أنه ترِد الجملة الاستئنافية للتوضيح بعد الإبهام، وفائدتها تكثير لذّة العلم بهذا الإبهام؛ لأن الشيء إذا عرف من وجهٍ ما، تشوّقت النفس للعلم به من باقي وجوهه وتأملت، فإذا حصل العلم من بقية الوجوه كانت لذّته أشد من علمه من جميع وجوهه دفعة واحدة»[13]. وإلى هذا المعنى أشار فريد الأنصاري حين اعتبر فقه اللسان أصلًا من أصول العلوم الشرعية، فهو عنده: «الملَكة البيانية التي يعبر بها المتكلم عمّا يجده من معانٍ وأحاسيس؛ بما يجعل المتلقِّي يشعر بما يشعر به الملقِي، وذلك هو البيان بمعناه القرآني»[14]. ولطالما استند ابن عاشور أيضًا إلى الاستئناف البياني لاستجلاء الدلالات التربوية والتوجيهات القرآنية، مستحضرًا أسلوب القرآن في التربية والتعليم، الذي يقتضي الانتقال من موضوع إلى آخر: من الترغيب إلى الترهيب، ومن البشارة إلى الإنذار، وضرب الأمثلة، ومراعاة حال المتلقي، وتنشيط السامع، والجمع بين إقناع العقل وإمتاع العاطفة كما يعبر محمد عبد الله دراز. يقول ابن عاشور: «نرى من أعظمِ الأساليب التي خالف بها القرآن أساليب العرب أنه جاء في نظمه بأسلوب جامع بين مقصديه؛ وهما: مقصد الموعظة، ومقصد التشريع. فكان نظمه يمنح بظاهره السامعين ما يحتاجون أن يعلموه، وهو في هذا النوع يشبه خطبهم، وكان في مطاوي معانيه ما يستخرج منه العالم الخبير أحكامًا كثيرة في التشريع والآداب وغيرها»[15]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * موقع تفسير: (https://2u.pw/T8Zxn). [1] تراجع المقالة الأولى على هذا الرابط: tafsir.net/article/5268. [2] النحو الوافي، عباس حسن، دار المعارف مصر، ط3. (4/ 390). [3] من أسرار الجملة الاستئنافية، دراسة لغوية قرآنية، أيمن عبد الرزاق الشوا، ص20. [4] التحرير والتنوير، (3/ 188). [5] التحرير والتنوير، (3/ 26). [6] التحرير والتنوير، (28/ 314). [7] التحرير والتنوير، (12/ 222). [8] التحرير والتنوير، (21/ 126). [9] التحرير والتنوير، (13/ 134). [10] التحرير والتنوير، (30/ 298). [11] التحرير والتنوير، (22/ 311). [12] التحرير والتنوير، (17/ 227). [13] من أسرار الجملة الاستئنافية، أيمن عبد الرزاق الشوا. ص94. [14] مفهوم العالمية، فريد الأنصاري، ص124. [15] التحرير والتنوير، (1/ 115).1
0
- مراعاة التركيب وأثره في بيان انسجام نظم القرآن*
ابن عاشور أنموذجًا (1-3)
الكاتب : مصطفى فاتيحي
درَج القرآن الكريم على استعمال الأساليب والتراكيب العربية؛ كونه نزل على لغة العرب، وقد تبارت أقلام العلماء قديمًا وحديثًا في تفسير القرآن وفهمه وتناوُل ما يكتنزه كتاب الله من أسرار لغوية ومكنونات دلالية، وكذلك ما يحمله من مناسبات وارتباطات بين أجزاء تراكيبه، وقد تباينت نتائجهم وتقريراتهم أحيانًا في بيان وجوه الارتباط بين أجزاء النَّظْم وتأمّل المناسبات بينها بحسب أدوات البحث والتنقيب المستعملة، وحسب تفاوت القرائح والملَكات ودرجات العمق في تأمّل النظم وطرائق التراكيب العربية التي استخدمها النصّ، وتحليل هذه التراكيب ووجوه التعالق بينها.
ولا شك أنّ العمق في فهم التراكيب العربية له أثرٌ بارزٌ جدًّا في فهم انسجام النصّ ذاته، ومسالك اتساق خطابه، وكيفيات انتقاله من حال لآخر، وبيان أسباب استعماله لأسلوب معيّن في موطن معين، وأن هذا الأسلوب لا يمثل قطعًا دلاليًّا بقدر ما يطرح ثراءً في المعنى يتحقّق به انسجام النصّ على صورة بديعة، ويفضي لتكامله واتساق نظمه؛ ومن هاهنا فإننا سنحاول في هذه المقالات أن نعالج هذه القضية، ونبرز أثر التعمق في فهم التراكيب القرآنية في عملية الفهم للخطاب القرآني، وبيان درجة الانسجام الحاصلة في هذا الخطاب.
إنّ أساليب التركيب التي استعملها القرآن تشمل الكثير من الأمور، ويندرج في طيّاتها العديد من المسائل النحوية والبيانية التي يمكن أن يتأتّى عليها نسق بناء الجمل والعبارات في النصّ، غير أننا سنُعنى في معالجتنا بالتراكيب والأساليب البيانية فقط. كما أن اشتغالنا سيكون مأطورًا بقضيتي (الاستئناف البياني، والجملة المعترضة في القرآن) بشكلٍ خاصّ لأمور سيأتي ذكر مسوغاتها، بحيث نبيّن أثر التعمّق في تحليلهما في بيان اتساق النصّ وانسجام نظمه، وذلك من خلال النظر في تفسير ابن عاشور وتطبيقاته لكثرة عنايته بهذا الأمر في التفسير على ما سيأتي توضيحه.
وقبل الشروع في ذلك الغرض فإننا سنحاول أولًا أن نسلِّط الضوء على أهمية مراعاة التركيب في فهم انسجام الخطاب القرآني واتساق نظمه، وبيانه على النحو الآتي:
مراعاة التركيب وأهميته في فهم انسجام الخطاب القرآني:
التركيب يعني: الجملة المركبة من عدد من الألفاظ وفق نسق معيّن، ويلزم أن يؤدي هذا التركيب معنى مفيدًا أو مقصودًا، وفي اللغة العربية نسميه الجملة، التي تنقسم إلى جملة اسمية وجملة فعلية، ولها استخدامات عديدة حسب القصد المراد منها، مثل: الجملة الابتدائية، والجملة الإخبارية، والجملة البسيطة، والجملة المركّبة، وجملة الحال، وجملة الصلة، وغيرها.
والتركيب اللغوي «لا يستقيم أمره إلّا وفق قواعد وأسس خاصّة، هي التي نطلق عليها القواعد النحوية، التي تضبط تكوين الجملة في اللغة العربية وغيرها من اللغات»[1].
ومن البديهي أن يكون «أساس التركيب في كلّ كلام هو أساس التعبير، لكن عندما تكون التراكيب على تنوّع موادها راجعة إلى منوال واحد أو منوالات متعدّدة بتعدّد أساليب التعبير الغالبة... فإن لُحمة مقالية مخصوصة تحدث بين التركيب والتعبير، فتتحوّل بمقتضاها العلاقة بينهما من علاقة عضوية اعتباطية إلى علاقة طبيعية مبرّرة، تعكس لُحمة مقامية وترقى بالكلام»[2].
لذلك يقول الجرجاني: «فليس الغرض بنظم الكلم أنْ توالت ألفاظها في النطق، بل أنْ تناسقَت دلالاتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل»[3].
ويقول أيضًا: «فينبغي أن يُنظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف، وقبل أن تصير إلى الصورة التي بها يكون الكلم إخبارًا وأمرًا ونهيًا واستخبارًا وتعجبًا، وتؤدي في الجملة معنى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلّا بضم كلمة إلى كلمة وبناء لفظة على لفظة...، وهل يقع في وهمٍ وإنْ جُهِد أن تتفاضل الكلمتان المفردتان من غير أن ينظر إلى مكان تقعان فيه من التأليف والنظم؟... وهل تجد أحدًا يقول: (هذه اللفظة فصيحة)، إلّا وهو يعتبر مكانها من النظم، وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها وفضل مؤانستها لأخواتها؟»[4]، ثم يضيف: «فالألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة، إن الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها، وما أشبه ذلك مما لا تعلُّق له بصريح اللفظ».
ومن هاهنا فإن النظم في جوهره «يقوم على التلازم والانسجام بين الأجزاء وائتلافها على نحوٍ يوفّر التماسك التركيبي، ويجعل أيّ تغيير في بناء النصّ يؤدي إلى تداعيه أو إلى تغيير معانيه وسماته»[5].
يقول الجرجاني في موضع آخر وهو يرافع عن أهمية نظم الكلام وتركيبه: «واعلم أنك إذا رجعتَ إلى نفسك علمتَ علمًا لا يعترضه شك أن لا نظم في الكلم ولا ترتيب حتى يُعلَّق بعضُها ببعض، وينبني بعضها على بعض وتُجعَل هذه بسبب تلك؛ هذا ما لا يجهله عاقل ولا يخفى على أحد من الناس... إن اللفظ تبع للمعنى في النظم، وإن الكلمة تترتَّب في النطق بسبب ترتُّب معانيها في النفس»[6].
ومن هنا لا يصحّ في التفسير أن يؤخذ اللفظ وحده معزولًا عن سياقه الخاصّ والعام، والسياق الخاصّ هو تعليقه في جملته وعلاقته التبادلية مع ما يكون معه جملة، والسياق العام هو النص كلّه فالكلمة في نصّ يكون لها دلالة تختلف عن دلالتها في نصّ آخر، وبهذا ينبني المعنى ويتكامل[7].
لا يترك الجرجاني الأمر مبهمًا بل يسرد مجموعة من الوجوه التي يقوم عليها النظم وتركيب الجمل في الكلام، فيقول: «وذلك أنّا لا نعلم شيئًا يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كلّ باب وفروقه، فينظر في (الخبر) إلى الوجوه التي تراها في قولك: (زيد منطلق) و(زيد ينطلق)، و(ينطلق زيد) و(منطلق زيد)، و(زيد المنطلق) و(المنطلق زيد) و(زيد هو المنطلق)، و(زيد هو منطلق). وفي (الشرط والجزاء)...، وينظر في الجمل التي تُسرَد فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل؛ ثم يعرف فيما حقّه الوصل موضع (الواو) من موضع (الفاء)، وموضع (الفاء) من موضع (ثُم)، وموضع (أو) من موضع (أَمْ)، وموضع (لكنْ) من موضع (بل). ويتصرف في التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير في الكلام كلّه، وفي الحذف والتكرار، والإضمار والإظهار، فيصيب من ذلك مكانه، ويستعمله على الصحة وعلى ما ينبغي له»[8].
ولذلك نجد الدكتور تمام حسان يقول: «لقد كانت مبادرة العلّامة عبد القاهر الجرجاني -رحمه الله- بدراسة النظم وما يتصل به من بناء وترتيب وتعليق من أكبر الجهود التي بذلتها الثقافة العربية قيمةً في سبيل إيضاح المعنى الوظيفي في السياق والتركيب»[9].
ويقول عبد الرحمن إكيدر: «إنّ تحليل النصّ ودراسة اتساقه حسب قرائن التعليق المعنوية تسمح بربط الصلة وإقامة العلاقة بين كلّ جزء من أجزاء السياق، ليس فقط في رصد إطار علاقة كلمة بأخرى داخل الجملة، بل أيضًا تتبع علاقة جملة بأخرى في إطار استمرارية خطيّة نصيّة، تجعل من النصّ نسيجًا من الكلمات والجمل تتعلَّق بعضها ببعض»[10].
وبذلك يظهر أننا عندما نراعي التركيب وطريقته في فهم النصّ فإننا بذلك نكون قد سعينا إلى القراءة النسقية التي تستحضر مجموعة من المعطيات اللغوية (النحو والبلاغة) والعلاقات السياقية بين أجزاء النصّ، من أجل تحقيق الفهم المتكامل المفضي إلى الانسجام والبنائية، حيث نجد تعالقًا كبيرًا وترابطًا وشيجًا بين التركيب والسياق والنظم والمناسبة والتي هي أمور رئيسة يجب مراعاتها في الوصول لانسجام الخطاب في النصّ:
التركيب والسياق:
تستمد دلالة السياق القرآني أهميتها من كونها تفسيرًا للقرآن بالقرآن نفسه، حيث إنها بيان المعنى من خلال تتابع المفردات والجمل والتراكيب القرآنية المترابطة، بل إنّ سياق الآية وسياق المقطع من أعلى تفسير القرآن بالقرآن، لأنه في محلّ واحد[11].
تكمن علاقة التركيب بالسياق باعتبار السياق إطارًا عامًّا تنتظم فيه عناصر النصّ ووحداته اللغوية، ومقياسًا تتصل بواسطته الجمل فيما بينها وتترابط، وبيئة لغوية وتداولية ترعى مجموع العناصر المعرفية التي يقدمها النصّ للقارئ.
ويضبط السياق «حركات الإحالة بين عناصر النصّ، فلا يفهم معنى كلمة أو جملة إلّا بوصلها بالتي قبلها أو بعدها داخل إطار السياق...، وإن التحليل بالسياق يعدُّ وسيلة من بين وسائل تصنيف المدلولات؛ لذلك يتعين عرض اللفظ القرآني على موقعه لفهم معناه ودفع المعاني غير المرادة»[12]، وبهذا المعنى فإن السياق «يتسع ليشمل ما هو مكاني زمني وموضوعي ومقاصدي وتاريخي، لكن الألصق بالتركيب هو اللغوي، وهو دراسة النصّ القرآني من خلال علاقات ألفاظه بعضها ببعض والأدوات المستعملة للربط بين هذه الألفاظ، وما يترتب على تلك العلائق من دلالات جزئية وكلية»[13].
فالسياق متّجه إذن إلى المعنى بالكلية، «والنظم متّجه إلى كيفية صياغته في الجملة، ولماذا جيء به على نحوٍ دون غيره. فمعرفة نظم الآية وأسراره البيانية، مساعدة على معرفة سياقها. كما أن سياقها مساعد على معرفة دقائق نظمها، فلأن تدرك نكتة التعريف والتنكير والمجاز من الحقيقة في نظم قرآني لا بد من معرفة سياق الآية الذي هو موضوعها والمراد من الخطاب بها، كما أن تحليل نظمها والعلاقات بين مفردات جملها مساعد على معرفة سياقها، فالعلاقة إذن تلازمية»[14].
التركيب والمناسبة:
تكمن أيضًا علاقة التركيب بالمناسبة؛ «لأن المناسبة ترتبط بكلّ المباحث اللغوية والنحوية والبلاغية التي تعنى بالعلاقات الكبرى بين أجزاء النصّ، ومن شأن الدراسة النصيّة أنْ تُجنِّب النصّ القرآني القراءة التجزيئية، وتقدِّم قراءة جامعة تنتظم فيها الكلمات والآيات والسور في سلك واحد، وتنتظم فيه المعاني والدلالات والمقاصد في أصلٍ واحد، فيبدو النصّ القرآني كله قطعة واحدة يكون فيها الكلام متحدرًا تحدُّر الماء المنسجم، سهولة سبك وعذوبة ألفاظ وجمع معانٍ»[15].
التركيب والنظم:
وذلك من خلال ما أشار إليه الجرجاني قائلًا: «وجملة الأمر أنه لا يكون ترتيبٌ في شيء حتى يكون هناك قصدٌ إلى صورة وصفة، إن لم يُقَدَّم فيه ما قُدِّم، ولو يؤخَّر ما أُخِّر، وبُدِئ بالذي ثُنِّي به، أو ثُنِّي بالذي ثُلِّث به، لم تحصل لك تلك الصورة وتلك الصفة. وإذا كان كذلك، فينبغي أن تنظر إلى الذي يقصد واضعُ الكلام أن يحصل له من الصورة والصفة»[16].
وفي ضوء هذه الأهمية المنهجية لأمر مراعاة التركيب في فهم النصوص وبيان اتساقها نجد أن العلماء اعتنوا بالتنبيه عليها في فهم النصّ القرآني وتفسيره، فقد سجّلوا تقريراتٍ نفيسة وأنظارًا معتبرة في هذا السياق، وضرورة العناية بتأمّل طرائق التراكيب القرآنية في فهم انسجام الخطاب القرآني واتساق نظمه، من ذلك:
قول الزركشي: «والذي ينبغي في كلّ آية أن يبحث أول كلّ شيء عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة، ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها؟»[17]، وقال أيضًا: «فنقول: النظر في التفسير هو بحسب أفراد الألفاظ وتراكيبها، وأمّا بحسب التركيب فمن وجوه أربعة:
الأول: باعتبار كيفية التراكيب بحسب الإعراب ومقابله من حيث إنها مؤدّية أصل المعنى، وهو ما دلّ عليه المركّب بحسب الوضع، وذلك متعلّق بعلم النحو.
الثاني: باعتبار كيفية التركيب من جهة إفادته معنى المعنى، أعني لازم أصل المعنى الذي يختلف باختلاف مقتضى الحال في تراكيب البُلَغاء، وهو الذي يتكلَّف بإبراز محاسنه علم المعاني.
الثالث: باعتبار طرق تأدية المقصود بحسب وضوح الدلالة وحقائقها ومراتبها، وباعتبار الحقيقة والمجاز، والاستعارة والكناية والتشبيه، وهو ما يتعلق بعلم البيان.
والرابع: باعتبار الفصاحة اللفظية والمعنوية والاستحسان ومقابله، وهو يتعلّق بعلم البديع»[18].
مستلهمًا هذه الرؤية وناسجًا على هذا المنوال، يقدّم الشيخ حسن حبنكة الميداني جهدًا معتبرًا في بيان كثير من القواعد المحققة للقراءة النسقية للخطاب القرآني، من ذلك عنايته بقضية التركيب تحقيقًا واستدلالًا، فيقول: «إنّ مثل الجمل القرآنية وما تحمل من معانٍ ودلالات كمثل حبّات نفيسات الجوهر، نُظِمَت في عِقد متكامل تمثله السورة القرآنية... والتوزيع في الحبّات أو الجواهر النفيسة توزيع فني بديع. والسلك الناظم لها أو الأرضية الجامعة لها أمر يُدْرَك بالفكر الثاقب، وقد لا يلاحظ في اللفظ ما يدلّ عليه. وذلك كما ندرِك التناسق والترابط في الأشكال الهندسية التي تنضّد على وفقها مجموعة من أنفَس الحجارة الكريمة في قطعة من الحُلِيّ، نادرة الصياغة، بديعة التنضيد. وعلى المتدبِّر العميق التفكير أن يكتشف ويحلّل ويُبرِز عناصر الترابط، ويضع أسهم التناسق والترابط بين النفائس الموزعة أبدع توزيع. ويتأكّد على المتدبِّر أن يكتشف الروابط الفكرية بين الجمل المقترنة، ولو كان كلّ منها يتحدّث عن حقيقة من الحقائق منفصلة في الظاهر عن الحقيقة الأخرى التي جاءت مقترنة بها في اللفظ»[19].
ويقول ابن عاشور: «إنّ بلاغة الكلام لا تنحصر في أحوال تراكيبه اللفظية، بل تتجاوز إلى الكيفيات التي تؤدّى بها تلك التراكيب؛ فإنّ سكوت المتكلّم البليغ في جملة سكوتًا خفيفًا قد يفيد من التشويق إلى ما يأتي بعده ما يفيده إبهام بعض كلامه، ثم تعقيبه ببيانه، فإذا كان من مواقع البلاغة نحو الإتيان بلفظ الاستئناف البياني، فإنّ السكوت عند كلمة وتعقيبها بما بعدها يجعل ما بعدها بمنزلة الاستئناف البياني، مثاله قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى}[النازعات: 15، 16]، فإنّ الوقف على قوله: {مُوسَى} يُحدِث في نفس السامع ترقُّبًا لما يبين حديث موسى، فإذا جاء بعده: {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ}...إلخ، حصل البيان مع ما يحصل عند الوقف على كلمة :{مُوسَى} من قرينة من قرائن الكلام»[20].
وكذا قال في موضع آخر: «إنّ القرآن الكريم يتضمّن من المعاني ما يحتاج إليه الناس في كلّ زمان ومكان، وإنّ بلاغة التركيب التي تعدُّ من أبرز سماته لهي ميدان خصب لاستمرارية عطاء القرآن دون نفاد، ومن دون شكّ فإن اللسان العربي يطاوع بشكلٍ كبيرٍ في تحقيق هذه المهمّة، من حيث القدرة الهائلة على تكثيف المغازي ورصد الدروس والعبر...، وإذ قد كان القرآن وحيًا من العلّام سبحانه وقد أراد أن يجعله آية على صدق رسوله وتحدَّى بلغاء العرب بمعارضة أقصر سورة منه...، فقد نسج نظمه نسجًا بالغًا منتهى ما تسمح به اللغة العربية من الدقائق واللطائف -لفظًا ومعنى- بما يفي بأقصى ما يراد بلاغة إلى المرسل إليهم، فجاء القرآن على أسلوب أبدع مما كانوا يعهدون وأعجب...، فالقرآن من جانب إعجازه يكون أكثر معاني من المعاني المعتادة التي يودِعها البلغاء في كلامهم؛ وهو لكونه كتابَ تشريع وتأديب وتعليم كان حقيقًا بأن يودَع فيه من المعاني والمقاصد أكثر ما تحتمله الألفاظ، في أقلّ ما يمكن من المقدار، بحسب ما تسمح به اللغة الوارد هو بها، التي هي أسمح اللغات بهذه الاعتبارات؛ ليحصل تمام المقصود من الإرشاد الذي جاء لأجله في جميع نواحي الهدى...، والقرآن ينبغي أن يودَع من المعاني كلَّ ما يحتاج السامعون إلى عِلْمه، وكلَّ ما له حظ في البلاغة، سواء كانت متساوية أم متفاوتة في البلاغة إذا كان المعنى الأعلى مقصودًا وكان ما هو أدنى منه مرادًا معه لا مرادًا دونه، سواء كانت دلالة التركيب عليها متساوية في الاحتمال والظهور، أم كانت متفاوتة بعضها أظهر من بعض، ولو أنْ تبلغ حدَّ التأويل وهو حمل اللفظ على المعنى المحتمل المرجوح»[21].
نخلص مما سبق بيانه وتحريره ومن التأمّل العميق في النقول والاقتباسات المذكورة أنّ مراعاة التركيب الذي يستخدمه النصّ أمر بالغ الأهمية وضرورة علمية وحاجة منهجية؛ لأنه يسهم في تحقيق:
- بيان اتساق الدلالات في النصّ وتساوقها في الخطاب، والذي يبرز تماسُك النصّ واتساق نظمه.
- ثراء المعنى، ولكن بضوابط علميّة وليس على طريقة النصّ المفتوح عند أصحاب القراءات الحداثية الخالية من كلّ قيد أو ضابط.
كما أنه يمكن أن يسهم وأن يكون عاملًا مساعدًا في:
- ردّ التأويلات المتعسفة التي ينبو عنها التركيب وتجافيها قواعد اللغة؛ لأن عند مراعاة التركيب نأخذ كلّ المباحث اللغوية التي يستدعيها المقام، فيفضي ذلك إلى تلمّس المعنى على هدى وبصيرة.
- تجنب الاستدلالات المبتورة والممزوعة الأوصال عن المعاني السابقة واللاحقة، فذلك مدعاة إلى اطّراح توهُّم وإيهام مناقضة النصوص الشرعية بعضها لبعض.
- المفاضلة والترجيح بين المعاني ليس بناء على الذوق والتشهِّي، ولكن بقواعد العلم المعتبرة.
وإذا كان ما يعنينا هاهنا بقوة هو أهمية مراعاة التركيب وفهمه، وكيف أنه يُعِين بقوة على تحقيق الانسجام في الخطاب القرآني، فإننا سنحاول تتبُّع هذا بصورة تطبيقية في المقالتين التاليتين، بحيث نعمِّق النظر لأهمية مراعاة استحضار نسق التركيب في فهم انسجام الخطاب القرآني.
وسوف نجعل اشتغالنا التطبيقي مأطورًا بتفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) كونه من أبرز من اعتنى بتتبُّع أمر التركيب في تناول التفسير، وحلّ إشكالات النظم والإجابة عنها بصورة علميّة من خلال تحليلات التراكيب التي يستخدمها النصّ، ويظهر ذلك من إلحاحه على تلك القضية (كما مرّ في النقول التي أوردناها عنه قبل، وكذلك يظهر من بيان خطته في التفسير، والتي أوضح أن قوامها على أمرين):
- تفسير التراكيب القرآنية جريًا على تبيُّن معاني الكلمات بحسب استعمال اللغة العربية، ثم أخذ المعاني من دلالات الألفاظ والتراكيب وخواص البلاغة.
- استخلاص المعاني المدلولة منها بدلالات المطابقة والتضمُّن والالتزام، مما يسمح به النظم البليغ، ولو تعددت المحامل والاحتمالات[22].
وإنّ الناظر في هذين الأمرين يجد أن التحليل عند ابن عاشور للنصّ القرآني يأتي تركيبيًّا، أي: إنه يقوم على دراسةِ البنيات المتحكمة في إنتاج المعنى، وتفكيكِ أنساق الجملة، ثم ربطِ الأجزاء بعضها ببعض، وكشفِ العلاقة بين الكلمات والمركبات، وذلك بمراعاة مجموعة من صيغ الكلام ومحدّداته من تقديم وتأخير وحذف وعطف واستئناف واعتراض، والتدقيق في القرائن والسياق السابق واللاحق، لإدراك دلالات كلّ من الأمر والنهي والاستفهام وما يفيد العموم والخصوص وشبه ذلك، وهو الأمر الذي جعله من أبرز التفاسير التي تهتم بحلّ إشكالات النظم وتبيُّن كيفيات اتساقه من خلال التعمُّق في تحليل التراكيب العربية التي توسلها النصّ في إنتاج خطابه.
ونظرًا لاتساع أمر الأساليب والتراكيب العربية التي استخدمها القرآن فإننا سوف نتناول في هذه المحاولة الاستئناف البياني والجملة المعترضة؛ وإنّ من موجبات اختيارهما والاقتصار عليهما ما يأتي:
أولًا: تعذُّر الإحاطة هنا بكلّ قضايا وزوايا الأساليب التي استخدمها القرآن.
ثانيًا: حجم حضور عناية ابن عاشور ببيان اتساق النظم في القرآن من خلال هذين الأسلوبين في القرآن إذا ما قورن بغيره كما هو بيِّن لمن يطالِع تفسيره.
ثالثًا: أن ظاهرة الفصل والوصل في القرآن الكريم من أكثر الظواهر التي قد يستشكل معها أمر النظم وترتيب التناسق الدلالي في النصّ، ومن ثم يكون لحسن فهمها أثر مهم في بيان دلالة النصّ القرآني بدقّة وبكلّ أبعاده، فقد يربط بين جملتين أو يفصل بينهما؛ وذلك من أجلِ الإحاطة بجزئيات النصّ كلّها وعرضها في نسق لافت وبأشكال متعدّدة، من دون فوات في الدلالة، وفي هذا مراعاة لإثارة عقول المخاطبين بمختلف درجات استيعابهم وإثارة نفوسهم ونزعاتهم من أجل الامتثال للخالق[23]، ويعدُّ هذا المبحث «من المسائل الدقيقة في علم التراكيب، بل من أعقدها... فهو في عرف البلاغيين: العلم بمواضع العطف والاستئناف والتهدي إلى كيفية إيقاع حروف العطف في مواقعها أو تركها عند عدم الحاجة إليها»[24].
كما أننا ومن خلال الاستئناف البياني والجملة المعترضة نستطيع أن ندلّل كذلك على أن الدراسة البيانية ليست فقط من أجل الكشف عن الجوانب الفنية في القرآن الكريم، أو المظاهر الإعجازية، وإنما لها تعلُّق وثيق بتلمُّس المعنى والمفاضلة بين الدلالات.
خاتمة:
ظهر لنا من خلال ما سبق أهمية أمر مراعاة التركيب في تحقيق الانسجام والتسلسل الدلالي للنصوص، وأن عناية العلماء بالتنبيه على مراعاة التركيب في التعاطي مع القرآن الكريم وبيان انسجام أجزائه كانت عناية كبيرة وموغلة في القدم في التراث الإسلامي، وذلك لعميق أثر مراعاة التركيب وطريقته في التعامل مع النصّ القرآني وتحقيق انسجامه وتتابعه الدلالي، وهو ما سنحاول أن نتتبعه بصورة تطبيقية في المقالين التاليين مع مسألتي الاستئناف البياني والجملة المعترضة في القرآن؛ لنتأمل كيف عالج ابن عاشور في تفسيره انسجام النصّ وبيّنه من خلال تعمُّقه في تحليل هذين التركيبين، وكيف استطاع كذلك من خلال تحليلاته أن يبرز أغراضًا لهما في الاستعمال تكشف عن روعة التركيب في ساحة النصّ القرآني.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* موقع تفسير: (https://2u.pw/zHdVv).
[1] خصائص تراكيب اللغة العربية، د/ عبد الله علي علي الثوري.
[2] تحاليل أسلوبية، محمد الهادي الطرابلسي، ص128.
[3] دلائل الإعجاز، ص49-50.
[4] دلائل الإعجاز، ص44-46.
[5] الأسس الجمالية للإيقاع البلاغي في العصر العباسي، ابتسام أحمد حمدان، ص71.
[6] دلائل الاعجاز، ص53.
[7] النحو والدلالة، ص16.
[8] دلائل الإعجاز، ص81-82.
[9] اللغة العربية معناها ومبناها، ص18.
[10] دور التعليق في تحديد السياق النصي عند عبد القاهر الجرجاني، مجلة جيل للدراسات الأدبية والفكرية، عدد 38.
[11] أثر السياق القرآني في الترجيح عند المفسرين، ص20.
[12] الخطاب القرآني، عبد الرحمن بودرع، ص181.
[13] الخطاب القرآني، ص182.
[14] نظرية النظم عند الجرجاني وأثرها في تفسير القرآن الكريم، بحث ضمن المؤتمر العالمي الثالث للباحثين في القرآن وعلومه، الطيب الشطاب، ص801.
[15] الخطاب القرآني، عبد الرحمن بودرع، ص134.
[16] دلائل الإعجاز، ص364.
[17] البرهان في علوم القرآن، بدر الدين الزركشي (المتوفى: 794هـ) تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة: الأولى، 1376هـ-1957م، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي، ج1، ص37.
[18] البرهان، الزركشي، ج2، ص174.
[19] قواعد التدبّر الأمثل للميداني.
[20] التحرير والتنوير، (1/ 117).
[21] التحرير والتنوير، (1/ 93).
[22] أليس الصبح بقريب، التعليم العربي الإسلامي، دراسة تاريخية وآراء إصلاحية، محمد الطاهر بن عاشور، دار السلام- القاهرة، ط1، 2006م، ص164.
[23] الدلالة التركيبية في كتابي (معاني القرآن لأبي جعفر النحاس، ومعاني القرآن للفراء)، ص299.
[24] الدلالة التركيبية في كتابي (معاني القرآن لأبي جعفر النحاس، ومعاني القرآن للفراء)، ص299.مراعاة التركيب وأثره في بيان انسجام نظم القرآن* ابن عاشور أنموذجًا (1-3) الكاتب : مصطفى فاتيحي درَج القرآن الكريم على استعمال الأساليب والتراكيب العربية؛ كونه نزل على لغة العرب، وقد تبارت أقلام العلماء قديمًا وحديثًا في تفسير القرآن وفهمه وتناوُل ما يكتنزه كتاب الله من أسرار لغوية ومكنونات دلالية، وكذلك ما يحمله من مناسبات وارتباطات بين أجزاء تراكيبه، وقد تباينت نتائجهم وتقريراتهم أحيانًا في بيان وجوه الارتباط بين أجزاء النَّظْم وتأمّل المناسبات بينها بحسب أدوات البحث والتنقيب المستعملة، وحسب تفاوت القرائح والملَكات ودرجات العمق في تأمّل النظم وطرائق التراكيب العربية التي استخدمها النصّ، وتحليل هذه التراكيب ووجوه التعالق بينها. ولا شك أنّ العمق في فهم التراكيب العربية له أثرٌ بارزٌ جدًّا في فهم انسجام النصّ ذاته، ومسالك اتساق خطابه، وكيفيات انتقاله من حال لآخر، وبيان أسباب استعماله لأسلوب معيّن في موطن معين، وأن هذا الأسلوب لا يمثل قطعًا دلاليًّا بقدر ما يطرح ثراءً في المعنى يتحقّق به انسجام النصّ على صورة بديعة، ويفضي لتكامله واتساق نظمه؛ ومن هاهنا فإننا سنحاول في هذه المقالات أن نعالج هذه القضية، ونبرز أثر التعمق في فهم التراكيب القرآنية في عملية الفهم للخطاب القرآني، وبيان درجة الانسجام الحاصلة في هذا الخطاب. إنّ أساليب التركيب التي استعملها القرآن تشمل الكثير من الأمور، ويندرج في طيّاتها العديد من المسائل النحوية والبيانية التي يمكن أن يتأتّى عليها نسق بناء الجمل والعبارات في النصّ، غير أننا سنُعنى في معالجتنا بالتراكيب والأساليب البيانية فقط. كما أن اشتغالنا سيكون مأطورًا بقضيتي (الاستئناف البياني، والجملة المعترضة في القرآن) بشكلٍ خاصّ لأمور سيأتي ذكر مسوغاتها، بحيث نبيّن أثر التعمّق في تحليلهما في بيان اتساق النصّ وانسجام نظمه، وذلك من خلال النظر في تفسير ابن عاشور وتطبيقاته لكثرة عنايته بهذا الأمر في التفسير على ما سيأتي توضيحه. وقبل الشروع في ذلك الغرض فإننا سنحاول أولًا أن نسلِّط الضوء على أهمية مراعاة التركيب في فهم انسجام الخطاب القرآني واتساق نظمه، وبيانه على النحو الآتي: مراعاة التركيب وأهميته في فهم انسجام الخطاب القرآني: التركيب يعني: الجملة المركبة من عدد من الألفاظ وفق نسق معيّن، ويلزم أن يؤدي هذا التركيب معنى مفيدًا أو مقصودًا، وفي اللغة العربية نسميه الجملة، التي تنقسم إلى جملة اسمية وجملة فعلية، ولها استخدامات عديدة حسب القصد المراد منها، مثل: الجملة الابتدائية، والجملة الإخبارية، والجملة البسيطة، والجملة المركّبة، وجملة الحال، وجملة الصلة، وغيرها. والتركيب اللغوي «لا يستقيم أمره إلّا وفق قواعد وأسس خاصّة، هي التي نطلق عليها القواعد النحوية، التي تضبط تكوين الجملة في اللغة العربية وغيرها من اللغات»[1]. ومن البديهي أن يكون «أساس التركيب في كلّ كلام هو أساس التعبير، لكن عندما تكون التراكيب على تنوّع موادها راجعة إلى منوال واحد أو منوالات متعدّدة بتعدّد أساليب التعبير الغالبة... فإن لُحمة مقالية مخصوصة تحدث بين التركيب والتعبير، فتتحوّل بمقتضاها العلاقة بينهما من علاقة عضوية اعتباطية إلى علاقة طبيعية مبرّرة، تعكس لُحمة مقامية وترقى بالكلام»[2]. لذلك يقول الجرجاني: «فليس الغرض بنظم الكلم أنْ توالت ألفاظها في النطق، بل أنْ تناسقَت دلالاتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل»[3]. ويقول أيضًا: «فينبغي أن يُنظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف، وقبل أن تصير إلى الصورة التي بها يكون الكلم إخبارًا وأمرًا ونهيًا واستخبارًا وتعجبًا، وتؤدي في الجملة معنى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلّا بضم كلمة إلى كلمة وبناء لفظة على لفظة...، وهل يقع في وهمٍ وإنْ جُهِد أن تتفاضل الكلمتان المفردتان من غير أن ينظر إلى مكان تقعان فيه من التأليف والنظم؟... وهل تجد أحدًا يقول: (هذه اللفظة فصيحة)، إلّا وهو يعتبر مكانها من النظم، وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها وفضل مؤانستها لأخواتها؟»[4]، ثم يضيف: «فالألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة، إن الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها، وما أشبه ذلك مما لا تعلُّق له بصريح اللفظ». ومن هاهنا فإن النظم في جوهره «يقوم على التلازم والانسجام بين الأجزاء وائتلافها على نحوٍ يوفّر التماسك التركيبي، ويجعل أيّ تغيير في بناء النصّ يؤدي إلى تداعيه أو إلى تغيير معانيه وسماته»[5]. يقول الجرجاني في موضع آخر وهو يرافع عن أهمية نظم الكلام وتركيبه: «واعلم أنك إذا رجعتَ إلى نفسك علمتَ علمًا لا يعترضه شك أن لا نظم في الكلم ولا ترتيب حتى يُعلَّق بعضُها ببعض، وينبني بعضها على بعض وتُجعَل هذه بسبب تلك؛ هذا ما لا يجهله عاقل ولا يخفى على أحد من الناس... إن اللفظ تبع للمعنى في النظم، وإن الكلمة تترتَّب في النطق بسبب ترتُّب معانيها في النفس»[6]. ومن هنا لا يصحّ في التفسير أن يؤخذ اللفظ وحده معزولًا عن سياقه الخاصّ والعام، والسياق الخاصّ هو تعليقه في جملته وعلاقته التبادلية مع ما يكون معه جملة، والسياق العام هو النص كلّه فالكلمة في نصّ يكون لها دلالة تختلف عن دلالتها في نصّ آخر، وبهذا ينبني المعنى ويتكامل[7]. لا يترك الجرجاني الأمر مبهمًا بل يسرد مجموعة من الوجوه التي يقوم عليها النظم وتركيب الجمل في الكلام، فيقول: «وذلك أنّا لا نعلم شيئًا يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كلّ باب وفروقه، فينظر في (الخبر) إلى الوجوه التي تراها في قولك: (زيد منطلق) و(زيد ينطلق)، و(ينطلق زيد) و(منطلق زيد)، و(زيد المنطلق) و(المنطلق زيد) و(زيد هو المنطلق)، و(زيد هو منطلق). وفي (الشرط والجزاء)...، وينظر في الجمل التي تُسرَد فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل؛ ثم يعرف فيما حقّه الوصل موضع (الواو) من موضع (الفاء)، وموضع (الفاء) من موضع (ثُم)، وموضع (أو) من موضع (أَمْ)، وموضع (لكنْ) من موضع (بل). ويتصرف في التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير في الكلام كلّه، وفي الحذف والتكرار، والإضمار والإظهار، فيصيب من ذلك مكانه، ويستعمله على الصحة وعلى ما ينبغي له»[8]. ولذلك نجد الدكتور تمام حسان يقول: «لقد كانت مبادرة العلّامة عبد القاهر الجرجاني -رحمه الله- بدراسة النظم وما يتصل به من بناء وترتيب وتعليق من أكبر الجهود التي بذلتها الثقافة العربية قيمةً في سبيل إيضاح المعنى الوظيفي في السياق والتركيب»[9]. ويقول عبد الرحمن إكيدر: «إنّ تحليل النصّ ودراسة اتساقه حسب قرائن التعليق المعنوية تسمح بربط الصلة وإقامة العلاقة بين كلّ جزء من أجزاء السياق، ليس فقط في رصد إطار علاقة كلمة بأخرى داخل الجملة، بل أيضًا تتبع علاقة جملة بأخرى في إطار استمرارية خطيّة نصيّة، تجعل من النصّ نسيجًا من الكلمات والجمل تتعلَّق بعضها ببعض»[10]. وبذلك يظهر أننا عندما نراعي التركيب وطريقته في فهم النصّ فإننا بذلك نكون قد سعينا إلى القراءة النسقية التي تستحضر مجموعة من المعطيات اللغوية (النحو والبلاغة) والعلاقات السياقية بين أجزاء النصّ، من أجل تحقيق الفهم المتكامل المفضي إلى الانسجام والبنائية، حيث نجد تعالقًا كبيرًا وترابطًا وشيجًا بين التركيب والسياق والنظم والمناسبة والتي هي أمور رئيسة يجب مراعاتها في الوصول لانسجام الخطاب في النصّ: التركيب والسياق: تستمد دلالة السياق القرآني أهميتها من كونها تفسيرًا للقرآن بالقرآن نفسه، حيث إنها بيان المعنى من خلال تتابع المفردات والجمل والتراكيب القرآنية المترابطة، بل إنّ سياق الآية وسياق المقطع من أعلى تفسير القرآن بالقرآن، لأنه في محلّ واحد[11]. تكمن علاقة التركيب بالسياق باعتبار السياق إطارًا عامًّا تنتظم فيه عناصر النصّ ووحداته اللغوية، ومقياسًا تتصل بواسطته الجمل فيما بينها وتترابط، وبيئة لغوية وتداولية ترعى مجموع العناصر المعرفية التي يقدمها النصّ للقارئ. ويضبط السياق «حركات الإحالة بين عناصر النصّ، فلا يفهم معنى كلمة أو جملة إلّا بوصلها بالتي قبلها أو بعدها داخل إطار السياق...، وإن التحليل بالسياق يعدُّ وسيلة من بين وسائل تصنيف المدلولات؛ لذلك يتعين عرض اللفظ القرآني على موقعه لفهم معناه ودفع المعاني غير المرادة»[12]، وبهذا المعنى فإن السياق «يتسع ليشمل ما هو مكاني زمني وموضوعي ومقاصدي وتاريخي، لكن الألصق بالتركيب هو اللغوي، وهو دراسة النصّ القرآني من خلال علاقات ألفاظه بعضها ببعض والأدوات المستعملة للربط بين هذه الألفاظ، وما يترتب على تلك العلائق من دلالات جزئية وكلية»[13]. فالسياق متّجه إذن إلى المعنى بالكلية، «والنظم متّجه إلى كيفية صياغته في الجملة، ولماذا جيء به على نحوٍ دون غيره. فمعرفة نظم الآية وأسراره البيانية، مساعدة على معرفة سياقها. كما أن سياقها مساعد على معرفة دقائق نظمها، فلأن تدرك نكتة التعريف والتنكير والمجاز من الحقيقة في نظم قرآني لا بد من معرفة سياق الآية الذي هو موضوعها والمراد من الخطاب بها، كما أن تحليل نظمها والعلاقات بين مفردات جملها مساعد على معرفة سياقها، فالعلاقة إذن تلازمية»[14]. التركيب والمناسبة: تكمن أيضًا علاقة التركيب بالمناسبة؛ «لأن المناسبة ترتبط بكلّ المباحث اللغوية والنحوية والبلاغية التي تعنى بالعلاقات الكبرى بين أجزاء النصّ، ومن شأن الدراسة النصيّة أنْ تُجنِّب النصّ القرآني القراءة التجزيئية، وتقدِّم قراءة جامعة تنتظم فيها الكلمات والآيات والسور في سلك واحد، وتنتظم فيه المعاني والدلالات والمقاصد في أصلٍ واحد، فيبدو النصّ القرآني كله قطعة واحدة يكون فيها الكلام متحدرًا تحدُّر الماء المنسجم، سهولة سبك وعذوبة ألفاظ وجمع معانٍ»[15]. التركيب والنظم: وذلك من خلال ما أشار إليه الجرجاني قائلًا: «وجملة الأمر أنه لا يكون ترتيبٌ في شيء حتى يكون هناك قصدٌ إلى صورة وصفة، إن لم يُقَدَّم فيه ما قُدِّم، ولو يؤخَّر ما أُخِّر، وبُدِئ بالذي ثُنِّي به، أو ثُنِّي بالذي ثُلِّث به، لم تحصل لك تلك الصورة وتلك الصفة. وإذا كان كذلك، فينبغي أن تنظر إلى الذي يقصد واضعُ الكلام أن يحصل له من الصورة والصفة»[16]. وفي ضوء هذه الأهمية المنهجية لأمر مراعاة التركيب في فهم النصوص وبيان اتساقها نجد أن العلماء اعتنوا بالتنبيه عليها في فهم النصّ القرآني وتفسيره، فقد سجّلوا تقريراتٍ نفيسة وأنظارًا معتبرة في هذا السياق، وضرورة العناية بتأمّل طرائق التراكيب القرآنية في فهم انسجام الخطاب القرآني واتساق نظمه، من ذلك: قول الزركشي: «والذي ينبغي في كلّ آية أن يبحث أول كلّ شيء عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة، ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها؟»[17]، وقال أيضًا: «فنقول: النظر في التفسير هو بحسب أفراد الألفاظ وتراكيبها، وأمّا بحسب التركيب فمن وجوه أربعة: الأول: باعتبار كيفية التراكيب بحسب الإعراب ومقابله من حيث إنها مؤدّية أصل المعنى، وهو ما دلّ عليه المركّب بحسب الوضع، وذلك متعلّق بعلم النحو. الثاني: باعتبار كيفية التركيب من جهة إفادته معنى المعنى، أعني لازم أصل المعنى الذي يختلف باختلاف مقتضى الحال في تراكيب البُلَغاء، وهو الذي يتكلَّف بإبراز محاسنه علم المعاني. الثالث: باعتبار طرق تأدية المقصود بحسب وضوح الدلالة وحقائقها ومراتبها، وباعتبار الحقيقة والمجاز، والاستعارة والكناية والتشبيه، وهو ما يتعلق بعلم البيان. والرابع: باعتبار الفصاحة اللفظية والمعنوية والاستحسان ومقابله، وهو يتعلّق بعلم البديع»[18]. مستلهمًا هذه الرؤية وناسجًا على هذا المنوال، يقدّم الشيخ حسن حبنكة الميداني جهدًا معتبرًا في بيان كثير من القواعد المحققة للقراءة النسقية للخطاب القرآني، من ذلك عنايته بقضية التركيب تحقيقًا واستدلالًا، فيقول: «إنّ مثل الجمل القرآنية وما تحمل من معانٍ ودلالات كمثل حبّات نفيسات الجوهر، نُظِمَت في عِقد متكامل تمثله السورة القرآنية... والتوزيع في الحبّات أو الجواهر النفيسة توزيع فني بديع. والسلك الناظم لها أو الأرضية الجامعة لها أمر يُدْرَك بالفكر الثاقب، وقد لا يلاحظ في اللفظ ما يدلّ عليه. وذلك كما ندرِك التناسق والترابط في الأشكال الهندسية التي تنضّد على وفقها مجموعة من أنفَس الحجارة الكريمة في قطعة من الحُلِيّ، نادرة الصياغة، بديعة التنضيد. وعلى المتدبِّر العميق التفكير أن يكتشف ويحلّل ويُبرِز عناصر الترابط، ويضع أسهم التناسق والترابط بين النفائس الموزعة أبدع توزيع. ويتأكّد على المتدبِّر أن يكتشف الروابط الفكرية بين الجمل المقترنة، ولو كان كلّ منها يتحدّث عن حقيقة من الحقائق منفصلة في الظاهر عن الحقيقة الأخرى التي جاءت مقترنة بها في اللفظ»[19]. ويقول ابن عاشور: «إنّ بلاغة الكلام لا تنحصر في أحوال تراكيبه اللفظية، بل تتجاوز إلى الكيفيات التي تؤدّى بها تلك التراكيب؛ فإنّ سكوت المتكلّم البليغ في جملة سكوتًا خفيفًا قد يفيد من التشويق إلى ما يأتي بعده ما يفيده إبهام بعض كلامه، ثم تعقيبه ببيانه، فإذا كان من مواقع البلاغة نحو الإتيان بلفظ الاستئناف البياني، فإنّ السكوت عند كلمة وتعقيبها بما بعدها يجعل ما بعدها بمنزلة الاستئناف البياني، مثاله قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى}[النازعات: 15، 16]، فإنّ الوقف على قوله: {مُوسَى} يُحدِث في نفس السامع ترقُّبًا لما يبين حديث موسى، فإذا جاء بعده: {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ}...إلخ، حصل البيان مع ما يحصل عند الوقف على كلمة :{مُوسَى} من قرينة من قرائن الكلام»[20]. وكذا قال في موضع آخر: «إنّ القرآن الكريم يتضمّن من المعاني ما يحتاج إليه الناس في كلّ زمان ومكان، وإنّ بلاغة التركيب التي تعدُّ من أبرز سماته لهي ميدان خصب لاستمرارية عطاء القرآن دون نفاد، ومن دون شكّ فإن اللسان العربي يطاوع بشكلٍ كبيرٍ في تحقيق هذه المهمّة، من حيث القدرة الهائلة على تكثيف المغازي ورصد الدروس والعبر...، وإذ قد كان القرآن وحيًا من العلّام سبحانه وقد أراد أن يجعله آية على صدق رسوله وتحدَّى بلغاء العرب بمعارضة أقصر سورة منه...، فقد نسج نظمه نسجًا بالغًا منتهى ما تسمح به اللغة العربية من الدقائق واللطائف -لفظًا ومعنى- بما يفي بأقصى ما يراد بلاغة إلى المرسل إليهم، فجاء القرآن على أسلوب أبدع مما كانوا يعهدون وأعجب...، فالقرآن من جانب إعجازه يكون أكثر معاني من المعاني المعتادة التي يودِعها البلغاء في كلامهم؛ وهو لكونه كتابَ تشريع وتأديب وتعليم كان حقيقًا بأن يودَع فيه من المعاني والمقاصد أكثر ما تحتمله الألفاظ، في أقلّ ما يمكن من المقدار، بحسب ما تسمح به اللغة الوارد هو بها، التي هي أسمح اللغات بهذه الاعتبارات؛ ليحصل تمام المقصود من الإرشاد الذي جاء لأجله في جميع نواحي الهدى...، والقرآن ينبغي أن يودَع من المعاني كلَّ ما يحتاج السامعون إلى عِلْمه، وكلَّ ما له حظ في البلاغة، سواء كانت متساوية أم متفاوتة في البلاغة إذا كان المعنى الأعلى مقصودًا وكان ما هو أدنى منه مرادًا معه لا مرادًا دونه، سواء كانت دلالة التركيب عليها متساوية في الاحتمال والظهور، أم كانت متفاوتة بعضها أظهر من بعض، ولو أنْ تبلغ حدَّ التأويل وهو حمل اللفظ على المعنى المحتمل المرجوح»[21]. نخلص مما سبق بيانه وتحريره ومن التأمّل العميق في النقول والاقتباسات المذكورة أنّ مراعاة التركيب الذي يستخدمه النصّ أمر بالغ الأهمية وضرورة علمية وحاجة منهجية؛ لأنه يسهم في تحقيق: - بيان اتساق الدلالات في النصّ وتساوقها في الخطاب، والذي يبرز تماسُك النصّ واتساق نظمه. - ثراء المعنى، ولكن بضوابط علميّة وليس على طريقة النصّ المفتوح عند أصحاب القراءات الحداثية الخالية من كلّ قيد أو ضابط. كما أنه يمكن أن يسهم وأن يكون عاملًا مساعدًا في: - ردّ التأويلات المتعسفة التي ينبو عنها التركيب وتجافيها قواعد اللغة؛ لأن عند مراعاة التركيب نأخذ كلّ المباحث اللغوية التي يستدعيها المقام، فيفضي ذلك إلى تلمّس المعنى على هدى وبصيرة. - تجنب الاستدلالات المبتورة والممزوعة الأوصال عن المعاني السابقة واللاحقة، فذلك مدعاة إلى اطّراح توهُّم وإيهام مناقضة النصوص الشرعية بعضها لبعض. - المفاضلة والترجيح بين المعاني ليس بناء على الذوق والتشهِّي، ولكن بقواعد العلم المعتبرة. وإذا كان ما يعنينا هاهنا بقوة هو أهمية مراعاة التركيب وفهمه، وكيف أنه يُعِين بقوة على تحقيق الانسجام في الخطاب القرآني، فإننا سنحاول تتبُّع هذا بصورة تطبيقية في المقالتين التاليتين، بحيث نعمِّق النظر لأهمية مراعاة استحضار نسق التركيب في فهم انسجام الخطاب القرآني. وسوف نجعل اشتغالنا التطبيقي مأطورًا بتفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) كونه من أبرز من اعتنى بتتبُّع أمر التركيب في تناول التفسير، وحلّ إشكالات النظم والإجابة عنها بصورة علميّة من خلال تحليلات التراكيب التي يستخدمها النصّ، ويظهر ذلك من إلحاحه على تلك القضية (كما مرّ في النقول التي أوردناها عنه قبل، وكذلك يظهر من بيان خطته في التفسير، والتي أوضح أن قوامها على أمرين): - تفسير التراكيب القرآنية جريًا على تبيُّن معاني الكلمات بحسب استعمال اللغة العربية، ثم أخذ المعاني من دلالات الألفاظ والتراكيب وخواص البلاغة. - استخلاص المعاني المدلولة منها بدلالات المطابقة والتضمُّن والالتزام، مما يسمح به النظم البليغ، ولو تعددت المحامل والاحتمالات[22]. وإنّ الناظر في هذين الأمرين يجد أن التحليل عند ابن عاشور للنصّ القرآني يأتي تركيبيًّا، أي: إنه يقوم على دراسةِ البنيات المتحكمة في إنتاج المعنى، وتفكيكِ أنساق الجملة، ثم ربطِ الأجزاء بعضها ببعض، وكشفِ العلاقة بين الكلمات والمركبات، وذلك بمراعاة مجموعة من صيغ الكلام ومحدّداته من تقديم وتأخير وحذف وعطف واستئناف واعتراض، والتدقيق في القرائن والسياق السابق واللاحق، لإدراك دلالات كلّ من الأمر والنهي والاستفهام وما يفيد العموم والخصوص وشبه ذلك، وهو الأمر الذي جعله من أبرز التفاسير التي تهتم بحلّ إشكالات النظم وتبيُّن كيفيات اتساقه من خلال التعمُّق في تحليل التراكيب العربية التي توسلها النصّ في إنتاج خطابه. ونظرًا لاتساع أمر الأساليب والتراكيب العربية التي استخدمها القرآن فإننا سوف نتناول في هذه المحاولة الاستئناف البياني والجملة المعترضة؛ وإنّ من موجبات اختيارهما والاقتصار عليهما ما يأتي: أولًا: تعذُّر الإحاطة هنا بكلّ قضايا وزوايا الأساليب التي استخدمها القرآن. ثانيًا: حجم حضور عناية ابن عاشور ببيان اتساق النظم في القرآن من خلال هذين الأسلوبين في القرآن إذا ما قورن بغيره كما هو بيِّن لمن يطالِع تفسيره. ثالثًا: أن ظاهرة الفصل والوصل في القرآن الكريم من أكثر الظواهر التي قد يستشكل معها أمر النظم وترتيب التناسق الدلالي في النصّ، ومن ثم يكون لحسن فهمها أثر مهم في بيان دلالة النصّ القرآني بدقّة وبكلّ أبعاده، فقد يربط بين جملتين أو يفصل بينهما؛ وذلك من أجلِ الإحاطة بجزئيات النصّ كلّها وعرضها في نسق لافت وبأشكال متعدّدة، من دون فوات في الدلالة، وفي هذا مراعاة لإثارة عقول المخاطبين بمختلف درجات استيعابهم وإثارة نفوسهم ونزعاتهم من أجل الامتثال للخالق[23]، ويعدُّ هذا المبحث «من المسائل الدقيقة في علم التراكيب، بل من أعقدها... فهو في عرف البلاغيين: العلم بمواضع العطف والاستئناف والتهدي إلى كيفية إيقاع حروف العطف في مواقعها أو تركها عند عدم الحاجة إليها»[24]. كما أننا ومن خلال الاستئناف البياني والجملة المعترضة نستطيع أن ندلّل كذلك على أن الدراسة البيانية ليست فقط من أجل الكشف عن الجوانب الفنية في القرآن الكريم، أو المظاهر الإعجازية، وإنما لها تعلُّق وثيق بتلمُّس المعنى والمفاضلة بين الدلالات. خاتمة: ظهر لنا من خلال ما سبق أهمية أمر مراعاة التركيب في تحقيق الانسجام والتسلسل الدلالي للنصوص، وأن عناية العلماء بالتنبيه على مراعاة التركيب في التعاطي مع القرآن الكريم وبيان انسجام أجزائه كانت عناية كبيرة وموغلة في القدم في التراث الإسلامي، وذلك لعميق أثر مراعاة التركيب وطريقته في التعامل مع النصّ القرآني وتحقيق انسجامه وتتابعه الدلالي، وهو ما سنحاول أن نتتبعه بصورة تطبيقية في المقالين التاليين مع مسألتي الاستئناف البياني والجملة المعترضة في القرآن؛ لنتأمل كيف عالج ابن عاشور في تفسيره انسجام النصّ وبيّنه من خلال تعمُّقه في تحليل هذين التركيبين، وكيف استطاع كذلك من خلال تحليلاته أن يبرز أغراضًا لهما في الاستعمال تكشف عن روعة التركيب في ساحة النصّ القرآني. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * موقع تفسير: (https://2u.pw/zHdVv). [1] خصائص تراكيب اللغة العربية، د/ عبد الله علي علي الثوري. [2] تحاليل أسلوبية، محمد الهادي الطرابلسي، ص128. [3] دلائل الإعجاز، ص49-50. [4] دلائل الإعجاز، ص44-46. [5] الأسس الجمالية للإيقاع البلاغي في العصر العباسي، ابتسام أحمد حمدان، ص71. [6] دلائل الاعجاز، ص53. [7] النحو والدلالة، ص16. [8] دلائل الإعجاز، ص81-82. [9] اللغة العربية معناها ومبناها، ص18. [10] دور التعليق في تحديد السياق النصي عند عبد القاهر الجرجاني، مجلة جيل للدراسات الأدبية والفكرية، عدد 38. [11] أثر السياق القرآني في الترجيح عند المفسرين، ص20. [12] الخطاب القرآني، عبد الرحمن بودرع، ص181. [13] الخطاب القرآني، ص182. [14] نظرية النظم عند الجرجاني وأثرها في تفسير القرآن الكريم، بحث ضمن المؤتمر العالمي الثالث للباحثين في القرآن وعلومه، الطيب الشطاب، ص801. [15] الخطاب القرآني، عبد الرحمن بودرع، ص134. [16] دلائل الإعجاز، ص364. [17] البرهان في علوم القرآن، بدر الدين الزركشي (المتوفى: 794هـ) تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة: الأولى، 1376هـ-1957م، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي، ج1، ص37. [18] البرهان، الزركشي، ج2، ص174. [19] قواعد التدبّر الأمثل للميداني. [20] التحرير والتنوير، (1/ 117). [21] التحرير والتنوير، (1/ 93). [22] أليس الصبح بقريب، التعليم العربي الإسلامي، دراسة تاريخية وآراء إصلاحية، محمد الطاهر بن عاشور، دار السلام- القاهرة، ط1، 2006م، ص164. [23] الدلالة التركيبية في كتابي (معاني القرآن لأبي جعفر النحاس، ومعاني القرآن للفراء)، ص299. [24] الدلالة التركيبية في كتابي (معاني القرآن لأبي جعفر النحاس، ومعاني القرآن للفراء)، ص299.1
0
- السياق القرآني وأثره في الكشف عن المعاني
الكاتب: زيد عمر عبدالله
ملخص البحث:
يعرض البحث لقضية تفسير النصوص، ويسلط الضوء علي السياق؛ كونه من أبرز القرائن المعينة على فهم النص وتفسيره تفسيراً صحيحاً يكشف عن المراد منه.
عرض البحث لتعريف السياق، وبيان منزلته ومجالاته، وبين أن كثيراً من المفسرين عُنوا به قديماً وحديثاً، وأنزلوه منزلته بإزاء القرائن الأخرى، وطائفة أخرى قليلة ربما أهملته، أو تجاوزت في توظيفه، فنتج عن هذا خلل في فهم النص، وقد بين ذلك كله بالأمثلة القرآنية.
وخلص البحث إلى أن للسياق أثراً بارزاً في ترجيح المحتملات، وبيان المجملات، وفي عود الضمير والقراءات، وفي تنقيح التفسير من الدخيل والإسرائيليات، ودفع ما يتوهم أنه تعارض بين الآيات، وإن كان هذا البحث لم يتسع من ذلك كله إلا إلى إشارات.
وكان لمفسري القرآن فضل السبق في الكشف عن دور السياق مما يظن أنه من نتاج الدراسات اللسانية الحديثة، ومن مبتكرات مدارس تحليل الخطاب.
مقدمة:
الحمد لله الذي نصب للحق دليلاً، والصلاة والسلام علي النبي الأمين أعلم الناس بمراد الله، ورضي الله عن صحابة رسوله الكرام الأمناء علي الوحي، ومن تبعهم بإحسان، وبعد.
كان تفسير النصوص - وما زال - الشغل الشاغل للعلماء، كلٌّ في مجال اختصاصه؛ لأن فهم المراد من النص الهدف الأولى، والغاية الكبرى؛ لما له من الآثار والثمار، فلا غرو بهذا الاعتبار أن تتجه الأنظار إلى تفسير النصوص منذ وجدت.
صاحب تفسير النصوص تباين في الوسائل والغايات، فمن طائفة حرصت على الكشف عن المراد من النص في ضوء ما أتيح لها من معالم وقرائن معينة على فهمه، وطائفة أخرى أهمتها أغراضها؛ فغدت على النص تفسره كيفما ترى أو يحلو لها، بعيداً عن الضوابط والقرائن، جاهلة بها، أو متجاهلة لها؛ فكانت الجناية على النص.
حرص أهل الشأن علي الحيلولة دون العبث بالنصوص؛ فعمدوا بعد استقراءٍ وجمعٍ إلى وضع مجموعة من القواعد والمعالم التي تعين على التفسير السليم للنصوص، ولتكون بمثابة الميزان الذي يعرف به التفسير المقبول من غيره.
لقد آتت هذه القواعد ثمارها، وبرزت آثارها، فصار لها حضور مشهور لدى مفسري النصوص، بخاصة مفسرو القرآن الكريم، الذين عنوا بها منذ وقت مبكر؛ تفصيلاً وتأصيلاً وتطبيقاً، فحازوا فضل السبق في ذلك كله.
كان السياق من أبرز هذه القواعد والقرائن، وقف المفسرون على دوره المتميز، فأنزلوه منزلته اللائقة به في الجملة، مع شائبة مردها الإفراط والتفريط أحيانا، سنعرض لها ونحن نكشف عن معنى السياق، وعن منزلته ومجالاته وغاياته، في بحث يدور حول أثر السياق القرآني في الكشف عن المعاني، وسيكون هذا كله في نطاق ما يتسع له المقام من بسط وضرب للأمثلة، في محاولة لإبراز ما اندثر، وجمع ما انتثر من مسائل تتصل بالسياق، لعلها تعطي بمجموعها صورة واضحة المعالم، وتعين علي الإفادة منه دون إفراط أو تفريط، وهي خطوة سبقتها من غيري خطوات متناثرات؛ سوغت لي الكتابة في هذا الموضوع.
آمل أن تكون هذه الدراسة خطوة نحو تفسير سليم. والله سبحانه أعلم.
السياق: أهميته ومجالاته:
يعتمد فهم النص - أي نص - على مجموعة من العوامل والمعالم، سواء أكانت داخله أم خارجه، وقد تنبه لها العلماء - كلٌّ في مجال اختصاصه - فعرضوا لها تفصيلاً وتأصيلاً؛ بغية الوصول إلى تفسير للنص يكشف عن المراد منه.
إن هذه العوامل - على تفاوت بينها في الآثار والثمار - ذات تأثير مباشر على المعنى الدقيق للكلمات "وهذا أمر لم يعارض فيه أحد معارضة جدية" [1، ص75]، ويعد السياق من أبرزها، وأكثرها أثرا في تحديد المعنى؛ "لأن اللغة ظاهرة اجتماعية، فيكون الفهم متوقفاً على النظر إلى الكلام في ضوء السياق" [2، ص 464]، سواء أكان هذا السياق كلامياً أم غير كلامي [3، ص 100].
تتسع دائرة السياق بعامة، ويمتد نفوذه فيؤثر في جوانب متعددة في النص، فهو يسهم في تحديد المعنى ودفع اللبس، كما في كلمة "السائل" [4، ص282] مثلاً، ففي قولنا: "الدواء السائل أسلم للأطفال. تكون "السائل" اسم فاعل من "سال"، وفي قوله تعالي: ﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [المعارج: 24 ،25] تكون "السائل" اسم فاعل من "سأل"، وفي قولنا: "سائل العلياء عنا" يكون "سائل"فعل أمر، ويعود الفضل للسياق في ضبط هذه الدلالات للكلمة الواحدة ، ودفع ما قد يتوهم من لبس.
للسياق كذلك أثر في تحديد الزمن النحوي [5، ص 242]، وفي حل بعض مشاكل التنافر، وتوالي الأضداد [5، ص 262]، كما يحول السياق دون إنشاء جمل مستقيمة نحوياً ولا معنى لها، كقولنا: تأكل التفاحة الولد [6، ص148]، إلى غير ذلك من المجالات التي نعرض عنها؛ لأنها خارج دائرة هذا البحث[1].
للسياق حضور أيما حضور في مجال تفسير النصوص القانونية، ولهذا تسالم رجال القانون على أنه "يجب أن تفهم الكلمات الواردة في النص القانوني، في ضوء المعنى الذي يعبر عنه سياق النص" [7، ص92].
لقد عُني العلماء بنظرية السياق كثيراً، حتى صارت عندهم الركن الرئيس في تحليل الخطاب، وفهم النص، حين أدركوا أهمية السياق في هذا المجال، ولو متأخراً، وفي هذا يقول براون ويول: "إن الفكرة القائلة بإمكان تحليل سلسلة لغوية (جملة مثلاً) تحليلاً كاملاً بدون مراعاة السياق قد أصبحت في السنين الأخيرة محل شك" [3، ص 32].
إذا كان بروز هذا الاهتمام متأخراً عند غيرنا - كما يفهم من العبارة السابقة - فإن عناية علمائنا بالسياق كانت مصاحبة لنزول القرآن الكريم، وكان له استحضار مؤثر في فهم النص العربي بعامة.
يحسن بنا قبل أن نفصل القول فيما نحن بصدده أن نحدد المقصود من السياق الذي سنعرض له؛ "لأن هذه الكلمة استعملت حديثاً في عدة معاني مختلفة [1، ص 57].
يتكون السياق - موضوع دراستنا - من السباق واللحاق، أما السباق: فهو من السبق، وهو التقدم، ويطلق على التقدم في السير [8، جـ 3، ص129؛ 9 ، ص395]، ونعني به موضع الشيء [10، ص 508] ما قبل النظر؛ أما اللحاق: فهو من لحقته ولحقت به، أي: أدركته، وهو كل شيء لحق شيئاً، أو ألحق به [11، جـ10، ص327]، ويطلق على ما بعد الشيء موضع النظر.
إن السياق الذي نعني هو ذلك السياق الداخلي الذي يُعنى بالنظم اللفظي للكلمة، وموقعها من ذلك النظم، آخذاً بعين الاعتبار ما قبلها وما بعدها في الجملة، وقد تتسع [1، ص 57] دائرته إذا دعت الحاجة، فيشمل الجمل السابقة واللاحقة، بل والقطعة كلها، والكتاب كله.
يمكن في ضوء ما تقدم أن نتفهم دور السياق القرآني في الكشف عن المعاني ونحن نستحضر أن ترتيب الآيات في السور القرآنية توقيفي[2]، وأن المناسبة في الأصل قائمة بين هذه الآيات، وهذا يحمل على الاطمئنان إلى النتائج التي تسفر عنها مراعاة السياق في نظم معجز تكلم به الحكيم الخبير، ولا غرو من ذلك بعد أن ظهرت الآثار الإيجابية لمراعاة السياق في تحليل الخطاب الصادر عن البشر كما قال أولمان: "إن نظرية السياق إذا طبقت بحكمة؛ تمثل الحجر الأساس في علم المعنى، وقد قادت بالفعل إلى الحصول على مجموعة من النتائج الباهرة بهذا الشأن" [1،ص61].
فإذا كان قد ظهر هذا في كلام البشر والذي لا يخلو من نقص وخلل، فإنه في كلام الله تعالى أشهر وأظهر، في ظل تميزه بنظمه المعجز. ﴿ الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ [هود: 1].
إن لكل كلمة في القرآن معنى في ضوء سياقها، قد لا يصح هذا المعنى لسياق آخر؛ لأن [12، جـ3، ص 138] مراعاة مساق الكلام ومنحى القول مهم، وإن كان المعنى الآخر صحيحاً؛ لهذا عد صاحب (المنار) السياق أفضل قرينة تكشف عن حقيقة معنى اللفظ [13، جـ 1، ص 22].
تضيء هذا التوجه نظرة إلى كتب الأشباه والنظائر التي جمعت للكلمة الواحدة في القرآن دلالات متعددة، يعود للسياق الفضل في اكتسابها لهذه المعاني في ضوء الدلالة اللغوية، ذلك أن "دلالة اللفظ في كل موضع بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية" [14، جـ6،ص 14]، بخاصة أن دلالته تختلف، كونه مفرداً أو مقروناً [15، جـ1، ص 260].
إن لكلمة "أمر" في القرآن الكريم ستة عشر معنى [16، ص 38]، ولكلمة "الرحمة" أربعة عشر معنى [16، ص 347]، ولكلمة "فتن" أحد عشر معنى [16، ص 347]، أدت كل كلمة منها المعنى المراد الذي يفرضه السياق.
لقد عُني المفسرون منذ وقت مبكر بالسياق القرآني؛ لما له من أثر فاعل في الكشف عن مراد الله تعالى في كتابه، وكان له - السياق - حضور بارز إلى جانب القرائن الأخرى؛ كأسباب النزول، واللغة، والعموم، وربما قُدم على بعضها، أو تحكم بها؛ لتوقف المعنى العام عليه؛ "فإنه عند التفاضل بين هذه القواعد؛ لابد من مراعاة السياق دائماً، فهو المقصود بهذه القواعد، حتى يفهم على وجهه" [17، جـ1، ص 98].
جعل الشاطبي مراعاة السياق مظهراً من مظاهر الاعتدال في التفسير المفضي إلى الفهم السليم، حين قال: "فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف، فإن فرق النظر في أجزائه؛ فلا يتوصل به إلى مراده، ولا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض [18، جـ3، ص855؛ 19، جـ1، ص 156].
إن هذا القانون الذي يجعل السياق محل اعتبار كان سمة صاحبت التفسير منذ بداياته الأولى - وبجهد متميز من شيخ المفسرين الإمام الطبري؛ تأصيلاً وتطبيقا - وإلى العصر الحديث.
على الرغم من أن التفسير في عهد الصحابة الكرام كان ذا طابع تجزيئي يُعني بتفسير المفردة القرآنية، إلا أنه لم يكن يغفل سياقها؛ ولهذا جاء تفسيرهم سليماً خالياً من الخلل بعامة، وإن لم يكن قد ورد عنهم صراحة ما يعد توصيفاً للسياق وتأصيلاً له، عدا إشارات قد تدل علي ما نحن بصدده، منها إنكار عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - علي الخوارج، ونعته لهم بأنهم شرار الخلق، حين عمدوا إلي آيات نزلت في الكفار؛ فجعلوها في المسلمين [18، جـ3، ص 807]، وهذا لا يكون إلا بتجاهل السياق.
يتضمن تفسير الإمام الطبري إشارات أخري تدل علي استحضار السياق في وقت مبكر؛ فإن كثيراً من اختياراته في التفسير، والتي جاءت في ضوء السياق كان موافقا فيها لابن عباس - رضي الله عنهما[3]، وتزداد هذه المسالة وضوحاً بما روي عن تابعي متقدم روى عن ابن عباس وتتلمذ عليه، ذلكم هو مسلم بن يسار البصري، المتوفى سنة 100 هـ، حين قال وهو ينبه إلي ضرورة الاهتمام بالسياق: "إذا حدثت عن الله؛ فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده" [21، جـ1، ص 17]. وهذا طاووس بن كيسان (ت 106 هـ) يستند إلي السياق في تحديد المراد بالنفس في قوله تعالي: ﴿ وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾ [ق: 21]، فيقول: "إنما يراد بهذا الكافر، اقرأ ما بعدها يدلك على ذلك" [20، جـ26، ص 162].
لقد بقي هذا المنهج محل عناية المفسرين قديماً وحديثاً - على تفاوت بينهم؛ "لأن دلالة السياق متفق عليها في مجاري كلام الله تعالي" [22، جـ6،ص52]، فلم يكن يسع أحداً منهم تجاهلها، وإن حصل شيء من هذا؛ عوتب أصحابه، وصاروا موضع نقد واستدراك.
هذا الذي أشرنا إليه وجد شيء منه عند أبي عبيدة (ت 209هـ) في كتابة (مجاز القرآن)؛ فإنه عني في مواطن متعددة منه بدراسة المفردة القرآنية من الجانب اللغوي، دونما اعتبار لسياقها القرآني، فجاءت دراسته في هذه المواطن إلى البحث اللغوي أقرب منها إلى التفسير المفضي إلي الكشف عن مراد الله، ولهذا تعاقبت عليه الاستدراكات، والتي صاحبها تشنيع أحياناً[4].
لسنا في هذا المقام بصدد تقويم منهج شخص بعينه، وإنما نهدف إلى بيان أن ثمة توجهاً ظهر في وقت مبكر أيضاً لم يُعن كثيراً بالسياق، وربما أهمله، فتسرب الخلل إلى التفسير من هذا الوجه، ولن نعدم أمثلة لهذا من تفسير التابعين ومن بعدهم، لكنها لم تكن تؤلف ظاهرة.
يحسن التنبيه - احترازاً - إلى أن تفسير الصحابة - والذي عُني بتفسير المفردة القرآنية كما أسلفنا - سلم من هذا الخلل؛ بسبب توافر مجموعة من الصفات كان يفتقر إليها من جاء بعدهم، وهي أنهم تتلمذوا على الرسول صلي الله عليه وسلم، وعايشوا الجاهلية، وعاصروا تنزيل القرآن، وكانوا عربا خلصاً، فكانوا أعرف الناس بمقاصد القرآن وسياقه العام، وكان تفسيرهم على أية حال قليلاً.
كان هذا بخلاف طائفة ممن جاء بعدهم؛ فإن هؤلاء - إضافة إلى ما تقدم - كانوا يرغبون في تجميع الأقوال، وكانوا حريصين على تكثير المعاني، فأدى هذا إلى عدم الحرص على تجاوز معاني المفردات إلى ما هو أبعد من ذلك، كتتبع السياق.
يُلحظ شيء مما ذكرنا عند أبي عبيدة وابن قتيبة والأخفش من المتقدمين، ومن المتأخرين نسبياً: البيضاوي والخازن وابن الجوزي، وهي أحكام لا تخلو من تجوُّز؛ لأننا لا ندعي أنها صادرة عن تتبع واستقراء، وإنما هي ملحوظات تتابعت من مداومة النظر في كتبهم، وقد يشهد لها ما سيأتي من أمثلة في ثنايا هذا البحث، يرى الحذاق من العلماء أن في هذا المسلك قصوراً؛ لأن بعض أصحابه "راعوا مجرد اللفظ، وما يجوز عندهم أن يريد به العربي، من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به وسياق الكلام" [15، جـ1، ص 67]، وللشاطبي كلام قريب من هذا [18 ، جـ3 ، ص 853]، ومن قبل الإمام الطبري الذي عُني بالسياق تأصيلاً وتطبيقاً كما أسلفنا، ونعى على من تجاهله [ 20، جـ12 ، ص234]، وتبعه في ذلك كثيرون؛ كابن عطية [25، جـ 10، ص 20] والزمخشري [26، جـ3، ص118].
ومن الذين أسهموا في إبراز دور السياق واستثمروه الراغب الأصبهاني (ت 502 هـ)، في كتابه (مفردات القرآن)، فقد أثنى الزركشي على منهجه وهو يتحدث عن تفسير بعض آي القرآن الذي لم يرد فيه نقل، حيث قال: "وطريق التوصل إلى فهمه: النظر إلى مفردات الألفاظ من لغة العرب، ومدلولاتها، واستعمالاتها، بحسب السياق، وهذا يعتني به الراغب كثيراً في كتاب (المفردات)، فيذكر قيداً زائداً على أهل اللغة في تفسير مدلول اللفظ؛ لأنه اقتنصه من السياق" [27، جـ2، ص172].
يمكن القول على هدًى مما تقدم: إن السياق قرينة متميزة في مجال تحليل الخطاب، والكشف عن المراد، إذا أحسن استعماله، ووضع في نصابه، بأن لا يهمل اكتفاء بتحليل البناء اللغوي؛ لأن هذا وحده لا يرشد إلى دلالة الكلمة، لا مفردة ولا مقرونة بغيرها، لما أسلفنا.
يعد - بإزاء هذا - الخروج بالسياق عن مكانته؛ بأن يقدم على غيره من القرائن مطلقاً، يعد هذا انحرافاً بالسياق عن دوره ووظيفته، وهذا مسلك الذين يرون: "بأن الكلمات لا معنى لها على الإطلاق خارج مكانها في النظم" [1، ص57]، ولا شك أن في هذا التوجه مبالغة تسيء إلى السياق أكثر مما تحسن إليه، والناظر في كتب التفسير يلحظ ملامح الاتجاهات الثلاثة بادية فيها ثمة آيات كثر في القرآن الكريم للسياق أثر في تفسيرها، وتحديد المعنى المراد منها، ويكثر هذا في الآيات التي تتضمن ألفاظاً مشتركة، وحسبنا في هذا المقام مثال يوضح ما نحن بصدده؛ لأن أمثلة هذا النوع أكثر من أن يستوعبها بحث كهذا.
إن كلمة البلوغ لفظ مشترك، يطلق في اللغة على المقاربة، وعلى الانتهاء إلى الشيء، وقد ورد هذا اللفظ في آيتين متجاورين، كان للسياق الفضل في اختيار المعنى المناسب لهذه اللفظة في الموضعين.
جاء في الآية الأولى، قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [البقرة: 231]، فالخطاب هنا للأزواج، والمراد ببلوغ الأجل: قرب انتهاء العدة؛ لأن الأجل إذا انقضى زال التخيير بين الإمساك [28، جـ2، ص 421] والتسريح، فلما خير الزوج دل على أن المعنى ما ذكرنا بالإجماع.
نرى في الآية التالية أن السياق يحتم حمل المعنى على الانقضاء، وهي قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 232]، فالخطاب هنا للأولياء، والمعنى: أن الزوج إذا طلق زوجته، وانقضت عدتها، وأراد أن ينكحها من جديد؛ فليس لولي أمرها أن يمانع، فلو كان معنى بلوغ الأجل هنا المقاربة؛ لراجع الزوج مطلقته دون حاجة إلى ولي أمرها، ورحم الله الشافعي حين قال: "دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين" [29، جـ4، ص 87]؛ فقد جعل السياق البلوغ في الآية الأولى بمعنى مشارفة بلوغ الأجل، وجعله في الآية الثانية بمعنى انتهاء الأجل، وكل الذي ذكرنا محل إجماع المفسرين.
السياق والقصص القرآني:
يظهر أثر السياق جلياً في الآيات التي تحتمل أكثر من معنى، وربما كان بعضها أقرب إلى الصواب من بعض، وليس ثَمَّ دليل في سياقها الخارجي من آية أخرى، أو حديث، أو إجماع يُستند إليه في اختيار واحد منها، فيلزم والحالة هذه ويحسن أن يُتوجه إلى سياق الآية الداخلي؛ بغية استنطاقه؛ "لأن السياق قوة تحرك التركيب؛ فتنبعث من إشعاعاته ما يلائم"[30، ص112]. وقد قيل: "إن مصدر الإخراج الأول لمحلل السياق هو ثراء السياق نفسه" [3، ص70]، وذلك بما يتضمنه من إشارات ترجح معنى على آخر، ينبغي أخذها بعين الاعتبار؛ "لأنه إذا احتمل الكلام معنيين، وكان حمله على أحدهما أوضح وأشد موافقة للسياق؛ كان الحمل عليه أولى" [31، جـ1، ص 277].
لقد أدى تجاهل هذا المسلك من قِبَل طائفة من المفسرين إلى عثرات وثغرات في تفاسيرهم، حين رضي هؤلاء بسرد الأقوال الواردة في الآية، وإيراد ما في مفرداتها من معان دون مراعاة للسياق في الغالب، دون ترجيح بين هذه المعاني.
زين هذا المسلك لأصحابه أنها أقوال محتملة، والقرآن حمال ذو وجوه، وتكثير معاني الآيات غاية مقصودة، وقبل هذا وذاك استحضار هؤلاء المفسرين الحذر من القول على الله بغير علم.
بيد أن ما يستحسن ذكره بإزاء هذا الذي تقدم، أن حكاية الخلاف وذكر الأقوال في تفسير الآية، دون تنبيه على الراجح منها يضيع الحق، ويظهر النقص على حاكيه [15، جـ1، ص80؛ 32 ، ص149]، ويجعل القارئ لكتب التفسير في حيرة من أمره، حين لا يتبين له مراد الله تعالي، وتزداد الحيرة إذا كانت هذه الأقوال متعارضة.
يكثر صنيع المفسرين المشار إليه آنفاً في آيات القصص القرآني بخاصة، وقد تكون الحجة أن منهج القرآن يقوم في ذكره للقصص على العرض الإجمالي وتجنب التفصيلات، وقد يسهم هذا في تكثير الأقوال المحتملة، والذهاب بالفهم كل مذهب، بخاصة عند من يبحث عن التفصيلات والجزئيات، والتي سيجدون بعضها في كتب الأمم السابقة؛ لاتفاقها مع القرآن الكريم في ذكر أصل بعض هذه القصص مع الاختلاف في العرض والمنهج.
يبدو لنا أن المخرج من هذا هو العودة إلى السياق الداخلي للقصة، والاحتكام إلى النص بسياقه، بعد أن تعذر الاستئناس بالسياق الخارجي؛ لعدم الثقة بأكثره، في حين يمكن للمفسر وهو يستعين بالسياق الداخلي أن يستبعد الأقوال الدخيلة، ويختار المعنى المناسب والمتجه مع مقاصد القرآن العامة.
نوضح هذا الذي عرضنا له من خلال بعض المشاهد من القصص القرآني، ونبدأ بدعوة زكريا عليه السلام؛ حيث طلب من ربه أن يهبه ذرية طيبة، قال تعالى: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء * فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [آل عمران: 38-39].
ورد في سياق الحديث عن يحيى وأوصافه وصفه بأنه "حصورا"، والحصر لغة: الحبس والمنع، وقد اختلف المفسرون في دلالة هذا الوصف في ضوء المعنى اللغوي:
قال بعضهم: الحصور هو الذي يكتم السر، واستدلوا بقول جرير:
وَلَقَدْ تَسَاقَطَنِي الْوُشَاةِ فَصَادَفُوا ♦♦♦ حَصْرًا بِسِرِّكِ يَا أُمَيْمُ ضَنِينَا
[33، جـ2، ص 268].
قال آخرون: الحصور الذي لا يلعب، ويحصر نفسه عن المعاصي [34، جـ3، ص 148]. وقيل: بل الذي لا يدخل مع القوم في الميسر، واستدلوا بقول الأخطل:
وَشَارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكَأْسِ نَادَمَنِي ♦♦♦ لا بِالْحَصُورِ وَلا فِيهَا بِسَآر
[20، جـ6، ص 376؛ 25، جـ3، ص 104].
تعود هذه الأقوال الثلاثة إلى معنى واحد، وهو التنزه عن الأفعال القبيحة، وهي لا تتناسب مع السياق الذي تضمن وصفه بالنبي والسيد والصالح، لأنها تستلزم براءته من الأفعال القبيحة؛ لأن السيد هو القدوة في الدين؛ فلا يكون في وصفه بالحصور على المعاني الماضية جديد، والأصل حمل معاني القرآن الكريم على التأسيس لا على التأكيد.
ذهب جمع المفسرين إلى أن الحصور هو الذي لا يأتي النساء، واستدلوا بقول الشاعر:
وَحَصُوراً لا يُرِيدُ نِكَاحَا ♦♦♦ لا وَلا يَبْتَغِي النِّسَاءَ الصَّبَاحَا
[33، جـ2، ص 468].
وهذا المعنى هو الشائع في الاستعمال، قال ابن عطية [25، جـ3،ص104]: "أجمع من يعتد بقوله من المفسرين على أن هذه الصفة ليحيى - عليه السلام - إنما هي الامتناع عن وطء النساء.
إن هذا المعنى هو الأنسب للسياق في هذا المقام؛ فإنه ليس معنى مكروراً كسابقيه، إذ الحصر بهذا المعنى ليس من مستتبعات النبوة والصلاح؛ بل الأصل خلاف هذا، ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً ﴾ [الرعد،38]، فلما انفرد يحيى عليه السلام بهذه الصفة نُصَّ عليها، ثم إن أصحاب هذا الرأي اختلفوا في سبب هذا الحصر، فقال بعضهم: إنه لا يأتي النساء عجزاً، وقد نسب إلى بعض الصحابة والتابعين قولهم: إنه كان عنيناً لا ذكر له، وقيل: بل كان ذلك لصغر الآلة [35؛ جـ8؛ ص32؛ 36 ، جـ4 ، ص 78؛ 37؛ جـ 3 ، ص 275]، ونسب لأبي هريرة وسعيد بن جبير قولهما: "كان ذكره مثل هذه القذاة". يشير إلى قذاة من الأرض [21، جـ2 ، ص 38]، وعن سعيد بن المسيب: كان له مثل هدبة الثوب [20، جـ6؛ ص 378؛ 38، جـ2، ص 35]، وعلى هذه الأقوال تكون (حصور) بمعنى: مفعول، أي ممنوع بمانع خارجي، لا إرادة له فيه [24، جـ1، ص 394]، وأنكر هذا حذاق المفسرين ونقاد العلماء" [21، جـ2، ص 38].
إن صح هذا عمن نقل عنهم من الصحابة والتابعين بإحسان؛ فإنه موضع استهجان؛ إذ لا سبيل إلى معرفة شيء مما ذكر إلا بنقل صحيح، وليس ثَمَّ، وليست تتقوى هذه الآراء بتوجيه صاحب (التحرير والتنوير) حين قال: "إن الله تعالى وهب زكريا ولداً إجابة لدعوته، وأتم الله تعالى مراده من انقطاع عقب زكريا لحكمة علمها" [28 ، جـ3 ، ص 241].
إن الطريق الأسلم للخروج من هذه الاختلافات والوقوف على مراد الله هو الاحتكام إلى السياق، وهو هنا سياق مدح وبشرى وامتنان، وتلك صفات نقصان، ولهذا أحسن الرازي حين حكم على الأقوال المتقدمة بالفساد، قائلاً: "وذكر صفة النقصان في معرض المدح لا يجوز، ولأنه على هذا لا يستحق ثواباً ولا مدحاً" [35 ، جـ8 ، ص 33].
ذهب أصحاب هذا التوجه من المفسرين إلى أن يحيى - عليه السلام - كان حصوراً لا يأتي النساء، لا عجزاً في أصل الخلقة، بل زهداً وانصرافاً إلى العبادة، فالحصور بهذا المعنى حاصر، من فعول بمعنى فاعل، وهو الذي يكثر من حصر النفس ومنعها، كالأكول الذي يكثر منه الأكل والشرب، والظلوم، والغشوم.
إن المنع إنما يحصل لو كان المقتضى قائماً، فلولا أن القدرة والداعية كانتا موجودتين، وإلا لما كان حاصراً لنفسه، فضلاً عن أن يكون حصوراً [35، جـ 8، ص33].
لقد تضمن السياق في ثناياه ما يرجح هذا المعنى، فقد طلب زكريا من ربه ذرية طيبة، واستجاب الله تعالى له، ولا تكتمل هذه الصفة إن صاحبتها صفة نقص، وكان قد جاءه الخبر عن طريق الملائكة وهو يصلي في المحراب، ولا يحسن أن يقال إن الملائكة نقلت إليه هذا الخبر - وهو صفة النقص - وزكريا على هذه الحالة المباركة.
جاء في سياق الآية أيضاً: ﴿ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ ﴾ [آل عمران: 38 - 39]. وكيف تتم البشري إذا كانت بغلام عنين لا ذكر له؟! بخاصة أن هذه الصفة (حصوراً) جاءت في سياق صفات مدح وكمال، فيجب حملها على هذا الكمال، وإبقاء النص كله في سياق واحد.
إذا كان السياق قد أنصف يحيي - عليه السلام - ونزهه عن صفات النقص، فقد أنصف أمه الكريمة في موضع آخر مشابه، يتضح هذا في قوله تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ [الأنبياء: 90].
اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ﴾ [الأنبياء: 90]، قال بعضهم: أصلح الله تعالى خُلُقَها ودينها، لأنها كانت سيئة الخُلُق [36، جـ11، ص336؛ 37 ، جـ3 ، ص 275؛ 39 ، جـ 4 ، ص 212]، وقال بعضهم: أصلح الله لها لسانها؛ لأنها كانت بذيئة الكلام [40 ، جـ4 ، ص368؛ 35، جـ21 ، ص 236].
أغرى أصحاب هذا التفسير أمران:
الأول: أن استعمال القرآن لكلمة الإصلاح إنما يكون في إصلاح أمور الدين والخلق [35 ، جـ 22 ، ص 188].
الثاني: أن أصلحنا عطفت على وهبنا، والعطف يقتضي التغاير، فدفعهم هذا على حمل أصلحنا على معنى بعيد عن سياق الآية.
كلا الأمرين غير لازم، فإن الدلالة العامة لمعنى الإصلاح [9، ص 489] تستوعب المعنى الذي سيقت من أجله المفردة، حتى لو فرض وجود شيء من التجوز في الاستعمال، فلا ضير إذا كان السياق يستوجب هذا، فالأمر كما قال الزركشي أن يكون "محط نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي سيق له، وإن خالف أصل الوضع اللغوي؛ لثبوت التجوز" [27، جـ1، ص 317].
جاء تقديم "وهبنا" على "أصلحنا" من باب تقديم الأهم وما تتوق النفس إليه، كما أن العطف لا يقتضي الترتيب.
إذا كان ذلك كذلك، فيترجح في ضوء السياق أن المراد بالإصلاح في الآية: أن الله جعلها ولودا مهيأة للإنجاب، بعد أن كانت عاقراً كما دل على هذا سياق القصة [25، جـ10 ، ص 20؛ 21 ، جـ 3 ، ص 203؛ 41 ، جـ 17 ، ص 187؛ 28 ، جـ 17 ، ص 136].
إن السياق ناطق بما ذكرنا؛ فإن دعوة زكريا كانت خاصة بطلب الذرية فقط، فإنه لم يجر ذكر لزوجه، ولم يدع لإصلاحها [41، جـ17 ، ص 187]، وكلمة "استجبنا" تؤكد هذا، ثم إن السياق نفسه يتضمن مدحاً لها، لا يستقيم معه بحال القول بأنها كانت سيئة الخُلُق بذيئة اللسان، فقد قال سبحانه في تعليل سرعة استجابته: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ [الأنبياء: 90]، ولا شك أن زوج زكريا داخلة ضمن هؤلاء الذين دل السياق على أنهم كانوا على خير صلاح قبل الدعوة، والاستجابة لها.
لا يتسق مع هذا الذي ذكر ما ذهب إليه عدد من المفسرين[5]، حين أوردوا الأقوال كلها دونما ترجيح، بحجة أن النص يحتملها، ولا تعارض بينها، وهو المنهج الذي تقدم عرضه ونقضه، وهكذا نرى السياق أسهم في دفع نقيصتين عن نبي كريم، وعن أمه.
يسهم في مواطن كثيرة المقرر السابق الذي ينظر إلى الآية في ضوئه في تجاهل السياق، وهذا المسلك يحول دون الكشف الأمين عن مراد الله عز وجل.
يظهر هذا من خلال توجيه المفسرين لمعنى كلمة "فارغاً" في قوله تعالى:﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [القصص: 10]، فقد اختلفوا في توجيه المعنى، ومرجع اختلافهم كما يقول ابن عاشور [28، جـ20 ، ص 80] يعود إلى ناحيتين: ناحية تؤذن بثبات أم موسى، ورباطة جأشها، وناحية تؤذن بتطرق الضعف والشك إلى نفسها.
يرى أصحاب التوجه الأول أن المقام يقتضي المدح والثناء على موقف أم موسى، وهذا يستدعي أن يكون المعنى أن فؤاد أم موسى أصبح فارغاً من الهم والحزن والخوف، لأن الله تعالى وعدها برده لها [23، جـ2 ، ص98؛ 26، جـ3 ، ص 159]، والمقام عندهم - فيما يبدو - يقتضي هذا التفسير؛ لأنه حديث عن صراع بين الحق والباطل، وأم موسى تمثل طرفاً من جانب الحق في هذه القصة؛ فلا يحسن - والحالة هذه - أن توصف بغير ما ذُكر.
يرى الفريق الثاني أن فؤاد أم موسى أصبح فارغاً من الصبر عليه [26، جـ3، ص 158؛ 41 ، جـ20 ، ص 48؛ 43 ، جـ13، ص 96؛ 44 ، جـ 20 ، ص 20]، أو فارغاً من وعد الله تعالى لها، حيث نسيت هذا الوعد [45، جـ2، ص432؛ 37، جـ3، ص 398]، مما يعنى أنها لم تبد جلداً أو صبراً على فراقه، لولا أن تداركها الله؛ فربط على قلبها.
لما كان سياق النص لا يتضمن من أي شيء أصبح فؤادها فارغاً، وليس بين أيدينا دليل خارجي يُركن إليه في تقديم معنى على آخر، فليس أمامنا إلا السياق، نحتكم إليه دونما اصطحاب لمقرر سابق في الذهن؛ لأنه يلقي بظلاله على دلالة النص لا محالة، وهو ما يمكن ملاحظته عند أصحاب الرأي الأول.
أن الذي يبدو بعد النظر والتأمل في سياق القصة، العام منه والخاص: أن المعنى الثاني هو الأليق بأحداث القصة، والأنسب للسياق، وندلل على هذا القول بعدة قرائن أذن بها السياق، نمهد لها بالإشارة إلى أن الوحي الوارد في أول القصة إنما هو - فيما يظهر لنا - إلهام وانشراح صدر تجاه الفعل.
وليس هو كوحي الله تعالى لأنبيائه، وإذا كان ذلك كذلك؛ فإنه لن يحول دون شعور أم بالخوف والاضطراب بعد أن ألقت ابنها في الماء، وليس في هذا منقصة لها.
لقد نسب القرآن الكريم الخوف إلى موسى نفسه في عدة مواطن: ﴿ فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ ﴾ [القصص: 18]
﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى ﴾ [طه: 67]، وليس في ذلك ما يضير، وإنما هو الصدق في الإخبار، والواقعية في العرض، فلا غرو أن يكون القصص القرآني أحسن القصص.
إن في السياق قرائن تدل على أن أم موسى انتابها شيء من الخوف والقلق على ابنها؛ فإن فؤادها أصبح فارغاً، ويعبر بفراغ الفؤاد عن ذهاب العقل، ومثله قوله تعالى: ﴿ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء ﴾ [إبراهيم: 43]. لا عقول فيها [25، جـ11، ص 267]، وإن شاع في كلام الناس "فلان خلي البال"، إذا كان لا هم بقلبه [26، جـ3، ص158]، لكن السياق يأباه، ثم لا أدري: هل هذا المعنى حادث بعد نزول القرآن، أو لا؟ فإن كان كذلك؛ فلا يحمل عليه القرآن البتة.
صُدِّرت الآية بقوله تعالى (فأصبح)، وهى مستعملة هنا بمعنى "صار"، فاقتضى تحولاً من حالة إلى أخرى، أي: كان فؤادها غير فارغ، فصار فارغاً [28، جـ20، ص80]، وجاء الإخبار عن فراغ فؤادها بعد الإخبار عن إلقاء موسى في الماء؛ فكان من مستتبعاته.
ورد في الآية أن الله ربط على قلبها، والربط على القلب توثيقه من أن يضعف، كما يشد العضد الوهن [28، جـ9، ص280]، وهذا لا يكون إلا في حالة الخوف والاضطراب، ويؤكده أن علة الربط: كي لا تبدي شيئاً مما من شأنه أن يكشف من أمرها شيئاً، ولكي يحملها على التصديق بوعد الله. ومن التكلف البارد قول بعضهم: إنها كانت تبدي فرحها بما حصل لموسى [26، جـ3، ص 159]. قال النحاس: "وقول أبى عبيدة: فارغاً من الغم. غلط قبيح؛ لأن بعده:﴿ إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ﴾ [القصص: 10] [24، جـ5، ص 160]، وبمثل قوله قال ابن قتيبة [46، ص328]، وهنا يظهر الفرق بين منهج من انتزع اللفظة من سياقها، وبين منهج من نظر إليها في ضوء هذا السياق.
قول أم موسى لأخته "قصيه" يدل على لهفها عليه، وتشوقها إلى معرفة الحال التي آل إليها، وهذا نابع من خوف وقلق، وبين الله تعالى علة رد موسى إلى أمه؛ فقال: ﴿ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ﴾ [القصص: 13]، وهذا يومئ إلى أنها كانت قبل رده محلاً لشيء من البكاء الذي به تسخن العين، وهو عكس قرة العين، وكانت كذلك حزينة على فراقه.
لابن القيم كلمة تعين على تفهم هذا الاعتماد على دلالات الألفاظ، وتسوغ تتبع السياق كما مر بنا في الأمثلة، فهو يقول: "كما أن ألفاظ القرآن ملوك الألفاظ، فكذلك معانيه أجل المعاني وأعظمها وأفخمها، فلا يجوز تفسيره بالمعاني التي لا تليق به، كما لا يجوز حمله على المعاني القاصرة، ثم يبين أن استحضار هذه المعالم يعين على معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها، ويقطع المرء بأنها ليست مراده لله تعالى" [47، ص 269].
لم يقتصر أثر السياق على ما ذكرنا من مواطن، وإنما له حضور حيثما وجدت الاحتمالات في معنى الآيات، وما يترتب عليها من اختلافات، فقد كان له دور بارز في تحديد عود الضمير، وهو من الأساليب التي يكثر دورانها في التفسير، وله صور متعددة[6]، وحسبنا بعض الصور التي يتضح من خلالها أثر السياق بما يتسع له المقال.
تأتي في بعض الآيات ضمائر متعددة في سياق واحد، وتحتمل في مرجعها أقوالاً متعددة، فتوحيد مرجعها وإعادتها إلى شيء واحد أولى وأحسن؛ لانسجام النظم واتساق السياق [17، جـ2، ص 613]، من ذلك عود الضمائر في قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ [يوسف: 42].
للمفسرين في عود الضمير في قوله (فأنساه) وقوله (ربه) أقوال: فقد ذهب بعضهم [35، جـ18، ص 117، 41 ، جـ12، ص 248] إلى أن الضميرين يعودان على يوسف - عليه السلام - ويكون المعنى: أنسى الشيطان يوسف ذكر الله تعالى، فلبث في السجن بضع سنين عقاباً له على سؤاله غير الله.
وذكر بعض المفسرين [25، جـ7، ص517] أن الضميرين يعودان إلى ساقي الملك، ويكون المعنى: أنسى الشيطان الساقي أن يذكر قصة يوسف للملك، ولهذا لبث يوسف في السجن بضع سنين.
إن سياق الآيات يشهد للمعنى الثاني؛ فإن الاتفاق قائم على أن مرجع الضمير في قوله ﴿ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ [الأعراف: 206] يرجع للساقي، فكان المناسب للسياق أن يكون ما بعده ﴿ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ [يوسف: 42] عائداً على الساقي؛ حتى لا تتفرق الضمائر، والذي يرى الزمخشري أنه يؤدى إلى تنافر النظم الذي هو أم إعجاز القرآن، والقانون الذي وقع عليه التحدي [26، جـ2 ، ص 536].
جاء في سياق القصة قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ [يوسف: 45]، وهذا شاهد قوي على أن الذي نسي، ثم ذكر بعد عدة سنوات هو الساقي، وبهذا التوجيه ينتظم السياق؛ فتصبح (اذكرني) الأولى و(ذكر ربه) الثانية مسندة إلى الساقي، ويكون (عند ربك) و(ربه) أيضاً مراداً بهما الملك رب الساقي.
إن هذا التوجيه أنسب إلى الساقي، وأليق بحال يوسف - عليه السلام، وأقرب إلى شخصية الساقي، وما ذهب إليه صاحب (التحرير) [28، جـ12 ، ص 278] حين جعل الضميرين يعودان على يوسف والساقي في آنٍ واحد بعيد، وفيه اضطراب، وإن بدا أنه جمع بين التوجيهات السابقة.
يسهم السياق أيضاً في الانتصار لقاعدة عود الضمير إلى أقرب مذكور في مواطن كثيرة، منها ما جاء في قوله تعالى: ﴿ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ﴾ [مريم: 24].
تباينت وجهات نظر المفسرين في تعيين المنادي لمريم، فقال بعضهم: المنادي هو جبريل - عليه السلام - [36،جـ11، ص 93؛ 40 ، جـ8 ، ص 151]، لأنه أخبرها بما من شأنه أن يكون توجيهاً من الله تعالى.
قالت طائفة [35، جـ21، ص 174]: المنادي هو عيسى - عليه السلام، ودليلهم سياق الضمائر، وعودة الضمير في (فنادها) إلى أقرب مذكور، وهو عيسى - عليه السلام.
يؤيد هذا أن الضمائر السابقة في سياق واحد، وكلها تعود إلى عيسى، (ولنجعله) (ورحمة منا)، (فحملته)، (فانتبذت به)، (فنادها)، فهذه خمسة ضمائر بين بارز ومستتر، كلها عائد إلى عيسى عليه السلام اتفاقاً، إلا ضمير (فنادها)، فإلحاقه بها أنسب للسياق [17،جـ2، ص 628].
ويشهد لهذا التوجيه أيضاً ما جاء في الآية التي بعدها: ﴿ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ﴾ [مريم: 29]، أي ليتكلم، فلو لم يكن قد سبق له الكلام لما أشارت إليه، وواضح أنها أشارت إليه ليكلموه؛ لأنهم قالوا لها في السياق نفسه: ﴿ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً ﴾ [مريم: 29]، وعندها تكلم فقال: ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ﴾ [مريم:30]، يضاف إلى دليل السياق هذا قراءة متواترة، وهي: (فنادها مَنْ.....) [48، جـ2، ص 86] على أنها اسم موصول بمعنى: الذي. وهي نص في التعيين.
نصٌّ من آية، أو حديث صحيح، أو إجماع للمفسرين، أو دليل من اللغة صريح، وهذا من تمام إقامة الحجة على الناس بهذا الكتاب الكريم، "فإن ما يحتاج الناس إلى معرفته؛ نصب الله على الحق فيه دليلاً" [15، جـ1، ص55].
التنازع بين السياق وغيره من القرائن:
قد يكون السياق هو الدليل الوحيد الماثل أمام المفسر، فيستند إليه حينئذ؛ لأنه يرشد إلى تبيين المجملات وترجيح المحتملات [22،جـ6، ص 52]، كما رأينا هذا في الأمثلة السابقة، وقد يحدث أن يتنازع الآية أكثر من عامل، وتزدحم عليها أكثر من قرينة يكون السياق واحداً منها.
تباينت وجهات نظر المفسرين في هذه المواضع، فمنهم من قدم السياق على غيره لتميزه في هذا المقام - كما رأينا في المقدمة - وكونه كذلك عودة إلى النص، ومظهراً من مظاهر تفسير القرآن بالقرآن، وقد برز هذا الاتجاه عند كثير من مفسري العصر الحديث، بخاصة لدى مدرسة المنار.
لقي السياق من مدرسة المنار عناية خاصة، فقد فتحت له الباب على مصراعيه، وقدمته على غيره من قرائن التفسير، ووسعت دائرة الاستعانة به لأسباب كثيرة تتناسب مع توجهات المدرسة بعامة، لعل من أبرزها أن التفسير بالمأثور لم يكن أكثره محل ثقة المدرسة، حتى الأحاديث النبوية منه، وهذا يأذن لهم بالإعراض عن تفسير السابقين، بخاصة المأثور منه، وفي هذا يقول الأستاذ محمد عبده: "لا حاجة لنا في فهم كتاب الله إلى غير ما يدل عليه بأسلوبه الفصيح" [13، جـ 1، ص 340]، والانفراد بالنص والنظر إليه في ضوء السياق، والذي يعد عندهم - كما أسلفنا - مظهراً من مظاهر تفسير القرآن بالقرآن.
انتصر لهذا الاتجاه أصحاب مدرسة التفسير البياني، وعلى رأسهم د. عائشة عبد الرحمن، فيما قدمت من دراسات في مجال التفسير البياني، والذي أقامته على السياق وحده، وجعلته الميزان بينها وبين المفسرين المتقدمين، وفي هذا تقول: "نحتكم إلى سياق النص في الكتاب المحكم، ملتزمين ما يحتمله نصاً وروحاً، ونعرض عليه أقوال المفسرين" [51، جـ1، ص10]. وقد التزمت بهذا المنهج في كتابها التفسير البياني[7]، ولم يسلم منهجها من النقد؛ بسبب انحيازها المبالغ فيه للسياق، وبسبب حملتها على المفسرين المتقدمين وعلى نتاجهم[8]، على الرغم من جهودها المتميزة.
يلحظ الباحث أن للسياق حضوراً بارزاً في اتجاهات التفسير المعاصرة، ذلك "أن قاعدة السياق تشكل أساساً رئيساً من أسس الاتجاه الأدبي والمنهج الموضوعي في تفسير القرآن، وتعد المحور الحقيقي لأحد تيارات الاتجاه الأدبي، ونعني به تيار (البيانية) الذي حاولته بنت الشاطئ في التفسير البياني" [52، ص 262].
إن الغاية الكبرى هي فهم النص، ومجموعة العوامل والمعالم التي تعين على فهمه ما هي إلا وسائل، وهي متفاوتة في قيمتها، فإذا كان أحد هذه المعالم نصاً من آية تعذر تجاوزه؛ إذ ليس أحد أعلم بمراد الله من الله، وإن كان حديثاً أهلاً للاحتجاج به حيث الثبوت والدلالة؛ لم يكن لأحد تجاهله كذلك؛ لأنه ليس أحد من البشر أعلم بمراد الله من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن كان الدليلُ على المعنى إجماعَ الحجة؛ فإن الإجماع معتبر.
يصاحب هذا الذي ذكرنا سؤال حول موقع السياق ومكانته في المواطن المشار إليها، وعن مدى اعتباره عند التنازع، ولعل في الأمثلة التي سنعرض لها ما يصلح للإجابة عن هذا السؤال وأمثاله.
بين أيدينا آية تنازعها حديث وسياق، وهي قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ [الحج: 1 - 2].
نظر طائفة من المفسرين [25، جـ10، ص222؛ 36، جـ11، ص3] إلى هذه الآية في ضوء سياقها؛ فقالوا: إن هذه الزلزلة وهذه الأهوال تكون في آخر عمر الدنيا، وأول أحوال يوم القيامة، فإن من أحوال الزلزلة وأهوالها أن تذهل المرضعة عما أرضعت، ويؤكد هذا مجيء المرضعة بالتاء" والمرضعة: هي التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي، والمرضع: التي من شانها أن ترضع، وإن لم تباشر الإرضاع " [26، جـ3، ص24]، وهذا إنما يكون في الدنيا.
يؤكد هذا التفسير ما في سياق الآية: من أن الحامل تسقط حملها من هول الزلزلة، ويصيب الناس فزع وذهول، حتى كأنهم سكارى، لا من شرب، ولكن من جزع وخوف، وهذا كله إنما يكون في الدنيا أيضاً.
ذهب جمع من المفسرين [20، جـ17، ص ص 110-111؛21، جـ3 ، ص124؛ 39، جـ4، ص 9] إلى أن هذه الأحوال والأهوال التي عرضت لها الآية السابقة إنما هي كائنة يوم القيامة، وبعد البعث من القبور، وحجة هذا الفريق ورود حديث صريح حال دون اعتبار السياق.
صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((يقول الله تعالى: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك. قال: يقول: أخرج بعث النار. قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذلك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد[9])).
وفي حديث عمران بن الحصين: ((أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قرأ الآية: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ﴾ [النساء: 1]، ثم قال: أتدرون أي يوم هذا؟ وساق الحديث[10].
لما عرض الإمام الطبري القولين السابقين، وذكر أدلة كل فريق، أبدى إعجابه بالقول الأول المستند إلى السياق، ولم يحل بينه وبين الأخذ به إلا "مجيء الصحاح من الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخلافه، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلم بمعاني وحى الله وتنزيله" [20، جـ17، ص 111]، وتبعه في ذلك صاحب (أضواء البيان) حين قال: "هذا القول - يعني: الأول - من حيث المعنى له وجه من النظر، ولكن الثابت من النقل يؤيد خلافه" [39، جـ4، ص9].
لم تحل هذه الأخبار الصحاح بين ابن عطية [25، جـ10، ص222]، وبين الأخذ بالقول الأول مستنداً إلى السياق؛ لأنه يرى أن هذه الأحاديث ليست تفسيرا للآية، وإنما أراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقراءته الآية ابتداء أمر الساعة، ثم قصد في تذكيره وتخويفه إلى فصل من فصول يوم القيامة، وهو بهذا يرى أن دلالة السياق في هذا المقام أقوى من دلالة الحديث.
اجتهد بعض المفسرين [39، جـ4، ص14؛ 56، جـ3، ص451] في التوفيق بين دلالة الحديث ودلالة السياق، بأن جعلوا ما ورد في الآية يحدث مرتين، أو أنها حالات خاصة تحدث لمن ماتت وهي ترضع، أو وهي حامل، أو أن ما يحدث يوم القيامة مما تضمنته الآيات عبارة عن تمثيل وتخييل لبيان هول الموقف.
و ليس يبعد بعض ما ذكر من تأويل لولا افتقاره إلى الدليل، يبد أن ما يعنينا هنا حرص المفسرين على عدم إهمال دلالة السياق، حتى مع وجود أحاديث صحيحة ذات صلة بالآية، وهذا يدل على مكانة السياق عندهم.
يندرج تحت هذا القسم توجيه أسباب النزول وتقويمهما في ضوء السياق؛ كونها من الآثار، وقد سلك هذا المسلك كثيرون من آخرهم وأكثرهم توسعاً الطاهر ابن عاشور في تفسيره، حين عرض كثيراً من أسباب النزول على سياق الآية، وردها لعدم مناسبتها لهذا السياق من وجهة نظره، ولا يتسع المقام للعرض لهذا المنهج وتقويمه[11].
وقد يحول الإجماع دون اعتبار السياق أيضا، وتجاهل هذا يفضي إلى ضرب من ضروب التفسير المذموم، بخاصة إذا كانت دلالة هذا السياق ضعيفة، وهو ما نجده عند مدرسة المنار في تفسيرها لقول الله تعالى: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 106].
الآية لغة: العلامة والأمارة، وأطلقت على المعجزة؛ لأنها علامة دالة على صدق الرسول، وهي في هذه الآية المذكورة: القطعة من القرآن. ونقل الرازي إجماع المفسرين على هذا، وشذ أبو مسلم (ت322هـ) [35، جـ3، ص208؛ 28، جـ1، ص 656] فحملها على التوراة والإنجيل، وخلافه غير معتبر.
للأستاذ محمد عبده رأي مخالف لما عليه الجمهور، تابعه فيه محمد رشيد، ومحمد أبو زهرة في تفسيره، ترى مدرسة المنار أن تفسير الآية هنا بالقطعة من القرآن لا يتناسب مع السياق، وإنما المناسب تفسيرها بالمعجزة الدالة على النبوة، ويمكن تلخيص حجتهم بما يلي:
1 - أن آية ﴿ مَا نَنْسَخْ ﴾ [البقرة: 106] ختمت بالحديث عن القدرة، وهذا يناسب المعجزات الحسية، ولا يناسب الأحكام الشرعية، يؤيده أن آية ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ ﴾ [النحل: 101] ختمت بما يناسب النسخ، وهو العلم.
2 - لا يلتئم السياق بتفسير ﴿ نُنْسِهَا ﴾ [البقرة: 106] على قراءة [48، جـ1، ص 106] بالترك على ما هي عليه، مع الوعد بالإتيان بخير منها أو مثلها.
3 - في معرض الاستدلال بالسياق العام ذكروا أنه جاء بعد آية النسخ هذه قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ [البقرة: 107]، وهذا السياق يرجح أن الآية كونية.
4 - ورد في السياق نفسه: ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ ﴾ [البقرة: 108]، وهو لوم على طلب آية أخرى، وإنما سئل موسى آيات حسية ومعجزات [13، جـ1، ص ص 416 - 418][12].
هذا التفسير الذي حُمل عليه السياق الخاص والعام، والمخالف للإجماع، سبق مدرسة المنار إليه محيي الدين بن عربي، كما ذكر أحد تلاميذ هذه المدرسة [34، جـ15، ص 188]، والذي لم يتابع شيخه محمد عبده في تفسيره هذه الآية.
إن تفسير مدرسة المنار لهذه الآية - مستندة إلى السياق - مردود من وجهين:
الأول: أنه تفسير مخالف لما أجمع عليه الحجة من المفسرين؛ إذ لم يقل بهذا القول أحد من المفسرين المتقدمين [20، جـ2، ص 472؛ 25، جـ1، ص 428؛ 36، جـ2، ص64؛ 41، جـ1، ص 354؛ 26، جـ1، ص 87]؛ فلا يقوى السياق - والحالة هذه - على منازعة إجماع الحجة، إلا عند مدرسة المنار، والتي سبقت الإشارة إلى مسلكهم القائم على الاعتماد المطلق على السياق، وتقديمه على تفسير السلف، وهو مسلك غير محمود، ومعارض للقاعدة المشهورة بين المفسرين، وهي: (تفسير جمهور السلف، مقدم على كل تفسير شاذ) [17، جـ1، ص288].
الثاني: أن ما ذهب إليه المفسرون في تفسيرهم لهذه الآية ملتئم مع سياقها لمن تدبر؛ فإن تبديل الأحكام ونسخها يستدعي قدرة، والنسخ تصريف لبعض شؤون الكون؛ فيناسبه الحديث عن ملك الله للسموات والأرض، وفي قوله تعالى: ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ ﴾ [البقرة: 108] تحذير مما قد يقع من اعتراض على الأحكام والمجادلة فيها؛ لأن النسخ مظنة لهذا [25، جـ2، ص 431؛ 26، جـ1، ص87؛ 57، جـ1، ص129؛28، جـ1، ص666].
خالفت المدرسة نفسها كذلك جمهور المفسرين قديماً وحديثاً في تفسير الموت والحياة في قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 243].
لقد فسروا الموت بالتيه والصغار وزوال عزهم، وفسروا الحياة بالخروج من التيه، وعودة العزة والكرامة لهم، واعتمدوا في تفسيرهم هذا على السياق؛ فإنه في الحث على الجهاد والتحريض عليه، وليس في مقام الحديث عن البعث والنشور، ولم تتضمن الآية الإشارة إلى قدرة الله تعالى التي تصاحب عادة الحديث عن البعث، وإنما ختمت الآية بالحديث عن فضل الله تعالى على الناس، المتمثل في تأديبهم، ثم في إعادة الكرامة والعزة لهم[13].
وحسبنا دليلاً على بطلان هذا التفسير أنه مخالف لما أجمع عليه المفسرون قديماً وحديثاً[14]، عدا الشيخ محمد عبده ومن تابعه، فلا يقوى السياق على منازعة هذا الإجماع، كما لا يقوى هذا السياق على صرف اللفظ عن ظاهره، وحقيقته إلى معنى مجازي، حتى لو صح أن في الآية تنازعاً بين الظاهر والسياق، "فإنه إذا تُنوزع في تأويل الكلام؛ كان أولى معانيه في أغلبه على الظاهر، إلا أن يكون من العقل أو الخبر دليل واضح على أنه معني به غير ذلك" [20، جـ8، ص 91]، ولا يشفع للمخالفين الاستدلال بأن الموت ورد في القرآن بالمعنى المجازي، وكذا الحياة؛ لأن السياق هناك أسهم في الحمل على هذا المعنى.
يضاف إلى هذا أن سياق الآية ملتئم تماماً مع تفسير الحياة والموت على الحقيقة؛ لأنهم خرجوا خائفين من الموت، مترددين في الجهاد، فأماتهم الله؛ ليبين لهم أن الحذر لا يغني، ثم أحياهم بفضله؛ ليتوبوا ويرجعوا عما كانوا عليه، وما دفع مدرسة المنار إلى تجاهل هذا كله إلا التفسير العقلي الذي يضيق باب المعجزات وخوارق العادات.
قد يرد أن يتنازع معنى الآية السياق والعموم، وجرت العادة عند كثير من المفسرين على تقديم العموم على غيره؛ لأنه الأصل، ولا يصار إلى التخصيص إلا بدليل معتبر [12، جـ1، ص50؛ 25، جـ16، ص 41؛ 39، جـ1، ص280]، ويحصر بعضهم دليل تخصيص العموم بالكتاب والسنة والإجماع [17، جـ1، ص66].
يفهم مما مضى أن العموم مقدم على السياق، وهو ما صرح به الطبري [20، جـ28، ص144]، وعمل به في مواطن كثيرة من تفسيره.
وصرح بهذا بعض الباحثين بقوله: "قواعد العموم مقدمة على قواعد السياق وغيرها؛ لأن قواعد العموم أقوى من قواعد السياق" [17، جـ1، ص66].
تحسن الإشارة إلى أن تقديم العموم على السياق ليس محل اتفاق بين المفسرين، فإن المقصود من الخطاب حصول الفهم، ولا يتيسر هذا إلا بمراعاة السياق كما سبق بيانه؛ ولهذا قدم بعض العلماء السياق على قرائن متمكنة، فقد قال الزركشي: "ليكن محط نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي سيق له، وإن خالف أصل الوضع اللغوي لثبوت التجوز" [27، جـ1، ص 317].
يتأكد هذا الذي ذكر إذا أدى الحمل على العموم إلى إشكالات في الفهم، وقصور في الدلالة على الحكم، ويتضح الذي أشرنا إليه في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 233].
تباينت أقوال المفسرين في تحديد المراد بالوالدات في الآية؛ فقالت طائفة منهم: الوالدات لفظ عام، واللام فيها للجنس، فهي تشمل كل مرضعة، سواء أكانت ذات زوج أم لا؛ لأنه لم يرد على العموم مخصص معتبر [35، جـ6، ص 99؛ 21، جـ1، ص 291؛ 34، جـ2، ص 185؛ 57، جـ1، ص 276].
يرى هؤلاء أن لا اعتبار للسياق هنا؛ لأن العموم مقدم عليه، والكلام مستأنف مقطوع عما قبله من أحكام الطلاق؛ فصار حمله على العموم أولى [41، جـ2، ص 146][15].
يرد على القول بالعموم إشكالات، منها: أن الآية رتبت النفقة والكسوة على الرضاع، ومعلوم أن الزوجة المرضعة غير معينة؛ لأنها تستحق النفقة والكسوة بالزوجية، أرضعت أم لم ترضع.
تكلف بعضهم في الرد، فقال: إن النفقة خاصة ببعض أفراد هذا العموم، وهن المطلقات بخاصة [36، جـ3، ص 160]. وأجاب آخرون بأن النفقة والكسوة الواردة في الآية زيادة للزوجة على ما تستحقه أصلاً، ليكون بمثابة أجرة على الرضاع [35، جـ6، ص100]، فكأن لها نفقتين وكسوتين، وهو تكلف بارد، يسمو عنه النظم الكريم، قال صاحب المنار: "ونحن لا نستفيد من جعل الآية عامة زيادة عما نستفيد بجعلها خاصة" [13، جـ2، ص409].
ذهبت طائفة أخرى من المفسرين إلى تخصيص الوالدات، ثم اختلفوا، فمنهم [36، جـ3، ص 160] من جعلها في الزوجات خاصة؛ لأن الآية نصت على النفقة والكسوة، والمطلقة لا تستحق إلا النفقة، ويشكل عليهم الربط بين الرضاع والنفقة والكسوة، وهذا - كما أسلفنا - غير متصور في حق الزوجة.
أغرب هذا الفريق في الرد، فقال: نصت الآية على النفقة والكسوة للزوجة المرضع مع أنها ثابتة بالزوجية؛ حتى لا يتوهم متوهم أن اشتغال الزوجة بالإرضاع يسقط النفقة والكسوة؛ لأنه قد يؤدي إلى تضييع شيء من حقوق الزوجة [35، جـ6، ص 100]، وفي هذا الرد برود وتكلف، وجرأة على النص، دفع إليه التمسك بالعموم وتجاهل السياق. قال صاحب المنار: "وهذا الترجيح مرجوح لا يلتفت إليه؛ لأنه مبني على الاحتجاج بقول الفقهاء، وهو أن المطلقة المرضع تستحق الأجرة دون النفقة والكسوة على القرآن، وهذا القول أضعف الأقوال " [13، جـ2، ص 409]، ويرى أبو زهرة أنه قول لا حجة له[16].
إن الإشكالات البارزة التي وردت على القولين السابقين، وما أعقبها من ردود متكلفة مردها تجاهل السياق القرآني، وتفسير المفردات بعد انتزاعها من سياقها، والدخول إلى النص بمقرر سابق.
ترى طائفة ثالثة من المفسرين أن الوالدات في الآية هن المطلقات بخاصة، ودليلهم السياق العام منه والخاص، أما العام فإن الآية جاءت في سياق الحديث عن أحكام الطلاق، فقد بدأ هذا الحديث من الآية 226 من السورة، واستمر إلى الآية 243 من السورة نفسها، وجاءت آية الرضاع في الوسط منها (233)، وغير جائز - كما قال الإمام الطبري في أكثر من موضع - صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره إلا بحجة يجيب التسليم لها [20، جـ9، ص 389]. ولا يعكر على هذا وجود بعض آيات خارج أحكام الطلاق جاءت بعد آية الرضاع؛ فإن علم المناسبات كفيل بالكشف عن سر الترابط بينها، وقد كان.
أما السياق الخاص الذي انتظمت فيه لفظة الوالدات فإنه ناطق بأنها في المطلقات، ويمكن الكشف عن دلالة السياق على هذا من خلال المعالم الموجزة التالية:
1- مجيء الوالدات معطوفة عما قبلها يشير إلي إتحاد السياق، فكأن النص بعد أن عرض لطائفة من أحكام المطلقات قال: والوالدات ممن يرضعن. وهذه الأحكام عند الطلاق [20، جـ5، ص30؛ 12، جـ1، ص402؛ 38، جـ2، ص277؛ 25، جـ2، ص292؛ 58، جـ1، ص248].
2 - مجيء (يرضعن) بصيغة الخبر تجنباً للأمر المباشر؛ يومئ بأن الحديث عن المطلقات - وقد يدخل غيرهن لبعض الاعتبارات - والآية تشهد بهذا كما سيأتي.
3 - النص على الحولين، وتأكيدهما بـ(كاملين) يشعر بوجود خلاف، واحتمال تفريط من أحد الأبوين، وهذا لا يتصور إلا في حالات الطلاق [35، جـ6، ص100].
4 - قد يدل التعبير بالمولود له دون الزوج على انقطاع الزوجية.
5 - فرض النفقة والكسوة للمرضع يدل على أنها مطلقة؛ إذ لو كانت زوجة لكان ذكر هذا لغوا، وقد سبق بسط هذا الكلام.
6 - النهي عن الإضرار الوارد في سياق الآية دليل علي أن الحديث في المطلقات؛ إذ لا يتصور شيء منه مع بقاء الزوجية، وسواء حملت (تضار) علي المفعولية أو الفاعلية في قراءتيها المشهورتين [48، جـ1، ص296]، وسواء حملت "الباء" علي معني الإلصاق [28، جـ2، ص434؛ 26، جـ1، ص142] أو غيره، كل ذلك في قوله تعالي: ﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ﴾ [البقرة: 233] الواردة في سياق الآية، فإن دلالتها لا تخرجها علي أي وجه عن المطلقات، إذ أن مجمل ما يستفاد مما سبق: النهي عن الإضرار بالأم عن طريق الرضاع، سواء من الأب أو من المولود، وكذا العكس، لا ينبغي أن تلحق الأم ضرراً بالأب ولا بالمولود. وصور ذلك كثيرة متوقعة[17] يحول طلب الإيجاز دون تفصيلها، وهي كلها لا تتصور مع بقاء الزوجية.
7 - قوله تعالى في سياق الآية: ﴿ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ [البقرة: 233] دليل على أنها في المطلقات؛ فإنهم - وبغض النظر عن الخلاف في مدلولها - إلا أنها تتحدث عن من تلزمه نفقة المرضع حين فقد الأب، وهي عند الجمهور على وارث الطفل [28، جـ2، ص434].
8 - يدل قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ ﴾ [البقرة: 233] على انتقاء الزوجية؛ لأن الآية تجيز اتفاق الأبوين على ترك إرضاع المولود، وهذا لا يتصور إلا في حالة الطلاق.
9 - ختمت الآية بالحديث عن جواز أن ترضع الولد غير والدته، وهذا يحدث غالباً عند تفرق الأبوين.
إن هذه المعالم المنتزعة من سياق الآية فقط تبين - على تفاوتٍ في دلالتها - أن العموم غير مقصود في هذه الآية، وأن الاعتماد على قرينة السياق كان أولى في التقديم، وفى الكشف عن مراد الله فيها.
إن النظر في معنى الآية في ضوء السياق أدى إلي تجنب ما ظهر في الآية من إشكالات، حين حكم العموم فيها، وليس في الاحتكام إلي السياق ما يخل في أحكام الرضاع بعامة؛ لأن حكم إرضاع الوالدات غير المطلقات أولادهن يؤخذ من الآية بالطريق الأوْلى [13، جـ2، ص409]، والعكس متعذر، كما أن حكم إرضاع الوالدات غير المطلقات أولادهن قد يؤخذ من غير هذه الآية [28، جـ2، ص430]، وليس من غرض هذا البحث تتبع هذا، بخاصة أننا توسعنا قليلاً في التفصيل في هذا المثال، وسوغ لنا هذا - فيما نرى - الحرص على بيان أثر السياق، وتسويغ تقديمه على العموم في بعض المواضع.
الخاتمة:
يمكن أن نقرر على هدًى مما سبق عرضه: أن فهم النص دوَّار مع السياق، وأن له فيه قسطاً من التحكم، بخاصة إذا لم تزاحمه قرينة أخرى نصبها صاحب النص دليلاً على المعنى المراد، الذي هو أعلم به، وقد يكون هذا الدليل - في مجال تفسير القرآن - آية ذات معنى صريح، أو حديث صحيح، ويلحق بهما إجماع الحجة.
عُني كثير من المفسرين بالسياق، ورعوه حق رعايته، وأنزلوه منزلته من لدن الإمام ابن جرير الطبري، الذي أجاد وأفاد في مجال التأصيل والتطبيق، ووصولاً إلي مدرسة المنار التي رفعت شعار العودة إلي النص والاحتكام إليه، والتي كانت العناية بالسياق أبرز مظاهره.
إن المجالات التي يستحضر فيها السياق كثيرة، فهو يعين على ترجيح المحتملات، وبيان المجملات، وفى تحديد عود الضمير، وفى القراءات، وله حضور عند تنقيح التفسير من الدخيل والإسرائيليات، ودفع ما يتوهم أنه تعارض بين الآيات، وإن كان هذا البحث لم يتسع من ذلك كله إلا إلى إشارات.
أسيء إلي السياق - على الرغم من أهميته - مرتين:
الأولى: حين تم تجاهله من قِبَل بعض من اشتغل بالتفسير التحليلي التجزيئي، وحرص على تكثير المعاني، وذلك بانتزاع اللفظ من نظمه وسياقه، وتفسيره تفسيراً لغوياً معجمياً، دون التفات إلى مدى مناسبة هذا المعنى للسياق.
كانت الثانية حين قدم السياق على غيره من القرائن مطلقاً، كما صنعت مدرسة المنار في مواطن متعددة، تحت تأثير المقررات السابقة، فكان أن أخطأت في تفسير هذه المواضع.
لقد حاز مفسرو القرآن الكريم منذ وقت مبكر فضل السبق في الكشف عن أثر السياق وأهميته، وفى بيان أن الأصل بيان النص في سياق واحد، وفى التفريق بين دلالة الكلمة مفردة ومقترنة بغيرها داخل النظم، وفى مسائل أخرى تتصل بالسياق، مما يظنه البعض أنه من نتاج الدراسات اللسانية الحديثة، ومن مبتكرات مدارس تحليل الخطاب.
أحسب أن ما ورد في هذا البحث دعوة إلى الباحثين لكي يقدموا دراسات مستقلة لكل مجال من المجالات التي عمل فيها السياق، تكون استقرائية تطبيقية، وأحسب مرة أخرى أنها ستأتي بنتائج باهرة.
وأستغفر الله تعالى إن ساء فهمي، أو زل قلمي، هو سبحانه من وراء القصد.
المراجع:
1 - أولمان، ستيفن. دور الكلمة في اللغة. ترجمه وقدم له وعلق عليه د. كمال بشر. القاهرة: مكتبة الشباب، د.ت.
2 - رضوان، محمود. نظرات في اللغة. ط1. بني غازي: د.ت، 1976م.
3 - براون، جيليان ب.، وج يول. تحليل الخطاب. ترجمة وتعليق د.محمد لطفي الزليطني ود. منير التريكي. الرياض: جامعه الملك سعود، 1418هـ/ 1997م.
4 - الموسى، نهاد. العربية نحو توصيف جديد في ضوء اللسانيات الحاسوبية. ط1. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2000م.
5 - حسان، تمام. اللغة العربية: معناها ومبناها. الدار البيضاء: دار الثقافة، د.ت.
6 - رواندا، بلوار. مدخل إلي اللسانيات. ترجمة بدر الدين القاسم. دمشق: مطبعة جامعة دمشق 1400هـ/ 1980م.
7 - الحواء محمد سليم. تفسير النصوص الجنائية. ط1. جدة: عكاظ، 1401هـ/ 1981م.
8 - ابن فارس، أحمد. معجم مقاييس اللغة. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1366هـ.
9 - الأصبهاني، الراغب. المفردات في غريب القرآن. تحقيق صفوان داوودي. ط1. دمشق: دار القلم، د.ت.
10 - أبو البقاء، أيوب بن موسى. الكليات. تحقيق عدنان درويش ومحمد المصري. ط1. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1412هـ.
11 - ابن منظور، جمال الدين. لسان العرب، بيروت: دار صادر، د.ت.
12 - ابن العربي، أبو بكر محمد. أحكام القرآن، تحقيق محمد على البجاوي. بيروت: دار المعرفة، د.ت.
13 - رضا، محمد رشيد. تفسير القرآن الحكيم المشهور بتفسير المنار. القاهرة: دار المنار، د.ت.
14 - ابن تميمة، أحمد عبد الحليم. مجموع الفتاوى. جمع عبد الرحمن بن قاسم. الرياض: د.ن، د.ت.
15 - ابن تميمة، أحمد عبد الحليم. دقائق التفسير. جمع وتحقيق د.محمد السيد الجليند. ط1. القاهرة: دار الأنصار، 1398هـ/ 1978م
16 - الدامغاني، الحسين بن محمد. إصلاح الأشباه والنظائر. تحقيق عبد العزيز سيد الأهل. ط2. بيروت: دار العلم للملاين، 1977م.
17 - الحربي، حسين بن على. قواعد الترجيح عند المفسرين. ط1. الرياض: دار القاسم، 1417هـ.
18 - الشاطبي، أبو إسحاق. الموافقات في أصول الشريعة. تحقيق عبد المنعم إبراهيم. ط1. مكة المكرمة: مكتبة الباز، 1418هـ.
19 - القاسمي، محمد جمال الدين. محاسن التأويل. عناية محمد فؤاد عبد الباقي. بيروت: دار الفكر، د.ت.
20 - الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل أي القرآن. تحقيق محمود شاكر. القاهرة: دار المعارف، د.ت.
21 - ابن كثير، أبو الفدا إسماعيل. تفسير القرآن العظيم. ط2. الرياض: دار طيبة، 1420هـ.
22 - الزركشي، بدر الدين. البحر المحيط. تحقيق عبد القادر القاني وآخرين. ط2. الكويت: وزارة الأوقاف، 1413هـ.
23 - أبو عبيدة، معمر بن المثني. مجاز القرآن. تحقيق فؤاد سزكين. ط2. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1401هـ.
24 - النحاس، أبو جعفر. معاني القرآن. تحقيق محمد علي الصابوني. ط1. مكة المكرمة: مركز إحياء التراث الإسلامي، 1410هـ/ 1989م.
25 - ابن عطية، عبد الحق بن غالب. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز. ط1. الدوحة: د.ن، 1409هـ.
26 - الزمخشري، محمود بن عمر. الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التاؤيل. بيروت: دار المعرفة، 1391هـ.
27 - الزركشي، بدر الدين. البرهان في علوم القرآن. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. ط21. بيروت: دار المعرفة، 1391هـ.
28 - ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير. د.م: د.ن، د.ت.
29 - المزني، محمد بن أحمد. مختصر المزني في فروع الشافعية بهامش الأمر. القاهرة: دار الشعب، د.ت.
30 - أبو موسى، محمد. دلالات التراكيب. دراسة بلاغية. ط1. القاهرة: مكتبة وهبة، 1399هـ.
31 - العز بن عبد السلام. الإشارة إلي الإيجاز في بعض أنواع المجاز. دمشق: دار الفكر، د.ت.
32 - ابن الوزير، محمد بن مرتضي اليماني. إيثار الحق علي الخلق. ط2. بيروت: دار الكتب العلمية، 1407هـ.
33 - أبو حيان، محمد بن يوسف الأندلسي. البحر المحيط. ط3. د.م. دار المعرفة، بيروت: 1393هـ
34 - المراغي، أحمد مصطفي. تفسير المراغي. ط2. د.م: دار إحياء التراث العربي، 1985م.
35 - الرازي، فخر الدين محمد بن عمر، التفسير الكبير. ط1. د.م: دار الكتب العلمية، 1411هـ
36 - القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن. الرياض: مكتبة الرياض، د.ت.
37 - الخازن، علاء الدين علي. لباب التأويل في معاني التنزيل. بيروت، دار المعرفة، د.ت.
38 - البغوي، أبو محمد الحسين، تحقيق محمد النمر عثمان ضميرية، وسليمان الخرش. الرياض: دار طيبة، 1412هـ.
39 - الشنقيطي، محمد الأمين. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن. د.م: د.ن.، 1403هـ.
40 - خان، صديق حسن. فتح البيان في مقاصد القرآن. عُني بطبعه عبد الله الأنصاري. بيروت: المطبعة المصرية، 1412هـ.
41 - الألوسي، أبو الفضل شهاب الدين. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني. ط4. بيروت: دار إحياء التراث، 1405هـ.
42 - ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي. ط4. بيروت: المكتب الإسلامي، 1407هـ.
43 - دروزة، محمد عزة. التفسير الحديث. القاهرة: دار إحياء التراث، 1383هـ.
44 - حجازي، محمود محمد. التفسير الواضح. القاهرة: دار الكتب الحديثة، د.ت.
45 - الأخفش الأوسط، أبو الحسن سعيد بن مسعده البصري. معاني القرآن. تحقيق فائز فارس. ط3. دمشق: دار البشير ودار الأمل، 1401هـ/ 1981م.
46 - ابن قتيبة، محمد بن عبد الله. تفسير غريب القرآن. تحقيق أحمد صقر. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، د.ت.
47 - ابن القيم، محمد بن أبي بكر. التفسير القيم. جمعه محمد أوس الندوي. تحقيق محمد حامد الفقي. مكة المكرمة: مطبعة السنة المحمدية، د.ت.
48 - القيسي، مكي بن أبي طالب. الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها. تحقيق محيي الدين رمضان. ط4. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1407هـ.
49 - ابن الجزري، محمد بن محمد. النشر في القراءات العشر. د.م.:دار الفكر للطباعة والنشر، د.ت.
50 - أبو شامة، عبد الرحمن بن إسماعيل. إبراز المعاني في حرز الأماني. تحقيق إبراهيم عطوة. القاهرة: مصطفي البابي الحلبي، د.ت.
51 - عبد الرحمن، عائشة، التفسير البياني. ط3. القاهرة: دار المعارف، 1968م.
52 - شريف، محمد إبراهيم. اتجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر. ط1. القاهرة: دار التراث. 1402هـ.
53 - البخاري، محمد بن إسماعيل. الجامع الصحيح. ط2. الرياض: دار السلام، 1421هـ.
54 - النيسابوري، مسلم بن حجاج، صحيح مسلم. ط2. الرياض: دار السلام، 1421هـ.
55 - الترمذي، الحافظ أبو عيسى. سنن. ط2. الرياض: دار السلام، 1421هـ.
56 - الجزائري، أبو بكر جابر، أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير. ط3. المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، 1418هـ.
57 - الخطيب، عبد الكريم، التفسير القرآني. د.م: دار الفكر، د.ت.
58 - قطب، سيد إبراهيم. في ظلال القرآن. ط13. جدة: دار العلم، 1406هـ.
59 - مجلة لواء الإسلام- شهرية، تصدر عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - القاهرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* مورقع الألوكة: (https://cutt.us/VfiqX).
[1] يعمل السياق بدلالته العامة خارج دائرة النص أيضاً، فإن اللون الفاتح إذا وضع بإزاء ألوان أفتح منه؛ فإنه يبدو غامقاً، والشخص القصير إذا وقف مع من هم أقصر؛ فإنه يبدو بينهم طويلاً، وهكذا [3، ص146].
[2] شهد لهذا أحاديث وإجماع، انظر [22، ج1، ص291].
[3] ينظر [20، جـ 2 ، ص82؛ جـ9، ص 212؛ جـ17، ص19].
[4] ينظر على سبيل المثال: [23، جـ1، ص91]، ورد الطبري [20، جـ3، ص 253]، وينظر أيضاً [23، جـ1، ص313]، ورد الطبري [20، جـ12، ص 233]، وينظر كذلك [23، جـ2، ص98]، ورد النحاس [24، جـ5، ص160].
[5] [26، جـ3، ص ص 19؛ 275؛ 42، جـ 5، ص 385؛ 36، جـ 11، ص 336؛ 40، جـ 8، ص 368].
[6] لمزيد من التفسير يراجع [17، جـ2 ، ص ص 585 ـ 631]، وعود الضمير من الموضوعات التي تستحق أن تفرد بدراسة مستقلة.
[7] انظر أمثلة على احتكامها للسياق، وتقديمها له في كتابها [51، جـ 1، ص ص 16، 77، 126 ، 162، 182، 208]، وغيرها كثير.
[8] عرض لمنهجها كثيرون بالدرس والنقد، منهم د. محمد إبراهيم شريف في كتابه (اتجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر)، ود.فهد الرومي في كتابه (اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر الهجري).
[9] متفق عليه [53، ص 826، كتاب التفسير؛ 54، ص113،كتاب الإيمان].
[10] أخرجه الترمذي [55، ص 716، كتاب التفسير].
[11] انظر أمثلة لما ذكرنا من رد أسباب النزول بسبب السياق [28، جـ2، ص ص 324 ،376؛ جـ5، ص183؛ جـ6، ص138؛ جـ14، ص6؛ جـ14، ص6؛ جـ 17، ص 154.
[12] ينظر تفسير أبي زهرة لهذه الآية في ضوء هذا الفهم، وانتصاره له [59، ص 240].
[13] انظر الرأي مفصلاً في [13، جـ2، 456؛ 57، جـ1، ص129] وتابعهما أبو زهرة في تفسيره لهذه الآية [95، ص 734]، السنة السادسة، سنة 1372هـ، وأطال الاستدلال لهذا القول بالسياق، وقال: ونحن إليه أميل.
[14] انظر على سبيل المثال لا الحصر: [20، جـ5، ص 275؛ 21، جـ1، ص 305؛ 26، جـ1، ص 147؛ 35، جـ3، ص 139؛ 36، جـ3، ص 230؛ 19 ، جـ3، ص 396].
[15] انتصر لهذا القول أبو زهرة في تفسيره لهذه الآية في [59، ص 402].
[16] انظر رأيه هذا في [59، ص402].
[17] انظر بعضاً من هذه الصور والحالات في [26، جـ1، ص142؛ 13، جـ2، ص408].السياق القرآني وأثره في الكشف عن المعاني الكاتب: زيد عمر عبدالله ملخص البحث: يعرض البحث لقضية تفسير النصوص، ويسلط الضوء علي السياق؛ كونه من أبرز القرائن المعينة على فهم النص وتفسيره تفسيراً صحيحاً يكشف عن المراد منه. عرض البحث لتعريف السياق، وبيان منزلته ومجالاته، وبين أن كثيراً من المفسرين عُنوا به قديماً وحديثاً، وأنزلوه منزلته بإزاء القرائن الأخرى، وطائفة أخرى قليلة ربما أهملته، أو تجاوزت في توظيفه، فنتج عن هذا خلل في فهم النص، وقد بين ذلك كله بالأمثلة القرآنية. وخلص البحث إلى أن للسياق أثراً بارزاً في ترجيح المحتملات، وبيان المجملات، وفي عود الضمير والقراءات، وفي تنقيح التفسير من الدخيل والإسرائيليات، ودفع ما يتوهم أنه تعارض بين الآيات، وإن كان هذا البحث لم يتسع من ذلك كله إلا إلى إشارات. وكان لمفسري القرآن فضل السبق في الكشف عن دور السياق مما يظن أنه من نتاج الدراسات اللسانية الحديثة، ومن مبتكرات مدارس تحليل الخطاب. مقدمة: الحمد لله الذي نصب للحق دليلاً، والصلاة والسلام علي النبي الأمين أعلم الناس بمراد الله، ورضي الله عن صحابة رسوله الكرام الأمناء علي الوحي، ومن تبعهم بإحسان، وبعد. كان تفسير النصوص - وما زال - الشغل الشاغل للعلماء، كلٌّ في مجال اختصاصه؛ لأن فهم المراد من النص الهدف الأولى، والغاية الكبرى؛ لما له من الآثار والثمار، فلا غرو بهذا الاعتبار أن تتجه الأنظار إلى تفسير النصوص منذ وجدت. صاحب تفسير النصوص تباين في الوسائل والغايات، فمن طائفة حرصت على الكشف عن المراد من النص في ضوء ما أتيح لها من معالم وقرائن معينة على فهمه، وطائفة أخرى أهمتها أغراضها؛ فغدت على النص تفسره كيفما ترى أو يحلو لها، بعيداً عن الضوابط والقرائن، جاهلة بها، أو متجاهلة لها؛ فكانت الجناية على النص. حرص أهل الشأن علي الحيلولة دون العبث بالنصوص؛ فعمدوا بعد استقراءٍ وجمعٍ إلى وضع مجموعة من القواعد والمعالم التي تعين على التفسير السليم للنصوص، ولتكون بمثابة الميزان الذي يعرف به التفسير المقبول من غيره. لقد آتت هذه القواعد ثمارها، وبرزت آثارها، فصار لها حضور مشهور لدى مفسري النصوص، بخاصة مفسرو القرآن الكريم، الذين عنوا بها منذ وقت مبكر؛ تفصيلاً وتأصيلاً وتطبيقاً، فحازوا فضل السبق في ذلك كله. كان السياق من أبرز هذه القواعد والقرائن، وقف المفسرون على دوره المتميز، فأنزلوه منزلته اللائقة به في الجملة، مع شائبة مردها الإفراط والتفريط أحيانا، سنعرض لها ونحن نكشف عن معنى السياق، وعن منزلته ومجالاته وغاياته، في بحث يدور حول أثر السياق القرآني في الكشف عن المعاني، وسيكون هذا كله في نطاق ما يتسع له المقام من بسط وضرب للأمثلة، في محاولة لإبراز ما اندثر، وجمع ما انتثر من مسائل تتصل بالسياق، لعلها تعطي بمجموعها صورة واضحة المعالم، وتعين علي الإفادة منه دون إفراط أو تفريط، وهي خطوة سبقتها من غيري خطوات متناثرات؛ سوغت لي الكتابة في هذا الموضوع. آمل أن تكون هذه الدراسة خطوة نحو تفسير سليم. والله سبحانه أعلم. السياق: أهميته ومجالاته: يعتمد فهم النص - أي نص - على مجموعة من العوامل والمعالم، سواء أكانت داخله أم خارجه، وقد تنبه لها العلماء - كلٌّ في مجال اختصاصه - فعرضوا لها تفصيلاً وتأصيلاً؛ بغية الوصول إلى تفسير للنص يكشف عن المراد منه. إن هذه العوامل - على تفاوت بينها في الآثار والثمار - ذات تأثير مباشر على المعنى الدقيق للكلمات "وهذا أمر لم يعارض فيه أحد معارضة جدية" [1، ص75]، ويعد السياق من أبرزها، وأكثرها أثرا في تحديد المعنى؛ "لأن اللغة ظاهرة اجتماعية، فيكون الفهم متوقفاً على النظر إلى الكلام في ضوء السياق" [2، ص 464]، سواء أكان هذا السياق كلامياً أم غير كلامي [3، ص 100]. تتسع دائرة السياق بعامة، ويمتد نفوذه فيؤثر في جوانب متعددة في النص، فهو يسهم في تحديد المعنى ودفع اللبس، كما في كلمة "السائل" [4، ص282] مثلاً، ففي قولنا: "الدواء السائل أسلم للأطفال. تكون "السائل" اسم فاعل من "سال"، وفي قوله تعالي: ﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [المعارج: 24 ،25] تكون "السائل" اسم فاعل من "سأل"، وفي قولنا: "سائل العلياء عنا" يكون "سائل"فعل أمر، ويعود الفضل للسياق في ضبط هذه الدلالات للكلمة الواحدة ، ودفع ما قد يتوهم من لبس. للسياق كذلك أثر في تحديد الزمن النحوي [5، ص 242]، وفي حل بعض مشاكل التنافر، وتوالي الأضداد [5، ص 262]، كما يحول السياق دون إنشاء جمل مستقيمة نحوياً ولا معنى لها، كقولنا: تأكل التفاحة الولد [6، ص148]، إلى غير ذلك من المجالات التي نعرض عنها؛ لأنها خارج دائرة هذا البحث[1]. للسياق حضور أيما حضور في مجال تفسير النصوص القانونية، ولهذا تسالم رجال القانون على أنه "يجب أن تفهم الكلمات الواردة في النص القانوني، في ضوء المعنى الذي يعبر عنه سياق النص" [7، ص92]. لقد عُني العلماء بنظرية السياق كثيراً، حتى صارت عندهم الركن الرئيس في تحليل الخطاب، وفهم النص، حين أدركوا أهمية السياق في هذا المجال، ولو متأخراً، وفي هذا يقول براون ويول: "إن الفكرة القائلة بإمكان تحليل سلسلة لغوية (جملة مثلاً) تحليلاً كاملاً بدون مراعاة السياق قد أصبحت في السنين الأخيرة محل شك" [3، ص 32]. إذا كان بروز هذا الاهتمام متأخراً عند غيرنا - كما يفهم من العبارة السابقة - فإن عناية علمائنا بالسياق كانت مصاحبة لنزول القرآن الكريم، وكان له استحضار مؤثر في فهم النص العربي بعامة. يحسن بنا قبل أن نفصل القول فيما نحن بصدده أن نحدد المقصود من السياق الذي سنعرض له؛ "لأن هذه الكلمة استعملت حديثاً في عدة معاني مختلفة [1، ص 57]. يتكون السياق - موضوع دراستنا - من السباق واللحاق، أما السباق: فهو من السبق، وهو التقدم، ويطلق على التقدم في السير [8، جـ 3، ص129؛ 9 ، ص395]، ونعني به موضع الشيء [10، ص 508] ما قبل النظر؛ أما اللحاق: فهو من لحقته ولحقت به، أي: أدركته، وهو كل شيء لحق شيئاً، أو ألحق به [11، جـ10، ص327]، ويطلق على ما بعد الشيء موضع النظر. إن السياق الذي نعني هو ذلك السياق الداخلي الذي يُعنى بالنظم اللفظي للكلمة، وموقعها من ذلك النظم، آخذاً بعين الاعتبار ما قبلها وما بعدها في الجملة، وقد تتسع [1، ص 57] دائرته إذا دعت الحاجة، فيشمل الجمل السابقة واللاحقة، بل والقطعة كلها، والكتاب كله. يمكن في ضوء ما تقدم أن نتفهم دور السياق القرآني في الكشف عن المعاني ونحن نستحضر أن ترتيب الآيات في السور القرآنية توقيفي[2]، وأن المناسبة في الأصل قائمة بين هذه الآيات، وهذا يحمل على الاطمئنان إلى النتائج التي تسفر عنها مراعاة السياق في نظم معجز تكلم به الحكيم الخبير، ولا غرو من ذلك بعد أن ظهرت الآثار الإيجابية لمراعاة السياق في تحليل الخطاب الصادر عن البشر كما قال أولمان: "إن نظرية السياق إذا طبقت بحكمة؛ تمثل الحجر الأساس في علم المعنى، وقد قادت بالفعل إلى الحصول على مجموعة من النتائج الباهرة بهذا الشأن" [1،ص61]. فإذا كان قد ظهر هذا في كلام البشر والذي لا يخلو من نقص وخلل، فإنه في كلام الله تعالى أشهر وأظهر، في ظل تميزه بنظمه المعجز. ﴿ الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ [هود: 1]. إن لكل كلمة في القرآن معنى في ضوء سياقها، قد لا يصح هذا المعنى لسياق آخر؛ لأن [12، جـ3، ص 138] مراعاة مساق الكلام ومنحى القول مهم، وإن كان المعنى الآخر صحيحاً؛ لهذا عد صاحب (المنار) السياق أفضل قرينة تكشف عن حقيقة معنى اللفظ [13، جـ 1، ص 22]. تضيء هذا التوجه نظرة إلى كتب الأشباه والنظائر التي جمعت للكلمة الواحدة في القرآن دلالات متعددة، يعود للسياق الفضل في اكتسابها لهذه المعاني في ضوء الدلالة اللغوية، ذلك أن "دلالة اللفظ في كل موضع بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية" [14، جـ6،ص 14]، بخاصة أن دلالته تختلف، كونه مفرداً أو مقروناً [15، جـ1، ص 260]. إن لكلمة "أمر" في القرآن الكريم ستة عشر معنى [16، ص 38]، ولكلمة "الرحمة" أربعة عشر معنى [16، ص 347]، ولكلمة "فتن" أحد عشر معنى [16، ص 347]، أدت كل كلمة منها المعنى المراد الذي يفرضه السياق. لقد عُني المفسرون منذ وقت مبكر بالسياق القرآني؛ لما له من أثر فاعل في الكشف عن مراد الله تعالى في كتابه، وكان له - السياق - حضور بارز إلى جانب القرائن الأخرى؛ كأسباب النزول، واللغة، والعموم، وربما قُدم على بعضها، أو تحكم بها؛ لتوقف المعنى العام عليه؛ "فإنه عند التفاضل بين هذه القواعد؛ لابد من مراعاة السياق دائماً، فهو المقصود بهذه القواعد، حتى يفهم على وجهه" [17، جـ1، ص 98]. جعل الشاطبي مراعاة السياق مظهراً من مظاهر الاعتدال في التفسير المفضي إلى الفهم السليم، حين قال: "فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف، فإن فرق النظر في أجزائه؛ فلا يتوصل به إلى مراده، ولا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض [18، جـ3، ص855؛ 19، جـ1، ص 156]. إن هذا القانون الذي يجعل السياق محل اعتبار كان سمة صاحبت التفسير منذ بداياته الأولى - وبجهد متميز من شيخ المفسرين الإمام الطبري؛ تأصيلاً وتطبيقا - وإلى العصر الحديث. على الرغم من أن التفسير في عهد الصحابة الكرام كان ذا طابع تجزيئي يُعني بتفسير المفردة القرآنية، إلا أنه لم يكن يغفل سياقها؛ ولهذا جاء تفسيرهم سليماً خالياً من الخلل بعامة، وإن لم يكن قد ورد عنهم صراحة ما يعد توصيفاً للسياق وتأصيلاً له، عدا إشارات قد تدل علي ما نحن بصدده، منها إنكار عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - علي الخوارج، ونعته لهم بأنهم شرار الخلق، حين عمدوا إلي آيات نزلت في الكفار؛ فجعلوها في المسلمين [18، جـ3، ص 807]، وهذا لا يكون إلا بتجاهل السياق. يتضمن تفسير الإمام الطبري إشارات أخري تدل علي استحضار السياق في وقت مبكر؛ فإن كثيراً من اختياراته في التفسير، والتي جاءت في ضوء السياق كان موافقا فيها لابن عباس - رضي الله عنهما[3]، وتزداد هذه المسالة وضوحاً بما روي عن تابعي متقدم روى عن ابن عباس وتتلمذ عليه، ذلكم هو مسلم بن يسار البصري، المتوفى سنة 100 هـ، حين قال وهو ينبه إلي ضرورة الاهتمام بالسياق: "إذا حدثت عن الله؛ فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده" [21، جـ1، ص 17]. وهذا طاووس بن كيسان (ت 106 هـ) يستند إلي السياق في تحديد المراد بالنفس في قوله تعالي: ﴿ وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾ [ق: 21]، فيقول: "إنما يراد بهذا الكافر، اقرأ ما بعدها يدلك على ذلك" [20، جـ26، ص 162]. لقد بقي هذا المنهج محل عناية المفسرين قديماً وحديثاً - على تفاوت بينهم؛ "لأن دلالة السياق متفق عليها في مجاري كلام الله تعالي" [22، جـ6،ص52]، فلم يكن يسع أحداً منهم تجاهلها، وإن حصل شيء من هذا؛ عوتب أصحابه، وصاروا موضع نقد واستدراك. هذا الذي أشرنا إليه وجد شيء منه عند أبي عبيدة (ت 209هـ) في كتابة (مجاز القرآن)؛ فإنه عني في مواطن متعددة منه بدراسة المفردة القرآنية من الجانب اللغوي، دونما اعتبار لسياقها القرآني، فجاءت دراسته في هذه المواطن إلى البحث اللغوي أقرب منها إلى التفسير المفضي إلي الكشف عن مراد الله، ولهذا تعاقبت عليه الاستدراكات، والتي صاحبها تشنيع أحياناً[4]. لسنا في هذا المقام بصدد تقويم منهج شخص بعينه، وإنما نهدف إلى بيان أن ثمة توجهاً ظهر في وقت مبكر أيضاً لم يُعن كثيراً بالسياق، وربما أهمله، فتسرب الخلل إلى التفسير من هذا الوجه، ولن نعدم أمثلة لهذا من تفسير التابعين ومن بعدهم، لكنها لم تكن تؤلف ظاهرة. يحسن التنبيه - احترازاً - إلى أن تفسير الصحابة - والذي عُني بتفسير المفردة القرآنية كما أسلفنا - سلم من هذا الخلل؛ بسبب توافر مجموعة من الصفات كان يفتقر إليها من جاء بعدهم، وهي أنهم تتلمذوا على الرسول صلي الله عليه وسلم، وعايشوا الجاهلية، وعاصروا تنزيل القرآن، وكانوا عربا خلصاً، فكانوا أعرف الناس بمقاصد القرآن وسياقه العام، وكان تفسيرهم على أية حال قليلاً. كان هذا بخلاف طائفة ممن جاء بعدهم؛ فإن هؤلاء - إضافة إلى ما تقدم - كانوا يرغبون في تجميع الأقوال، وكانوا حريصين على تكثير المعاني، فأدى هذا إلى عدم الحرص على تجاوز معاني المفردات إلى ما هو أبعد من ذلك، كتتبع السياق. يُلحظ شيء مما ذكرنا عند أبي عبيدة وابن قتيبة والأخفش من المتقدمين، ومن المتأخرين نسبياً: البيضاوي والخازن وابن الجوزي، وهي أحكام لا تخلو من تجوُّز؛ لأننا لا ندعي أنها صادرة عن تتبع واستقراء، وإنما هي ملحوظات تتابعت من مداومة النظر في كتبهم، وقد يشهد لها ما سيأتي من أمثلة في ثنايا هذا البحث، يرى الحذاق من العلماء أن في هذا المسلك قصوراً؛ لأن بعض أصحابه "راعوا مجرد اللفظ، وما يجوز عندهم أن يريد به العربي، من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به وسياق الكلام" [15، جـ1، ص 67]، وللشاطبي كلام قريب من هذا [18 ، جـ3 ، ص 853]، ومن قبل الإمام الطبري الذي عُني بالسياق تأصيلاً وتطبيقاً كما أسلفنا، ونعى على من تجاهله [ 20، جـ12 ، ص234]، وتبعه في ذلك كثيرون؛ كابن عطية [25، جـ 10، ص 20] والزمخشري [26، جـ3، ص118]. ومن الذين أسهموا في إبراز دور السياق واستثمروه الراغب الأصبهاني (ت 502 هـ)، في كتابه (مفردات القرآن)، فقد أثنى الزركشي على منهجه وهو يتحدث عن تفسير بعض آي القرآن الذي لم يرد فيه نقل، حيث قال: "وطريق التوصل إلى فهمه: النظر إلى مفردات الألفاظ من لغة العرب، ومدلولاتها، واستعمالاتها، بحسب السياق، وهذا يعتني به الراغب كثيراً في كتاب (المفردات)، فيذكر قيداً زائداً على أهل اللغة في تفسير مدلول اللفظ؛ لأنه اقتنصه من السياق" [27، جـ2، ص172]. يمكن القول على هدًى مما تقدم: إن السياق قرينة متميزة في مجال تحليل الخطاب، والكشف عن المراد، إذا أحسن استعماله، ووضع في نصابه، بأن لا يهمل اكتفاء بتحليل البناء اللغوي؛ لأن هذا وحده لا يرشد إلى دلالة الكلمة، لا مفردة ولا مقرونة بغيرها، لما أسلفنا. يعد - بإزاء هذا - الخروج بالسياق عن مكانته؛ بأن يقدم على غيره من القرائن مطلقاً، يعد هذا انحرافاً بالسياق عن دوره ووظيفته، وهذا مسلك الذين يرون: "بأن الكلمات لا معنى لها على الإطلاق خارج مكانها في النظم" [1، ص57]، ولا شك أن في هذا التوجه مبالغة تسيء إلى السياق أكثر مما تحسن إليه، والناظر في كتب التفسير يلحظ ملامح الاتجاهات الثلاثة بادية فيها ثمة آيات كثر في القرآن الكريم للسياق أثر في تفسيرها، وتحديد المعنى المراد منها، ويكثر هذا في الآيات التي تتضمن ألفاظاً مشتركة، وحسبنا في هذا المقام مثال يوضح ما نحن بصدده؛ لأن أمثلة هذا النوع أكثر من أن يستوعبها بحث كهذا. إن كلمة البلوغ لفظ مشترك، يطلق في اللغة على المقاربة، وعلى الانتهاء إلى الشيء، وقد ورد هذا اللفظ في آيتين متجاورين، كان للسياق الفضل في اختيار المعنى المناسب لهذه اللفظة في الموضعين. جاء في الآية الأولى، قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [البقرة: 231]، فالخطاب هنا للأزواج، والمراد ببلوغ الأجل: قرب انتهاء العدة؛ لأن الأجل إذا انقضى زال التخيير بين الإمساك [28، جـ2، ص 421] والتسريح، فلما خير الزوج دل على أن المعنى ما ذكرنا بالإجماع. نرى في الآية التالية أن السياق يحتم حمل المعنى على الانقضاء، وهي قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 232]، فالخطاب هنا للأولياء، والمعنى: أن الزوج إذا طلق زوجته، وانقضت عدتها، وأراد أن ينكحها من جديد؛ فليس لولي أمرها أن يمانع، فلو كان معنى بلوغ الأجل هنا المقاربة؛ لراجع الزوج مطلقته دون حاجة إلى ولي أمرها، ورحم الله الشافعي حين قال: "دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين" [29، جـ4، ص 87]؛ فقد جعل السياق البلوغ في الآية الأولى بمعنى مشارفة بلوغ الأجل، وجعله في الآية الثانية بمعنى انتهاء الأجل، وكل الذي ذكرنا محل إجماع المفسرين. السياق والقصص القرآني: يظهر أثر السياق جلياً في الآيات التي تحتمل أكثر من معنى، وربما كان بعضها أقرب إلى الصواب من بعض، وليس ثَمَّ دليل في سياقها الخارجي من آية أخرى، أو حديث، أو إجماع يُستند إليه في اختيار واحد منها، فيلزم والحالة هذه ويحسن أن يُتوجه إلى سياق الآية الداخلي؛ بغية استنطاقه؛ "لأن السياق قوة تحرك التركيب؛ فتنبعث من إشعاعاته ما يلائم"[30، ص112]. وقد قيل: "إن مصدر الإخراج الأول لمحلل السياق هو ثراء السياق نفسه" [3، ص70]، وذلك بما يتضمنه من إشارات ترجح معنى على آخر، ينبغي أخذها بعين الاعتبار؛ "لأنه إذا احتمل الكلام معنيين، وكان حمله على أحدهما أوضح وأشد موافقة للسياق؛ كان الحمل عليه أولى" [31، جـ1، ص 277]. لقد أدى تجاهل هذا المسلك من قِبَل طائفة من المفسرين إلى عثرات وثغرات في تفاسيرهم، حين رضي هؤلاء بسرد الأقوال الواردة في الآية، وإيراد ما في مفرداتها من معان دون مراعاة للسياق في الغالب، دون ترجيح بين هذه المعاني. زين هذا المسلك لأصحابه أنها أقوال محتملة، والقرآن حمال ذو وجوه، وتكثير معاني الآيات غاية مقصودة، وقبل هذا وذاك استحضار هؤلاء المفسرين الحذر من القول على الله بغير علم. بيد أن ما يستحسن ذكره بإزاء هذا الذي تقدم، أن حكاية الخلاف وذكر الأقوال في تفسير الآية، دون تنبيه على الراجح منها يضيع الحق، ويظهر النقص على حاكيه [15، جـ1، ص80؛ 32 ، ص149]، ويجعل القارئ لكتب التفسير في حيرة من أمره، حين لا يتبين له مراد الله تعالي، وتزداد الحيرة إذا كانت هذه الأقوال متعارضة. يكثر صنيع المفسرين المشار إليه آنفاً في آيات القصص القرآني بخاصة، وقد تكون الحجة أن منهج القرآن يقوم في ذكره للقصص على العرض الإجمالي وتجنب التفصيلات، وقد يسهم هذا في تكثير الأقوال المحتملة، والذهاب بالفهم كل مذهب، بخاصة عند من يبحث عن التفصيلات والجزئيات، والتي سيجدون بعضها في كتب الأمم السابقة؛ لاتفاقها مع القرآن الكريم في ذكر أصل بعض هذه القصص مع الاختلاف في العرض والمنهج. يبدو لنا أن المخرج من هذا هو العودة إلى السياق الداخلي للقصة، والاحتكام إلى النص بسياقه، بعد أن تعذر الاستئناس بالسياق الخارجي؛ لعدم الثقة بأكثره، في حين يمكن للمفسر وهو يستعين بالسياق الداخلي أن يستبعد الأقوال الدخيلة، ويختار المعنى المناسب والمتجه مع مقاصد القرآن العامة. نوضح هذا الذي عرضنا له من خلال بعض المشاهد من القصص القرآني، ونبدأ بدعوة زكريا عليه السلام؛ حيث طلب من ربه أن يهبه ذرية طيبة، قال تعالى: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء * فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [آل عمران: 38-39]. ورد في سياق الحديث عن يحيى وأوصافه وصفه بأنه "حصورا"، والحصر لغة: الحبس والمنع، وقد اختلف المفسرون في دلالة هذا الوصف في ضوء المعنى اللغوي: قال بعضهم: الحصور هو الذي يكتم السر، واستدلوا بقول جرير: وَلَقَدْ تَسَاقَطَنِي الْوُشَاةِ فَصَادَفُوا ♦♦♦ حَصْرًا بِسِرِّكِ يَا أُمَيْمُ ضَنِينَا [33، جـ2، ص 268]. قال آخرون: الحصور الذي لا يلعب، ويحصر نفسه عن المعاصي [34، جـ3، ص 148]. وقيل: بل الذي لا يدخل مع القوم في الميسر، واستدلوا بقول الأخطل: وَشَارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكَأْسِ نَادَمَنِي ♦♦♦ لا بِالْحَصُورِ وَلا فِيهَا بِسَآر [20، جـ6، ص 376؛ 25، جـ3، ص 104]. تعود هذه الأقوال الثلاثة إلى معنى واحد، وهو التنزه عن الأفعال القبيحة، وهي لا تتناسب مع السياق الذي تضمن وصفه بالنبي والسيد والصالح، لأنها تستلزم براءته من الأفعال القبيحة؛ لأن السيد هو القدوة في الدين؛ فلا يكون في وصفه بالحصور على المعاني الماضية جديد، والأصل حمل معاني القرآن الكريم على التأسيس لا على التأكيد. ذهب جمع المفسرين إلى أن الحصور هو الذي لا يأتي النساء، واستدلوا بقول الشاعر: وَحَصُوراً لا يُرِيدُ نِكَاحَا ♦♦♦ لا وَلا يَبْتَغِي النِّسَاءَ الصَّبَاحَا [33، جـ2، ص 468]. وهذا المعنى هو الشائع في الاستعمال، قال ابن عطية [25، جـ3،ص104]: "أجمع من يعتد بقوله من المفسرين على أن هذه الصفة ليحيى - عليه السلام - إنما هي الامتناع عن وطء النساء. إن هذا المعنى هو الأنسب للسياق في هذا المقام؛ فإنه ليس معنى مكروراً كسابقيه، إذ الحصر بهذا المعنى ليس من مستتبعات النبوة والصلاح؛ بل الأصل خلاف هذا، ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً ﴾ [الرعد،38]، فلما انفرد يحيى عليه السلام بهذه الصفة نُصَّ عليها، ثم إن أصحاب هذا الرأي اختلفوا في سبب هذا الحصر، فقال بعضهم: إنه لا يأتي النساء عجزاً، وقد نسب إلى بعض الصحابة والتابعين قولهم: إنه كان عنيناً لا ذكر له، وقيل: بل كان ذلك لصغر الآلة [35؛ جـ8؛ ص32؛ 36 ، جـ4 ، ص 78؛ 37؛ جـ 3 ، ص 275]، ونسب لأبي هريرة وسعيد بن جبير قولهما: "كان ذكره مثل هذه القذاة". يشير إلى قذاة من الأرض [21، جـ2 ، ص 38]، وعن سعيد بن المسيب: كان له مثل هدبة الثوب [20، جـ6؛ ص 378؛ 38، جـ2، ص 35]، وعلى هذه الأقوال تكون (حصور) بمعنى: مفعول، أي ممنوع بمانع خارجي، لا إرادة له فيه [24، جـ1، ص 394]، وأنكر هذا حذاق المفسرين ونقاد العلماء" [21، جـ2، ص 38]. إن صح هذا عمن نقل عنهم من الصحابة والتابعين بإحسان؛ فإنه موضع استهجان؛ إذ لا سبيل إلى معرفة شيء مما ذكر إلا بنقل صحيح، وليس ثَمَّ، وليست تتقوى هذه الآراء بتوجيه صاحب (التحرير والتنوير) حين قال: "إن الله تعالى وهب زكريا ولداً إجابة لدعوته، وأتم الله تعالى مراده من انقطاع عقب زكريا لحكمة علمها" [28 ، جـ3 ، ص 241]. إن الطريق الأسلم للخروج من هذه الاختلافات والوقوف على مراد الله هو الاحتكام إلى السياق، وهو هنا سياق مدح وبشرى وامتنان، وتلك صفات نقصان، ولهذا أحسن الرازي حين حكم على الأقوال المتقدمة بالفساد، قائلاً: "وذكر صفة النقصان في معرض المدح لا يجوز، ولأنه على هذا لا يستحق ثواباً ولا مدحاً" [35 ، جـ8 ، ص 33]. ذهب أصحاب هذا التوجه من المفسرين إلى أن يحيى - عليه السلام - كان حصوراً لا يأتي النساء، لا عجزاً في أصل الخلقة، بل زهداً وانصرافاً إلى العبادة، فالحصور بهذا المعنى حاصر، من فعول بمعنى فاعل، وهو الذي يكثر من حصر النفس ومنعها، كالأكول الذي يكثر منه الأكل والشرب، والظلوم، والغشوم. إن المنع إنما يحصل لو كان المقتضى قائماً، فلولا أن القدرة والداعية كانتا موجودتين، وإلا لما كان حاصراً لنفسه، فضلاً عن أن يكون حصوراً [35، جـ 8، ص33]. لقد تضمن السياق في ثناياه ما يرجح هذا المعنى، فقد طلب زكريا من ربه ذرية طيبة، واستجاب الله تعالى له، ولا تكتمل هذه الصفة إن صاحبتها صفة نقص، وكان قد جاءه الخبر عن طريق الملائكة وهو يصلي في المحراب، ولا يحسن أن يقال إن الملائكة نقلت إليه هذا الخبر - وهو صفة النقص - وزكريا على هذه الحالة المباركة. جاء في سياق الآية أيضاً: ﴿ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ ﴾ [آل عمران: 38 - 39]. وكيف تتم البشري إذا كانت بغلام عنين لا ذكر له؟! بخاصة أن هذه الصفة (حصوراً) جاءت في سياق صفات مدح وكمال، فيجب حملها على هذا الكمال، وإبقاء النص كله في سياق واحد. إذا كان السياق قد أنصف يحيي - عليه السلام - ونزهه عن صفات النقص، فقد أنصف أمه الكريمة في موضع آخر مشابه، يتضح هذا في قوله تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ [الأنبياء: 90]. اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ﴾ [الأنبياء: 90]، قال بعضهم: أصلح الله تعالى خُلُقَها ودينها، لأنها كانت سيئة الخُلُق [36، جـ11، ص336؛ 37 ، جـ3 ، ص 275؛ 39 ، جـ 4 ، ص 212]، وقال بعضهم: أصلح الله لها لسانها؛ لأنها كانت بذيئة الكلام [40 ، جـ4 ، ص368؛ 35، جـ21 ، ص 236]. أغرى أصحاب هذا التفسير أمران: الأول: أن استعمال القرآن لكلمة الإصلاح إنما يكون في إصلاح أمور الدين والخلق [35 ، جـ 22 ، ص 188]. الثاني: أن أصلحنا عطفت على وهبنا، والعطف يقتضي التغاير، فدفعهم هذا على حمل أصلحنا على معنى بعيد عن سياق الآية. كلا الأمرين غير لازم، فإن الدلالة العامة لمعنى الإصلاح [9، ص 489] تستوعب المعنى الذي سيقت من أجله المفردة، حتى لو فرض وجود شيء من التجوز في الاستعمال، فلا ضير إذا كان السياق يستوجب هذا، فالأمر كما قال الزركشي أن يكون "محط نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي سيق له، وإن خالف أصل الوضع اللغوي؛ لثبوت التجوز" [27، جـ1، ص 317]. جاء تقديم "وهبنا" على "أصلحنا" من باب تقديم الأهم وما تتوق النفس إليه، كما أن العطف لا يقتضي الترتيب. إذا كان ذلك كذلك، فيترجح في ضوء السياق أن المراد بالإصلاح في الآية: أن الله جعلها ولودا مهيأة للإنجاب، بعد أن كانت عاقراً كما دل على هذا سياق القصة [25، جـ10 ، ص 20؛ 21 ، جـ 3 ، ص 203؛ 41 ، جـ 17 ، ص 187؛ 28 ، جـ 17 ، ص 136]. إن السياق ناطق بما ذكرنا؛ فإن دعوة زكريا كانت خاصة بطلب الذرية فقط، فإنه لم يجر ذكر لزوجه، ولم يدع لإصلاحها [41، جـ17 ، ص 187]، وكلمة "استجبنا" تؤكد هذا، ثم إن السياق نفسه يتضمن مدحاً لها، لا يستقيم معه بحال القول بأنها كانت سيئة الخُلُق بذيئة اللسان، فقد قال سبحانه في تعليل سرعة استجابته: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ [الأنبياء: 90]، ولا شك أن زوج زكريا داخلة ضمن هؤلاء الذين دل السياق على أنهم كانوا على خير صلاح قبل الدعوة، والاستجابة لها. لا يتسق مع هذا الذي ذكر ما ذهب إليه عدد من المفسرين[5]، حين أوردوا الأقوال كلها دونما ترجيح، بحجة أن النص يحتملها، ولا تعارض بينها، وهو المنهج الذي تقدم عرضه ونقضه، وهكذا نرى السياق أسهم في دفع نقيصتين عن نبي كريم، وعن أمه. يسهم في مواطن كثيرة المقرر السابق الذي ينظر إلى الآية في ضوئه في تجاهل السياق، وهذا المسلك يحول دون الكشف الأمين عن مراد الله عز وجل. يظهر هذا من خلال توجيه المفسرين لمعنى كلمة "فارغاً" في قوله تعالى:﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [القصص: 10]، فقد اختلفوا في توجيه المعنى، ومرجع اختلافهم كما يقول ابن عاشور [28، جـ20 ، ص 80] يعود إلى ناحيتين: ناحية تؤذن بثبات أم موسى، ورباطة جأشها، وناحية تؤذن بتطرق الضعف والشك إلى نفسها. يرى أصحاب التوجه الأول أن المقام يقتضي المدح والثناء على موقف أم موسى، وهذا يستدعي أن يكون المعنى أن فؤاد أم موسى أصبح فارغاً من الهم والحزن والخوف، لأن الله تعالى وعدها برده لها [23، جـ2 ، ص98؛ 26، جـ3 ، ص 159]، والمقام عندهم - فيما يبدو - يقتضي هذا التفسير؛ لأنه حديث عن صراع بين الحق والباطل، وأم موسى تمثل طرفاً من جانب الحق في هذه القصة؛ فلا يحسن - والحالة هذه - أن توصف بغير ما ذُكر. يرى الفريق الثاني أن فؤاد أم موسى أصبح فارغاً من الصبر عليه [26، جـ3، ص 158؛ 41 ، جـ20 ، ص 48؛ 43 ، جـ13، ص 96؛ 44 ، جـ 20 ، ص 20]، أو فارغاً من وعد الله تعالى لها، حيث نسيت هذا الوعد [45، جـ2، ص432؛ 37، جـ3، ص 398]، مما يعنى أنها لم تبد جلداً أو صبراً على فراقه، لولا أن تداركها الله؛ فربط على قلبها. لما كان سياق النص لا يتضمن من أي شيء أصبح فؤادها فارغاً، وليس بين أيدينا دليل خارجي يُركن إليه في تقديم معنى على آخر، فليس أمامنا إلا السياق، نحتكم إليه دونما اصطحاب لمقرر سابق في الذهن؛ لأنه يلقي بظلاله على دلالة النص لا محالة، وهو ما يمكن ملاحظته عند أصحاب الرأي الأول. أن الذي يبدو بعد النظر والتأمل في سياق القصة، العام منه والخاص: أن المعنى الثاني هو الأليق بأحداث القصة، والأنسب للسياق، وندلل على هذا القول بعدة قرائن أذن بها السياق، نمهد لها بالإشارة إلى أن الوحي الوارد في أول القصة إنما هو - فيما يظهر لنا - إلهام وانشراح صدر تجاه الفعل. وليس هو كوحي الله تعالى لأنبيائه، وإذا كان ذلك كذلك؛ فإنه لن يحول دون شعور أم بالخوف والاضطراب بعد أن ألقت ابنها في الماء، وليس في هذا منقصة لها. لقد نسب القرآن الكريم الخوف إلى موسى نفسه في عدة مواطن: ﴿ فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ ﴾ [القصص: 18] ﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى ﴾ [طه: 67]، وليس في ذلك ما يضير، وإنما هو الصدق في الإخبار، والواقعية في العرض، فلا غرو أن يكون القصص القرآني أحسن القصص. إن في السياق قرائن تدل على أن أم موسى انتابها شيء من الخوف والقلق على ابنها؛ فإن فؤادها أصبح فارغاً، ويعبر بفراغ الفؤاد عن ذهاب العقل، ومثله قوله تعالى: ﴿ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء ﴾ [إبراهيم: 43]. لا عقول فيها [25، جـ11، ص 267]، وإن شاع في كلام الناس "فلان خلي البال"، إذا كان لا هم بقلبه [26، جـ3، ص158]، لكن السياق يأباه، ثم لا أدري: هل هذا المعنى حادث بعد نزول القرآن، أو لا؟ فإن كان كذلك؛ فلا يحمل عليه القرآن البتة. صُدِّرت الآية بقوله تعالى (فأصبح)، وهى مستعملة هنا بمعنى "صار"، فاقتضى تحولاً من حالة إلى أخرى، أي: كان فؤادها غير فارغ، فصار فارغاً [28، جـ20، ص80]، وجاء الإخبار عن فراغ فؤادها بعد الإخبار عن إلقاء موسى في الماء؛ فكان من مستتبعاته. ورد في الآية أن الله ربط على قلبها، والربط على القلب توثيقه من أن يضعف، كما يشد العضد الوهن [28، جـ9، ص280]، وهذا لا يكون إلا في حالة الخوف والاضطراب، ويؤكده أن علة الربط: كي لا تبدي شيئاً مما من شأنه أن يكشف من أمرها شيئاً، ولكي يحملها على التصديق بوعد الله. ومن التكلف البارد قول بعضهم: إنها كانت تبدي فرحها بما حصل لموسى [26، جـ3، ص 159]. قال النحاس: "وقول أبى عبيدة: فارغاً من الغم. غلط قبيح؛ لأن بعده:﴿ إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ﴾ [القصص: 10] [24، جـ5، ص 160]، وبمثل قوله قال ابن قتيبة [46، ص328]، وهنا يظهر الفرق بين منهج من انتزع اللفظة من سياقها، وبين منهج من نظر إليها في ضوء هذا السياق. قول أم موسى لأخته "قصيه" يدل على لهفها عليه، وتشوقها إلى معرفة الحال التي آل إليها، وهذا نابع من خوف وقلق، وبين الله تعالى علة رد موسى إلى أمه؛ فقال: ﴿ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ﴾ [القصص: 13]، وهذا يومئ إلى أنها كانت قبل رده محلاً لشيء من البكاء الذي به تسخن العين، وهو عكس قرة العين، وكانت كذلك حزينة على فراقه. لابن القيم كلمة تعين على تفهم هذا الاعتماد على دلالات الألفاظ، وتسوغ تتبع السياق كما مر بنا في الأمثلة، فهو يقول: "كما أن ألفاظ القرآن ملوك الألفاظ، فكذلك معانيه أجل المعاني وأعظمها وأفخمها، فلا يجوز تفسيره بالمعاني التي لا تليق به، كما لا يجوز حمله على المعاني القاصرة، ثم يبين أن استحضار هذه المعالم يعين على معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها، ويقطع المرء بأنها ليست مراده لله تعالى" [47، ص 269]. لم يقتصر أثر السياق على ما ذكرنا من مواطن، وإنما له حضور حيثما وجدت الاحتمالات في معنى الآيات، وما يترتب عليها من اختلافات، فقد كان له دور بارز في تحديد عود الضمير، وهو من الأساليب التي يكثر دورانها في التفسير، وله صور متعددة[6]، وحسبنا بعض الصور التي يتضح من خلالها أثر السياق بما يتسع له المقال. تأتي في بعض الآيات ضمائر متعددة في سياق واحد، وتحتمل في مرجعها أقوالاً متعددة، فتوحيد مرجعها وإعادتها إلى شيء واحد أولى وأحسن؛ لانسجام النظم واتساق السياق [17، جـ2، ص 613]، من ذلك عود الضمائر في قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ [يوسف: 42]. للمفسرين في عود الضمير في قوله (فأنساه) وقوله (ربه) أقوال: فقد ذهب بعضهم [35، جـ18، ص 117، 41 ، جـ12، ص 248] إلى أن الضميرين يعودان على يوسف - عليه السلام - ويكون المعنى: أنسى الشيطان يوسف ذكر الله تعالى، فلبث في السجن بضع سنين عقاباً له على سؤاله غير الله. وذكر بعض المفسرين [25، جـ7، ص517] أن الضميرين يعودان إلى ساقي الملك، ويكون المعنى: أنسى الشيطان الساقي أن يذكر قصة يوسف للملك، ولهذا لبث يوسف في السجن بضع سنين. إن سياق الآيات يشهد للمعنى الثاني؛ فإن الاتفاق قائم على أن مرجع الضمير في قوله ﴿ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ [الأعراف: 206] يرجع للساقي، فكان المناسب للسياق أن يكون ما بعده ﴿ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ [يوسف: 42] عائداً على الساقي؛ حتى لا تتفرق الضمائر، والذي يرى الزمخشري أنه يؤدى إلى تنافر النظم الذي هو أم إعجاز القرآن، والقانون الذي وقع عليه التحدي [26، جـ2 ، ص 536]. جاء في سياق القصة قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ [يوسف: 45]، وهذا شاهد قوي على أن الذي نسي، ثم ذكر بعد عدة سنوات هو الساقي، وبهذا التوجيه ينتظم السياق؛ فتصبح (اذكرني) الأولى و(ذكر ربه) الثانية مسندة إلى الساقي، ويكون (عند ربك) و(ربه) أيضاً مراداً بهما الملك رب الساقي. إن هذا التوجيه أنسب إلى الساقي، وأليق بحال يوسف - عليه السلام، وأقرب إلى شخصية الساقي، وما ذهب إليه صاحب (التحرير) [28، جـ12 ، ص 278] حين جعل الضميرين يعودان على يوسف والساقي في آنٍ واحد بعيد، وفيه اضطراب، وإن بدا أنه جمع بين التوجيهات السابقة. يسهم السياق أيضاً في الانتصار لقاعدة عود الضمير إلى أقرب مذكور في مواطن كثيرة، منها ما جاء في قوله تعالى: ﴿ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ﴾ [مريم: 24]. تباينت وجهات نظر المفسرين في تعيين المنادي لمريم، فقال بعضهم: المنادي هو جبريل - عليه السلام - [36،جـ11، ص 93؛ 40 ، جـ8 ، ص 151]، لأنه أخبرها بما من شأنه أن يكون توجيهاً من الله تعالى. قالت طائفة [35، جـ21، ص 174]: المنادي هو عيسى - عليه السلام، ودليلهم سياق الضمائر، وعودة الضمير في (فنادها) إلى أقرب مذكور، وهو عيسى - عليه السلام. يؤيد هذا أن الضمائر السابقة في سياق واحد، وكلها تعود إلى عيسى، (ولنجعله) (ورحمة منا)، (فحملته)، (فانتبذت به)، (فنادها)، فهذه خمسة ضمائر بين بارز ومستتر، كلها عائد إلى عيسى عليه السلام اتفاقاً، إلا ضمير (فنادها)، فإلحاقه بها أنسب للسياق [17،جـ2، ص 628]. ويشهد لهذا التوجيه أيضاً ما جاء في الآية التي بعدها: ﴿ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ﴾ [مريم: 29]، أي ليتكلم، فلو لم يكن قد سبق له الكلام لما أشارت إليه، وواضح أنها أشارت إليه ليكلموه؛ لأنهم قالوا لها في السياق نفسه: ﴿ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً ﴾ [مريم: 29]، وعندها تكلم فقال: ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ﴾ [مريم:30]، يضاف إلى دليل السياق هذا قراءة متواترة، وهي: (فنادها مَنْ.....) [48، جـ2، ص 86] على أنها اسم موصول بمعنى: الذي. وهي نص في التعيين. نصٌّ من آية، أو حديث صحيح، أو إجماع للمفسرين، أو دليل من اللغة صريح، وهذا من تمام إقامة الحجة على الناس بهذا الكتاب الكريم، "فإن ما يحتاج الناس إلى معرفته؛ نصب الله على الحق فيه دليلاً" [15، جـ1، ص55]. التنازع بين السياق وغيره من القرائن: قد يكون السياق هو الدليل الوحيد الماثل أمام المفسر، فيستند إليه حينئذ؛ لأنه يرشد إلى تبيين المجملات وترجيح المحتملات [22،جـ6، ص 52]، كما رأينا هذا في الأمثلة السابقة، وقد يحدث أن يتنازع الآية أكثر من عامل، وتزدحم عليها أكثر من قرينة يكون السياق واحداً منها. تباينت وجهات نظر المفسرين في هذه المواضع، فمنهم من قدم السياق على غيره لتميزه في هذا المقام - كما رأينا في المقدمة - وكونه كذلك عودة إلى النص، ومظهراً من مظاهر تفسير القرآن بالقرآن، وقد برز هذا الاتجاه عند كثير من مفسري العصر الحديث، بخاصة لدى مدرسة المنار. لقي السياق من مدرسة المنار عناية خاصة، فقد فتحت له الباب على مصراعيه، وقدمته على غيره من قرائن التفسير، ووسعت دائرة الاستعانة به لأسباب كثيرة تتناسب مع توجهات المدرسة بعامة، لعل من أبرزها أن التفسير بالمأثور لم يكن أكثره محل ثقة المدرسة، حتى الأحاديث النبوية منه، وهذا يأذن لهم بالإعراض عن تفسير السابقين، بخاصة المأثور منه، وفي هذا يقول الأستاذ محمد عبده: "لا حاجة لنا في فهم كتاب الله إلى غير ما يدل عليه بأسلوبه الفصيح" [13، جـ 1، ص 340]، والانفراد بالنص والنظر إليه في ضوء السياق، والذي يعد عندهم - كما أسلفنا - مظهراً من مظاهر تفسير القرآن بالقرآن. انتصر لهذا الاتجاه أصحاب مدرسة التفسير البياني، وعلى رأسهم د. عائشة عبد الرحمن، فيما قدمت من دراسات في مجال التفسير البياني، والذي أقامته على السياق وحده، وجعلته الميزان بينها وبين المفسرين المتقدمين، وفي هذا تقول: "نحتكم إلى سياق النص في الكتاب المحكم، ملتزمين ما يحتمله نصاً وروحاً، ونعرض عليه أقوال المفسرين" [51، جـ1، ص10]. وقد التزمت بهذا المنهج في كتابها التفسير البياني[7]، ولم يسلم منهجها من النقد؛ بسبب انحيازها المبالغ فيه للسياق، وبسبب حملتها على المفسرين المتقدمين وعلى نتاجهم[8]، على الرغم من جهودها المتميزة. يلحظ الباحث أن للسياق حضوراً بارزاً في اتجاهات التفسير المعاصرة، ذلك "أن قاعدة السياق تشكل أساساً رئيساً من أسس الاتجاه الأدبي والمنهج الموضوعي في تفسير القرآن، وتعد المحور الحقيقي لأحد تيارات الاتجاه الأدبي، ونعني به تيار (البيانية) الذي حاولته بنت الشاطئ في التفسير البياني" [52، ص 262]. إن الغاية الكبرى هي فهم النص، ومجموعة العوامل والمعالم التي تعين على فهمه ما هي إلا وسائل، وهي متفاوتة في قيمتها، فإذا كان أحد هذه المعالم نصاً من آية تعذر تجاوزه؛ إذ ليس أحد أعلم بمراد الله من الله، وإن كان حديثاً أهلاً للاحتجاج به حيث الثبوت والدلالة؛ لم يكن لأحد تجاهله كذلك؛ لأنه ليس أحد من البشر أعلم بمراد الله من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن كان الدليلُ على المعنى إجماعَ الحجة؛ فإن الإجماع معتبر. يصاحب هذا الذي ذكرنا سؤال حول موقع السياق ومكانته في المواطن المشار إليها، وعن مدى اعتباره عند التنازع، ولعل في الأمثلة التي سنعرض لها ما يصلح للإجابة عن هذا السؤال وأمثاله. بين أيدينا آية تنازعها حديث وسياق، وهي قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ [الحج: 1 - 2]. نظر طائفة من المفسرين [25، جـ10، ص222؛ 36، جـ11، ص3] إلى هذه الآية في ضوء سياقها؛ فقالوا: إن هذه الزلزلة وهذه الأهوال تكون في آخر عمر الدنيا، وأول أحوال يوم القيامة، فإن من أحوال الزلزلة وأهوالها أن تذهل المرضعة عما أرضعت، ويؤكد هذا مجيء المرضعة بالتاء" والمرضعة: هي التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي، والمرضع: التي من شانها أن ترضع، وإن لم تباشر الإرضاع " [26، جـ3، ص24]، وهذا إنما يكون في الدنيا. يؤكد هذا التفسير ما في سياق الآية: من أن الحامل تسقط حملها من هول الزلزلة، ويصيب الناس فزع وذهول، حتى كأنهم سكارى، لا من شرب، ولكن من جزع وخوف، وهذا كله إنما يكون في الدنيا أيضاً. ذهب جمع من المفسرين [20، جـ17، ص ص 110-111؛21، جـ3 ، ص124؛ 39، جـ4، ص 9] إلى أن هذه الأحوال والأهوال التي عرضت لها الآية السابقة إنما هي كائنة يوم القيامة، وبعد البعث من القبور، وحجة هذا الفريق ورود حديث صريح حال دون اعتبار السياق. صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((يقول الله تعالى: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك. قال: يقول: أخرج بعث النار. قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذلك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد[9])). وفي حديث عمران بن الحصين: ((أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قرأ الآية: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ﴾ [النساء: 1]، ثم قال: أتدرون أي يوم هذا؟ وساق الحديث[10]. لما عرض الإمام الطبري القولين السابقين، وذكر أدلة كل فريق، أبدى إعجابه بالقول الأول المستند إلى السياق، ولم يحل بينه وبين الأخذ به إلا "مجيء الصحاح من الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخلافه، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلم بمعاني وحى الله وتنزيله" [20، جـ17، ص 111]، وتبعه في ذلك صاحب (أضواء البيان) حين قال: "هذا القول - يعني: الأول - من حيث المعنى له وجه من النظر، ولكن الثابت من النقل يؤيد خلافه" [39، جـ4، ص9]. لم تحل هذه الأخبار الصحاح بين ابن عطية [25، جـ10، ص222]، وبين الأخذ بالقول الأول مستنداً إلى السياق؛ لأنه يرى أن هذه الأحاديث ليست تفسيرا للآية، وإنما أراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقراءته الآية ابتداء أمر الساعة، ثم قصد في تذكيره وتخويفه إلى فصل من فصول يوم القيامة، وهو بهذا يرى أن دلالة السياق في هذا المقام أقوى من دلالة الحديث. اجتهد بعض المفسرين [39، جـ4، ص14؛ 56، جـ3، ص451] في التوفيق بين دلالة الحديث ودلالة السياق، بأن جعلوا ما ورد في الآية يحدث مرتين، أو أنها حالات خاصة تحدث لمن ماتت وهي ترضع، أو وهي حامل، أو أن ما يحدث يوم القيامة مما تضمنته الآيات عبارة عن تمثيل وتخييل لبيان هول الموقف. و ليس يبعد بعض ما ذكر من تأويل لولا افتقاره إلى الدليل، يبد أن ما يعنينا هنا حرص المفسرين على عدم إهمال دلالة السياق، حتى مع وجود أحاديث صحيحة ذات صلة بالآية، وهذا يدل على مكانة السياق عندهم. يندرج تحت هذا القسم توجيه أسباب النزول وتقويمهما في ضوء السياق؛ كونها من الآثار، وقد سلك هذا المسلك كثيرون من آخرهم وأكثرهم توسعاً الطاهر ابن عاشور في تفسيره، حين عرض كثيراً من أسباب النزول على سياق الآية، وردها لعدم مناسبتها لهذا السياق من وجهة نظره، ولا يتسع المقام للعرض لهذا المنهج وتقويمه[11]. وقد يحول الإجماع دون اعتبار السياق أيضا، وتجاهل هذا يفضي إلى ضرب من ضروب التفسير المذموم، بخاصة إذا كانت دلالة هذا السياق ضعيفة، وهو ما نجده عند مدرسة المنار في تفسيرها لقول الله تعالى: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 106]. الآية لغة: العلامة والأمارة، وأطلقت على المعجزة؛ لأنها علامة دالة على صدق الرسول، وهي في هذه الآية المذكورة: القطعة من القرآن. ونقل الرازي إجماع المفسرين على هذا، وشذ أبو مسلم (ت322هـ) [35، جـ3، ص208؛ 28، جـ1، ص 656] فحملها على التوراة والإنجيل، وخلافه غير معتبر. للأستاذ محمد عبده رأي مخالف لما عليه الجمهور، تابعه فيه محمد رشيد، ومحمد أبو زهرة في تفسيره، ترى مدرسة المنار أن تفسير الآية هنا بالقطعة من القرآن لا يتناسب مع السياق، وإنما المناسب تفسيرها بالمعجزة الدالة على النبوة، ويمكن تلخيص حجتهم بما يلي: 1 - أن آية ﴿ مَا نَنْسَخْ ﴾ [البقرة: 106] ختمت بالحديث عن القدرة، وهذا يناسب المعجزات الحسية، ولا يناسب الأحكام الشرعية، يؤيده أن آية ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ ﴾ [النحل: 101] ختمت بما يناسب النسخ، وهو العلم. 2 - لا يلتئم السياق بتفسير ﴿ نُنْسِهَا ﴾ [البقرة: 106] على قراءة [48، جـ1، ص 106] بالترك على ما هي عليه، مع الوعد بالإتيان بخير منها أو مثلها. 3 - في معرض الاستدلال بالسياق العام ذكروا أنه جاء بعد آية النسخ هذه قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ [البقرة: 107]، وهذا السياق يرجح أن الآية كونية. 4 - ورد في السياق نفسه: ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ ﴾ [البقرة: 108]، وهو لوم على طلب آية أخرى، وإنما سئل موسى آيات حسية ومعجزات [13، جـ1، ص ص 416 - 418][12]. هذا التفسير الذي حُمل عليه السياق الخاص والعام، والمخالف للإجماع، سبق مدرسة المنار إليه محيي الدين بن عربي، كما ذكر أحد تلاميذ هذه المدرسة [34، جـ15، ص 188]، والذي لم يتابع شيخه محمد عبده في تفسيره هذه الآية. إن تفسير مدرسة المنار لهذه الآية - مستندة إلى السياق - مردود من وجهين: الأول: أنه تفسير مخالف لما أجمع عليه الحجة من المفسرين؛ إذ لم يقل بهذا القول أحد من المفسرين المتقدمين [20، جـ2، ص 472؛ 25، جـ1، ص 428؛ 36، جـ2، ص64؛ 41، جـ1، ص 354؛ 26، جـ1، ص 87]؛ فلا يقوى السياق - والحالة هذه - على منازعة إجماع الحجة، إلا عند مدرسة المنار، والتي سبقت الإشارة إلى مسلكهم القائم على الاعتماد المطلق على السياق، وتقديمه على تفسير السلف، وهو مسلك غير محمود، ومعارض للقاعدة المشهورة بين المفسرين، وهي: (تفسير جمهور السلف، مقدم على كل تفسير شاذ) [17، جـ1، ص288]. الثاني: أن ما ذهب إليه المفسرون في تفسيرهم لهذه الآية ملتئم مع سياقها لمن تدبر؛ فإن تبديل الأحكام ونسخها يستدعي قدرة، والنسخ تصريف لبعض شؤون الكون؛ فيناسبه الحديث عن ملك الله للسموات والأرض، وفي قوله تعالى: ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ ﴾ [البقرة: 108] تحذير مما قد يقع من اعتراض على الأحكام والمجادلة فيها؛ لأن النسخ مظنة لهذا [25، جـ2، ص 431؛ 26، جـ1، ص87؛ 57، جـ1، ص129؛28، جـ1، ص666]. خالفت المدرسة نفسها كذلك جمهور المفسرين قديماً وحديثاً في تفسير الموت والحياة في قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 243]. لقد فسروا الموت بالتيه والصغار وزوال عزهم، وفسروا الحياة بالخروج من التيه، وعودة العزة والكرامة لهم، واعتمدوا في تفسيرهم هذا على السياق؛ فإنه في الحث على الجهاد والتحريض عليه، وليس في مقام الحديث عن البعث والنشور، ولم تتضمن الآية الإشارة إلى قدرة الله تعالى التي تصاحب عادة الحديث عن البعث، وإنما ختمت الآية بالحديث عن فضل الله تعالى على الناس، المتمثل في تأديبهم، ثم في إعادة الكرامة والعزة لهم[13]. وحسبنا دليلاً على بطلان هذا التفسير أنه مخالف لما أجمع عليه المفسرون قديماً وحديثاً[14]، عدا الشيخ محمد عبده ومن تابعه، فلا يقوى السياق على منازعة هذا الإجماع، كما لا يقوى هذا السياق على صرف اللفظ عن ظاهره، وحقيقته إلى معنى مجازي، حتى لو صح أن في الآية تنازعاً بين الظاهر والسياق، "فإنه إذا تُنوزع في تأويل الكلام؛ كان أولى معانيه في أغلبه على الظاهر، إلا أن يكون من العقل أو الخبر دليل واضح على أنه معني به غير ذلك" [20، جـ8، ص 91]، ولا يشفع للمخالفين الاستدلال بأن الموت ورد في القرآن بالمعنى المجازي، وكذا الحياة؛ لأن السياق هناك أسهم في الحمل على هذا المعنى. يضاف إلى هذا أن سياق الآية ملتئم تماماً مع تفسير الحياة والموت على الحقيقة؛ لأنهم خرجوا خائفين من الموت، مترددين في الجهاد، فأماتهم الله؛ ليبين لهم أن الحذر لا يغني، ثم أحياهم بفضله؛ ليتوبوا ويرجعوا عما كانوا عليه، وما دفع مدرسة المنار إلى تجاهل هذا كله إلا التفسير العقلي الذي يضيق باب المعجزات وخوارق العادات. قد يرد أن يتنازع معنى الآية السياق والعموم، وجرت العادة عند كثير من المفسرين على تقديم العموم على غيره؛ لأنه الأصل، ولا يصار إلى التخصيص إلا بدليل معتبر [12، جـ1، ص50؛ 25، جـ16، ص 41؛ 39، جـ1، ص280]، ويحصر بعضهم دليل تخصيص العموم بالكتاب والسنة والإجماع [17، جـ1، ص66]. يفهم مما مضى أن العموم مقدم على السياق، وهو ما صرح به الطبري [20، جـ28، ص144]، وعمل به في مواطن كثيرة من تفسيره. وصرح بهذا بعض الباحثين بقوله: "قواعد العموم مقدمة على قواعد السياق وغيرها؛ لأن قواعد العموم أقوى من قواعد السياق" [17، جـ1، ص66]. تحسن الإشارة إلى أن تقديم العموم على السياق ليس محل اتفاق بين المفسرين، فإن المقصود من الخطاب حصول الفهم، ولا يتيسر هذا إلا بمراعاة السياق كما سبق بيانه؛ ولهذا قدم بعض العلماء السياق على قرائن متمكنة، فقد قال الزركشي: "ليكن محط نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي سيق له، وإن خالف أصل الوضع اللغوي لثبوت التجوز" [27، جـ1، ص 317]. يتأكد هذا الذي ذكر إذا أدى الحمل على العموم إلى إشكالات في الفهم، وقصور في الدلالة على الحكم، ويتضح الذي أشرنا إليه في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 233]. تباينت أقوال المفسرين في تحديد المراد بالوالدات في الآية؛ فقالت طائفة منهم: الوالدات لفظ عام، واللام فيها للجنس، فهي تشمل كل مرضعة، سواء أكانت ذات زوج أم لا؛ لأنه لم يرد على العموم مخصص معتبر [35، جـ6، ص 99؛ 21، جـ1، ص 291؛ 34، جـ2، ص 185؛ 57، جـ1، ص 276]. يرى هؤلاء أن لا اعتبار للسياق هنا؛ لأن العموم مقدم عليه، والكلام مستأنف مقطوع عما قبله من أحكام الطلاق؛ فصار حمله على العموم أولى [41، جـ2، ص 146][15]. يرد على القول بالعموم إشكالات، منها: أن الآية رتبت النفقة والكسوة على الرضاع، ومعلوم أن الزوجة المرضعة غير معينة؛ لأنها تستحق النفقة والكسوة بالزوجية، أرضعت أم لم ترضع. تكلف بعضهم في الرد، فقال: إن النفقة خاصة ببعض أفراد هذا العموم، وهن المطلقات بخاصة [36، جـ3، ص 160]. وأجاب آخرون بأن النفقة والكسوة الواردة في الآية زيادة للزوجة على ما تستحقه أصلاً، ليكون بمثابة أجرة على الرضاع [35، جـ6، ص100]، فكأن لها نفقتين وكسوتين، وهو تكلف بارد، يسمو عنه النظم الكريم، قال صاحب المنار: "ونحن لا نستفيد من جعل الآية عامة زيادة عما نستفيد بجعلها خاصة" [13، جـ2، ص409]. ذهبت طائفة أخرى من المفسرين إلى تخصيص الوالدات، ثم اختلفوا، فمنهم [36، جـ3، ص 160] من جعلها في الزوجات خاصة؛ لأن الآية نصت على النفقة والكسوة، والمطلقة لا تستحق إلا النفقة، ويشكل عليهم الربط بين الرضاع والنفقة والكسوة، وهذا - كما أسلفنا - غير متصور في حق الزوجة. أغرب هذا الفريق في الرد، فقال: نصت الآية على النفقة والكسوة للزوجة المرضع مع أنها ثابتة بالزوجية؛ حتى لا يتوهم متوهم أن اشتغال الزوجة بالإرضاع يسقط النفقة والكسوة؛ لأنه قد يؤدي إلى تضييع شيء من حقوق الزوجة [35، جـ6، ص 100]، وفي هذا الرد برود وتكلف، وجرأة على النص، دفع إليه التمسك بالعموم وتجاهل السياق. قال صاحب المنار: "وهذا الترجيح مرجوح لا يلتفت إليه؛ لأنه مبني على الاحتجاج بقول الفقهاء، وهو أن المطلقة المرضع تستحق الأجرة دون النفقة والكسوة على القرآن، وهذا القول أضعف الأقوال " [13، جـ2، ص 409]، ويرى أبو زهرة أنه قول لا حجة له[16]. إن الإشكالات البارزة التي وردت على القولين السابقين، وما أعقبها من ردود متكلفة مردها تجاهل السياق القرآني، وتفسير المفردات بعد انتزاعها من سياقها، والدخول إلى النص بمقرر سابق. ترى طائفة ثالثة من المفسرين أن الوالدات في الآية هن المطلقات بخاصة، ودليلهم السياق العام منه والخاص، أما العام فإن الآية جاءت في سياق الحديث عن أحكام الطلاق، فقد بدأ هذا الحديث من الآية 226 من السورة، واستمر إلى الآية 243 من السورة نفسها، وجاءت آية الرضاع في الوسط منها (233)، وغير جائز - كما قال الإمام الطبري في أكثر من موضع - صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره إلا بحجة يجيب التسليم لها [20، جـ9، ص 389]. ولا يعكر على هذا وجود بعض آيات خارج أحكام الطلاق جاءت بعد آية الرضاع؛ فإن علم المناسبات كفيل بالكشف عن سر الترابط بينها، وقد كان. أما السياق الخاص الذي انتظمت فيه لفظة الوالدات فإنه ناطق بأنها في المطلقات، ويمكن الكشف عن دلالة السياق على هذا من خلال المعالم الموجزة التالية: 1- مجيء الوالدات معطوفة عما قبلها يشير إلي إتحاد السياق، فكأن النص بعد أن عرض لطائفة من أحكام المطلقات قال: والوالدات ممن يرضعن. وهذه الأحكام عند الطلاق [20، جـ5، ص30؛ 12، جـ1، ص402؛ 38، جـ2، ص277؛ 25، جـ2، ص292؛ 58، جـ1، ص248]. 2 - مجيء (يرضعن) بصيغة الخبر تجنباً للأمر المباشر؛ يومئ بأن الحديث عن المطلقات - وقد يدخل غيرهن لبعض الاعتبارات - والآية تشهد بهذا كما سيأتي. 3 - النص على الحولين، وتأكيدهما بـ(كاملين) يشعر بوجود خلاف، واحتمال تفريط من أحد الأبوين، وهذا لا يتصور إلا في حالات الطلاق [35، جـ6، ص100]. 4 - قد يدل التعبير بالمولود له دون الزوج على انقطاع الزوجية. 5 - فرض النفقة والكسوة للمرضع يدل على أنها مطلقة؛ إذ لو كانت زوجة لكان ذكر هذا لغوا، وقد سبق بسط هذا الكلام. 6 - النهي عن الإضرار الوارد في سياق الآية دليل علي أن الحديث في المطلقات؛ إذ لا يتصور شيء منه مع بقاء الزوجية، وسواء حملت (تضار) علي المفعولية أو الفاعلية في قراءتيها المشهورتين [48، جـ1، ص296]، وسواء حملت "الباء" علي معني الإلصاق [28، جـ2، ص434؛ 26، جـ1، ص142] أو غيره، كل ذلك في قوله تعالي: ﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ﴾ [البقرة: 233] الواردة في سياق الآية، فإن دلالتها لا تخرجها علي أي وجه عن المطلقات، إذ أن مجمل ما يستفاد مما سبق: النهي عن الإضرار بالأم عن طريق الرضاع، سواء من الأب أو من المولود، وكذا العكس، لا ينبغي أن تلحق الأم ضرراً بالأب ولا بالمولود. وصور ذلك كثيرة متوقعة[17] يحول طلب الإيجاز دون تفصيلها، وهي كلها لا تتصور مع بقاء الزوجية. 7 - قوله تعالى في سياق الآية: ﴿ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ [البقرة: 233] دليل على أنها في المطلقات؛ فإنهم - وبغض النظر عن الخلاف في مدلولها - إلا أنها تتحدث عن من تلزمه نفقة المرضع حين فقد الأب، وهي عند الجمهور على وارث الطفل [28، جـ2، ص434]. 8 - يدل قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ ﴾ [البقرة: 233] على انتقاء الزوجية؛ لأن الآية تجيز اتفاق الأبوين على ترك إرضاع المولود، وهذا لا يتصور إلا في حالة الطلاق. 9 - ختمت الآية بالحديث عن جواز أن ترضع الولد غير والدته، وهذا يحدث غالباً عند تفرق الأبوين. إن هذه المعالم المنتزعة من سياق الآية فقط تبين - على تفاوتٍ في دلالتها - أن العموم غير مقصود في هذه الآية، وأن الاعتماد على قرينة السياق كان أولى في التقديم، وفى الكشف عن مراد الله فيها. إن النظر في معنى الآية في ضوء السياق أدى إلي تجنب ما ظهر في الآية من إشكالات، حين حكم العموم فيها، وليس في الاحتكام إلي السياق ما يخل في أحكام الرضاع بعامة؛ لأن حكم إرضاع الوالدات غير المطلقات أولادهن يؤخذ من الآية بالطريق الأوْلى [13، جـ2، ص409]، والعكس متعذر، كما أن حكم إرضاع الوالدات غير المطلقات أولادهن قد يؤخذ من غير هذه الآية [28، جـ2، ص430]، وليس من غرض هذا البحث تتبع هذا، بخاصة أننا توسعنا قليلاً في التفصيل في هذا المثال، وسوغ لنا هذا - فيما نرى - الحرص على بيان أثر السياق، وتسويغ تقديمه على العموم في بعض المواضع. الخاتمة: يمكن أن نقرر على هدًى مما سبق عرضه: أن فهم النص دوَّار مع السياق، وأن له فيه قسطاً من التحكم، بخاصة إذا لم تزاحمه قرينة أخرى نصبها صاحب النص دليلاً على المعنى المراد، الذي هو أعلم به، وقد يكون هذا الدليل - في مجال تفسير القرآن - آية ذات معنى صريح، أو حديث صحيح، ويلحق بهما إجماع الحجة. عُني كثير من المفسرين بالسياق، ورعوه حق رعايته، وأنزلوه منزلته من لدن الإمام ابن جرير الطبري، الذي أجاد وأفاد في مجال التأصيل والتطبيق، ووصولاً إلي مدرسة المنار التي رفعت شعار العودة إلي النص والاحتكام إليه، والتي كانت العناية بالسياق أبرز مظاهره. إن المجالات التي يستحضر فيها السياق كثيرة، فهو يعين على ترجيح المحتملات، وبيان المجملات، وفى تحديد عود الضمير، وفى القراءات، وله حضور عند تنقيح التفسير من الدخيل والإسرائيليات، ودفع ما يتوهم أنه تعارض بين الآيات، وإن كان هذا البحث لم يتسع من ذلك كله إلا إلى إشارات. أسيء إلي السياق - على الرغم من أهميته - مرتين: الأولى: حين تم تجاهله من قِبَل بعض من اشتغل بالتفسير التحليلي التجزيئي، وحرص على تكثير المعاني، وذلك بانتزاع اللفظ من نظمه وسياقه، وتفسيره تفسيراً لغوياً معجمياً، دون التفات إلى مدى مناسبة هذا المعنى للسياق. كانت الثانية حين قدم السياق على غيره من القرائن مطلقاً، كما صنعت مدرسة المنار في مواطن متعددة، تحت تأثير المقررات السابقة، فكان أن أخطأت في تفسير هذه المواضع. لقد حاز مفسرو القرآن الكريم منذ وقت مبكر فضل السبق في الكشف عن أثر السياق وأهميته، وفى بيان أن الأصل بيان النص في سياق واحد، وفى التفريق بين دلالة الكلمة مفردة ومقترنة بغيرها داخل النظم، وفى مسائل أخرى تتصل بالسياق، مما يظنه البعض أنه من نتاج الدراسات اللسانية الحديثة، ومن مبتكرات مدارس تحليل الخطاب. أحسب أن ما ورد في هذا البحث دعوة إلى الباحثين لكي يقدموا دراسات مستقلة لكل مجال من المجالات التي عمل فيها السياق، تكون استقرائية تطبيقية، وأحسب مرة أخرى أنها ستأتي بنتائج باهرة. وأستغفر الله تعالى إن ساء فهمي، أو زل قلمي، هو سبحانه من وراء القصد. المراجع: 1 - أولمان، ستيفن. دور الكلمة في اللغة. ترجمه وقدم له وعلق عليه د. كمال بشر. القاهرة: مكتبة الشباب، د.ت. 2 - رضوان، محمود. نظرات في اللغة. ط1. بني غازي: د.ت، 1976م. 3 - براون، جيليان ب.، وج يول. تحليل الخطاب. ترجمة وتعليق د.محمد لطفي الزليطني ود. منير التريكي. الرياض: جامعه الملك سعود، 1418هـ/ 1997م. 4 - الموسى، نهاد. العربية نحو توصيف جديد في ضوء اللسانيات الحاسوبية. ط1. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2000م. 5 - حسان، تمام. اللغة العربية: معناها ومبناها. الدار البيضاء: دار الثقافة، د.ت. 6 - رواندا، بلوار. مدخل إلي اللسانيات. ترجمة بدر الدين القاسم. دمشق: مطبعة جامعة دمشق 1400هـ/ 1980م. 7 - الحواء محمد سليم. تفسير النصوص الجنائية. ط1. جدة: عكاظ، 1401هـ/ 1981م. 8 - ابن فارس، أحمد. معجم مقاييس اللغة. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1366هـ. 9 - الأصبهاني، الراغب. المفردات في غريب القرآن. تحقيق صفوان داوودي. ط1. دمشق: دار القلم، د.ت. 10 - أبو البقاء، أيوب بن موسى. الكليات. تحقيق عدنان درويش ومحمد المصري. ط1. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1412هـ. 11 - ابن منظور، جمال الدين. لسان العرب، بيروت: دار صادر، د.ت. 12 - ابن العربي، أبو بكر محمد. أحكام القرآن، تحقيق محمد على البجاوي. بيروت: دار المعرفة، د.ت. 13 - رضا، محمد رشيد. تفسير القرآن الحكيم المشهور بتفسير المنار. القاهرة: دار المنار، د.ت. 14 - ابن تميمة، أحمد عبد الحليم. مجموع الفتاوى. جمع عبد الرحمن بن قاسم. الرياض: د.ن، د.ت. 15 - ابن تميمة، أحمد عبد الحليم. دقائق التفسير. جمع وتحقيق د.محمد السيد الجليند. ط1. القاهرة: دار الأنصار، 1398هـ/ 1978م 16 - الدامغاني، الحسين بن محمد. إصلاح الأشباه والنظائر. تحقيق عبد العزيز سيد الأهل. ط2. بيروت: دار العلم للملاين، 1977م. 17 - الحربي، حسين بن على. قواعد الترجيح عند المفسرين. ط1. الرياض: دار القاسم، 1417هـ. 18 - الشاطبي، أبو إسحاق. الموافقات في أصول الشريعة. تحقيق عبد المنعم إبراهيم. ط1. مكة المكرمة: مكتبة الباز، 1418هـ. 19 - القاسمي، محمد جمال الدين. محاسن التأويل. عناية محمد فؤاد عبد الباقي. بيروت: دار الفكر، د.ت. 20 - الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل أي القرآن. تحقيق محمود شاكر. القاهرة: دار المعارف، د.ت. 21 - ابن كثير، أبو الفدا إسماعيل. تفسير القرآن العظيم. ط2. الرياض: دار طيبة، 1420هـ. 22 - الزركشي، بدر الدين. البحر المحيط. تحقيق عبد القادر القاني وآخرين. ط2. الكويت: وزارة الأوقاف، 1413هـ. 23 - أبو عبيدة، معمر بن المثني. مجاز القرآن. تحقيق فؤاد سزكين. ط2. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1401هـ. 24 - النحاس، أبو جعفر. معاني القرآن. تحقيق محمد علي الصابوني. ط1. مكة المكرمة: مركز إحياء التراث الإسلامي، 1410هـ/ 1989م. 25 - ابن عطية، عبد الحق بن غالب. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز. ط1. الدوحة: د.ن، 1409هـ. 26 - الزمخشري، محمود بن عمر. الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التاؤيل. بيروت: دار المعرفة، 1391هـ. 27 - الزركشي، بدر الدين. البرهان في علوم القرآن. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. ط21. بيروت: دار المعرفة، 1391هـ. 28 - ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير. د.م: د.ن، د.ت. 29 - المزني، محمد بن أحمد. مختصر المزني في فروع الشافعية بهامش الأمر. القاهرة: دار الشعب، د.ت. 30 - أبو موسى، محمد. دلالات التراكيب. دراسة بلاغية. ط1. القاهرة: مكتبة وهبة، 1399هـ. 31 - العز بن عبد السلام. الإشارة إلي الإيجاز في بعض أنواع المجاز. دمشق: دار الفكر، د.ت. 32 - ابن الوزير، محمد بن مرتضي اليماني. إيثار الحق علي الخلق. ط2. بيروت: دار الكتب العلمية، 1407هـ. 33 - أبو حيان، محمد بن يوسف الأندلسي. البحر المحيط. ط3. د.م. دار المعرفة، بيروت: 1393هـ 34 - المراغي، أحمد مصطفي. تفسير المراغي. ط2. د.م: دار إحياء التراث العربي، 1985م. 35 - الرازي، فخر الدين محمد بن عمر، التفسير الكبير. ط1. د.م: دار الكتب العلمية، 1411هـ 36 - القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن. الرياض: مكتبة الرياض، د.ت. 37 - الخازن، علاء الدين علي. لباب التأويل في معاني التنزيل. بيروت، دار المعرفة، د.ت. 38 - البغوي، أبو محمد الحسين، تحقيق محمد النمر عثمان ضميرية، وسليمان الخرش. الرياض: دار طيبة، 1412هـ. 39 - الشنقيطي، محمد الأمين. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن. د.م: د.ن.، 1403هـ. 40 - خان، صديق حسن. فتح البيان في مقاصد القرآن. عُني بطبعه عبد الله الأنصاري. بيروت: المطبعة المصرية، 1412هـ. 41 - الألوسي، أبو الفضل شهاب الدين. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني. ط4. بيروت: دار إحياء التراث، 1405هـ. 42 - ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي. ط4. بيروت: المكتب الإسلامي، 1407هـ. 43 - دروزة، محمد عزة. التفسير الحديث. القاهرة: دار إحياء التراث، 1383هـ. 44 - حجازي، محمود محمد. التفسير الواضح. القاهرة: دار الكتب الحديثة، د.ت. 45 - الأخفش الأوسط، أبو الحسن سعيد بن مسعده البصري. معاني القرآن. تحقيق فائز فارس. ط3. دمشق: دار البشير ودار الأمل، 1401هـ/ 1981م. 46 - ابن قتيبة، محمد بن عبد الله. تفسير غريب القرآن. تحقيق أحمد صقر. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، د.ت. 47 - ابن القيم، محمد بن أبي بكر. التفسير القيم. جمعه محمد أوس الندوي. تحقيق محمد حامد الفقي. مكة المكرمة: مطبعة السنة المحمدية، د.ت. 48 - القيسي، مكي بن أبي طالب. الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها. تحقيق محيي الدين رمضان. ط4. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1407هـ. 49 - ابن الجزري، محمد بن محمد. النشر في القراءات العشر. د.م.:دار الفكر للطباعة والنشر، د.ت. 50 - أبو شامة، عبد الرحمن بن إسماعيل. إبراز المعاني في حرز الأماني. تحقيق إبراهيم عطوة. القاهرة: مصطفي البابي الحلبي، د.ت. 51 - عبد الرحمن، عائشة، التفسير البياني. ط3. القاهرة: دار المعارف، 1968م. 52 - شريف، محمد إبراهيم. اتجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر. ط1. القاهرة: دار التراث. 1402هـ. 53 - البخاري، محمد بن إسماعيل. الجامع الصحيح. ط2. الرياض: دار السلام، 1421هـ. 54 - النيسابوري، مسلم بن حجاج، صحيح مسلم. ط2. الرياض: دار السلام، 1421هـ. 55 - الترمذي، الحافظ أبو عيسى. سنن. ط2. الرياض: دار السلام، 1421هـ. 56 - الجزائري، أبو بكر جابر، أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير. ط3. المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، 1418هـ. 57 - الخطيب، عبد الكريم، التفسير القرآني. د.م: دار الفكر، د.ت. 58 - قطب، سيد إبراهيم. في ظلال القرآن. ط13. جدة: دار العلم، 1406هـ. 59 - مجلة لواء الإسلام- شهرية، تصدر عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - القاهرة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * مورقع الألوكة: (https://cutt.us/VfiqX). [1] يعمل السياق بدلالته العامة خارج دائرة النص أيضاً، فإن اللون الفاتح إذا وضع بإزاء ألوان أفتح منه؛ فإنه يبدو غامقاً، والشخص القصير إذا وقف مع من هم أقصر؛ فإنه يبدو بينهم طويلاً، وهكذا [3، ص146]. [2] شهد لهذا أحاديث وإجماع، انظر [22، ج1، ص291]. [3] ينظر [20، جـ 2 ، ص82؛ جـ9، ص 212؛ جـ17، ص19]. [4] ينظر على سبيل المثال: [23، جـ1، ص91]، ورد الطبري [20، جـ3، ص 253]، وينظر أيضاً [23، جـ1، ص313]، ورد الطبري [20، جـ12، ص 233]، وينظر كذلك [23، جـ2، ص98]، ورد النحاس [24، جـ5، ص160]. [5] [26، جـ3، ص ص 19؛ 275؛ 42، جـ 5، ص 385؛ 36، جـ 11، ص 336؛ 40، جـ 8، ص 368]. [6] لمزيد من التفسير يراجع [17، جـ2 ، ص ص 585 ـ 631]، وعود الضمير من الموضوعات التي تستحق أن تفرد بدراسة مستقلة. [7] انظر أمثلة على احتكامها للسياق، وتقديمها له في كتابها [51، جـ 1، ص ص 16، 77، 126 ، 162، 182، 208]، وغيرها كثير. [8] عرض لمنهجها كثيرون بالدرس والنقد، منهم د. محمد إبراهيم شريف في كتابه (اتجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر)، ود.فهد الرومي في كتابه (اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر الهجري). [9] متفق عليه [53، ص 826، كتاب التفسير؛ 54، ص113،كتاب الإيمان]. [10] أخرجه الترمذي [55، ص 716، كتاب التفسير]. [11] انظر أمثلة لما ذكرنا من رد أسباب النزول بسبب السياق [28، جـ2، ص ص 324 ،376؛ جـ5، ص183؛ جـ6، ص138؛ جـ14، ص6؛ جـ14، ص6؛ جـ 17، ص 154. [12] ينظر تفسير أبي زهرة لهذه الآية في ضوء هذا الفهم، وانتصاره له [59، ص 240]. [13] انظر الرأي مفصلاً في [13، جـ2، 456؛ 57، جـ1، ص129] وتابعهما أبو زهرة في تفسيره لهذه الآية [95، ص 734]، السنة السادسة، سنة 1372هـ، وأطال الاستدلال لهذا القول بالسياق، وقال: ونحن إليه أميل. [14] انظر على سبيل المثال لا الحصر: [20، جـ5، ص 275؛ 21، جـ1، ص 305؛ 26، جـ1، ص 147؛ 35، جـ3، ص 139؛ 36، جـ3، ص 230؛ 19 ، جـ3، ص 396]. [15] انتصر لهذا القول أبو زهرة في تفسيره لهذه الآية في [59، ص 402]. [16] انظر رأيه هذا في [59، ص402]. [17] انظر بعضاً من هذه الصور والحالات في [26، جـ1، ص142؛ 13، جـ2، ص408].0
- أثر القرآن الكريم في لغة النصارى العرب
ناصيف اليازجي - النموذج العالي
الكاتب: أحمد العلاونة
كان الدكتور إبراهيم السامرائي والأستاذ ظافر القاسمي رحمهما الله قد عرضا لاقتباس العلامة ناصيف اليازجي من القرآن الكريم ، فأطال الأول ( انظر مجلة جامعة أم القرى، العدد16 ، 1418هـ ص157ـ193)) وأوجز الثاني( أنظر فصول في اللغة والأدب ً25ـ32)، وكلاهما اكتفى بما قدم، ولم يكن قصدهما ذكر جميع اقتباساته، وأنا ذاكر في مقالتي هذه مزيداً من اقتباساته ليكون الموضوع أوسع وأنفع، فأقول :
لما سمع الوليد بن المغيرة النبي صلى الله عليه وسلم يرتل القرآن سُئل عن رأيه في القرآن، فقال: " إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن له لصولة في القلوب ليست بصولة مبطل".
وأعجبني قول الأستاذ ظافر القاسمي في كتابه (فصول في اللغة والأدب25) في القرآن : "وما وقع لكاتب على مدى العصور أن اقتبس منه بعض آياته إلا ورأيتها تقفز وحدها من بين السطور تعلن عن نفسها أنها لا تشبه ما قبلها ولا ما بعدها، وتبدو كاللؤلؤة الفريدة تبهر الأعين، وتحلو في السمع وترنّ في الآذان وتدخل إلى القلب".
ولا غرو إذاً أن يعمد بعض المسيحيين إلى الإقبال على القرآن الكريم كي يصقلوا لغتهم وأسلوبهم وينسجوا على منواله. وأنا قاصر قولي في أثر القرآن في لغة ناصيف اليازجي على كتابه (مجمع البحرين) وقاصره على ما فيه من اقتباس، وهو حلية حلّى بها كتابه فإذا هو فتنة للقارئ ، وقبل أن أذكر ما جمعت من اقتباساته أشير إلى أمور وجدتها وأنا أقرأ كتابه، وهي :
أن اليازجي حفظ معظم القرآن الكريم فمكّنه ذلك من كثرة الاقتباس منه، وهو أحياناً يقتبس بعض الآية ، وأحياناً يقتبس الآية كلها، أو يحذف منه شيئاً يسيراً ليحل محله شيئاً من عنده يقتضيه سياق قوله، وربما قدم وأخر في بعض ألفاظ الآية، وربما زاد عليها أو نقص منها، وذلك حين يكون قصده تأليف كلام جديد موافق لفكرته.
أما ذكري لاقتباساته فأنا جاعل رقماً مسلسلاً لكل صفحة من كتابه فيها اقتباس ، وأذكر أولاً اقتباس اليازجي ثم تعليقي عليه وفيه إشارة إلى الآية المقتبس منها، وهذا موضع عملي:
- ص12 " واتركوا ما رأيتم نسياً منسياً" وفي هذا إيماء لقول الله{... وكنت نسياً منسياً} (مريم23).
- ص13"وغفل عن يوم يجعل الولدان شيباً" وهذا من قوله تعالى{فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً} (المزمل 17)
وجاء فيها أيضاً " ثم أقبلوا يهرعون إليه" وفي هذا إشارة إلى قول الله {وجاءه قومه يهرعون إليه} (هود78) .
- ص17 "وإن لك لأجراً غير ممنون" وفي هذا اقتباس من قول الله { وإن لك لأجراً غير ممنون} (القلم3) .
- ص26 "لقد جمعت فأوعيت" وفي هذا إيماء لقول الله { وجمع فأوعى} (المعارج18) .
- ص27 " فضاق الرجل ذرعاً في الجواب" تلمح فيه قول الله { وضاق بهم ذرعاً} (هود77) و(العنكبوت33) .
- ص30 " فأخذت الشيخ الحمية حمية الجاهلية" وهذا شيء من قول الله {إذ جعل في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية} (الفتح 26) .
- ص32 " أنه أطغى من فرعون ذي الأوتاد" يشير إلى قول الله{ وفرعون ذي الأوتاد} (ص12) .
- ص35 " .. لات حين مناص" وقوله هذا مأخوذ من قوله تعالى {ولات حين مناص} (ص3) .
- ص36 " فقال صبر جميل" وقي هذا إيماء لقول الله{ قال بل سولت لكم أمراً فصبر جميل ..} (يوسف18 و83) .
- ص37 ط فبتناها ليلة كأنها ليلة القدر، وأحييناها بالحديث حتى مطلع الفجر" وهذا شيء من قوله تعالى{ سلام هي حتى مطلع الفجر} (القدر5) .
- ص42" وإن كنت ممن عبس وتولى" إشارة إلى قوله تعالى{ عبس وتولى} (عبس1) . وجاء فيها أيضاً " والشيخ ينظر من طرف خفي" كأن اليازجي نظر إلى قوله تعالى{ ينظرون من طرف خفي} (الشورى45) .
- ص44" علم الله أن سيكون" تلمح فيه قول الله{ علم أن سيكون منكم مرضى} (المزمل20) .
- ص51" وقد قدرنا المنازل حتى عاد كالعرجون القديم" . وهو مأخوذ من قوله تعالى{ والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم} (يس39) . وورد أيضاُ :" حتى تبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود" إيماءً لقوله تعالى{ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} (البقرة187) .
- ص52" فأوحى إلي ما أوحى" يومئ إلى قوله تعالى{فأوحى إلى عبده ما أوحى}. (النجم10) . وجاء أيضاً :" وإلا فقد يئست منها كما يئس الكفار من أصحاب القبور". وهذا من قوله تعالى{قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور}. (الممتحنة13). وورد فيها:" فكم ركب هنا طبقاً عن طبق". يومئ إلى قوله تعالى:"لتركبن طبقاً عن طبق". (الانشقاق19).
- ص53 " ليحق الله الحق ويبطل الباطل" وهذا من الآية الثامنة من سورة الأنفال{ ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون} .
- ص54" هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور". وهو من الآية 16 من سورة الرعد:{ هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور} .
- ص55" وأنا لم تأخذني سنة ولا نوم" إشارة إلى قوله تعالى{ لا تأخذه سنة ولا نوم}. (البقرة255) .
- ص56"كأنه من آيات ربه الكبرى" إيماءً لقوله تعالى{لقد رأى من آيات ربه الكبرى}.(النجم18).
- ص58" وبهم يشد أزري" إشارة إلى قوله تعالى{اشدد به أزري}. (طه31).
- ص61" فلا جرم أنك من صميم العرب" تلمح فيه قوله تعالى{ لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون}. (هود22).
- ص62" وأنوح بكرة وأصيلاً" وهذا إيماء لقوله تعالى{ وسبحوه بكرة وأصيلا}.(الأحزاب42).
- ص64" قد شغفتك حباً" وهذا شيء من قوله تعالى{ قد شغفها حباً}.(يوسف30).
- ص65" إنا لله وإنا إليه راجعون" وهذا مأخوذ من قوله تعالى{الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون}. (البقرة156).
- ص68"ذات الشمال وأخرى ذات اليمين". يشير إلى قول الله{ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال}. (الكهف18). وجاء فيها من شعره" وبعلم السر وأخفى في الورى" يومئ لإلى قول الله{ فإنه يعلم السر وأخفى}. (طه7).
- ص78" يكظم الغيظ" إيماءً لقوله تعالى{ والكاظمين الغيظ}. (آل عمران134).
- ص79" فيا ليتني مت قبل هذا البلاء العظيم" . وهذا من قوله تعالى{ يا ليتني مت قبل هذا}. (مريم23).
- ص80" لكنني ضربت عنه صفحاً" . إشارة إلى قوله تعالى{ أفنضرب عنكم الذكر صفحاً}. (الزخرف5).
- ص81" وانتشروا مثنى وثلاث ورباع". يومئ إلى قوله تعالى{ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع}. (النساء3).
- ص82" وإن مسه الضر". وهذا شيء من قوله تعالى{ فإذا مس الإنسان ضر دعانا}. ( الزمر49).
- ص83" واستعذ بالله من الشيطان الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس. فلما استتم كلامه قال: إنه من سليمان". وجملة هذا إشارات واقتباسات من آيات عدة. فقوله:" واستعذ بالله من الشيطان الرجيم" إيماء إلى قوله تعالى{ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم}. (النحل98). وقوله:{ الذي يوسوس في صدور الناس} هو آية معروفة من سورة الناس4، وقوله:" إنه من سليمان" اقتباس من قوله تعالى{ إنه من سليمان} . (النمل30).
- ص85" ثم ولوا الأدبار" مأخوذ من قوله تعالى{ .. لولوا الأدبار}. (الفتح22).
- ص87" لا أملك نفعاً ولا ضراً" هو من قوله تعالى {قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً}. (الأعراف188).
- ص91" تعالوا أتل عليكم ما يبقى ذكره". مأخوذ من قوله تعالى{ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم}. (الأنعام121).
- ص94" فحدث بنعمة ربك" يشير إلى قوله تعالى{ وأما بنعمة ربك فحدث}. (الضحى11).
- ص96" فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين" وهذا من الآية 249 من سورة البقرة:{ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين}.
- ص106" وماءً ثجاجاً" وفي هذا اقتباس من قوله تعالى{ وأنزلنا من المعصرات ماءً ثجاجاً}. (النبأ14).
- ص107" قد أحصينا كل شيء عدداً، ولو جئنا بمثله مدداً". إن الشق الأول مأخوذ من قوله تعالى{ .. وأحصى كل شيء عدداً}.(الجن28). وأما الشق الآخر فإشارة إلى قوله تعالى{ .. ولو جئنا بمثله مدداً} (الكهف109).
- ص110" جُعل مباركاً أينما كان" وهذا مأخوذ من قوله تعالى{وجعلني مباركاً أينما كنت} (مريم31).
-ص113" واسترق السمع، وإذا هو قد بسط ذراعيه". إن الشق الأول مأخوذ من قوله تعالى{إلا من استرق السمع} (الحجر18). وأما الشق الثاني فمأخوذ من قوله تعالى{ وكلبهم باسط ذراعيه} (الكهف18).
- ص114" وجعلهم الهر هباءً منثوراً" وهذا إيماء لقوله تعالى{ فجعلهم هباءً منثوراً} (الفرقان23). وجاء فيها" وأصبحوا لا تُرى إلا مساكنهم" وهذا إيماء أيضاً لقوله تعالى{ فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} ( الأحقاف25).
- ص115" إننا ممن يطعم الطعام على حبه" وفي هذا إشارة إلى قوله تعالى{ ويطعمون الطعام على حبه مسكيناًً وفقيراً} (الإنسان8).
- ص120" فقد يسرتك لليسرى" وفي هذا إيماء لقوله تعالى{ ونيسرك لليسرى} (الأعلى8).
- ص123" إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء" يشير إلى قوله تعالى{ إن الله يهدي من يشاء ويهدي من يشاء} (فاطر8).
- ص126" وكن من الشاكرين" وقوله هذا من قوله تعالى { وكن من الشاكرين}(الزمر66).
- 128" وهو يطعمني ولا يسقين" وهذا إيماء لقوله تعالى{ والذي يطعمني ويسقين} ( الشعراء79).
- ص130" كأنني شهاب ثاقب، وكأنها توارت بالحجاب" في الشق الأول إيماء لقوله تعالى{ فأتبعه شهاب ثاقب} (الصافات10) . وأما الشق الآخر فإيماء لقوله تعالى{ إنني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب} (ص32). وجاء فيها:" وهو يقسم تارة بالخنس، وطوراً بالجوار الكنس ، ويلهج مرة بمواقع النجوم" وجملة هذا الذي ذكره اليازجي اقتباس من آيات محكمات، يقرؤها القارئ فيقف على مكانها من لغة التنزيل، فقوله "يقسم تارة بالخنس" غير بعيد من قوله تعالى{ فلا أقسم بالخنس} (التكوير15). وقوله " بالجوار الكنس" مأخوذ من قوله تعالى{ الجوار الكنس} (التكوير16) . وقوله " بمواقع النجوم" مأخوذ من قوله تعالى { فلا أقسم بمواقع النجوم} (الواقعة75).
- ص132" فنظر نظرة في السماء" وهذا غير بعيد عن قوله تعالى{ فلا أقسم بمواقع النجوم} (الصافات88).
- ص133" فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم" وهذا اقتباس من قوله تعالى{ فلما رأوه ارضاً مستقبل أوديتهم} (الأحقاف24). وقال اليازجي فيها { إنما يخشى الله من عباده العلماء} وهذا اقتباس أيضاً من قوله تعالى{ إنا يخشى الله من عباده العلماء} (فاطر28). وقول اليازجي" حتى خيل للقوم أن عنده علم الغيب فهو يرى" غير بعيد عن قوله تعالى{أعنده علم الغيب فهو يرى} (النجم35). وقوله" وأنه يعلم ما في السماء وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى" إيماء لقوله تعالى{ له ما في السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى} (طه6).
- ص137" انقلب على عقبيه" وهذا شيء من قوله تعالى{ومن ينقلب على عقبيه} (آل عمران144).
- ص139" وأرهقني صعدا" وهذا مأخوذ من قوله تعالى{ سأرهقه صعوداً} (المدثر17). وقال اليازجي" أحسبها خيراً من ألف شهر" تلمح فيها قوله تعالى{ليلة القدر خير من ألف شهر} (القدر3).
- ص140" فأوثقوا جيده بحبل من مسد" وهذا مأخوذ من قوله تعالى{في جيدها حبل من مسد} (المسد5).
- ص149" فإنه يهديك الصراط المستقيم" وهو من قول الله{ اهدنا الصراط المستقيم} (الفاتحة5). وقال اليازجي:" ولا تحسب ان الإنسان يترك سدى" وهذا من قول الله{ أيحسب الإنسان أن يترك سدى} (القيامة36).
- ص155" حتى لم نبق ولم نذر" إشارة إلى قول الله{ لا تبقي ولا تذر} (المدثر28).
- ص156" فأوجسنا خيفة في أنفسنا" وهذا من قوله تعالى{ فأوجس في نفسه خيفة موسى} (طه67).
- ص158" وأذاقني ببعاده عذاب الحريق" . تلمح فيه قوله تعالى{ ذوقوا عذاب الحريق} (أل عمران181).
- ص159" إن هذا بعلي شيخ عَلَندي" وهو من قوله تعالى{ وهذا بعلي شيخاً} (هود72).
- ص161" هذه بضاعتنا رُدت إلينا" وهذا اقتباس من قوله تعالى{ هذه بضاعتنا ردت إلينا} (يوسف65).
- ص163" كأنهم على نصب يوفضون" وهذا اقتباس من قوله تعالى{ كأنهم إلى نصب يوفضون} (المعارج43). وجاء فيها أيضاً" الذين أوتوا الحكمة وفصل الخطاب" يشير إلى قوله تعالى{ وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب} (ص20).
- ص164" حتى وهن العظم مني" وهذا من الآية الرابعة من سورة مريم{ قال ربي إني وهن العظم مني} .
- ص167" قد جئناك ببضاعة مزجاة" وهذا من قوله تعالى{ وجئنا ببضاعة مزجاة} يوسف88.
- ص170" إلى أن صرت أوهن من بيت العنكبوت" يومئ إلى قوله تعالى{ وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت} (العنكبوت41).
- ص176" أعوذ بالله من شر حاسد إذا حسد" وهذا من قوله تعالى{ ومن شر حاسد إذا حسد} (الفلق5).
- ص181" سبحان من يحيي العظام وهي رميم". وهذا إشارة إلى قوله تعالى{ قال من يحيي العظام وهي رميم} (يس78). وجاء فيها" فسُقط في يد الرجل" وهذا إيماء لقوله تعالى{ سُقط في أيديهم} (الأعراف149).
- ص182" أن المال زينة الحياة الدنيا". وهذا مأخوذ من قوله تعالى{ المال والبنون زينت الحياة الدنيا} (الكهف46).
- ص183" الذين كانت مفاتيح كنوزهم تنوء بالعصبة الأقوياء" كأن اليازجي نظر إلى قوله تعالى{ ما إن مفاتحه لتنوء بالعصية أولي القوة} (القصص76).
- ص187" .. اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى". وهذا من قوله تعالى{ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} (النجم20). وورد فيها" ولا فرعون ذي الأوتاد" وهذا مأخوذ من قوله تعالى{ وفرعون ذي الأوتاد} (الفجر10). وجاء فيها: "كإرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد" . وهذا الآية السابعة والثامنة من سورة الفجر{ إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد}. وقال اليازجي:" وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعيذوا بالله إنه هو السميع العليم، ومن عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأن الله غفور رحيم". إن الشق الأول مأخوذ من قوله تعالى{ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم} (الأعراف200). وأما الشق الثاني فمأخوذ من قوله تعالى{من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم} (الأنعام54).
- ص188" والسلام على من ذكر اسم ربه فصلى، والويل لمن كذب وتولى". والشق الأول منتزع من قوله تعالى{ وذكر اسم ربه فصلى} (الأعلى15). وأما الشق الثاني ففيه شيء من قوله تعالى{ الذي كذب وتولى} (الليل16).
- ص190" فلا تؤاخذونا إن نسينا أو أخطأنا" وهذا من الآية الأخيرة من سورة البقرة{ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} وورد فيها" فصل لربك وانحر" وهذا هو الآية الثانية من سورة الكوثر{ فصل لربك وانحر}.
- ص196" ولا أخاف بخساً ولا رهقاً" وهذا من قوله تعالى{فلا يخاف بخساً ولا رهقاً} (الجن13).
- ص200" اللهم اهدنا سواء السبيل" تلمح فيه قول الله"{ عسى ربي أن يهديني سواء السبيل} (القصص22).
- ص207" غشيتنا ظلمات بعضها فوق بعض" وهذا من قوله تعالى{ ظلمات بعضها فوق بعض} (النور40).
- ص208" وأكلنا هنيئاً مريً" يشير إلى قوله تعالى{فكلوه هنيئاً مريئاً} (النساء4).
- ص212" ترى الناس سكارى" وهو مأخوذ من قوله تعالى{ وترى الناس سكارى} (الحج2).
- ص217" فأسر إلي النجوى" وهذا شيء من قول الله{ وأسروا النجوى} ( طه62).
- ص219" نسترق السمع" نلمح فيه قوله تعالى{استرق السمع} (الحجر18).
-ص223{سيماهم في وجوههم من أثر السجود} وهذا من الآية 29 من سورة الفتح. وقال اليازجي:" أقبلوا بوجوه ناضرة إلى ربها ناظرة" وهذا اقتباس من قوله تعالى{وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} (القيامة22). وقال أيضاً :" يسبحون بحمد ربهم" وهذا من قوله تعالى{ يسبحون بحمد ربهم} (غافر7). وقال:" ويستغفرون لما تقدم وما تأخر من ذنبهم" وهذا شيء من قول الله"{ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} (الفتح2). وجاء فيها{ أعوذ برب الناس} وهذا من الآية الأولى من سورة الناس. وجاء فيها أيضاً" عزمت أن أنتبذ مكاناً قصياً ولا أكلم اليوم إنسياً". إن الشق الأول من قول اليازجي مأخوذ من قول الله{فانتبذت به مكاناً قصياً} (مريم22). والشق الآخر مأخوذ من قوله تعالى{فلن أكلم اليوم إنسياً} ( مريم22).
- ص224" واستقم ولا تتبع سبيل الذين لا يعلمون، فإن الله إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون" . وهذا الكلام ذو شقين، أما الأول فمأخوذ من قوله تعالى{واستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون} (يونس89"). وأما الشق الآخر فمأخوذ من قول الله{إنما إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} (يس82" . وجاء فيها أيضاً " إني وإياكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين" وهذا اقتباس من قول الله{ وإنا أو إياكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين} (سبأ24).
- ص225" وستعلمون غداً من الكذاب الذي يُراغُ عليه ضرباً باليمين" وكلام اليازجي هذا ذو شقين، الأول هو من قول الله{وستعلمون غداً من الكذاب الأشر} (القمر26). والثاني هو من قول الله{فراغ عليهم ضرباً باليمين} (الصافات93). وكتب فيها" فيه حق معلوم للسائل والمحروم" يشير إلى قول الله{والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم} (المعارج24ـ25).
- ص228" وإن كنتم في ريب من ذلكم " وفي هذا شيء من قول الله{ إن كنتم في ريب من البعث} (الحج5).
- ص237" فلما انسلخ النهار من الليل" وفي هذا شيء من قول الله{ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} (يس37). وجاء فيها" ولا يعصي لي أمراً" يومئ إلى قول الله{ولا أعصي لك أمراً}(الكهف69).
- ص238" إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً" وهذا الذي ذكره اليلزجي هو الآية 36 من سورة الإسراء{إن السمع والصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً}وورد فيها" أو يسلكني عذاباً صعداً" وهذا إيماء لقول الله{ يسلكه عذاباً صعداً} (الجن17). وورد فيها أيضاً" فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله" وهذا اقتباس من قول الله{ فتحرير رقية مؤمنة، وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة}(النساء92).
- ص241" فلما آنست منهم أُنساً" وفي هذا شيء من قول الله{ فإن آنستم منهم رشداً} (النساء92). وجاء فيها" نور على نور" وهذا من قول الله{ نور على نور} (النور35).
- ص243" فإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار" وهذا اقتباس من قول الله{ وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار} (البقرة74).
- ص248" وقل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا" وهذا من قول الله{ قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} (التوبة51).
- ص250" كان ذلك في الرق المنشور" وفي هذا شيء من قول الله{ في رق منشور} (الطور3). وجاء فيها{ وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} وهذا من الآية 22 من سورة الرعد، والآية20 من سورة الحديد.
- ص256" قد كتب ربك على نفسه الرحمة" وهذا إيماء لقوله تعالى{ كتب على نفسه الرحمة} ( الأنعام12).
- ص257" فأنخنا كهشيم المحتظر، وإذا الناس كالجراد المنتشر" وكلام اليازجي ذو شقين، الأول " كهشيم المحتظر" وهذا من قوله تعالى{كهشيم المحتظر} (القمر31). والثاني" كالجراد المنتشر" وهو من قوله تعالى{كأنهم جراد منتشر} (القمر7).
- ص259" فاخلع إذن ما عليك حتى نعليك" كأن اليازجي نظر إلى قوله تعالى{ فاخلع نعليك} (طه12).
- ص260" والله لا يضيع مثقال ذرة" تلمح فيه قول الله{ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره} (الزلزلة7).
- ص262" في ناشئة الليل" وهذا شيء من قول الله{إن ناشئة الليل} (المزمل6). وجاء فيها:" قد أًذّن في الناس بالحج فأتوا رجالاً وعلى كل ضامر من كل فج عميق" وهذا إشارة إلى قوله تعالى{وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق} (الحج27). وجاء فيها أيضاً" فلبثنا يوماً أو بعض يوم" وهذا مأخوذ من قول الله{ لبثت يوماً أو بعض يوم} (الكهف19) و(المؤمنون113).
- ص264" يضحكون فليلاً ويبكون كثيراً" تلمح فيه قوله تعالى{فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً} (التوبة82). وقال اليازجي:" برحمتك يا أرحم الراحمين" وهذا شيء من قول الله{وأنت أرحم الراحمين} (الأعراف151). وقال أيضاً :" إني إلى ما تريدون أقرب من حبل الوريد" وهذا شيء من قول الله{ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} (ق16).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* موقع الألوكة: (https://www.alukah.net/literature_language/0/372/).
أثر القرآن الكريم في لغة النصارى العرب ناصيف اليازجي - النموذج العالي الكاتب: أحمد العلاونة كان الدكتور إبراهيم السامرائي والأستاذ ظافر القاسمي رحمهما الله قد عرضا لاقتباس العلامة ناصيف اليازجي من القرآن الكريم ، فأطال الأول ( انظر مجلة جامعة أم القرى، العدد16 ، 1418هـ ص157ـ193)) وأوجز الثاني( أنظر فصول في اللغة والأدب ً25ـ32)، وكلاهما اكتفى بما قدم، ولم يكن قصدهما ذكر جميع اقتباساته، وأنا ذاكر في مقالتي هذه مزيداً من اقتباساته ليكون الموضوع أوسع وأنفع، فأقول : لما سمع الوليد بن المغيرة النبي صلى الله عليه وسلم يرتل القرآن سُئل عن رأيه في القرآن، فقال: " إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن له لصولة في القلوب ليست بصولة مبطل". وأعجبني قول الأستاذ ظافر القاسمي في كتابه (فصول في اللغة والأدب25) في القرآن : "وما وقع لكاتب على مدى العصور أن اقتبس منه بعض آياته إلا ورأيتها تقفز وحدها من بين السطور تعلن عن نفسها أنها لا تشبه ما قبلها ولا ما بعدها، وتبدو كاللؤلؤة الفريدة تبهر الأعين، وتحلو في السمع وترنّ في الآذان وتدخل إلى القلب". ولا غرو إذاً أن يعمد بعض المسيحيين إلى الإقبال على القرآن الكريم كي يصقلوا لغتهم وأسلوبهم وينسجوا على منواله. وأنا قاصر قولي في أثر القرآن في لغة ناصيف اليازجي على كتابه (مجمع البحرين) وقاصره على ما فيه من اقتباس، وهو حلية حلّى بها كتابه فإذا هو فتنة للقارئ ، وقبل أن أذكر ما جمعت من اقتباساته أشير إلى أمور وجدتها وأنا أقرأ كتابه، وهي : أن اليازجي حفظ معظم القرآن الكريم فمكّنه ذلك من كثرة الاقتباس منه، وهو أحياناً يقتبس بعض الآية ، وأحياناً يقتبس الآية كلها، أو يحذف منه شيئاً يسيراً ليحل محله شيئاً من عنده يقتضيه سياق قوله، وربما قدم وأخر في بعض ألفاظ الآية، وربما زاد عليها أو نقص منها، وذلك حين يكون قصده تأليف كلام جديد موافق لفكرته. أما ذكري لاقتباساته فأنا جاعل رقماً مسلسلاً لكل صفحة من كتابه فيها اقتباس ، وأذكر أولاً اقتباس اليازجي ثم تعليقي عليه وفيه إشارة إلى الآية المقتبس منها، وهذا موضع عملي: - ص12 " واتركوا ما رأيتم نسياً منسياً" وفي هذا إيماء لقول الله{... وكنت نسياً منسياً} (مريم23). - ص13"وغفل عن يوم يجعل الولدان شيباً" وهذا من قوله تعالى{فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً} (المزمل 17) وجاء فيها أيضاً " ثم أقبلوا يهرعون إليه" وفي هذا إشارة إلى قول الله {وجاءه قومه يهرعون إليه} (هود78) . - ص17 "وإن لك لأجراً غير ممنون" وفي هذا اقتباس من قول الله { وإن لك لأجراً غير ممنون} (القلم3) . - ص26 "لقد جمعت فأوعيت" وفي هذا إيماء لقول الله { وجمع فأوعى} (المعارج18) . - ص27 " فضاق الرجل ذرعاً في الجواب" تلمح فيه قول الله { وضاق بهم ذرعاً} (هود77) و(العنكبوت33) . - ص30 " فأخذت الشيخ الحمية حمية الجاهلية" وهذا شيء من قول الله {إذ جعل في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية} (الفتح 26) . - ص32 " أنه أطغى من فرعون ذي الأوتاد" يشير إلى قول الله{ وفرعون ذي الأوتاد} (ص12) . - ص35 " .. لات حين مناص" وقوله هذا مأخوذ من قوله تعالى {ولات حين مناص} (ص3) . - ص36 " فقال صبر جميل" وقي هذا إيماء لقول الله{ قال بل سولت لكم أمراً فصبر جميل ..} (يوسف18 و83) . - ص37 ط فبتناها ليلة كأنها ليلة القدر، وأحييناها بالحديث حتى مطلع الفجر" وهذا شيء من قوله تعالى{ سلام هي حتى مطلع الفجر} (القدر5) . - ص42" وإن كنت ممن عبس وتولى" إشارة إلى قوله تعالى{ عبس وتولى} (عبس1) . وجاء فيها أيضاً " والشيخ ينظر من طرف خفي" كأن اليازجي نظر إلى قوله تعالى{ ينظرون من طرف خفي} (الشورى45) . - ص44" علم الله أن سيكون" تلمح فيه قول الله{ علم أن سيكون منكم مرضى} (المزمل20) . - ص51" وقد قدرنا المنازل حتى عاد كالعرجون القديم" . وهو مأخوذ من قوله تعالى{ والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم} (يس39) . وورد أيضاُ :" حتى تبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود" إيماءً لقوله تعالى{ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} (البقرة187) . - ص52" فأوحى إلي ما أوحى" يومئ إلى قوله تعالى{فأوحى إلى عبده ما أوحى}. (النجم10) . وجاء أيضاً :" وإلا فقد يئست منها كما يئس الكفار من أصحاب القبور". وهذا من قوله تعالى{قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور}. (الممتحنة13). وورد فيها:" فكم ركب هنا طبقاً عن طبق". يومئ إلى قوله تعالى:"لتركبن طبقاً عن طبق". (الانشقاق19). - ص53 " ليحق الله الحق ويبطل الباطل" وهذا من الآية الثامنة من سورة الأنفال{ ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون} . - ص54" هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور". وهو من الآية 16 من سورة الرعد:{ هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور} . - ص55" وأنا لم تأخذني سنة ولا نوم" إشارة إلى قوله تعالى{ لا تأخذه سنة ولا نوم}. (البقرة255) . - ص56"كأنه من آيات ربه الكبرى" إيماءً لقوله تعالى{لقد رأى من آيات ربه الكبرى}.(النجم18). - ص58" وبهم يشد أزري" إشارة إلى قوله تعالى{اشدد به أزري}. (طه31). - ص61" فلا جرم أنك من صميم العرب" تلمح فيه قوله تعالى{ لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون}. (هود22). - ص62" وأنوح بكرة وأصيلاً" وهذا إيماء لقوله تعالى{ وسبحوه بكرة وأصيلا}.(الأحزاب42). - ص64" قد شغفتك حباً" وهذا شيء من قوله تعالى{ قد شغفها حباً}.(يوسف30). - ص65" إنا لله وإنا إليه راجعون" وهذا مأخوذ من قوله تعالى{الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون}. (البقرة156). - ص68"ذات الشمال وأخرى ذات اليمين". يشير إلى قول الله{ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال}. (الكهف18). وجاء فيها من شعره" وبعلم السر وأخفى في الورى" يومئ لإلى قول الله{ فإنه يعلم السر وأخفى}. (طه7). - ص78" يكظم الغيظ" إيماءً لقوله تعالى{ والكاظمين الغيظ}. (آل عمران134). - ص79" فيا ليتني مت قبل هذا البلاء العظيم" . وهذا من قوله تعالى{ يا ليتني مت قبل هذا}. (مريم23). - ص80" لكنني ضربت عنه صفحاً" . إشارة إلى قوله تعالى{ أفنضرب عنكم الذكر صفحاً}. (الزخرف5). - ص81" وانتشروا مثنى وثلاث ورباع". يومئ إلى قوله تعالى{ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع}. (النساء3). - ص82" وإن مسه الضر". وهذا شيء من قوله تعالى{ فإذا مس الإنسان ضر دعانا}. ( الزمر49). - ص83" واستعذ بالله من الشيطان الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس. فلما استتم كلامه قال: إنه من سليمان". وجملة هذا إشارات واقتباسات من آيات عدة. فقوله:" واستعذ بالله من الشيطان الرجيم" إيماء إلى قوله تعالى{ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم}. (النحل98). وقوله:{ الذي يوسوس في صدور الناس} هو آية معروفة من سورة الناس4، وقوله:" إنه من سليمان" اقتباس من قوله تعالى{ إنه من سليمان} . (النمل30). - ص85" ثم ولوا الأدبار" مأخوذ من قوله تعالى{ .. لولوا الأدبار}. (الفتح22). - ص87" لا أملك نفعاً ولا ضراً" هو من قوله تعالى {قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً}. (الأعراف188). - ص91" تعالوا أتل عليكم ما يبقى ذكره". مأخوذ من قوله تعالى{ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم}. (الأنعام121). - ص94" فحدث بنعمة ربك" يشير إلى قوله تعالى{ وأما بنعمة ربك فحدث}. (الضحى11). - ص96" فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين" وهذا من الآية 249 من سورة البقرة:{ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين}. - ص106" وماءً ثجاجاً" وفي هذا اقتباس من قوله تعالى{ وأنزلنا من المعصرات ماءً ثجاجاً}. (النبأ14). - ص107" قد أحصينا كل شيء عدداً، ولو جئنا بمثله مدداً". إن الشق الأول مأخوذ من قوله تعالى{ .. وأحصى كل شيء عدداً}.(الجن28). وأما الشق الآخر فإشارة إلى قوله تعالى{ .. ولو جئنا بمثله مدداً} (الكهف109). - ص110" جُعل مباركاً أينما كان" وهذا مأخوذ من قوله تعالى{وجعلني مباركاً أينما كنت} (مريم31). -ص113" واسترق السمع، وإذا هو قد بسط ذراعيه". إن الشق الأول مأخوذ من قوله تعالى{إلا من استرق السمع} (الحجر18). وأما الشق الثاني فمأخوذ من قوله تعالى{ وكلبهم باسط ذراعيه} (الكهف18). - ص114" وجعلهم الهر هباءً منثوراً" وهذا إيماء لقوله تعالى{ فجعلهم هباءً منثوراً} (الفرقان23). وجاء فيها" وأصبحوا لا تُرى إلا مساكنهم" وهذا إيماء أيضاً لقوله تعالى{ فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} ( الأحقاف25). - ص115" إننا ممن يطعم الطعام على حبه" وفي هذا إشارة إلى قوله تعالى{ ويطعمون الطعام على حبه مسكيناًً وفقيراً} (الإنسان8). - ص120" فقد يسرتك لليسرى" وفي هذا إيماء لقوله تعالى{ ونيسرك لليسرى} (الأعلى8). - ص123" إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء" يشير إلى قوله تعالى{ إن الله يهدي من يشاء ويهدي من يشاء} (فاطر8). - ص126" وكن من الشاكرين" وقوله هذا من قوله تعالى { وكن من الشاكرين}(الزمر66). - 128" وهو يطعمني ولا يسقين" وهذا إيماء لقوله تعالى{ والذي يطعمني ويسقين} ( الشعراء79). - ص130" كأنني شهاب ثاقب، وكأنها توارت بالحجاب" في الشق الأول إيماء لقوله تعالى{ فأتبعه شهاب ثاقب} (الصافات10) . وأما الشق الآخر فإيماء لقوله تعالى{ إنني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب} (ص32). وجاء فيها:" وهو يقسم تارة بالخنس، وطوراً بالجوار الكنس ، ويلهج مرة بمواقع النجوم" وجملة هذا الذي ذكره اليازجي اقتباس من آيات محكمات، يقرؤها القارئ فيقف على مكانها من لغة التنزيل، فقوله "يقسم تارة بالخنس" غير بعيد من قوله تعالى{ فلا أقسم بالخنس} (التكوير15). وقوله " بالجوار الكنس" مأخوذ من قوله تعالى{ الجوار الكنس} (التكوير16) . وقوله " بمواقع النجوم" مأخوذ من قوله تعالى { فلا أقسم بمواقع النجوم} (الواقعة75). - ص132" فنظر نظرة في السماء" وهذا غير بعيد عن قوله تعالى{ فلا أقسم بمواقع النجوم} (الصافات88). - ص133" فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم" وهذا اقتباس من قوله تعالى{ فلما رأوه ارضاً مستقبل أوديتهم} (الأحقاف24). وقال اليازجي فيها { إنما يخشى الله من عباده العلماء} وهذا اقتباس أيضاً من قوله تعالى{ إنا يخشى الله من عباده العلماء} (فاطر28). وقول اليازجي" حتى خيل للقوم أن عنده علم الغيب فهو يرى" غير بعيد عن قوله تعالى{أعنده علم الغيب فهو يرى} (النجم35). وقوله" وأنه يعلم ما في السماء وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى" إيماء لقوله تعالى{ له ما في السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى} (طه6). - ص137" انقلب على عقبيه" وهذا شيء من قوله تعالى{ومن ينقلب على عقبيه} (آل عمران144). - ص139" وأرهقني صعدا" وهذا مأخوذ من قوله تعالى{ سأرهقه صعوداً} (المدثر17). وقال اليازجي" أحسبها خيراً من ألف شهر" تلمح فيها قوله تعالى{ليلة القدر خير من ألف شهر} (القدر3). - ص140" فأوثقوا جيده بحبل من مسد" وهذا مأخوذ من قوله تعالى{في جيدها حبل من مسد} (المسد5). - ص149" فإنه يهديك الصراط المستقيم" وهو من قول الله{ اهدنا الصراط المستقيم} (الفاتحة5). وقال اليازجي:" ولا تحسب ان الإنسان يترك سدى" وهذا من قول الله{ أيحسب الإنسان أن يترك سدى} (القيامة36). - ص155" حتى لم نبق ولم نذر" إشارة إلى قول الله{ لا تبقي ولا تذر} (المدثر28). - ص156" فأوجسنا خيفة في أنفسنا" وهذا من قوله تعالى{ فأوجس في نفسه خيفة موسى} (طه67). - ص158" وأذاقني ببعاده عذاب الحريق" . تلمح فيه قوله تعالى{ ذوقوا عذاب الحريق} (أل عمران181). - ص159" إن هذا بعلي شيخ عَلَندي" وهو من قوله تعالى{ وهذا بعلي شيخاً} (هود72). - ص161" هذه بضاعتنا رُدت إلينا" وهذا اقتباس من قوله تعالى{ هذه بضاعتنا ردت إلينا} (يوسف65). - ص163" كأنهم على نصب يوفضون" وهذا اقتباس من قوله تعالى{ كأنهم إلى نصب يوفضون} (المعارج43). وجاء فيها أيضاً" الذين أوتوا الحكمة وفصل الخطاب" يشير إلى قوله تعالى{ وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب} (ص20). - ص164" حتى وهن العظم مني" وهذا من الآية الرابعة من سورة مريم{ قال ربي إني وهن العظم مني} . - ص167" قد جئناك ببضاعة مزجاة" وهذا من قوله تعالى{ وجئنا ببضاعة مزجاة} يوسف88. - ص170" إلى أن صرت أوهن من بيت العنكبوت" يومئ إلى قوله تعالى{ وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت} (العنكبوت41). - ص176" أعوذ بالله من شر حاسد إذا حسد" وهذا من قوله تعالى{ ومن شر حاسد إذا حسد} (الفلق5). - ص181" سبحان من يحيي العظام وهي رميم". وهذا إشارة إلى قوله تعالى{ قال من يحيي العظام وهي رميم} (يس78). وجاء فيها" فسُقط في يد الرجل" وهذا إيماء لقوله تعالى{ سُقط في أيديهم} (الأعراف149). - ص182" أن المال زينة الحياة الدنيا". وهذا مأخوذ من قوله تعالى{ المال والبنون زينت الحياة الدنيا} (الكهف46). - ص183" الذين كانت مفاتيح كنوزهم تنوء بالعصبة الأقوياء" كأن اليازجي نظر إلى قوله تعالى{ ما إن مفاتحه لتنوء بالعصية أولي القوة} (القصص76). - ص187" .. اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى". وهذا من قوله تعالى{ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} (النجم20). وورد فيها" ولا فرعون ذي الأوتاد" وهذا مأخوذ من قوله تعالى{ وفرعون ذي الأوتاد} (الفجر10). وجاء فيها: "كإرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد" . وهذا الآية السابعة والثامنة من سورة الفجر{ إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد}. وقال اليازجي:" وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعيذوا بالله إنه هو السميع العليم، ومن عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأن الله غفور رحيم". إن الشق الأول مأخوذ من قوله تعالى{ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم} (الأعراف200). وأما الشق الثاني فمأخوذ من قوله تعالى{من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم} (الأنعام54). - ص188" والسلام على من ذكر اسم ربه فصلى، والويل لمن كذب وتولى". والشق الأول منتزع من قوله تعالى{ وذكر اسم ربه فصلى} (الأعلى15). وأما الشق الثاني ففيه شيء من قوله تعالى{ الذي كذب وتولى} (الليل16). - ص190" فلا تؤاخذونا إن نسينا أو أخطأنا" وهذا من الآية الأخيرة من سورة البقرة{ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} وورد فيها" فصل لربك وانحر" وهذا هو الآية الثانية من سورة الكوثر{ فصل لربك وانحر}. - ص196" ولا أخاف بخساً ولا رهقاً" وهذا من قوله تعالى{فلا يخاف بخساً ولا رهقاً} (الجن13). - ص200" اللهم اهدنا سواء السبيل" تلمح فيه قول الله"{ عسى ربي أن يهديني سواء السبيل} (القصص22). - ص207" غشيتنا ظلمات بعضها فوق بعض" وهذا من قوله تعالى{ ظلمات بعضها فوق بعض} (النور40). - ص208" وأكلنا هنيئاً مريً" يشير إلى قوله تعالى{فكلوه هنيئاً مريئاً} (النساء4). - ص212" ترى الناس سكارى" وهو مأخوذ من قوله تعالى{ وترى الناس سكارى} (الحج2). - ص217" فأسر إلي النجوى" وهذا شيء من قول الله{ وأسروا النجوى} ( طه62). - ص219" نسترق السمع" نلمح فيه قوله تعالى{استرق السمع} (الحجر18). -ص223{سيماهم في وجوههم من أثر السجود} وهذا من الآية 29 من سورة الفتح. وقال اليازجي:" أقبلوا بوجوه ناضرة إلى ربها ناظرة" وهذا اقتباس من قوله تعالى{وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} (القيامة22). وقال أيضاً :" يسبحون بحمد ربهم" وهذا من قوله تعالى{ يسبحون بحمد ربهم} (غافر7). وقال:" ويستغفرون لما تقدم وما تأخر من ذنبهم" وهذا شيء من قول الله"{ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} (الفتح2). وجاء فيها{ أعوذ برب الناس} وهذا من الآية الأولى من سورة الناس. وجاء فيها أيضاً" عزمت أن أنتبذ مكاناً قصياً ولا أكلم اليوم إنسياً". إن الشق الأول من قول اليازجي مأخوذ من قول الله{فانتبذت به مكاناً قصياً} (مريم22). والشق الآخر مأخوذ من قوله تعالى{فلن أكلم اليوم إنسياً} ( مريم22). - ص224" واستقم ولا تتبع سبيل الذين لا يعلمون، فإن الله إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون" . وهذا الكلام ذو شقين، أما الأول فمأخوذ من قوله تعالى{واستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون} (يونس89"). وأما الشق الآخر فمأخوذ من قول الله{إنما إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} (يس82" . وجاء فيها أيضاً " إني وإياكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين" وهذا اقتباس من قول الله{ وإنا أو إياكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين} (سبأ24). - ص225" وستعلمون غداً من الكذاب الذي يُراغُ عليه ضرباً باليمين" وكلام اليازجي هذا ذو شقين، الأول هو من قول الله{وستعلمون غداً من الكذاب الأشر} (القمر26). والثاني هو من قول الله{فراغ عليهم ضرباً باليمين} (الصافات93). وكتب فيها" فيه حق معلوم للسائل والمحروم" يشير إلى قول الله{والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم} (المعارج24ـ25). - ص228" وإن كنتم في ريب من ذلكم " وفي هذا شيء من قول الله{ إن كنتم في ريب من البعث} (الحج5). - ص237" فلما انسلخ النهار من الليل" وفي هذا شيء من قول الله{ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} (يس37). وجاء فيها" ولا يعصي لي أمراً" يومئ إلى قول الله{ولا أعصي لك أمراً}(الكهف69). - ص238" إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً" وهذا الذي ذكره اليلزجي هو الآية 36 من سورة الإسراء{إن السمع والصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً}وورد فيها" أو يسلكني عذاباً صعداً" وهذا إيماء لقول الله{ يسلكه عذاباً صعداً} (الجن17). وورد فيها أيضاً" فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله" وهذا اقتباس من قول الله{ فتحرير رقية مؤمنة، وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة}(النساء92). - ص241" فلما آنست منهم أُنساً" وفي هذا شيء من قول الله{ فإن آنستم منهم رشداً} (النساء92). وجاء فيها" نور على نور" وهذا من قول الله{ نور على نور} (النور35). - ص243" فإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار" وهذا اقتباس من قول الله{ وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار} (البقرة74). - ص248" وقل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا" وهذا من قول الله{ قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} (التوبة51). - ص250" كان ذلك في الرق المنشور" وفي هذا شيء من قول الله{ في رق منشور} (الطور3). وجاء فيها{ وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} وهذا من الآية 22 من سورة الرعد، والآية20 من سورة الحديد. - ص256" قد كتب ربك على نفسه الرحمة" وهذا إيماء لقوله تعالى{ كتب على نفسه الرحمة} ( الأنعام12). - ص257" فأنخنا كهشيم المحتظر، وإذا الناس كالجراد المنتشر" وكلام اليازجي ذو شقين، الأول " كهشيم المحتظر" وهذا من قوله تعالى{كهشيم المحتظر} (القمر31). والثاني" كالجراد المنتشر" وهو من قوله تعالى{كأنهم جراد منتشر} (القمر7). - ص259" فاخلع إذن ما عليك حتى نعليك" كأن اليازجي نظر إلى قوله تعالى{ فاخلع نعليك} (طه12). - ص260" والله لا يضيع مثقال ذرة" تلمح فيه قول الله{ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره} (الزلزلة7). - ص262" في ناشئة الليل" وهذا شيء من قول الله{إن ناشئة الليل} (المزمل6). وجاء فيها:" قد أًذّن في الناس بالحج فأتوا رجالاً وعلى كل ضامر من كل فج عميق" وهذا إشارة إلى قوله تعالى{وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق} (الحج27). وجاء فيها أيضاً" فلبثنا يوماً أو بعض يوم" وهذا مأخوذ من قول الله{ لبثت يوماً أو بعض يوم} (الكهف19) و(المؤمنون113). - ص264" يضحكون فليلاً ويبكون كثيراً" تلمح فيه قوله تعالى{فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً} (التوبة82). وقال اليازجي:" برحمتك يا أرحم الراحمين" وهذا شيء من قول الله{وأنت أرحم الراحمين} (الأعراف151). وقال أيضاً :" إني إلى ما تريدون أقرب من حبل الوريد" وهذا شيء من قول الله{ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} (ق16). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * موقع الألوكة: (https://www.alukah.net/literature_language/0/372/).0
- مُلَحُ الآيَاتِ القُرْآنِيَّةِ فِي حَيَاةِ سَلَفِنَا العَمَلِيَّةِ *
الكاتب: عِمَاد حَسَن أَبُو العَيْنَيْنِ
لقد تَمَتَّعَ سلفنا الصالح بحسٍّ واعٍ تجاه الآيَّات القرآنية والسنن النبوية، فطبقوها في الحياة العملية، فلم تكن الحياة خارج المسجد بمعزل عنه، ولم تكن الحياة العملية في جانب والدين في جنب آخر، بل كلاهما يكمل الآخر، فكان تفاعلهم مع الآيات القرآنية والسنن النبوية يظهر في حركاتهم وسكناتهم، فهذا عبد الله بن عمر يتفاعل مع قوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران92] "فكان إذا أعجبه شيء من ماله يقربه إلى الله عز وجل وكأن عبيده قد عرفوا ذلك منه فربما لزم أحدهم المسجد فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال أعتقه فيقال له: إنهم يخدعونك، فيقول: من خدعنا لله انخدعنا له، وكان له جارية يحبها كثيرًا فأعتقها وزوجها لمولاه نافع، وقال: إن الله تعالى يقول: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران92]، واشترى مرة بعيرًا فأعجبه لما ركبه فقال: يا نافع أدخله في إبل الصدقة، وأعطاه ابن جعفر في نافع عشرة آلاف فقال أو خيرًا من ذلك؛ هو حُرّ لوجه الله، واشترى مرة غلامًا بأربعين ألفًا وأعتقه فقال الغلام: يا مولاي قد أعتقتني فهَبْ لي شيئًا أعيش به فأعطاه أربعين ألفًا، واشترى مرة خمسة عبيد فقام يصلي فقاموا خلفه يصلون فقال: لمن صليتم هذه الصلاة فقالوا: لله فقال: أنتم أحرار لمن صليتم له فأعتقهم"([1]).
فهذه الآية: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} لو طُبقت في عصرنا هذا لن تجد فقيرًا أو معدمًا بين المسلمين، ولو طبقها عُشر المسلمين فقط؛ لأن العمل بها خارج عن نطاق الزكاة المفروضة إلى باب أوسع وهو باب الصّدقات وساحة أرحب وهي ساحة الإنفاق مما يحبه الإنسان ويستبقيه لخاصة نفسه.
وهذا عليّ بن الحسين يتفاعل مع قوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران134] "قال عبد الرزاق: سكبت جارية لعلي بن الحسين عليه ماء ليتوضأ فسقط الأبريق من يدها على وجهه فشجه فرفع رأسه إليها فقالت الجارية: إن الله يقول والكاظمين الغيظ فقال: قد كظمت غيظي قالت: والعافين عن الناس فقال: عفا الله عنك، فقالت: والله يحب المحسنين، قال: أنت حرة لوجه الله تعالى"([2]).
وهذا عمر بن عبد العزيز يتفاعل مع قوله تعالى: {إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف196] "قيل له وهو على فراش الموت: هؤلاء بنوك -وكانوا اثنى عشر- ألا توصي لهم بشيء فإنهم فقراء؟! فقال: إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، والله لا أعطيهم حقّ أحد، وهم بين رجلين: إما صالح فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح فما كنت لأعينه على فسقه، ولا أبالي في أيِّ واد هلك، ولا أدع له ما يستعين به على معصية الله فأكون شريكه فيما يعمل بعد الموت، ثم استدعى أولاده فودعهم وعزاهم بهذا وأوصاهم بهذا الكلام ثم قال: انصرفوا عصمكم الله وأحسن الخلافة عليكم.
قالوا: فلقد رأينا بعض أولاد عمر بن عبد العزيز يحمل على ثمانين فرسًا في سبيل الله وكان بعض أولاد سليمان بن عبد الملك مع كثرة ما ترك لهم من الأموال يتعاطى ويسأل من أولاد عمر بن عبد العزيز؛ لأن عمر وَكَلَ ولده إلى الله عز وجل وسليمان وغيره إنما يَكِلِوْنَ أولادهم إلى ما يَدَعُوْنَ لهم فيضيعون وتذهب أموالهم في شهوات أولادهم"([3]).
بآية واحدة تفاعل معها عمر بن عبد العزيز في حقّ أبنائه فعصمهم بإذن الله وضمن لهم خيري الدنيا والآخرة، ألا فليعلم المسلمون كيف تكون تربية الذرية؟ وكيف يكون الحرص على الأبناء من وجهة نظر الإسلام؟.
والشعراء أيضًا لهم نصيب من فهم الكتاب والسنة والتعامل مع نصوصهما في واقع الحياة، فهذا الفرزدق الشاعر يتفاعل مع قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء79] "يقال: إنَّ الوليدَ بعث إلى ملك الروم يطلب منه صناعًا في الرخام وغير ذلك؛ ليستعين بهم على عمارة المسجد الأموي بدمشق على ما يريد فبعث ملك الروم إليه صناعًا كثيرة جدًا؛ مائتي صانع وكتب إليه يقول: إن كان أبوك فهم هذا الذي تصنعه وتركه فإنه لوصمة عليك، وإن لم يكن فهمه وفهمت أنت لوصمة عليه، فلما وصل ذلك إلى الوليد أراد أن يجيب عن ذلك واجتمع الناس عنده لذلك فكان فيهم الفرزدق الشاعر فقال: أنا أجيبه يا أمير المؤمنين من كتاب الله قال الوليد: وما هو ويحك؟! فقال: قال الله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} وسليمان هو ابن داود ففهمه الله ما لم يفهمه أبوه فأعجب ذلك الوليد فأرسل به جوابًا إلى ملك الروم وقد قال الفرزدق في ذلك:
فرقت بين النصارى في كنائسهم *** والعابدين مع الأسحار والغنم
وهم جميعًا إذا صلوا وأوجههم *** شتى إذا سجدوا لله والصنم
وكيف يجتمع الناقوس يضربه *** أهل الصليب مع القراء لم تنم
فهمت تحويلها عنهم كما فهما *** إذ يحكمان لهم في الحرث والغنم
داود والملك المهدي إذ جزآ *** ولادها واجتزاز الصوف بالجلم
فهمك الله تحويلا لبيعتهم *** عن مسجد فيه يتلى طيب الكلم
ما من أب حملته الأرض نعمله *** خير بنين ولا خير من الحكم"([4])
وهذا عبد الملك بن مروان الذي بلغت فتوح الدولة الإسلامية في عهده أوجهَا، ينام على فراش الموت ويتفاعل مع قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} "قال أبو مسهر: قيل لعبد الملك في مرض موته كيف تجدك؟ فقال: أجدني كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام94] وقال: يا ليتني كنت قصارًا أعيش من عمل يدي فلما بلغ سعيد بن المسيب قوله قال: الحمد لله الذي جعلهم عند موتهم يفرون إلينا ولا نفر إليهم"([5]).
وإلى القضاة من هذه الأمة وكثير منهم تنكب عن الحق وحاد عنه أسوق ما فعله المهدي الخليفة العباسي من الحكم بالعدل متفاعلاً مع آيات القرآن الكريم "روى الخطيب أن رجلاً استعان المهتدي على خصمه فحكم بينهما بالعدل فأنشأ الرجل يقول:
حكمتموه فقضى بينكم *** أبلج مثل القمر الزاهر
لا يقبل الرشوة في حكمه *** ولا يبالي غبن الخاسر
فقال له المهتدي: أما أنت أيها الرجل فأحسن الله مقالتك ولست أغتر بما قلت وأما أنا فإني ما جلست مجلسي هذا حتى قرأت قوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء47] قال فبكى الناس حوله فما رؤي أكثر باكيا من ذلك اليوم"([6]).
وهذا ميمون بن مهران يتفاعل من آية من كتاب الله، "قال عمر بن ميمون: خرجت بأبي أقوده في بعض سكك البصرة فمررنا بجدول فلم يستَطِعْ الشيخ أن يتخطاه فاضطجعت له فمرَّ على ظهري ثم قمت فأخذت بيده ثم دفعنا إلى منزل الحسن فطرقت الباب فخرجت إلينا جارية سداسيَّة فقالت: من هذا؟ فقلت: هذا ميمون بن مهران أراد لقاء الحسن فقالت: كاتب عمر بن عبد العزيز قلت لها: نعم، قالت: يا شقي ما بقاؤك إلى هذا الزمان السوء، قال: فبكى الشيخ فسمع الحسن بكاءه فخرج إليه فاعتنقا ثم دخلا فقال ميمون: يا أبا سعيد إني قد آنست من قلبي غلظة فاستكنّ لي منه فقرأ الحسن: {أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء205-207] فسقط الشيخ مغشيًّا عليه فرأيته يفحص برجليه كما تفحص الشاة إذا ذُبحت فأقام طويلاً ثم جاءت الجارية فقالت: قد أتعبتم الشيخ قوموا تفرقوا فأخذت بيد أبي فخرجت فقلت: يا أبت أهذا هو الحسن قال: نعم، قلت: قد كنت أحسب في نفسي أنه أكبر من هذا قال: فوكز في صدري وكزة ثم قال: يا بني لقد قرأ علينا آية لو فهمتها بقلبك لألفيت لها فيه كُلُومًا"([7]).
وهذا الحجاج بن يوسف الثقفي وقد كان ظالمًا عتيًّا إلا أنه كان يتأثر بآيات القرآن وينفعل لها ويقدم قول الله على كل قول؛ "قال الهيثم بن عدي: جاء رجل إلى الحجاج فقال: إن أخي خرج مع ابن الأشعث فضُرب على اسمي في الديوان ومُنعت العطاء وقد هدمت داري فقال: الحجاج أما سمعت قول الشاعر:
حنانيك من تجنى عليك وقد *** تعدى الصحاح مبارك الجرب
ولرب مأخوذ بذنب قريبه *** ونجا المقارف صاحب الذنب
فقال الرجل: أيها الأمير إني سمعت الله يقول غير هذا وقول الله أصدق من هذا. قال: وما قال؟!. قال الرجل، قوله تعالى: {قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّـآ إِذًا لَّظَالِمُونَ} [يوسف78-79] قال: يا غلام أعد اسمه في الديوان وابن داره وأعطه عطاءه ومر مناديًا ينادي (صدق الله وكذب الشاعر)" ([8]).
والتفاعل الذي يؤدي إلى هلاك النفس مرفوض؛ وإن كان ثَّم في تراثنا من تأثر وتفاعل مع آيات القرآن فأودى بحياته فهذا وأمثاله مخالف لسنة النبي S، فهذا زُرارة بن أوفى بن حاجب العامري قاضي البصرة كان من كبار علماء أهل البصرة وصلحائها له روايات كثيرة قرأ مرة في صلاة الصبح سورة المدثر فلما بلغ {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} [المدثر8] خَرَّ ميتًا""([9]).
وهذا الزاهد العابد يعقوب الكوفي مات أيضًا من سماع آية، فعن على بن الموفق قال: قال منصور بن عمار: خرجت ذات ليلة وأنا أظن أني قد أصبحت فإذا على ليل فجلست إلى باب صغير وإذا شاب يبكي وهو يقول: وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتك مخالفتك ولكن سوَّلت لى نفسي وغلبتني شقوتي وغرني سترك المرخى عليَّ؛ فالآن من عذابك من يستنقذني، وبحبل من اتصل إن أنت قطعت حبلك عنى، واسوأتاه على ما مضى من أيامي في معصية ربي يا ويلي كم أتوب وكم أعود قد حان لي أن أستحي من ربي عز وجل، قال منصور فقلت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون قال فسمعت صوتًا واضطرابًا شديدًا فذهبت لحاجتي فلما رجعت مررت بذلك الباب فإذا جنازة موضوعة فسألت عنه فإذا ذاك الفتى قد مات من هذه الآية " ([10]).
فالنبي S كان يسمع آيات الله تتلى عليه فيتأثر بها وينفعل لها فيدمع ويبكي ولا يزيد على هذا إلا الخشية والخوف والرجاء والإخبات إلى ربه جل وعلا، أما ما جاء به تراثنا من أن بعض الشواذ ماتوا من سماع آية فهذا مخالف لمنهاج الإسلام.
وهذا سعد بن أبي وقاص "فاتح المدائن؛ بلاد كسرى الفرس، لما هزمهم سكن القصر واتخذ الإيوان مصلى وحين دخله تلا قوله تعالى: {كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ} [الدخان25-29]" ([11]).
وأنا أقول لحكام المسلمين متى ندخل باريس وفيينّا وواشنطن ولندن قائلين: {كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ}.
هذه هي الأجيال التي فتحت الدنيا بأسرها، كان الكتاب والسنة يسير في دمها، مخلوطًا بلحمها وشحمها، أما اليوم فلا تجد حاكمًا ولا محكومًا -إلا من رحم الله- يفقه كتاب الله أو يتفاعل معه في حياته العملية، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.
أسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يبعث لنا من مثلهم نفرًا يشيدون لنا مجدًا أضعناه، وأن ييسر قيام دولة الإسلام في الأرض.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* موقع صيد الفوائد: (https://2u.pw/shhdq).
([1]) البداية والنهاية 9/6.
([2]) مصنف عبد الرزاق 8317.
([3]) البداية والنهاية 9/218.
([4]) البداية والنهاية 9/153.
([5]) انظر الكامل في التاريخ، حوادث سنة 86 ج3.
([6]) انظر الكامل في التاريخ، حوادث سنة 256 ج4.
([7]) البداية والنهاية 9/327.
([8]) البداية والنهاية 9/130.
([9]) العبر في خبر من غبر.
([10]) البداية والنهاية 10/185.
([11]) البداية والنهاية 7/67.مُلَحُ الآيَاتِ القُرْآنِيَّةِ فِي حَيَاةِ سَلَفِنَا العَمَلِيَّةِ * الكاتب: عِمَاد حَسَن أَبُو العَيْنَيْنِ لقد تَمَتَّعَ سلفنا الصالح بحسٍّ واعٍ تجاه الآيَّات القرآنية والسنن النبوية، فطبقوها في الحياة العملية، فلم تكن الحياة خارج المسجد بمعزل عنه، ولم تكن الحياة العملية في جانب والدين في جنب آخر، بل كلاهما يكمل الآخر، فكان تفاعلهم مع الآيات القرآنية والسنن النبوية يظهر في حركاتهم وسكناتهم، فهذا عبد الله بن عمر يتفاعل مع قوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران92] "فكان إذا أعجبه شيء من ماله يقربه إلى الله عز وجل وكأن عبيده قد عرفوا ذلك منه فربما لزم أحدهم المسجد فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال أعتقه فيقال له: إنهم يخدعونك، فيقول: من خدعنا لله انخدعنا له، وكان له جارية يحبها كثيرًا فأعتقها وزوجها لمولاه نافع، وقال: إن الله تعالى يقول: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران92]، واشترى مرة بعيرًا فأعجبه لما ركبه فقال: يا نافع أدخله في إبل الصدقة، وأعطاه ابن جعفر في نافع عشرة آلاف فقال أو خيرًا من ذلك؛ هو حُرّ لوجه الله، واشترى مرة غلامًا بأربعين ألفًا وأعتقه فقال الغلام: يا مولاي قد أعتقتني فهَبْ لي شيئًا أعيش به فأعطاه أربعين ألفًا، واشترى مرة خمسة عبيد فقام يصلي فقاموا خلفه يصلون فقال: لمن صليتم هذه الصلاة فقالوا: لله فقال: أنتم أحرار لمن صليتم له فأعتقهم"([1]). فهذه الآية: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} لو طُبقت في عصرنا هذا لن تجد فقيرًا أو معدمًا بين المسلمين، ولو طبقها عُشر المسلمين فقط؛ لأن العمل بها خارج عن نطاق الزكاة المفروضة إلى باب أوسع وهو باب الصّدقات وساحة أرحب وهي ساحة الإنفاق مما يحبه الإنسان ويستبقيه لخاصة نفسه. وهذا عليّ بن الحسين يتفاعل مع قوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران134] "قال عبد الرزاق: سكبت جارية لعلي بن الحسين عليه ماء ليتوضأ فسقط الأبريق من يدها على وجهه فشجه فرفع رأسه إليها فقالت الجارية: إن الله يقول والكاظمين الغيظ فقال: قد كظمت غيظي قالت: والعافين عن الناس فقال: عفا الله عنك، فقالت: والله يحب المحسنين، قال: أنت حرة لوجه الله تعالى"([2]). وهذا عمر بن عبد العزيز يتفاعل مع قوله تعالى: {إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف196] "قيل له وهو على فراش الموت: هؤلاء بنوك -وكانوا اثنى عشر- ألا توصي لهم بشيء فإنهم فقراء؟! فقال: إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، والله لا أعطيهم حقّ أحد، وهم بين رجلين: إما صالح فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح فما كنت لأعينه على فسقه، ولا أبالي في أيِّ واد هلك، ولا أدع له ما يستعين به على معصية الله فأكون شريكه فيما يعمل بعد الموت، ثم استدعى أولاده فودعهم وعزاهم بهذا وأوصاهم بهذا الكلام ثم قال: انصرفوا عصمكم الله وأحسن الخلافة عليكم. قالوا: فلقد رأينا بعض أولاد عمر بن عبد العزيز يحمل على ثمانين فرسًا في سبيل الله وكان بعض أولاد سليمان بن عبد الملك مع كثرة ما ترك لهم من الأموال يتعاطى ويسأل من أولاد عمر بن عبد العزيز؛ لأن عمر وَكَلَ ولده إلى الله عز وجل وسليمان وغيره إنما يَكِلِوْنَ أولادهم إلى ما يَدَعُوْنَ لهم فيضيعون وتذهب أموالهم في شهوات أولادهم"([3]). بآية واحدة تفاعل معها عمر بن عبد العزيز في حقّ أبنائه فعصمهم بإذن الله وضمن لهم خيري الدنيا والآخرة، ألا فليعلم المسلمون كيف تكون تربية الذرية؟ وكيف يكون الحرص على الأبناء من وجهة نظر الإسلام؟. والشعراء أيضًا لهم نصيب من فهم الكتاب والسنة والتعامل مع نصوصهما في واقع الحياة، فهذا الفرزدق الشاعر يتفاعل مع قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء79] "يقال: إنَّ الوليدَ بعث إلى ملك الروم يطلب منه صناعًا في الرخام وغير ذلك؛ ليستعين بهم على عمارة المسجد الأموي بدمشق على ما يريد فبعث ملك الروم إليه صناعًا كثيرة جدًا؛ مائتي صانع وكتب إليه يقول: إن كان أبوك فهم هذا الذي تصنعه وتركه فإنه لوصمة عليك، وإن لم يكن فهمه وفهمت أنت لوصمة عليه، فلما وصل ذلك إلى الوليد أراد أن يجيب عن ذلك واجتمع الناس عنده لذلك فكان فيهم الفرزدق الشاعر فقال: أنا أجيبه يا أمير المؤمنين من كتاب الله قال الوليد: وما هو ويحك؟! فقال: قال الله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} وسليمان هو ابن داود ففهمه الله ما لم يفهمه أبوه فأعجب ذلك الوليد فأرسل به جوابًا إلى ملك الروم وقد قال الفرزدق في ذلك: فرقت بين النصارى في كنائسهم *** والعابدين مع الأسحار والغنم وهم جميعًا إذا صلوا وأوجههم *** شتى إذا سجدوا لله والصنم وكيف يجتمع الناقوس يضربه *** أهل الصليب مع القراء لم تنم فهمت تحويلها عنهم كما فهما *** إذ يحكمان لهم في الحرث والغنم داود والملك المهدي إذ جزآ *** ولادها واجتزاز الصوف بالجلم فهمك الله تحويلا لبيعتهم *** عن مسجد فيه يتلى طيب الكلم ما من أب حملته الأرض نعمله *** خير بنين ولا خير من الحكم"([4]) وهذا عبد الملك بن مروان الذي بلغت فتوح الدولة الإسلامية في عهده أوجهَا، ينام على فراش الموت ويتفاعل مع قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} "قال أبو مسهر: قيل لعبد الملك في مرض موته كيف تجدك؟ فقال: أجدني كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام94] وقال: يا ليتني كنت قصارًا أعيش من عمل يدي فلما بلغ سعيد بن المسيب قوله قال: الحمد لله الذي جعلهم عند موتهم يفرون إلينا ولا نفر إليهم"([5]). وإلى القضاة من هذه الأمة وكثير منهم تنكب عن الحق وحاد عنه أسوق ما فعله المهدي الخليفة العباسي من الحكم بالعدل متفاعلاً مع آيات القرآن الكريم "روى الخطيب أن رجلاً استعان المهتدي على خصمه فحكم بينهما بالعدل فأنشأ الرجل يقول: حكمتموه فقضى بينكم *** أبلج مثل القمر الزاهر لا يقبل الرشوة في حكمه *** ولا يبالي غبن الخاسر فقال له المهتدي: أما أنت أيها الرجل فأحسن الله مقالتك ولست أغتر بما قلت وأما أنا فإني ما جلست مجلسي هذا حتى قرأت قوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء47] قال فبكى الناس حوله فما رؤي أكثر باكيا من ذلك اليوم"([6]). وهذا ميمون بن مهران يتفاعل من آية من كتاب الله، "قال عمر بن ميمون: خرجت بأبي أقوده في بعض سكك البصرة فمررنا بجدول فلم يستَطِعْ الشيخ أن يتخطاه فاضطجعت له فمرَّ على ظهري ثم قمت فأخذت بيده ثم دفعنا إلى منزل الحسن فطرقت الباب فخرجت إلينا جارية سداسيَّة فقالت: من هذا؟ فقلت: هذا ميمون بن مهران أراد لقاء الحسن فقالت: كاتب عمر بن عبد العزيز قلت لها: نعم، قالت: يا شقي ما بقاؤك إلى هذا الزمان السوء، قال: فبكى الشيخ فسمع الحسن بكاءه فخرج إليه فاعتنقا ثم دخلا فقال ميمون: يا أبا سعيد إني قد آنست من قلبي غلظة فاستكنّ لي منه فقرأ الحسن: {أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء205-207] فسقط الشيخ مغشيًّا عليه فرأيته يفحص برجليه كما تفحص الشاة إذا ذُبحت فأقام طويلاً ثم جاءت الجارية فقالت: قد أتعبتم الشيخ قوموا تفرقوا فأخذت بيد أبي فخرجت فقلت: يا أبت أهذا هو الحسن قال: نعم، قلت: قد كنت أحسب في نفسي أنه أكبر من هذا قال: فوكز في صدري وكزة ثم قال: يا بني لقد قرأ علينا آية لو فهمتها بقلبك لألفيت لها فيه كُلُومًا"([7]). وهذا الحجاج بن يوسف الثقفي وقد كان ظالمًا عتيًّا إلا أنه كان يتأثر بآيات القرآن وينفعل لها ويقدم قول الله على كل قول؛ "قال الهيثم بن عدي: جاء رجل إلى الحجاج فقال: إن أخي خرج مع ابن الأشعث فضُرب على اسمي في الديوان ومُنعت العطاء وقد هدمت داري فقال: الحجاج أما سمعت قول الشاعر: حنانيك من تجنى عليك وقد *** تعدى الصحاح مبارك الجرب ولرب مأخوذ بذنب قريبه *** ونجا المقارف صاحب الذنب فقال الرجل: أيها الأمير إني سمعت الله يقول غير هذا وقول الله أصدق من هذا. قال: وما قال؟!. قال الرجل، قوله تعالى: {قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّـآ إِذًا لَّظَالِمُونَ} [يوسف78-79] قال: يا غلام أعد اسمه في الديوان وابن داره وأعطه عطاءه ومر مناديًا ينادي (صدق الله وكذب الشاعر)" ([8]). والتفاعل الذي يؤدي إلى هلاك النفس مرفوض؛ وإن كان ثَّم في تراثنا من تأثر وتفاعل مع آيات القرآن فأودى بحياته فهذا وأمثاله مخالف لسنة النبي S، فهذا زُرارة بن أوفى بن حاجب العامري قاضي البصرة كان من كبار علماء أهل البصرة وصلحائها له روايات كثيرة قرأ مرة في صلاة الصبح سورة المدثر فلما بلغ {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} [المدثر8] خَرَّ ميتًا""([9]). وهذا الزاهد العابد يعقوب الكوفي مات أيضًا من سماع آية، فعن على بن الموفق قال: قال منصور بن عمار: خرجت ذات ليلة وأنا أظن أني قد أصبحت فإذا على ليل فجلست إلى باب صغير وإذا شاب يبكي وهو يقول: وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتك مخالفتك ولكن سوَّلت لى نفسي وغلبتني شقوتي وغرني سترك المرخى عليَّ؛ فالآن من عذابك من يستنقذني، وبحبل من اتصل إن أنت قطعت حبلك عنى، واسوأتاه على ما مضى من أيامي في معصية ربي يا ويلي كم أتوب وكم أعود قد حان لي أن أستحي من ربي عز وجل، قال منصور فقلت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون قال فسمعت صوتًا واضطرابًا شديدًا فذهبت لحاجتي فلما رجعت مررت بذلك الباب فإذا جنازة موضوعة فسألت عنه فإذا ذاك الفتى قد مات من هذه الآية " ([10]). فالنبي S كان يسمع آيات الله تتلى عليه فيتأثر بها وينفعل لها فيدمع ويبكي ولا يزيد على هذا إلا الخشية والخوف والرجاء والإخبات إلى ربه جل وعلا، أما ما جاء به تراثنا من أن بعض الشواذ ماتوا من سماع آية فهذا مخالف لمنهاج الإسلام. وهذا سعد بن أبي وقاص "فاتح المدائن؛ بلاد كسرى الفرس، لما هزمهم سكن القصر واتخذ الإيوان مصلى وحين دخله تلا قوله تعالى: {كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ} [الدخان25-29]" ([11]). وأنا أقول لحكام المسلمين متى ندخل باريس وفيينّا وواشنطن ولندن قائلين: {كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ}. هذه هي الأجيال التي فتحت الدنيا بأسرها، كان الكتاب والسنة يسير في دمها، مخلوطًا بلحمها وشحمها، أما اليوم فلا تجد حاكمًا ولا محكومًا -إلا من رحم الله- يفقه كتاب الله أو يتفاعل معه في حياته العملية، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون. أسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يبعث لنا من مثلهم نفرًا يشيدون لنا مجدًا أضعناه، وأن ييسر قيام دولة الإسلام في الأرض. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * موقع صيد الفوائد: (https://2u.pw/shhdq). ([1]) البداية والنهاية 9/6. ([2]) مصنف عبد الرزاق 8317. ([3]) البداية والنهاية 9/218. ([4]) البداية والنهاية 9/153. ([5]) انظر الكامل في التاريخ، حوادث سنة 86 ج3. ([6]) انظر الكامل في التاريخ، حوادث سنة 256 ج4. ([7]) البداية والنهاية 9/327. ([8]) البداية والنهاية 9/130. ([9]) العبر في خبر من غبر. ([10]) البداية والنهاية 10/185. ([11]) البداية والنهاية 7/67.0
- كيف تتدبر القرآن (خطوات عملية) *
الكاتب: عمر بن عبد المجيد البيانوني
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ القرآن العظيم لا تنقضي عجائبُه، ولا تُحصَى معانِيهِ وفوائدُه، فهو كلامُ اللهِ العليمِ الخبيرِ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولهذا حثنا اللهُ سبحانَهُ على قراءته وتدبره، ففي تدبُّرِ القرآنِ والعملِ بِهِ شفاءٌ للفردِ وللمجتمع من أمراضه الحسية والمعنوية، وتلبيةٌ لحاجاتِهِ الدنيوية والأخروية، قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) فالله الذي خلق عباده هو أعلم بما يصلحهم، قال تعالى: (ألا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، وقال سبحانه: (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ).
فمَنْ عَرَفَ فَضْلَ القرآنِ تلهَّفَ إليه تَلَهُّفَ الظمآنِ إلى الماء، والزُّروعِ إلى السَّماء، والمريضِ إلى الشفاء، والغريقِ إلى الهواء، والمسجونِ إلى الحرية والفضاء..
والذي يعيش بدون القرآن والعمل به والاستهداء بهديه، فإنَّ حياتَه (كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ).
وقد بيَّنَ اللهُ سبحانَهُ الغايةَ من إنزالِ القرآنِ فقال سبحانه: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، فالتفكر في آيات الله والتدبر لها يوصل إلى الهداية بكتاب الله (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ).
فتدبر القرآن هو مفتاحٌ للعلوم والمعارف، وبه يزداد الإيمان في القلب. وكلما ازداد العبد تأملاً فيه ازداد علماً وعملاً وبصيرة.
وقد نعى الله على المشركين إعراضَهم عن القرآن وعدمَ استفادَتِهم من عِبَره وهديه فقال سبحانه: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ).
إِنَّ تدبر القرآن هو التأمُّلُ لفهم المعنى، والتوصُّلُ إلى معرفةِ مقاصدِ الآياتِ وأهدافها، وما ترمي إليه من المعاني والحِكَمِ والأحكام، وذلك بقصد الانتفاع بما فيها من العلم والإيمان، والاهتداء بها والامتثال بما تدعو إليه..
ولكن كيف يمكن تدبر القرآن الكريم؟ هناك خُطُواتٌ عمليةٌ ووسائلُ تعين على تدبر القرآن الكريم، منها:
1ـ تنويرُ البصيرةِ بالإقبالِ على الله تعالى والقُرْبِ مما يحبُّه الله والامتثالِ لأمره، والابتعادِ عما نهى عنه، قال سبحانه: (وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ)، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً)، فالعلمُ نورٌ، والمعصيةُ ظُلْمَةٌ، ولا بدَّ لمن يريدُ النورَ أنْ يبتعدَ عن كلِّ ما فيه ظُلْمَة، فكلما ابتعدَ المسلمُ عن المعاصي كان أقربَ إلى التوفيقِ والسداد.
2ـ ومما يعين على تدبر القرآن: استشعارُ عَظَمَةِ القرآنِ وذلك باليقينِ التام بأنك مع القرآن حيٌّ وبدونه ميت، ومع القرآن مُبْصِرٌ وبدونه أعمى، ومع القرآنِ مُهْتَدٍ وبدونه ضَال.
والاستشعارُ بأن القرآن كلام الله تعالى وأنه رسائلُ أرسَلَها الله إلى عباده لهدايتهم لأفضل السُّبُل التي فيها نفعهم في الدنيا والآخرة، فالإسلام هو أكملُ نظامٍ عرفته البشرية لإصلاح الناس، وخيرُ ما يعبِّرُ عن الإسلام هو القرآن العظيم.
فالقرآن شفاءٌ من أمراض الشهوات والشبهات، والقرآن يعطي منهجاً سليماً في الحياة ويُصْلِحُ الفردَ والمجتمع.
وكيف لا يَسْتَشْعِرُ عَظَمَةَ القرآن مَنْ عَرَفَ أنَّ القرآنَ هو كلامُ الله تعالى، فإذا كان القرآنُ هو كلامُ اللهِ سبحانه فإنَّ فضلَ القرآنِ على سائر الكلام كفضلِ اللهِ تعالى على خلقه.
لقد وصف الله تعالى تأثُّرَ المؤمنين بالقرآن فقال سبحانه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً)، وقال تعالى: (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ).
فقد وَصَفَ اللهُ المؤمنين الذين يخشونه بأنهم تَقْشَعِرُّ جلودُهُم من هذا القرآن الكريم تعظيماً له، وذلك الذي بعثهم على الخضوع له والانقياد، ولذلك قال بعدها: (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ). فالتدبر لا يكون إلا بالتعظيم لله ولكتابه العظيم.
3ـ ومن الوسائل التي تعين على تدبر القرآن: أنْ يَحْسَبَ أنه هو المخاطب بالقرآن الكريم، فماذا لو حَسِبَ كلٌّ منَّا أنَّ القرآن قد أنزل عليه، وأنه هو المخاطب به، فكيف سيَتَلَقَّى رسائلَهُ ومواعظَهُ، وأوامرَهُ ونواهيَهُ، فما أنفسَها وما أعظمَها مِنْ رسائلَ قالها الخالقُ العظيمُ لخلقه وعباده الذين لا يعرفون من الخير إلا ما عرَّفهم به ربهم، ولا نجاة لهم من الشرور والآثام إلا بابتعادهم عما نهى الله عنه.
قال الحسن بن علي رضي الله عنهما: (إنَّ مَنْ كان قَبْلَكُمْ رأوا القرآنَ رسائلَ مِنْ ربِّهِمْ، فكانوا يتدبَّرونها بالليل، ويَتَفَقَّدُونَها في النهار).
4ـ ومن الوسائل المعينة على التدبر: معرفةُ أنَّ القرآنَ لا تنقضي عجائبُهُ، فلا يَقْتَصِرُ على ما وردَ في تفسيرِ الآية، بل يُعْمِلُ الفِكْرَ والنَّظَرَ ويَتَأمَّلُ في الآياتِ وما تَدُلُّ عليه، وبهذا تُفْهَمُ الآيةُ على أوسع معانِيها التي تدل عليها، ولا تُقْصَرُ الآيةُ على معنىً واحدٍ من المعاني، فالآيةُ تُفهم على معانٍ كثيرةٍ لا تعارض بينها، فمعرفةُ سببِ النزولِ يُفِيدُنَا في فهم الآية، لكنه لا يعني قَصْرَ مَفْهُومِ الآيةِ على ما وَرَدَ في سبب النزول، فالعبرةُ بعمومِ اللفظِ لا بخصوصِ السبب، فيُمْكِنُ أنْ تُحمَلَ الآيةُ على الكثيرِ من المعاني الحقيقية والمجازية التي تُفْهَمُ من الآية، ويَسمح بها التركيب، إذا لم يكن هناك تعارضٌ بين هذه المعاني.
5ـ ومما يعين على التدبر: تَكْرارُ الآيةِ وتَرديدُها، والعَوْدَةُ المُتَجَدِّدَةُ للآياتِ، فذلك له أثرٌ عظيمٌ في حضورِ القلبِ واستحضارِ الآياتِ والتأثُّرِ بها..
ففي التَّكْرَارِ تقريرٌ للمعاني في النفس، وتثبيتٌ لها في الصدر، وسكينةٌ وطمأنينةٌ للقلب.
وقد ورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف من بعده، عن أَبي ذَرٍّ أن النَّبِيَّ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ قَامَ بِآيَةٍ يُرَدِّدُهَا حَتَّى أَصْبَحَ وهي قوله تعالى: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). رواه النسائي وابن ماجه.
وقال بعض السلف: إني لأفتتحُ السورةَ، فَيُوقِفُنِي بعضُ ما أشْهَدُ فيها عَنِ الفراغِ منها، حتى يطلعَ الفجرُ .
وعن الحسن أنه ردَّدَ في ليلة حتى أصبحَ قولَ اللهِ تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)، فقيل له في ذلك؟ فقال: إن فيها مُعْتَبَراً، مانرفع طَرْفاً ولا نَرُدُّهُ إلا وَقَعَ على نِعمَةٍ، وما لا نعلمه من نِعَمِ اللهِ أكثر).
و قام تميمٌ الداريُّ في ليلة بهذه الآية: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ).
وقَالَ مُحَمَّدُ بنُ عَوْفٍ: رَأَيْتُ أَحْمَدَ بنَ أَبِي الحَوَارِيِّ، بعد أن صَلَّى العَتَمَةَ، قَامَ يُصَلِّي، فَاسْتَفْتَحَ بِـ (الحَمْدُ للهِ) إِلَى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ)، فَطُفْتُ الحَائِطَ كُلَّهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَإِذَا هُوَ لا يُجَاوِزُهَا، ثُمَّ نِمْتُ، وَمَرَرْتُ فِي السَّحَرِ وَهُوَ يَقْرَأُ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ). فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا إِلَى الصُّبْحِ.
وقرأ عامرُ بنُ عبد قيس في ليلة سورة غافر، فلما انتهى إلى هذه الآية: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ)، لَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا حتى أصبح.
وقال عَبَّادُ بْنُ حَمْزَةَ: دَخَلْتُ عَلَى أَسْمَاءَ وَهِيَ تَقْرَأُ: (فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ)، قَالَ: «فَوَقَفَتْ عَلَيْهَا، فَجَعَلَتْ تَسْتَعِيذُ وَتَدْعُو» قَالَ عَبَّادٌ: فَذَهَبْتُ إِلَى السُّوقِ، فَقَضَيْتُ حَاجَتِي، ثُمَّ رَجَعْتُ وَهِيَ فِيهَا بَعْدُ تَسْتَعِيذُ وَتَدْعُو.
6ـ ومما يعين على تدبر القرآن: التفاعل مع الآيات بالسؤال والتعوذ والاستغفار ونحوِهِ عند مناسبة ذلك، فذلك يعين على حضور القلب عند التلاوة.
وهكذا كان هدي النبي عليه الصلاة والسلام، فقد وصف حُذَيْفَةُ رضي الله عنه قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بأنه: (يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ). رواه مسلم.
وقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ قَرَأَ مِنْكُمْ (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) ، فَانْتَهَى إِلَى آخِرِهَا: (أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) ، فَلْيَقُلْ: بَلَى، وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ . وَمَنْ قَرَأَ : (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) ، فَانْتَهَى إِلَى: (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى)، فَلْيَقُلْ: بَلَى. وَمَنْ قَرَأَ: (وَالْمُرْسَلاَتِ)، فَبَلَغَ: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) ، فَلْيَقُلْ : آمَنَّا بِاللهِ. رواه أبو داود والبيهقي في السنن الكبرى.
وقال جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَةَ الرَّحْمَنِ حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ قَالَ: (مَا لِي أَرَاكُمْ سُكُوتاً، لَلْجِنُّ كَانُوا أَحْسَنَ مِنْكُمْ رَدّاً مَا قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ مِنْ مَرَّةٍ: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) إلا قَالُوا: وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ فَلَكُ الْحَمْدُ. رواه الترمذي، والبيهقي في شعب الإيمان وفي دلائل النبوة.
وقَالَ حُسَيْنٌ الْكَرَابِيسِيُّ: بِتُّ مَعَ الشَّافِعِيِّ فَكَانَ يُصَلِّي نَحْوَ ثُلُثِ اللَّيْلِ وَمَا رَأَيْتُهُ يَزِيدُ عَلَى خَمْسِينَ آيَةً فَإِذَا أَكْثَرَ فَمِائَةٌ وَكَانَ لا يَمُرُّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إلا سَألَ اللهَ لِنَفْسِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ أَجْمَعِينَ، وَلا يَمُرُّ بِآيَةِ عَذَابٍ إلا تَعَوَّذَ بِاللهِ مِنْهُ، وَسَألَ النَّجَاةَ لِنَفْسِهِ وَلِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، فَكَأَنَّمَا جُمِعَ لَهُ الرَّجَاءُ وَالرَّهْبَةُ مَعاً.
فالمؤمنُ عندما يَمُرُّ على آياتِ الوعيدِ يَخَافُ أنْ يَكُونَ داخلاً فيها، ويَسألُ اللهَ السلامةَ من ذلك، وعند ذِكْرِ المغفرةِ والرحمةِ يَستبشرُ ويَفرَحُ ويَسألُ اللهَ أنْ يكونَ مِنْ أهلِ ذلك.
وعند ذِكْرِ اللهِ وصفاتِهِ وأسمائِهِ تتملَّكُهُ المحبةُ للهِ والهيبةُ له والخضوعُ لجلالِهِ وعَظَمَتِهِ.
7ـ ومن وسائل التدبر: القراءةُ بتأنٍ وهدوء، والتفاعلُ مع الآيات بحضور القلب، وإلقاء السمع، وإمعان النظر، وإعمال العقل. فلا يكون هَمُّهُ الإكثارَ من القراءة بدون تأمُّلٍ وفَهْمٍ لما يقرؤه.
8ـ ومن الوسائل التي تعين على التدبر: الاطلاع على ما ورد في تفسير الآية والعودة إلى فهم السلف للآية وتدبرهم لها وتعاملهم معها.
9ـ ومن وسائل التدبر: فهمُ اللغةِ العربيةِ التي نزل بها القرآن ومعرفة معاني الكلمات ودَِلالاتها، وما توحي إليه من اللطائف والظلال، فالقرآن نزل بلسان عربي مبين، فكلما ازداد الإنسان معرفة باللغة العربية استطاع أن يفهم القرآن بطريقة أفضل، وأدرك مِنْ بلاغته وإعجازه ما يُحَرِّكُ القلوبَ ويُبْهِرُ الألباب.
10ـ ومما يعين على التدبر: أنْ يربطَ الإنسانُ بين آياتِ القرآنِ والواقعِ الذي يعيشُهُ، ويجعلَ من الآيات منطلقاً لإصلاح حياتِه وواقعِه، وميزاناً لمن حوله وما يحيط به.
وذلك من غير تكلُّفٍ وتمحُّل في إنزال الآيات على الواقع.
11ـ ومن وسائل التدبر: التأمُّلُ في سِياقِ الآيةِ، والسياقُ يتكونُ مِنَ السِّبَاقِ واللحاقِ، فالسِّباقُ هو ما قبل الآية، واللحاق هو ما بعد الآية.
وبما أنَّ ترتيبَ الآياتِ والسُّوَرِ هو توقيفيٌّ من الله تعالى، فلا بد أن يكون هناك الكثيرُ من الحِكَمِ والأسرارِ في هذا الترتيب، ولهذا اهتمَّ العلماءُ بعلمِ المناسباتِ بينَ الآياتِ بعضِهَا مع بعض، وكذلك بين السُّورةِ مع غيرِهَا من السُّوَر في القرآن الكريم.
12ـ ومما يعين على التدبر: التساؤل، وذلك بأنْ يسألَ القارئُ نفسَهُ، لماذا ابتُدِئتِ السورةُ أو الآيةُ بذلك واختُتِمَتْ بذلك؟ ولماذا جاءتْ بهذا السياق؟ ولماذا هذه اللفظةُ دونَ غيرِهَا؟ وغير ذلك من التساؤلات.. والتساؤل بماذا يمكنُ أنْ أعمَلَ بهذه الآياتِ.
وبهذا يَأخذُ العِبَرَ من القَصَصِ والأمثالِ وغيرِ ذلك، ويَمتثلُ بما في القرآنِ مِنْ أمرٍ ونهي.
فالتساؤلُ يُثِيرُ الفِكْرَ والنَّظَرَ عند الإنسان، ويحفِّزُهُ على البحث عن معنى الآية ودَِلالاتها، ويُرَسِّخُ المعنى في الذهن.
13ـ ومما يعين على التدبر أنْ يَعْرِضَ المؤمنُ نفسَهُ على كتاب الله، فينظرَ في صفات المؤمنين هل هو من المتصفين بها، وفي صفات المنافقين والكافرين هل هو بعيد عنها، أم أنه يتصف بشيء منها، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ كَانَ جَالِساً يَوْماً فَعَرَضَتْ لَهُ هَذِهِ الْآيَةُ: (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) فَانْتَبَهَ فَقَالَ: عَلَيَّ بِالْمُصْحَفِ، لِأَلْتَمِسَ ذِكْرِي اليَومَ حَتَّى أَعْلَمَ مَعَ مَنْ أَنَا وَمَنْ أُشْبِهُ، فَنَشَرَ المُصْحَفَ فَمَرَّ بِقَوْمٍ: (كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ. وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)، وَمَرَّ بِقَوْمٍ: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)، وَمَرَّ بِقَوْمٍ: (يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) قَالَ: فَوَقَفَ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ لَسْتُ أَعْرِفُ نَفْسِي هَهُنَا. ثُمَّ أَخَذَ فِي السَّبِيلِ الآخَرِ، فَمَرَّ بِقَوْمٍ: (إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ)، وَمَرَّ بِقَوْمٍ: (إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)، وَمَرَّ بِقَوْمٍ يُقَالُ لَهُمْ: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرٍ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ). قَالَ: فَوَقَفَ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ هَؤُلَاءِ. قَالَ: فَمَا زَالَ يُقَلِّبُ الْوَرَقَ وَيَلْتَمِسُ حَتَّى وَقَعَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أنا مِنْ هَؤُلَاءِ.
فهكذا يقرأ المؤمنُ القرآنَ ليرى أينَ هُوَ مِنَ الامتثالِ بالصفاتِ التي يَمدَحُهَا القرآنُ، وأينَ هو من الابتعادِ عن الصفاتِ المذمومةِ فيه.
وصلَّى اللهُ على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً والحمدُ للهِ ربِّ العَالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* موقع صيد الفوائد: (https://2u.pw/EHj7V).كيف تتدبر القرآن (خطوات عملية) * الكاتب: عمر بن عبد المجيد البيانوني بسم الله الرحمن الرحيم إنَّ القرآن العظيم لا تنقضي عجائبُه، ولا تُحصَى معانِيهِ وفوائدُه، فهو كلامُ اللهِ العليمِ الخبيرِ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولهذا حثنا اللهُ سبحانَهُ على قراءته وتدبره، ففي تدبُّرِ القرآنِ والعملِ بِهِ شفاءٌ للفردِ وللمجتمع من أمراضه الحسية والمعنوية، وتلبيةٌ لحاجاتِهِ الدنيوية والأخروية، قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) فالله الذي خلق عباده هو أعلم بما يصلحهم، قال تعالى: (ألا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، وقال سبحانه: (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ). فمَنْ عَرَفَ فَضْلَ القرآنِ تلهَّفَ إليه تَلَهُّفَ الظمآنِ إلى الماء، والزُّروعِ إلى السَّماء، والمريضِ إلى الشفاء، والغريقِ إلى الهواء، والمسجونِ إلى الحرية والفضاء.. والذي يعيش بدون القرآن والعمل به والاستهداء بهديه، فإنَّ حياتَه (كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ). وقد بيَّنَ اللهُ سبحانَهُ الغايةَ من إنزالِ القرآنِ فقال سبحانه: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، فالتفكر في آيات الله والتدبر لها يوصل إلى الهداية بكتاب الله (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ). فتدبر القرآن هو مفتاحٌ للعلوم والمعارف، وبه يزداد الإيمان في القلب. وكلما ازداد العبد تأملاً فيه ازداد علماً وعملاً وبصيرة. وقد نعى الله على المشركين إعراضَهم عن القرآن وعدمَ استفادَتِهم من عِبَره وهديه فقال سبحانه: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ). إِنَّ تدبر القرآن هو التأمُّلُ لفهم المعنى، والتوصُّلُ إلى معرفةِ مقاصدِ الآياتِ وأهدافها، وما ترمي إليه من المعاني والحِكَمِ والأحكام، وذلك بقصد الانتفاع بما فيها من العلم والإيمان، والاهتداء بها والامتثال بما تدعو إليه.. ولكن كيف يمكن تدبر القرآن الكريم؟ هناك خُطُواتٌ عمليةٌ ووسائلُ تعين على تدبر القرآن الكريم، منها: 1ـ تنويرُ البصيرةِ بالإقبالِ على الله تعالى والقُرْبِ مما يحبُّه الله والامتثالِ لأمره، والابتعادِ عما نهى عنه، قال سبحانه: (وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ)، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً)، فالعلمُ نورٌ، والمعصيةُ ظُلْمَةٌ، ولا بدَّ لمن يريدُ النورَ أنْ يبتعدَ عن كلِّ ما فيه ظُلْمَة، فكلما ابتعدَ المسلمُ عن المعاصي كان أقربَ إلى التوفيقِ والسداد. 2ـ ومما يعين على تدبر القرآن: استشعارُ عَظَمَةِ القرآنِ وذلك باليقينِ التام بأنك مع القرآن حيٌّ وبدونه ميت، ومع القرآن مُبْصِرٌ وبدونه أعمى، ومع القرآنِ مُهْتَدٍ وبدونه ضَال. والاستشعارُ بأن القرآن كلام الله تعالى وأنه رسائلُ أرسَلَها الله إلى عباده لهدايتهم لأفضل السُّبُل التي فيها نفعهم في الدنيا والآخرة، فالإسلام هو أكملُ نظامٍ عرفته البشرية لإصلاح الناس، وخيرُ ما يعبِّرُ عن الإسلام هو القرآن العظيم. فالقرآن شفاءٌ من أمراض الشهوات والشبهات، والقرآن يعطي منهجاً سليماً في الحياة ويُصْلِحُ الفردَ والمجتمع. وكيف لا يَسْتَشْعِرُ عَظَمَةَ القرآن مَنْ عَرَفَ أنَّ القرآنَ هو كلامُ الله تعالى، فإذا كان القرآنُ هو كلامُ اللهِ سبحانه فإنَّ فضلَ القرآنِ على سائر الكلام كفضلِ اللهِ تعالى على خلقه. لقد وصف الله تعالى تأثُّرَ المؤمنين بالقرآن فقال سبحانه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً)، وقال تعالى: (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ). فقد وَصَفَ اللهُ المؤمنين الذين يخشونه بأنهم تَقْشَعِرُّ جلودُهُم من هذا القرآن الكريم تعظيماً له، وذلك الذي بعثهم على الخضوع له والانقياد، ولذلك قال بعدها: (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ). فالتدبر لا يكون إلا بالتعظيم لله ولكتابه العظيم. 3ـ ومن الوسائل التي تعين على تدبر القرآن: أنْ يَحْسَبَ أنه هو المخاطب بالقرآن الكريم، فماذا لو حَسِبَ كلٌّ منَّا أنَّ القرآن قد أنزل عليه، وأنه هو المخاطب به، فكيف سيَتَلَقَّى رسائلَهُ ومواعظَهُ، وأوامرَهُ ونواهيَهُ، فما أنفسَها وما أعظمَها مِنْ رسائلَ قالها الخالقُ العظيمُ لخلقه وعباده الذين لا يعرفون من الخير إلا ما عرَّفهم به ربهم، ولا نجاة لهم من الشرور والآثام إلا بابتعادهم عما نهى الله عنه. قال الحسن بن علي رضي الله عنهما: (إنَّ مَنْ كان قَبْلَكُمْ رأوا القرآنَ رسائلَ مِنْ ربِّهِمْ، فكانوا يتدبَّرونها بالليل، ويَتَفَقَّدُونَها في النهار). 4ـ ومن الوسائل المعينة على التدبر: معرفةُ أنَّ القرآنَ لا تنقضي عجائبُهُ، فلا يَقْتَصِرُ على ما وردَ في تفسيرِ الآية، بل يُعْمِلُ الفِكْرَ والنَّظَرَ ويَتَأمَّلُ في الآياتِ وما تَدُلُّ عليه، وبهذا تُفْهَمُ الآيةُ على أوسع معانِيها التي تدل عليها، ولا تُقْصَرُ الآيةُ على معنىً واحدٍ من المعاني، فالآيةُ تُفهم على معانٍ كثيرةٍ لا تعارض بينها، فمعرفةُ سببِ النزولِ يُفِيدُنَا في فهم الآية، لكنه لا يعني قَصْرَ مَفْهُومِ الآيةِ على ما وَرَدَ في سبب النزول، فالعبرةُ بعمومِ اللفظِ لا بخصوصِ السبب، فيُمْكِنُ أنْ تُحمَلَ الآيةُ على الكثيرِ من المعاني الحقيقية والمجازية التي تُفْهَمُ من الآية، ويَسمح بها التركيب، إذا لم يكن هناك تعارضٌ بين هذه المعاني. 5ـ ومما يعين على التدبر: تَكْرارُ الآيةِ وتَرديدُها، والعَوْدَةُ المُتَجَدِّدَةُ للآياتِ، فذلك له أثرٌ عظيمٌ في حضورِ القلبِ واستحضارِ الآياتِ والتأثُّرِ بها.. ففي التَّكْرَارِ تقريرٌ للمعاني في النفس، وتثبيتٌ لها في الصدر، وسكينةٌ وطمأنينةٌ للقلب. وقد ورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف من بعده، عن أَبي ذَرٍّ أن النَّبِيَّ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ قَامَ بِآيَةٍ يُرَدِّدُهَا حَتَّى أَصْبَحَ وهي قوله تعالى: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). رواه النسائي وابن ماجه. وقال بعض السلف: إني لأفتتحُ السورةَ، فَيُوقِفُنِي بعضُ ما أشْهَدُ فيها عَنِ الفراغِ منها، حتى يطلعَ الفجرُ . وعن الحسن أنه ردَّدَ في ليلة حتى أصبحَ قولَ اللهِ تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)، فقيل له في ذلك؟ فقال: إن فيها مُعْتَبَراً، مانرفع طَرْفاً ولا نَرُدُّهُ إلا وَقَعَ على نِعمَةٍ، وما لا نعلمه من نِعَمِ اللهِ أكثر). و قام تميمٌ الداريُّ في ليلة بهذه الآية: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ). وقَالَ مُحَمَّدُ بنُ عَوْفٍ: رَأَيْتُ أَحْمَدَ بنَ أَبِي الحَوَارِيِّ، بعد أن صَلَّى العَتَمَةَ، قَامَ يُصَلِّي، فَاسْتَفْتَحَ بِـ (الحَمْدُ للهِ) إِلَى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ)، فَطُفْتُ الحَائِطَ كُلَّهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَإِذَا هُوَ لا يُجَاوِزُهَا، ثُمَّ نِمْتُ، وَمَرَرْتُ فِي السَّحَرِ وَهُوَ يَقْرَأُ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ). فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا إِلَى الصُّبْحِ. وقرأ عامرُ بنُ عبد قيس في ليلة سورة غافر، فلما انتهى إلى هذه الآية: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ)، لَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا حتى أصبح. وقال عَبَّادُ بْنُ حَمْزَةَ: دَخَلْتُ عَلَى أَسْمَاءَ وَهِيَ تَقْرَأُ: (فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ)، قَالَ: «فَوَقَفَتْ عَلَيْهَا، فَجَعَلَتْ تَسْتَعِيذُ وَتَدْعُو» قَالَ عَبَّادٌ: فَذَهَبْتُ إِلَى السُّوقِ، فَقَضَيْتُ حَاجَتِي، ثُمَّ رَجَعْتُ وَهِيَ فِيهَا بَعْدُ تَسْتَعِيذُ وَتَدْعُو. 6ـ ومما يعين على تدبر القرآن: التفاعل مع الآيات بالسؤال والتعوذ والاستغفار ونحوِهِ عند مناسبة ذلك، فذلك يعين على حضور القلب عند التلاوة. وهكذا كان هدي النبي عليه الصلاة والسلام، فقد وصف حُذَيْفَةُ رضي الله عنه قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بأنه: (يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ). رواه مسلم. وقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ قَرَأَ مِنْكُمْ (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) ، فَانْتَهَى إِلَى آخِرِهَا: (أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) ، فَلْيَقُلْ: بَلَى، وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ . وَمَنْ قَرَأَ : (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) ، فَانْتَهَى إِلَى: (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى)، فَلْيَقُلْ: بَلَى. وَمَنْ قَرَأَ: (وَالْمُرْسَلاَتِ)، فَبَلَغَ: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) ، فَلْيَقُلْ : آمَنَّا بِاللهِ. رواه أبو داود والبيهقي في السنن الكبرى. وقال جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَةَ الرَّحْمَنِ حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ قَالَ: (مَا لِي أَرَاكُمْ سُكُوتاً، لَلْجِنُّ كَانُوا أَحْسَنَ مِنْكُمْ رَدّاً مَا قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ مِنْ مَرَّةٍ: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) إلا قَالُوا: وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ فَلَكُ الْحَمْدُ. رواه الترمذي، والبيهقي في شعب الإيمان وفي دلائل النبوة. وقَالَ حُسَيْنٌ الْكَرَابِيسِيُّ: بِتُّ مَعَ الشَّافِعِيِّ فَكَانَ يُصَلِّي نَحْوَ ثُلُثِ اللَّيْلِ وَمَا رَأَيْتُهُ يَزِيدُ عَلَى خَمْسِينَ آيَةً فَإِذَا أَكْثَرَ فَمِائَةٌ وَكَانَ لا يَمُرُّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إلا سَألَ اللهَ لِنَفْسِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ أَجْمَعِينَ، وَلا يَمُرُّ بِآيَةِ عَذَابٍ إلا تَعَوَّذَ بِاللهِ مِنْهُ، وَسَألَ النَّجَاةَ لِنَفْسِهِ وَلِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، فَكَأَنَّمَا جُمِعَ لَهُ الرَّجَاءُ وَالرَّهْبَةُ مَعاً. فالمؤمنُ عندما يَمُرُّ على آياتِ الوعيدِ يَخَافُ أنْ يَكُونَ داخلاً فيها، ويَسألُ اللهَ السلامةَ من ذلك، وعند ذِكْرِ المغفرةِ والرحمةِ يَستبشرُ ويَفرَحُ ويَسألُ اللهَ أنْ يكونَ مِنْ أهلِ ذلك. وعند ذِكْرِ اللهِ وصفاتِهِ وأسمائِهِ تتملَّكُهُ المحبةُ للهِ والهيبةُ له والخضوعُ لجلالِهِ وعَظَمَتِهِ. 7ـ ومن وسائل التدبر: القراءةُ بتأنٍ وهدوء، والتفاعلُ مع الآيات بحضور القلب، وإلقاء السمع، وإمعان النظر، وإعمال العقل. فلا يكون هَمُّهُ الإكثارَ من القراءة بدون تأمُّلٍ وفَهْمٍ لما يقرؤه. 8ـ ومن الوسائل التي تعين على التدبر: الاطلاع على ما ورد في تفسير الآية والعودة إلى فهم السلف للآية وتدبرهم لها وتعاملهم معها. 9ـ ومن وسائل التدبر: فهمُ اللغةِ العربيةِ التي نزل بها القرآن ومعرفة معاني الكلمات ودَِلالاتها، وما توحي إليه من اللطائف والظلال، فالقرآن نزل بلسان عربي مبين، فكلما ازداد الإنسان معرفة باللغة العربية استطاع أن يفهم القرآن بطريقة أفضل، وأدرك مِنْ بلاغته وإعجازه ما يُحَرِّكُ القلوبَ ويُبْهِرُ الألباب. 10ـ ومما يعين على التدبر: أنْ يربطَ الإنسانُ بين آياتِ القرآنِ والواقعِ الذي يعيشُهُ، ويجعلَ من الآيات منطلقاً لإصلاح حياتِه وواقعِه، وميزاناً لمن حوله وما يحيط به. وذلك من غير تكلُّفٍ وتمحُّل في إنزال الآيات على الواقع. 11ـ ومن وسائل التدبر: التأمُّلُ في سِياقِ الآيةِ، والسياقُ يتكونُ مِنَ السِّبَاقِ واللحاقِ، فالسِّباقُ هو ما قبل الآية، واللحاق هو ما بعد الآية. وبما أنَّ ترتيبَ الآياتِ والسُّوَرِ هو توقيفيٌّ من الله تعالى، فلا بد أن يكون هناك الكثيرُ من الحِكَمِ والأسرارِ في هذا الترتيب، ولهذا اهتمَّ العلماءُ بعلمِ المناسباتِ بينَ الآياتِ بعضِهَا مع بعض، وكذلك بين السُّورةِ مع غيرِهَا من السُّوَر في القرآن الكريم. 12ـ ومما يعين على التدبر: التساؤل، وذلك بأنْ يسألَ القارئُ نفسَهُ، لماذا ابتُدِئتِ السورةُ أو الآيةُ بذلك واختُتِمَتْ بذلك؟ ولماذا جاءتْ بهذا السياق؟ ولماذا هذه اللفظةُ دونَ غيرِهَا؟ وغير ذلك من التساؤلات.. والتساؤل بماذا يمكنُ أنْ أعمَلَ بهذه الآياتِ. وبهذا يَأخذُ العِبَرَ من القَصَصِ والأمثالِ وغيرِ ذلك، ويَمتثلُ بما في القرآنِ مِنْ أمرٍ ونهي. فالتساؤلُ يُثِيرُ الفِكْرَ والنَّظَرَ عند الإنسان، ويحفِّزُهُ على البحث عن معنى الآية ودَِلالاتها، ويُرَسِّخُ المعنى في الذهن. 13ـ ومما يعين على التدبر أنْ يَعْرِضَ المؤمنُ نفسَهُ على كتاب الله، فينظرَ في صفات المؤمنين هل هو من المتصفين بها، وفي صفات المنافقين والكافرين هل هو بعيد عنها، أم أنه يتصف بشيء منها، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ كَانَ جَالِساً يَوْماً فَعَرَضَتْ لَهُ هَذِهِ الْآيَةُ: (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) فَانْتَبَهَ فَقَالَ: عَلَيَّ بِالْمُصْحَفِ، لِأَلْتَمِسَ ذِكْرِي اليَومَ حَتَّى أَعْلَمَ مَعَ مَنْ أَنَا وَمَنْ أُشْبِهُ، فَنَشَرَ المُصْحَفَ فَمَرَّ بِقَوْمٍ: (كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ. وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)، وَمَرَّ بِقَوْمٍ: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)، وَمَرَّ بِقَوْمٍ: (يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) قَالَ: فَوَقَفَ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ لَسْتُ أَعْرِفُ نَفْسِي هَهُنَا. ثُمَّ أَخَذَ فِي السَّبِيلِ الآخَرِ، فَمَرَّ بِقَوْمٍ: (إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ)، وَمَرَّ بِقَوْمٍ: (إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)، وَمَرَّ بِقَوْمٍ يُقَالُ لَهُمْ: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرٍ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ). قَالَ: فَوَقَفَ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ هَؤُلَاءِ. قَالَ: فَمَا زَالَ يُقَلِّبُ الْوَرَقَ وَيَلْتَمِسُ حَتَّى وَقَعَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أنا مِنْ هَؤُلَاءِ. فهكذا يقرأ المؤمنُ القرآنَ ليرى أينَ هُوَ مِنَ الامتثالِ بالصفاتِ التي يَمدَحُهَا القرآنُ، وأينَ هو من الابتعادِ عن الصفاتِ المذمومةِ فيه. وصلَّى اللهُ على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً والحمدُ للهِ ربِّ العَالمين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * موقع صيد الفوائد: (https://2u.pw/EHj7V).0
- بيان السنة للقرآن *
الكاتب: د. محمود بن أحمد الدوسري
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَنْ لا نبيَّ بعده:
ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ السنة النبوية قد اكتسبت عظمَتَها وعلوَّ مكانتها، بل وشرعيةَ وجودها، واستمرارَها وحِفْظَها من الضياع، كلُّ هذا اكتسبته من ارتباطها بالقرآن الكريم، حيث ضَمِنَ لها هذا الارتباط الوثيق خلودَها وبقاءَها ما بقيت السماوات والأرض؛ إذْ هي الشارحةُ لكتاب الله، والمُبيِّنةُ لأحكامه، والمُفصِّلةُ لِمُجمَلِه، والناسخةُ لبعض آياته؛ كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن ثَمَّ، فقد نالت بفضل ارتباطها بكتاب الله عظمةً ذاتيَّة، تُضاف إلى عناصر عظمتها المُتعدِّدة، وقد عرف السلف الصالح لها مكانتها، فصانوها وجَمَعوها ووَعَوها، وقدَّموها على اجتهاداتهم وآرائهم وقياسهم.
يقول ابن القيم - رحمه الله - مبيِّناً عِظَمَ منزلة السنة من القرآن: (كان السَّلَفُ الطَّيِّبُ يَشْتَدُّ نَكِيرُهُمْ وَغَضَبُهُمْ على مَنْ عَارَضَ حَدِيثَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِرَأْيٍ أو قِيَاسٍ أو اسْتِحْسَانٍ أو قَوْلِ أَحَدٍ من الناس كَائِنًا مَنْ كان، وَيَهْجُرُونَ فَاعِلَ ذلك، وَيُنْكِرُونَ على مَنْ يَضْرِبُ له الأَمْثَالَ، وَلاَ يُسَوِّغُونَ غير الانْقِيَادِ له وَالتَّسْلِيمِ وَالتَّلَقِّي بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَلاَ يَخْطُرُ بِقُلُوبِهِمْ التَّوَقُّفُ في قَبُولِهِ حتى يَشْهَدَ له عَمَلٌ أو قِيَاسٌ أو يُوَافِقَ قَوْلَ فُلاَنٍ وَفُلاَنٍ بَلْ كَانُوا عَامِلِينَ بِقَوْلِهِ تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ [الأحزاب: 36] )[1].
ولقد ذهب أبو أيوب السختياني - رحمه الله - إلى أنَّ مَنَ عطَّل السُّنةَ فقد عطَّل القرآن، في قوله: (إذا سمعتَ أحدَهم يقول: لا نريدُ إلاَّ القرآنَ! فذاك حين ترك القرآنَ)[2].
فهذا العالِم الجليل يبين هنا حقيقة واضحة ناصعة وهي: أن من ترك السنة فهو في حقيقته تارك للقرآن نفسه؛ لأن القرآن يأمر بالأخذ من السُّنة.
ونفى ابن القيم - رحمه الله - التعارض بين النصوص الشرعية، ومَنْ ظنَّ ذلك فهو لسوء فهمه، فقال[3]:
ونُصوصُهُ ليست تُعارِضُ بعضها
بعضاً فَسَلْ عنها عليمَ زمانِ
وإذا ظننتَ تعارُضاً فيها فذا
مِنْ آفةِ الأفهامِ والأذهانِ
أو أنْ يكونَ البعضُ ليس بثابتٍ
ما قالَهُ المبعوثُ بالقرآنِ
عظمة السنة في بيانها للقرآن:
السُّنة النبوية خير بيانٍ للقرآن الكريم؛ لأنها وحي من الله تعالى كالقرآن، بل إن علاقة السُّنة بالقرآن علاقة البيان، وهذا البيان له أنواع متعددة، حَصَرَها ابن القيم - رحمه الله - في ثلاثة أقسام رئيسة، فقال - ما مُلخَّصه: (السُّنة مع القرآن على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن توافقه من كلِّ وجهٍ، فيكون من باب توارد الأدلة.
ثانيها: أن تكون بياناً لِمَا أُريد بالقرآن
ثالثها: أن تكون دالةً على حُكم سكت عنه القرآن، وهذا الثالث يكون حُكْمًا مُبتدأً من النبي صلى الله عليه وسلم فتجب طاعته فيه، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يُطاع إلاَّ فيما وافق القرآن، لم تكن له طاعةٌ خاصَّة، وقد قال تعالى: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ [النساء: 80]. وقد تناقَضَ مَنْ قال: أنه لا يُقبل الحُكْمُ الزائد على القرآن إلاَّ أن كان مُتواتراً أو مشهوراً)[4]. فالسنة إما أنْ تؤكِّد ما جاء في القرآن، أو تُبيِّنه، أو تستقل بتأسيس أحكام لم يُسْبَقْ لها ذِكرٌ في القرآن.
ولولا بيان السُّنة للقرآن لبقيت هناك نصوص وآيات يعجز البشر عن فهم معاني الغالبية العظمى منها، ولَعَجَزوا كذلك عن استنباط الأحكام الشرعية منها؛ لأن القرآن الكريم فيه الأصول العامة للأحكام الشرعية من العبادات والمعاملات والأخلاق وغيرها، وجاءت مُحكمَةً لكنها تحتاج إلى ما يوضِّح معانيها، ويبيِّن مجملها، فالقرآن هو الدستور الجامع للقوانين العامة، والمُؤصِّل للأحكام الشرعية، بينما السنة هي القوانين والتفريعات المستفادة من هذا الدستور الإلهي والتي لم تخرج عنه، ولم تحدْ قيد أنملة عن منهجه، وكيف ومصدرهما واحد؛ كما قال سبحانه: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ [النساء: 78]، فكلاهما وحيٌ من عند الله تعالى.
قال ابن كثير - رحمه الله: (عليك بالسُّنة؛ فإنها شارحة للقرآن، ومُوَضِّحة له)[5].
وقال الشاطبي - رحمه الله: (فإنَّ الأدلة قد تأتي في معانٍ مختلفة، ولكن يشملها معنى واحد شبيه بالأمر في المصالح المرسلة والاستحسان، فتأتي السُّنة بمقتضى ذلك المعنى الواحد، فَيُعْلَمُ أو يُظَنُّ أن ذلك المعنى مأخوذ من مجموع تلك الأفراد بناء على صحة الدليل الدال على أنَّ السُّنة إنما جاءت مُبيِّنة للكتاب)[6].
النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن لفظَ القرآن ومعناه:
قال الألباني - رحمه الله - في تعليقه على قوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ [النحل: 44]: (والذي أراه أنَّ هذا البيانَ المذكور في هذه الآية الكريمة يشتمل على نوعين من البيان:
الأول: بيان اللفظِ ونظمِه، وهو تبليغُ القرآن، وعدمُ كتمانه، وأداؤه إلى الأُمَّة، كما أنزله الله تبارك وتعالى على قلبه صلى الله عليه وسلم، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾ [المائدة: 67]، وقد قالت السيدة عائشة - رضي الله عنها - في حديث لها: "ومَنْ حدَّثكم أنَّ محمداً كَتَمَ شيئاً أُمِرَ بتبليغه، فقد أعظمَ على اللهِ الفِرْيَةَ. ثم تلت الآية المذكورة " [أخرجه الشيخان][7]. وفي روايةٍ لمسلم: " لو كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كاتِماً شيئاً أُمِرَ بتبليغِه لكتَمَ قولَه تعالى: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ﴾ [الأحزاب: 37][8].
والآخر: بيانُ معنى اللفظِ أو الجُملةِ أو الآيةِ الذي تحتاج الأُمَّةُ إلى بيانه، وأكثرُ ما يكون ذلك في الآيات المُجملة، أو العامة، أو المُطْلَقة، فتأتي السُّنة فتُوَضِّح المُجْمَلَ، وتُخَصِّص العام، وتقيِّد المُطْلق، وذلك يكون بقوله صلى الله عليه وسلم كما يكون بفعلِه وإقرارِه)[9].
والله تعالى يقول لنبيِّه الكريم صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ [النحل: 44]. فالله تعالى أوكل مهمة تبيين هذا الذِّكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، (والذِّكر: اسمٌ واقِعٌ على كلِّ ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن، أو من سنةِ وحيٍّ يُبيِّن بها القرآن)[10]، ويشمل بيان السُّنة للقرآن توضيح المعاني، وتفصيل المُجمل، وهو ما نُفصِّله في الفرعين التاليين:
الفرع الأول: توضيح المعاني:
إنَّ ممَّا يقتضيه العقل السليم، والفهم القويم أنَّ حامل الرسالة أجدر الناس على توضيح مضمونها وبيان مرادها؛ ولذلك هو أحقُّ الناس بالقيام بهذه المُهمة، حيث اختاره مَنْ حَمَّلَه الرسالة لِعِلمِه بقدرته على حملِها، وهذا أمر معلوم بالضرورة في دنيا البشر.
وعلى هذا؛ فإنَّ أحقَّ الناس ببيان مراد الله تعالى إنما هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجدرَ الناس على فهم القرآن، وإيضاح معانيه إنما هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذْ أنه اصْطِفاءُ ربِّ العالمين على خلقه أجمعين، فأيَّده وأعانه وهداه وأوحى إليه بما يُمَكِّنه من توضيح معاني القرآن الكريم، وبيان مرادِه عز وجل.
وقد فطن علماء الإسلام إلى ذلك، فلم يتعدوا حدودَهم، ولم يتجاوزوا قدرَهم مع نبيِّهم، فقدَّموا قولَه وسُنَّته في فهم معاني القرآن على قولهم أو رأيهم، بل وجعلوا هذا منهجاً لهم في التعامل مع كتاب الله، وها هو الحافظ ابن كثير يذكر أحسن طرق التفسير فيقول:
(فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟
فالجواب: إنَّ أصح الطرق في ذلك أن يُفسَّر القرآن بالقرآن، فما أُجْمِل في مكان فإنه قد بُسط في موضِع آخر، فإنْ أعياك ذلك فعليك بالسُّنة؛ فإنها شارحة للقرآن ومُوَضِّحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي - رحمه الله تعالى: كلُّ ما حَكَمَ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فهو ممَّا فهمه من القرآن. قال الله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ﴾ [النساء: 105]، وقال تعالى:﴿ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾[النحل: 64]، وقال تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 44]، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ)[11]. يعني: السُّنة.
والسُّنة أيضاً تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن، إلاَّ أنها لا تُتلى كما يُتلى القرآن، وقد استدل الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك.
والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمِنَ السُّنة)[12].
ولنتأمل في قول جابر - رضي الله عنه - وهو يصف حجَّ النبي صلى الله عليه وسلم: (فَصَلَّى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في الْمَسْجِدِ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حتى إذا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ على الْبَيْدَاءِ نَظَرْتُ إلى مَدِّ بَصَرِي بين يَدَيْهِ من رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذلك، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذلك، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذلك، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بين أَظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ، وهو يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وما عَمِلَ بِهِ من شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ...)[13].
نماذج من توضيح السُّنة لمعاني القرآن:
نأخذ بعض الآيات كنماذج تُبيِّن أنه لا يُمكن فهمُها فهماً صحيحاً على مراد الله تعالى إلاَّ من طريق السُّنة[14]:
الآية الأُولى: قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: ٨٢].
فَهِمَ الصَّحابة الكرام - رضي الله عنهم - قولَه ﴿ بِظُلْمٍ ﴾ على عمومِ ظاهرِه، الذي يشمل كلَّ ظُلمٍ، ولو كان صغيراً، ولذلك استشكلوا الآية، وَقَالُوا: أَيُّنَا لم يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إنَّه لَيْسَ بذلك، ألا تَسْمَعُونَ إلى قَوْلِ لُقْمَانَ: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13] )[15].
وهاهم الصحابة - رضي الله عنهم - مع فضلهم، وسعة علمهم، وقلة تكلفهم، وصحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم إلاَّ أنهم لم يفهموا الآية على مراد الله تعالى، ولولا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم صحح لهم معنى الآية لاستمرَّ الخطأ إلى يومنا هذا، وتبعناهم في هذا الخطأ، ومن هنا ندرك أهمية السُّنة في توضيح بعض معاني القرآن المُلتبسة على الناس.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [النساء: 101].
إنَّ ظاهر الآية الكريمة يقتضي أنَّ قصر الصلاة في السفر مشروطٌ له الخوف؛ ولذا لمَّا سأل بعضُ الصحابة رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن قصر الصلاة في حالة الأمن، قال: (صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ)[16].
فقد وضَّحت السُّنة اللَّبس الذي سيقع في مفهوم الآية، وقطعت كثيراً من الخلاف الذي سيترتب على ذلك بين العلماء؛ لأن بعضهم سيأخذ الآية على ظاهرها ويشترط الخوف في السفر لقصر الصلاة، وبعضهم سيكون له رأي آخر، لكن السُّنة هنا حسمت مادة الخلاف المُتوقَّعة، فقطع الله دابر الخلاف بقول النبي صلى الله عليه وسلم وبفعله، فقصر صلى الله عليه وسلم الصلاةَ وقصر الصحابة معه.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ... ﴾ [المائدة: 3].
وضحَّت السُّنة وبيَّنت أنَّ ثمَّة ميتة حلالاً؛ كميتة الجراد والحوت، ودماً حلالاً؛ كالكبد والطحال، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ)[17].
فتأمل كيف وضَّحت وبيَّنت لنا السُّنة النبوية أموراً لم نكن لندركها لولا بيان النبي صلى الله عليه وسلم وسُنَّتِه، والتي تدل على كونها وحياً من عند الله تعالى؛ إذْ ليس من سُلطة النبيِّ أنْ يُحِلَّ أو يُحرِّم من عند نفسه، وإنما هو مُبلِّغ عن ربِّه، وهذا من التيسير على العباد، والحمد لله ربِّ العباد.
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿ قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ [الأنعام: 145].
جاءت السُّنة المباركة بالبيان والتوضيح فحرَّمت أشياءَ لم تُذْكرْ في الآية الكريمة؛ فعن ابن عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قال: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ)[18]. ومِثل قولِه صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عن لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا رِجْسٌ)[19].
فلو لم يأخذ الناس بسنة النبي صلى الله عليه وسلم لاستحلوا ما حرمه الله تعالى، على لسان نبيِّه صلى الله عليه وسلم؛ من السِّباع، وذوات المخالب من الطير، ولحوم الحُمُر الأهلية، ونحوها.
الآية الخامسة: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ ﴾ [الأعراف: 32]. ظاهر الآية يقتضي بأنَّ كلَّ زينةٍ أخرجها الله تعالى لعباده فهي حلال ليس في استعمالها حرج، وهذا الظاهر بيَّنته ووضَّحته السُّنة؛ عندما أَخَذَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَرِيرًا بِشِمَالِهِ، وَذَهَبًا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ رَفَعَ بِهِمَا يَدَيْهِ، فقال: (إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ على ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لإِنَاثِهِمْ)[20].
فقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم ووضَّح أنَّ من الزينة ما هو محرَّم على الذُّكور دون الإناث، وهذا من توضيح السُّنة للقرآن.
الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾ [الحجرات: 12].
وضَّحت السُّنة معنى الغِيبة في الآية؛ كما جاء عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: (أَتَدْرُونَ ما الْغِيبَةُ؟) قالوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قال: (ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ). قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إنْ كانَ في أَخِي ما أَقُولُ؟ قال: (إنْ كانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فيه فَقَدْ بَهَتَّهُ)[21].
الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿ يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ [الطلاق: 1].
وضَّحت السُّنة الأحكام التي تضمَّنتها هذه الآية، وكيفية طلاق النساء على مراد الله تعالى؛ كما جاء عن عبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما؛ (أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَةً له وهي حَائِضٌ، تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، فَأَمَرَهُ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يُمْسِكَهَا حتى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حتى تَطْهُرَ من حَيْضَتِهَا، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا حين تَطْهُرُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَامِعَهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ التي أَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لها النِّسَاءُ)[22].
وقَلَّ أنْ تقرأ آيةً إلاَّ وتجد في شرحها حديثاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان المراد منها، أو بيان معانيها، أو بيان أحكامها، أو غير ذلك من أوجه البيان.
الفرع الثاني: تفصيل المُجمَل:
ما ورد في القرآن مُجمَلاً [23] من الأحكام والشرائع تولَّت السُّنة تفصيلَه، ووضَّحت دلالته وبيَّنت مراد الله منه، وأزالت الغموض الذي يكتنف مُشكِلَه، وهو في القرآن كثير؛ كالأمر بالصلاة والزكاة والصوم والحج، ونحوه مما أُجمِل في القرآن، ولا يُعرف تفسير ما جاء مجملاً في مثل هذه الفرائض إلاَّ بالرجوع إلى سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد خاطبه الله تعالى بقوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 44]، فالله تعالى أنزل القرآن على نبيِّه الكريم صلى الله عليه وسلم، ثم ذَكَرَ الغايةَ المطلوبةَ من إنزال القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾؛ أي: لتُبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم في القرآن من العقائد، والأحكام، والعبادات، والمعاملات، والآداب، تُبيِّنه للناس بقولك وفِعلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم مُبيِّنٌ عن الله تعالى مرادَه مما أجمله في كتابه العزيز من أحكام الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك، مما ليس للعقول مجالُ لإعمال الرأي فيه؛ لأنه لا يُدرك إلاَّ بواسطة الوحي.
وفي ذلك يقول الإمام الشاطبي - رحمه الله: (بيَّنت السُّنة ما أُجمل ذِكرُه من الأحكام في الكتاب، إمَّا بحسب كيفيات العمل، أو أسبابه أو شروطه أو موانعه أو لواحقه أو ما أشبه ذلك؛ كبيانها للصلوات على اختلافها في مواقيتها وركوعها وسجودها وسائر أحكامها، وبيانها للزكاة في مقاديرها وأوقاتها ونُصُبِ الأموال المُزكَّاة وتعيين ما يُزكَّى ممَّا لا يزكى، وبيان أحكام الصوم وما فيه مما لم يقع النص عليه في الكتاب، وكذلك الطهارة الحدثِيَّة والخَبَثِيَّة، والحج، والذبائح، والصيد وما يؤكل مِمَّا لا يؤكل، والأنكحة وما يتعلق بها من الطلاق والرجعة والظهار واللعان، والبيوع وأحكامها، والجنايات من القصاص وغيره، كلُّ ذلك بيانٌ لما وقع مُجْمَلاً في القرآن)[24].
وأكد ذلك السيوطي - رحمه الله - بقوله: (وقد يقع التَّبيين بالسُّنة؛ مثل: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [البقرة: 43]، ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ﴾ [آل عمران: 97]، وقد بيَّنت السُّنة أفعال الصلاة والحج، ومقادير نُصُب الزكوات في أنواعها)[25].
إذاً ورد ذِكْرُ العبادات مُجملة في كتاب الله تعالى، ومنها الأركان الخمسة، دون بيانٍ مُفصَّل لكيفيَّة أدائها، وبيان وقت أدائها، وبيان المقدار أو العدد، وعلى مَنْ تجب، وشروط الصحة، وغير ذلك، وتكفَّلت السُّنة ببيان كل الجوانب التي لم تُذكر في القرآن.
وخذ مثلاً لفظ (الصلاة) في القرآن، ورد ذِكره ثمانٍ وخمسين مرة، في خمسٍ وخمسين آية، ولا تكاد الآيات القرآنية تتعدَّى الأمر بإقامة الصلاة، والترغيب في التطوع فيها، أو وصف مَنْ يُؤدِّيها، ومع ذلك لم يرد فيها بيان أوقاتها بالتحديد والتفصيل بداية ونهاية، ولا عدد ركعات كل صلاة، ولا أركان وسنن كل ركعة، ولا بيان الصلوات المفروضة والمسنونة والنافلة، ولا كيفية الصلاة، ولا مُبطلاتها، ولا كيفية الطهارة لها، وشروط ذلك ونحوه، مما بيَّنته السُّنة ووضَّحته، وقُلْ مِثل ذلك في الزكاة والصوم والحج، وسائر العبادات والمعاملات، وتشريعات الأسرة، وأحكام الحرب، والسِّلم، والحكم، والاقتصاد، ونحوها[26].
كلُّ هذا إنما ورد من طريق السنة النبوية: القولية أو الفعلية أو التقريرية، وأجمعت الأُمَّة قاطبة على قبوله والعمل بمقتضاه؛ إيماناً منها بأنَّ ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم إنما بأمرِ ربِّه ووحيِه، وليس للاجتهاد أو الرأي فيه سبيل، ولولا السُّنة لَجَهِل الناس أمْرَ العبادات، والجاهلُ يُعذر لجهله، فلا حساب عليه ولا وزر، وهذا يعني نُقصانَ دين الله، وحاشا لله. فالله قد أتمَّ دينَه وأكملَ نعمتَه، وأبان شرعَه على لسان نبيه وسُنَّته، وعلى هذا استقرَّ أمر سلف هذه الأمة وتابَعَهم الخلف إلى يوم القيامة، ومن ذلك:
شاهد على تفصيل السُّنة لمُجمَل القرآن:
ها هو الصحابي الجليل عمران بن حصين - رضي الله عنه - يردُّ على مَنْ يدَّعي الاستغناءَ عن السُّنة؛ فعن الحسن قال: بينما عِمرانُ بنُ حُصينٍ - رضي الله عنه - جالس وعنده أصحاب له يُحدِّثهم، فقال رجل: لا تُحَدِّثُنا إلاَّ بالقرآن، أو لا نريدُ إلاَّ القرآن، فقال: أرأيتَ لو وُكِلْتَ أنتَ وأصحابُك إلى القرآن، أكنتَ تجدُ صلاةَ الظهر أربعاً وصلاة العصر أربعاً؟ وصلاة المغرب ثلاثاً يقرأ في الركعتين الأُوليين، أرأيتَ لو وُكِلْتَ أنت وأصحابُك إلى القرآن، أكنتَ تجدُ في كلِّ مائتين خمسة؟ وفي الإبل كذا وكذا، وفي البقر كذا وكذا؟ أرأيتَ لو وُكِلْتَ أنت وأصحابُك إلى القرآن، أكنتَ تجد الطوافَ بالبيت سبعاً؟ وبين الصفا والمروة كذا وكذا)[27].
ونستنبط من خلال هذا الموقف عدة أمور، ومنها:
1- عدم تكلُّف عِمرانَ بنِ حصينٍ - رضي الله عنه - في الرَّد عليهم.
2- استخدامُه مَنطِقَ العقل في إقناعهم من خلال توجيه أسئلة تعجيزية لا تحتمل إلاَّ ردًّا واحداً، هو المراد في ذاته.
3- بُعْدُه عن التعنيفِ والتأنيبِ والانفعالِ الذي قد يفرِّغ القضيةَ من مضمونها، ولا يزيد المُخالفَ إلاَّ تمسُّكاً برأيه وتعنُّتاً.
4- تحوُّله من موقفِ المدافع إلى موقف المهاجم، فهو لم يُدافع عن السُّنة ومكانتِها، وضرورةِ اتِّباعها، وأتى بالأدلة المُؤيِّدة لرأيه، وإنما اتَّخذ موقفاً مُهاجماً من خلال توجيه الأسئلة إليهم.
قال الشاطبي - رحمه الله: (لا ينبغي في الاستنباط من القرآن؛ الاقتصارُ عليه دون النظر في شرحه وبيانه، وهو السُّنة؛ لأنه إذا كان كلِّيًّا وفيه أمور كُليَّة؛ كما في شأن الصلاة والزكاة والحج والصوم ونحوها، فلا محيصَ عن النَّظر في بيانه)[28].
(إن هذا النوع فقط من أنواع بيان السُّنة للقرآن الكريم - وهو تفصيل المُجمَل - يؤكِّد في جلاءٍ ووضوحٍ؛ أنَّ القرآن الكريم محتاجٌ إلى السُّنة الشريفة، كما يُثبِت في يقينٍ؛ أنه لولا السُّنة لَضَاعَ القرآن - بعدم فهمه - وهذا ما يهدف إليه أعداؤنا حينما يُشكِّكون في السُّنة الشريفة)[29].
فالمُخطَّط واضح وظاهر؛ فيبدؤون بِفَصْلِ السُّنة عن القرآن بِحُجَّة إعلاء شأن القرآن، وتمسُّكِهم به، وحُبِّهم له، وأنَّ السُّنة قد أصابها ما أصابها من التحريف أو الوضع أو الضياع، فهم بذلك يصونون القرآن، فإذا سُلِّم لهم بذلك، واستقرَّ لهم الأمر، اتَّجهوا إلى تأويل القرآن بعقولهم، فيُفرغوه من مضمونه، ويَبْعُدوا به عن مراده، فالقرآن مَقصِدُهم أولاً وأخيراً، والقرآن مُرادهم أولاً وأخيراً لهدم الدِّين، ولكن يأبى الله تعالى إلاَّ أنْ يحفظ كتابَه، ويدحر أعداءه، ويردَّ كيدهم في نحورهم؛ فقيَّض لِحِفْظِ السُّنة سادةً أعلاماً، وجهابذةً أفذاذاً، ردُّوا عنها كيدَ الحاقدين، وانتحالَ المُبطلين، وتحريفَ الغالين، فبقيت السُّنة عزيزةً كريمة، شاهدةً على حِفظِ اللهِ سبحانه لهذا الدِّين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* موقع الألوكة: (https://2u.pw/Oez3l).
[1] إعلام الموقعين، (4/ 244).
[2] رواه الهروي في (ذم الكلام)، (2/ 59)، (رقم212).
[3] الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية، (ص592).
[4] إعلام الموقعين، (2/ 308) بتصرف واختصار؛ فتح الباري، (13/ 238).
[5] تفسير ابن كثير، (1/ 4).
[6] الموافقات، (4/ 47، 48).
[7] رواه البخاري، (4/ 1686)، (رقم4336)؛ ومسلم، واللفظ له، (1/ 159)، (رقم177).
[8] رواه مسلم، (1/ 160)، (رقم177).
[9] منزلة السنة في الإسلام، (ص6،7).
[10] الإحكام في أصول الأحكام، (1/ 115).
[11] سبق تخريجه، (ص14).
[12] تفسير ابن كثير، (1/ 4).
[13] رواه مسلم، (2/ 887)، (ح1218).
[14] انظر: منزلة السنة في الإسلام، (ص8-10).
[15] رواه البخاري، (6/ 2523)، (ح6520).
[16] رواه مسلم، (1/ 487)، (ح686).
[17] رواه أحمد في (المسند)، (2/ 97)، (ح5723)؛ وعبد بن حميد في (مسنده)، (ص260)، (ح820)؛ وابن ماجه، (2/ 1073)، (ح3218). وصححه الألباني في (صحيح سنن ابن ماجه)، (3/ 129)، (ح2695).
[18] رواه مسلم، (3/ 1534)، (ح1934).
[19] رواه البخاري، (5/ 2103)، (ح5208)؛ ومسلم، (3/ 1540)، (ح1940).
[20] رواه عبد الرزاق في (مصنفه)، (5/ 152)، (ح24659)؛ وابن ماجه، (2/ 1189)، (ح3595). وصححه الألباني في صحيح (سنن ابن ماجه)، (3/ 197)، (ح2912).
[21] رواه مسلم، (4/ 2001)، (ح2589).
[22] رواه البخاري، (4/ 1864)، (ح4625)، ومسلم، واللفظ له، (2/ 1093)، (ح1471).
[23] (المُجمَل): المجمل في اللغة ضد المُفسَّر، مشتق من الجَمْل، وهو الخلط، ويراد به ما أفاد جملةً من الأشياء، ومنه يقال: أجملتُ الحسابَ إجمالاً، إذا جمعتَ المسمَّيات تحته من غير تفصيل. ويُعرف المُجمل في الاصطلاح بأنه: ما لم تتَّضح دلالته. انظر: مختار الصحاح، (ص47)؛ لسان العرب، (11/ 128)؛ الإتقان في علوم القرآن، (2/ 18).
[24] الموافقات، (4/ 25، 26) بتصرف يسير.
[25] الإتقان في علوم القرآن، (3/ 51، 52).
[26] انظر: دراسات في السنة النبوية الشريفة، (ص49).
[27] رواه الطبراني في (الكبير)، (18/ 156)، (رقم369)؛ والحاكم في (المستدرك)، (1/ 192)، (رقم372)؛ والهروي في (ذم الكلام)، (2/ 80)، (رقم241)؛ وابن حجر في (المطالب العالية)، واللفظ له، (12/ 734)، (رقم3098).
[28] الموافقات، (3/ 369).
[29] السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام، (1/ 506).
بيان السنة للقرآن * الكاتب: د. محمود بن أحمد الدوسري الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَنْ لا نبيَّ بعده: ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ السنة النبوية قد اكتسبت عظمَتَها وعلوَّ مكانتها، بل وشرعيةَ وجودها، واستمرارَها وحِفْظَها من الضياع، كلُّ هذا اكتسبته من ارتباطها بالقرآن الكريم، حيث ضَمِنَ لها هذا الارتباط الوثيق خلودَها وبقاءَها ما بقيت السماوات والأرض؛ إذْ هي الشارحةُ لكتاب الله، والمُبيِّنةُ لأحكامه، والمُفصِّلةُ لِمُجمَلِه، والناسخةُ لبعض آياته؛ كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن ثَمَّ، فقد نالت بفضل ارتباطها بكتاب الله عظمةً ذاتيَّة، تُضاف إلى عناصر عظمتها المُتعدِّدة، وقد عرف السلف الصالح لها مكانتها، فصانوها وجَمَعوها ووَعَوها، وقدَّموها على اجتهاداتهم وآرائهم وقياسهم. يقول ابن القيم - رحمه الله - مبيِّناً عِظَمَ منزلة السنة من القرآن: (كان السَّلَفُ الطَّيِّبُ يَشْتَدُّ نَكِيرُهُمْ وَغَضَبُهُمْ على مَنْ عَارَضَ حَدِيثَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِرَأْيٍ أو قِيَاسٍ أو اسْتِحْسَانٍ أو قَوْلِ أَحَدٍ من الناس كَائِنًا مَنْ كان، وَيَهْجُرُونَ فَاعِلَ ذلك، وَيُنْكِرُونَ على مَنْ يَضْرِبُ له الأَمْثَالَ، وَلاَ يُسَوِّغُونَ غير الانْقِيَادِ له وَالتَّسْلِيمِ وَالتَّلَقِّي بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَلاَ يَخْطُرُ بِقُلُوبِهِمْ التَّوَقُّفُ في قَبُولِهِ حتى يَشْهَدَ له عَمَلٌ أو قِيَاسٌ أو يُوَافِقَ قَوْلَ فُلاَنٍ وَفُلاَنٍ بَلْ كَانُوا عَامِلِينَ بِقَوْلِهِ تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ [الأحزاب: 36] )[1]. ولقد ذهب أبو أيوب السختياني - رحمه الله - إلى أنَّ مَنَ عطَّل السُّنةَ فقد عطَّل القرآن، في قوله: (إذا سمعتَ أحدَهم يقول: لا نريدُ إلاَّ القرآنَ! فذاك حين ترك القرآنَ)[2]. فهذا العالِم الجليل يبين هنا حقيقة واضحة ناصعة وهي: أن من ترك السنة فهو في حقيقته تارك للقرآن نفسه؛ لأن القرآن يأمر بالأخذ من السُّنة. ونفى ابن القيم - رحمه الله - التعارض بين النصوص الشرعية، ومَنْ ظنَّ ذلك فهو لسوء فهمه، فقال[3]: ونُصوصُهُ ليست تُعارِضُ بعضها بعضاً فَسَلْ عنها عليمَ زمانِ وإذا ظننتَ تعارُضاً فيها فذا مِنْ آفةِ الأفهامِ والأذهانِ أو أنْ يكونَ البعضُ ليس بثابتٍ ما قالَهُ المبعوثُ بالقرآنِ عظمة السنة في بيانها للقرآن: السُّنة النبوية خير بيانٍ للقرآن الكريم؛ لأنها وحي من الله تعالى كالقرآن، بل إن علاقة السُّنة بالقرآن علاقة البيان، وهذا البيان له أنواع متعددة، حَصَرَها ابن القيم - رحمه الله - في ثلاثة أقسام رئيسة، فقال - ما مُلخَّصه: (السُّنة مع القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها: أن توافقه من كلِّ وجهٍ، فيكون من باب توارد الأدلة. ثانيها: أن تكون بياناً لِمَا أُريد بالقرآن ثالثها: أن تكون دالةً على حُكم سكت عنه القرآن، وهذا الثالث يكون حُكْمًا مُبتدأً من النبي صلى الله عليه وسلم فتجب طاعته فيه، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يُطاع إلاَّ فيما وافق القرآن، لم تكن له طاعةٌ خاصَّة، وقد قال تعالى: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ [النساء: 80]. وقد تناقَضَ مَنْ قال: أنه لا يُقبل الحُكْمُ الزائد على القرآن إلاَّ أن كان مُتواتراً أو مشهوراً)[4]. فالسنة إما أنْ تؤكِّد ما جاء في القرآن، أو تُبيِّنه، أو تستقل بتأسيس أحكام لم يُسْبَقْ لها ذِكرٌ في القرآن. ولولا بيان السُّنة للقرآن لبقيت هناك نصوص وآيات يعجز البشر عن فهم معاني الغالبية العظمى منها، ولَعَجَزوا كذلك عن استنباط الأحكام الشرعية منها؛ لأن القرآن الكريم فيه الأصول العامة للأحكام الشرعية من العبادات والمعاملات والأخلاق وغيرها، وجاءت مُحكمَةً لكنها تحتاج إلى ما يوضِّح معانيها، ويبيِّن مجملها، فالقرآن هو الدستور الجامع للقوانين العامة، والمُؤصِّل للأحكام الشرعية، بينما السنة هي القوانين والتفريعات المستفادة من هذا الدستور الإلهي والتي لم تخرج عنه، ولم تحدْ قيد أنملة عن منهجه، وكيف ومصدرهما واحد؛ كما قال سبحانه: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ [النساء: 78]، فكلاهما وحيٌ من عند الله تعالى. قال ابن كثير - رحمه الله: (عليك بالسُّنة؛ فإنها شارحة للقرآن، ومُوَضِّحة له)[5]. وقال الشاطبي - رحمه الله: (فإنَّ الأدلة قد تأتي في معانٍ مختلفة، ولكن يشملها معنى واحد شبيه بالأمر في المصالح المرسلة والاستحسان، فتأتي السُّنة بمقتضى ذلك المعنى الواحد، فَيُعْلَمُ أو يُظَنُّ أن ذلك المعنى مأخوذ من مجموع تلك الأفراد بناء على صحة الدليل الدال على أنَّ السُّنة إنما جاءت مُبيِّنة للكتاب)[6]. النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن لفظَ القرآن ومعناه: قال الألباني - رحمه الله - في تعليقه على قوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ [النحل: 44]: (والذي أراه أنَّ هذا البيانَ المذكور في هذه الآية الكريمة يشتمل على نوعين من البيان: الأول: بيان اللفظِ ونظمِه، وهو تبليغُ القرآن، وعدمُ كتمانه، وأداؤه إلى الأُمَّة، كما أنزله الله تبارك وتعالى على قلبه صلى الله عليه وسلم، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾ [المائدة: 67]، وقد قالت السيدة عائشة - رضي الله عنها - في حديث لها: "ومَنْ حدَّثكم أنَّ محمداً كَتَمَ شيئاً أُمِرَ بتبليغه، فقد أعظمَ على اللهِ الفِرْيَةَ. ثم تلت الآية المذكورة " [أخرجه الشيخان][7]. وفي روايةٍ لمسلم: " لو كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كاتِماً شيئاً أُمِرَ بتبليغِه لكتَمَ قولَه تعالى: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ﴾ [الأحزاب: 37][8]. والآخر: بيانُ معنى اللفظِ أو الجُملةِ أو الآيةِ الذي تحتاج الأُمَّةُ إلى بيانه، وأكثرُ ما يكون ذلك في الآيات المُجملة، أو العامة، أو المُطْلَقة، فتأتي السُّنة فتُوَضِّح المُجْمَلَ، وتُخَصِّص العام، وتقيِّد المُطْلق، وذلك يكون بقوله صلى الله عليه وسلم كما يكون بفعلِه وإقرارِه)[9]. والله تعالى يقول لنبيِّه الكريم صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ [النحل: 44]. فالله تعالى أوكل مهمة تبيين هذا الذِّكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، (والذِّكر: اسمٌ واقِعٌ على كلِّ ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن، أو من سنةِ وحيٍّ يُبيِّن بها القرآن)[10]، ويشمل بيان السُّنة للقرآن توضيح المعاني، وتفصيل المُجمل، وهو ما نُفصِّله في الفرعين التاليين: الفرع الأول: توضيح المعاني: إنَّ ممَّا يقتضيه العقل السليم، والفهم القويم أنَّ حامل الرسالة أجدر الناس على توضيح مضمونها وبيان مرادها؛ ولذلك هو أحقُّ الناس بالقيام بهذه المُهمة، حيث اختاره مَنْ حَمَّلَه الرسالة لِعِلمِه بقدرته على حملِها، وهذا أمر معلوم بالضرورة في دنيا البشر. وعلى هذا؛ فإنَّ أحقَّ الناس ببيان مراد الله تعالى إنما هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجدرَ الناس على فهم القرآن، وإيضاح معانيه إنما هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذْ أنه اصْطِفاءُ ربِّ العالمين على خلقه أجمعين، فأيَّده وأعانه وهداه وأوحى إليه بما يُمَكِّنه من توضيح معاني القرآن الكريم، وبيان مرادِه عز وجل. وقد فطن علماء الإسلام إلى ذلك، فلم يتعدوا حدودَهم، ولم يتجاوزوا قدرَهم مع نبيِّهم، فقدَّموا قولَه وسُنَّته في فهم معاني القرآن على قولهم أو رأيهم، بل وجعلوا هذا منهجاً لهم في التعامل مع كتاب الله، وها هو الحافظ ابن كثير يذكر أحسن طرق التفسير فيقول: (فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إنَّ أصح الطرق في ذلك أن يُفسَّر القرآن بالقرآن، فما أُجْمِل في مكان فإنه قد بُسط في موضِع آخر، فإنْ أعياك ذلك فعليك بالسُّنة؛ فإنها شارحة للقرآن ومُوَضِّحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي - رحمه الله تعالى: كلُّ ما حَكَمَ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فهو ممَّا فهمه من القرآن. قال الله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ﴾ [النساء: 105]، وقال تعالى:﴿ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾[النحل: 64]، وقال تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 44]، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ)[11]. يعني: السُّنة. والسُّنة أيضاً تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن، إلاَّ أنها لا تُتلى كما يُتلى القرآن، وقد استدل الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك. والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمِنَ السُّنة)[12]. ولنتأمل في قول جابر - رضي الله عنه - وهو يصف حجَّ النبي صلى الله عليه وسلم: (فَصَلَّى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في الْمَسْجِدِ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حتى إذا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ على الْبَيْدَاءِ نَظَرْتُ إلى مَدِّ بَصَرِي بين يَدَيْهِ من رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذلك، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذلك، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذلك، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بين أَظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ، وهو يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وما عَمِلَ بِهِ من شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ...)[13]. نماذج من توضيح السُّنة لمعاني القرآن: نأخذ بعض الآيات كنماذج تُبيِّن أنه لا يُمكن فهمُها فهماً صحيحاً على مراد الله تعالى إلاَّ من طريق السُّنة[14]: الآية الأُولى: قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: ٨٢]. فَهِمَ الصَّحابة الكرام - رضي الله عنهم - قولَه ﴿ بِظُلْمٍ ﴾ على عمومِ ظاهرِه، الذي يشمل كلَّ ظُلمٍ، ولو كان صغيراً، ولذلك استشكلوا الآية، وَقَالُوا: أَيُّنَا لم يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إنَّه لَيْسَ بذلك، ألا تَسْمَعُونَ إلى قَوْلِ لُقْمَانَ: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13] )[15]. وهاهم الصحابة - رضي الله عنهم - مع فضلهم، وسعة علمهم، وقلة تكلفهم، وصحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم إلاَّ أنهم لم يفهموا الآية على مراد الله تعالى، ولولا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم صحح لهم معنى الآية لاستمرَّ الخطأ إلى يومنا هذا، وتبعناهم في هذا الخطأ، ومن هنا ندرك أهمية السُّنة في توضيح بعض معاني القرآن المُلتبسة على الناس. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [النساء: 101]. إنَّ ظاهر الآية الكريمة يقتضي أنَّ قصر الصلاة في السفر مشروطٌ له الخوف؛ ولذا لمَّا سأل بعضُ الصحابة رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن قصر الصلاة في حالة الأمن، قال: (صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ)[16]. فقد وضَّحت السُّنة اللَّبس الذي سيقع في مفهوم الآية، وقطعت كثيراً من الخلاف الذي سيترتب على ذلك بين العلماء؛ لأن بعضهم سيأخذ الآية على ظاهرها ويشترط الخوف في السفر لقصر الصلاة، وبعضهم سيكون له رأي آخر، لكن السُّنة هنا حسمت مادة الخلاف المُتوقَّعة، فقطع الله دابر الخلاف بقول النبي صلى الله عليه وسلم وبفعله، فقصر صلى الله عليه وسلم الصلاةَ وقصر الصحابة معه. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ... ﴾ [المائدة: 3]. وضحَّت السُّنة وبيَّنت أنَّ ثمَّة ميتة حلالاً؛ كميتة الجراد والحوت، ودماً حلالاً؛ كالكبد والطحال، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ)[17]. فتأمل كيف وضَّحت وبيَّنت لنا السُّنة النبوية أموراً لم نكن لندركها لولا بيان النبي صلى الله عليه وسلم وسُنَّتِه، والتي تدل على كونها وحياً من عند الله تعالى؛ إذْ ليس من سُلطة النبيِّ أنْ يُحِلَّ أو يُحرِّم من عند نفسه، وإنما هو مُبلِّغ عن ربِّه، وهذا من التيسير على العباد، والحمد لله ربِّ العباد. الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿ قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ [الأنعام: 145]. جاءت السُّنة المباركة بالبيان والتوضيح فحرَّمت أشياءَ لم تُذْكرْ في الآية الكريمة؛ فعن ابن عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قال: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ)[18]. ومِثل قولِه صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عن لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا رِجْسٌ)[19]. فلو لم يأخذ الناس بسنة النبي صلى الله عليه وسلم لاستحلوا ما حرمه الله تعالى، على لسان نبيِّه صلى الله عليه وسلم؛ من السِّباع، وذوات المخالب من الطير، ولحوم الحُمُر الأهلية، ونحوها. الآية الخامسة: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ ﴾ [الأعراف: 32]. ظاهر الآية يقتضي بأنَّ كلَّ زينةٍ أخرجها الله تعالى لعباده فهي حلال ليس في استعمالها حرج، وهذا الظاهر بيَّنته ووضَّحته السُّنة؛ عندما أَخَذَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَرِيرًا بِشِمَالِهِ، وَذَهَبًا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ رَفَعَ بِهِمَا يَدَيْهِ، فقال: (إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ على ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لإِنَاثِهِمْ)[20]. فقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم ووضَّح أنَّ من الزينة ما هو محرَّم على الذُّكور دون الإناث، وهذا من توضيح السُّنة للقرآن. الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾ [الحجرات: 12]. وضَّحت السُّنة معنى الغِيبة في الآية؛ كما جاء عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: (أَتَدْرُونَ ما الْغِيبَةُ؟) قالوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قال: (ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ). قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إنْ كانَ في أَخِي ما أَقُولُ؟ قال: (إنْ كانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فيه فَقَدْ بَهَتَّهُ)[21]. الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿ يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ [الطلاق: 1]. وضَّحت السُّنة الأحكام التي تضمَّنتها هذه الآية، وكيفية طلاق النساء على مراد الله تعالى؛ كما جاء عن عبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما؛ (أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَةً له وهي حَائِضٌ، تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، فَأَمَرَهُ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يُمْسِكَهَا حتى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حتى تَطْهُرَ من حَيْضَتِهَا، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا حين تَطْهُرُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَامِعَهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ التي أَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لها النِّسَاءُ)[22]. وقَلَّ أنْ تقرأ آيةً إلاَّ وتجد في شرحها حديثاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان المراد منها، أو بيان معانيها، أو بيان أحكامها، أو غير ذلك من أوجه البيان. الفرع الثاني: تفصيل المُجمَل: ما ورد في القرآن مُجمَلاً [23] من الأحكام والشرائع تولَّت السُّنة تفصيلَه، ووضَّحت دلالته وبيَّنت مراد الله منه، وأزالت الغموض الذي يكتنف مُشكِلَه، وهو في القرآن كثير؛ كالأمر بالصلاة والزكاة والصوم والحج، ونحوه مما أُجمِل في القرآن، ولا يُعرف تفسير ما جاء مجملاً في مثل هذه الفرائض إلاَّ بالرجوع إلى سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد خاطبه الله تعالى بقوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 44]، فالله تعالى أنزل القرآن على نبيِّه الكريم صلى الله عليه وسلم، ثم ذَكَرَ الغايةَ المطلوبةَ من إنزال القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾؛ أي: لتُبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم في القرآن من العقائد، والأحكام، والعبادات، والمعاملات، والآداب، تُبيِّنه للناس بقولك وفِعلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم مُبيِّنٌ عن الله تعالى مرادَه مما أجمله في كتابه العزيز من أحكام الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك، مما ليس للعقول مجالُ لإعمال الرأي فيه؛ لأنه لا يُدرك إلاَّ بواسطة الوحي. وفي ذلك يقول الإمام الشاطبي - رحمه الله: (بيَّنت السُّنة ما أُجمل ذِكرُه من الأحكام في الكتاب، إمَّا بحسب كيفيات العمل، أو أسبابه أو شروطه أو موانعه أو لواحقه أو ما أشبه ذلك؛ كبيانها للصلوات على اختلافها في مواقيتها وركوعها وسجودها وسائر أحكامها، وبيانها للزكاة في مقاديرها وأوقاتها ونُصُبِ الأموال المُزكَّاة وتعيين ما يُزكَّى ممَّا لا يزكى، وبيان أحكام الصوم وما فيه مما لم يقع النص عليه في الكتاب، وكذلك الطهارة الحدثِيَّة والخَبَثِيَّة، والحج، والذبائح، والصيد وما يؤكل مِمَّا لا يؤكل، والأنكحة وما يتعلق بها من الطلاق والرجعة والظهار واللعان، والبيوع وأحكامها، والجنايات من القصاص وغيره، كلُّ ذلك بيانٌ لما وقع مُجْمَلاً في القرآن)[24]. وأكد ذلك السيوطي - رحمه الله - بقوله: (وقد يقع التَّبيين بالسُّنة؛ مثل: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [البقرة: 43]، ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ﴾ [آل عمران: 97]، وقد بيَّنت السُّنة أفعال الصلاة والحج، ومقادير نُصُب الزكوات في أنواعها)[25]. إذاً ورد ذِكْرُ العبادات مُجملة في كتاب الله تعالى، ومنها الأركان الخمسة، دون بيانٍ مُفصَّل لكيفيَّة أدائها، وبيان وقت أدائها، وبيان المقدار أو العدد، وعلى مَنْ تجب، وشروط الصحة، وغير ذلك، وتكفَّلت السُّنة ببيان كل الجوانب التي لم تُذكر في القرآن. وخذ مثلاً لفظ (الصلاة) في القرآن، ورد ذِكره ثمانٍ وخمسين مرة، في خمسٍ وخمسين آية، ولا تكاد الآيات القرآنية تتعدَّى الأمر بإقامة الصلاة، والترغيب في التطوع فيها، أو وصف مَنْ يُؤدِّيها، ومع ذلك لم يرد فيها بيان أوقاتها بالتحديد والتفصيل بداية ونهاية، ولا عدد ركعات كل صلاة، ولا أركان وسنن كل ركعة، ولا بيان الصلوات المفروضة والمسنونة والنافلة، ولا كيفية الصلاة، ولا مُبطلاتها، ولا كيفية الطهارة لها، وشروط ذلك ونحوه، مما بيَّنته السُّنة ووضَّحته، وقُلْ مِثل ذلك في الزكاة والصوم والحج، وسائر العبادات والمعاملات، وتشريعات الأسرة، وأحكام الحرب، والسِّلم، والحكم، والاقتصاد، ونحوها[26]. كلُّ هذا إنما ورد من طريق السنة النبوية: القولية أو الفعلية أو التقريرية، وأجمعت الأُمَّة قاطبة على قبوله والعمل بمقتضاه؛ إيماناً منها بأنَّ ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم إنما بأمرِ ربِّه ووحيِه، وليس للاجتهاد أو الرأي فيه سبيل، ولولا السُّنة لَجَهِل الناس أمْرَ العبادات، والجاهلُ يُعذر لجهله، فلا حساب عليه ولا وزر، وهذا يعني نُقصانَ دين الله، وحاشا لله. فالله قد أتمَّ دينَه وأكملَ نعمتَه، وأبان شرعَه على لسان نبيه وسُنَّته، وعلى هذا استقرَّ أمر سلف هذه الأمة وتابَعَهم الخلف إلى يوم القيامة، ومن ذلك: شاهد على تفصيل السُّنة لمُجمَل القرآن: ها هو الصحابي الجليل عمران بن حصين - رضي الله عنه - يردُّ على مَنْ يدَّعي الاستغناءَ عن السُّنة؛ فعن الحسن قال: بينما عِمرانُ بنُ حُصينٍ - رضي الله عنه - جالس وعنده أصحاب له يُحدِّثهم، فقال رجل: لا تُحَدِّثُنا إلاَّ بالقرآن، أو لا نريدُ إلاَّ القرآن، فقال: أرأيتَ لو وُكِلْتَ أنتَ وأصحابُك إلى القرآن، أكنتَ تجدُ صلاةَ الظهر أربعاً وصلاة العصر أربعاً؟ وصلاة المغرب ثلاثاً يقرأ في الركعتين الأُوليين، أرأيتَ لو وُكِلْتَ أنت وأصحابُك إلى القرآن، أكنتَ تجدُ في كلِّ مائتين خمسة؟ وفي الإبل كذا وكذا، وفي البقر كذا وكذا؟ أرأيتَ لو وُكِلْتَ أنت وأصحابُك إلى القرآن، أكنتَ تجد الطوافَ بالبيت سبعاً؟ وبين الصفا والمروة كذا وكذا)[27]. ونستنبط من خلال هذا الموقف عدة أمور، ومنها: 1- عدم تكلُّف عِمرانَ بنِ حصينٍ - رضي الله عنه - في الرَّد عليهم. 2- استخدامُه مَنطِقَ العقل في إقناعهم من خلال توجيه أسئلة تعجيزية لا تحتمل إلاَّ ردًّا واحداً، هو المراد في ذاته. 3- بُعْدُه عن التعنيفِ والتأنيبِ والانفعالِ الذي قد يفرِّغ القضيةَ من مضمونها، ولا يزيد المُخالفَ إلاَّ تمسُّكاً برأيه وتعنُّتاً. 4- تحوُّله من موقفِ المدافع إلى موقف المهاجم، فهو لم يُدافع عن السُّنة ومكانتِها، وضرورةِ اتِّباعها، وأتى بالأدلة المُؤيِّدة لرأيه، وإنما اتَّخذ موقفاً مُهاجماً من خلال توجيه الأسئلة إليهم. قال الشاطبي - رحمه الله: (لا ينبغي في الاستنباط من القرآن؛ الاقتصارُ عليه دون النظر في شرحه وبيانه، وهو السُّنة؛ لأنه إذا كان كلِّيًّا وفيه أمور كُليَّة؛ كما في شأن الصلاة والزكاة والحج والصوم ونحوها، فلا محيصَ عن النَّظر في بيانه)[28]. (إن هذا النوع فقط من أنواع بيان السُّنة للقرآن الكريم - وهو تفصيل المُجمَل - يؤكِّد في جلاءٍ ووضوحٍ؛ أنَّ القرآن الكريم محتاجٌ إلى السُّنة الشريفة، كما يُثبِت في يقينٍ؛ أنه لولا السُّنة لَضَاعَ القرآن - بعدم فهمه - وهذا ما يهدف إليه أعداؤنا حينما يُشكِّكون في السُّنة الشريفة)[29]. فالمُخطَّط واضح وظاهر؛ فيبدؤون بِفَصْلِ السُّنة عن القرآن بِحُجَّة إعلاء شأن القرآن، وتمسُّكِهم به، وحُبِّهم له، وأنَّ السُّنة قد أصابها ما أصابها من التحريف أو الوضع أو الضياع، فهم بذلك يصونون القرآن، فإذا سُلِّم لهم بذلك، واستقرَّ لهم الأمر، اتَّجهوا إلى تأويل القرآن بعقولهم، فيُفرغوه من مضمونه، ويَبْعُدوا به عن مراده، فالقرآن مَقصِدُهم أولاً وأخيراً، والقرآن مُرادهم أولاً وأخيراً لهدم الدِّين، ولكن يأبى الله تعالى إلاَّ أنْ يحفظ كتابَه، ويدحر أعداءه، ويردَّ كيدهم في نحورهم؛ فقيَّض لِحِفْظِ السُّنة سادةً أعلاماً، وجهابذةً أفذاذاً، ردُّوا عنها كيدَ الحاقدين، وانتحالَ المُبطلين، وتحريفَ الغالين، فبقيت السُّنة عزيزةً كريمة، شاهدةً على حِفظِ اللهِ سبحانه لهذا الدِّين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * موقع الألوكة: (https://2u.pw/Oez3l). [1] إعلام الموقعين، (4/ 244). [2] رواه الهروي في (ذم الكلام)، (2/ 59)، (رقم212). [3] الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية، (ص592). [4] إعلام الموقعين، (2/ 308) بتصرف واختصار؛ فتح الباري، (13/ 238). [5] تفسير ابن كثير، (1/ 4). [6] الموافقات، (4/ 47، 48). [7] رواه البخاري، (4/ 1686)، (رقم4336)؛ ومسلم، واللفظ له، (1/ 159)، (رقم177). [8] رواه مسلم، (1/ 160)، (رقم177). [9] منزلة السنة في الإسلام، (ص6،7). [10] الإحكام في أصول الأحكام، (1/ 115). [11] سبق تخريجه، (ص14). [12] تفسير ابن كثير، (1/ 4). [13] رواه مسلم، (2/ 887)، (ح1218). [14] انظر: منزلة السنة في الإسلام، (ص8-10). [15] رواه البخاري، (6/ 2523)، (ح6520). [16] رواه مسلم، (1/ 487)، (ح686). [17] رواه أحمد في (المسند)، (2/ 97)، (ح5723)؛ وعبد بن حميد في (مسنده)، (ص260)، (ح820)؛ وابن ماجه، (2/ 1073)، (ح3218). وصححه الألباني في (صحيح سنن ابن ماجه)، (3/ 129)، (ح2695). [18] رواه مسلم، (3/ 1534)، (ح1934). [19] رواه البخاري، (5/ 2103)، (ح5208)؛ ومسلم، (3/ 1540)، (ح1940). [20] رواه عبد الرزاق في (مصنفه)، (5/ 152)، (ح24659)؛ وابن ماجه، (2/ 1189)، (ح3595). وصححه الألباني في صحيح (سنن ابن ماجه)، (3/ 197)، (ح2912). [21] رواه مسلم، (4/ 2001)، (ح2589). [22] رواه البخاري، (4/ 1864)، (ح4625)، ومسلم، واللفظ له، (2/ 1093)، (ح1471). [23] (المُجمَل): المجمل في اللغة ضد المُفسَّر، مشتق من الجَمْل، وهو الخلط، ويراد به ما أفاد جملةً من الأشياء، ومنه يقال: أجملتُ الحسابَ إجمالاً، إذا جمعتَ المسمَّيات تحته من غير تفصيل. ويُعرف المُجمل في الاصطلاح بأنه: ما لم تتَّضح دلالته. انظر: مختار الصحاح، (ص47)؛ لسان العرب، (11/ 128)؛ الإتقان في علوم القرآن، (2/ 18). [24] الموافقات، (4/ 25، 26) بتصرف يسير. [25] الإتقان في علوم القرآن، (3/ 51، 52). [26] انظر: دراسات في السنة النبوية الشريفة، (ص49). [27] رواه الطبراني في (الكبير)، (18/ 156)، (رقم369)؛ والحاكم في (المستدرك)، (1/ 192)، (رقم372)؛ والهروي في (ذم الكلام)، (2/ 80)، (رقم241)؛ وابن حجر في (المطالب العالية)، واللفظ له، (12/ 734)، (رقم3098). [28] الموافقات، (3/ 369). [29] السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام، (1/ 506).0
- فضائل وميزات لغة القرآن *
الكاتب: حسن محمد فؤاد
المقدمة:
إنَّ الحمد لله نحمَده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونَعُوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.
ثُم أمَّا بعد:
فاللغة بالنسبة لكلِّ أمَّة هي أداة تَواصُل، وطريقة تفكير، ورمزُ عزَّةٍ، أمَّا العربيَّة فهي بالنسبة للعرب كلُّ هذا، وتَزِيد عليه أنها لغةُ دينٍ وكتابٍ مُوحًى به، وهي لغة عِبادات وشعائر، فهي لغةٌ مُقدَّسَة، مأجورٌ مَن يتعلَّمها، مُثابٌ مَن يَعلمها، ثم هي لغةٌ محفوظةٌ بحفظ الله للكتاب الذي نزل بها.
وتحتَلُّ العربيَّة المركز السادس من حيث عدد المتكلِّمين بها، وهي اللغة الوحيدة التي دامَتْ لأكثر مِن خمسة عشر قرنًا مِن الزمان، فكلُّ اللغات القديمة قد انقرَضَتْ إلا هي، واللغة العربيَّة قد تجمَّع فيها مِن الميزات والخصائص ما لم يُوجَد مُجتَمِعًا في لغةٍ غيرها، ومع كلِّ هذه الخصائص والميزات إلا أنَّ كثيرًا مِن أهلها جهِلُوا مكانتَها وقيمتَها، ورمَوْها بالتُّهَم الباطِلَة بأقوالهم، وبالتصرُّفات المشينة التي تُسِيء إلى لُغتهم، ولم يُقَدِّر أكثرُ العرب قيمة لغتهم ومكانتها، ولم يحفَظُوها ويراعوا حقَّها عليهم، وإلا لكان مِن الواجب عليهم تعلُّمها وتعليمها، والالتِزام بقواعدها، فهي خيرٌ وعزَّة لهم في الدنيا، وأجرٌ وثواب عظيم لهم يوم القيامة، فكم عَزَّ أقوامٌ بعزِّ لغات! ووَجَب على كلِّ غَيُورٍ على أمَّته، محبٍّ لدينه، أن يعملَ على إحياء اللغة العربية في المنتديات والتجمُّعات الثقافية والعلميَّة، ودُور العبادة، وقاعات الدرس، وأن يُذكِّر بفضلها ومكانتها وأهميَّتها بالنسبة لنا كمسلِمين، فهي من الدِّين، وبالنسبة لنا كعرب.
لذا جاء هذا البحْث تذْكيرًا بفَضْل ومكانة العربيَّة، وما تَحوِيه مِن الميزات والخصائص التي لم تَشرُف لغة أخرى باجتماعها فيها، ثم نُعَرِّج على أسباب تَدَنِّي مستوى المتحدِّثين بالعربية، ومنه نَدلِف إلى اقتِراحاتٍ لِمُحاوَلة عِلاج هذه الظاهرة التي عمَّت بها البلوى، وأصبحتْ عائقًا من عَوائِق تقدُّم الأمَّة؛ إذ لا تتقدَّم الأُمَم إلا بعقيدةٍ صحيحةٍ راسخةٍ، ولغةٍ توحِّد ألسنتَها، وهدفٍ يُوحِّدُ اتِّجاهها، وعزيمةٍ قويَّة وإخلاص صادقٌ للهِ تبارك وتعالى.
وقد اقتَضَتْ طبيعة البحث أن يكونَ في ثلاثة أبواب:
الباب الأول: فضل اللغة العربية ومكانتها بين اللغات.
وجاء هذا الباب في تقديم وفصلَيْن:
الفصل الأول: فضْل العربية في الشريعة الإسلامية.
الفصل الثاني: مكانة العربية بين اللغات العالمية.
الباب الثاني: أسباب تَدَنِّي المتحدِّثين باللغة العربية.
وكان هذا الباب في فصلين:
الأول: أسباب خارجية.
الثاني: أسباب داخلية.
الباب الثالث: اقتِراحات للحلول ولنشْر الثقافة العربية.
وكان هذا الباب في خمسة فصول:
الأول: نشر التوعية بفضل ومكانة اللغة العربية.
الثاني: فرْض اللغة العربية على كلِّ جهاز حكومي، أو إعلامي، أو تعليمي.
الثالث: إقامة مشروع كامل لتهذيب اللغة نحوًا وصرفًا ومعجمًا.
الرابع: إقامة مركز علمي متخصِّص لحوسَبة العلوم اللغويَّة.
الخامس: البعثات العربية لنشْر ثقافة اللغة العربية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباب الأول: فضل اللغة العربيَّة ومكانتها بين اللغات
تقديم:
يقتَضِي المنهجُ العلمي تقسيمَ هذا الباب إلى فصلين: فصلٍ مُوجَّه إلى المسلمين المؤمنين بالإسلام دينًا، وبالقرآن وحيًا، وهذا الفصل لا يتطلَّب إلا نصوصًا قرآنيَّة أو نبويَّة، أو كلامًا لعلمائنا الأجلَّاء المُوافِق للدليل الصحيح، فهذا كلامٌ عندنا مُصدَّقٌ، ولدينا مقبولٌ، وهو حجَّة على كلِّ مؤمنٍ بهذا الدين، أمَّا عند غير المسلمين فليس بحجَّة، ولا يجوز لنا إلزامه به؛ لأنه غير مؤمن بهذا الكتاب ولا بذلك الرسول؛ لذلك كان الفصل الثاني، وهو يعتَمِد على الدليل العقلي والحقيقة العلمية، وأقوال العلماء من أصحاب هذا الفن المُشتَغِلين بعلم اللغة وأصل اللغات، العالِمِين بمنابِتها وأصولها وفروعها؛ فهم أعلمُ، وكلامهم حجَّة في هذا الباب، خاصَّةً إذا اجتَمَع منهم غيرُ واحدٍ على قولٍ مِن غير اتِّفاق فكري أو ديني، وما دفعهم إلى ذلك إلا البحث والإنصاف
الفصل الأول: فضل العربية ومكانتها في الإسلام:
قد كرَّم الله تعالى هذه اللغة العربية؛ إذ أنزل كتابه الكريم بها على رجلٍ مِن أهلها صلَّى الله عليه وسلَّم، وكرَّمها إذ حَفظها بحفظِ ذلك الكتاب العظيم، وهذا التكريم قطعيُّ الدلالة على أنَّها خيرُ اللغات، وما انحِسار ظِلِّها في هذا الزمن وضيق انتشارها، إلا دليلٌ على ضعف أهلها في تعلُّمها وتعليمها، وتلك حقيقةٌ لا سبيل إلى جحْدها أو المُمارَاة فيها، وإلا فإنَّ الإسلام الذي حكَم العالمَ قرونًا مَدِيدةً قد نُحِّيَ هو الآخَر في هذا العَصْر عن موقع القيادة والسلطان، أَفَيَحْمِلُ الإسلامُ - وهو دينُ الله الخاتم، وكلمته العليا - وِزْر انتكاسِنا وارتكاسنا؟!
اللغة العربية والعقيدة:
لا يكون الإنسان مسلمًا إلا إذا نطَق الشهادتين بلغةٍ عربية إنِ استَطاع، وإلا كُتِبت له كلمة التوحيد (الشهادتان) بحروف لغته الأصليَّة، ثم ينطق بها.
اللغة العربية وشرائع الإسلام:
الإسلام عقيدةٌ تنبَثِق عن هذه العقيدة شريعةٌ، ومن هذه الشريعة:
الصلاة:
مِن شُرُوط صحَّة الصلاة قراءة الفاتحة قراءة صحيحة - فالفاتحة ركنٌ مِن أركان الصلاة - والأذكار بلغةٍ عربية صحيحة، خلافًا للأحناف الذين أجازوا قراءة القرآن في الصلاة بغير العربية لغير القادر على النطق بها، أمَّا قول جمهور العُلَماء فهو وجوب تعلُّم الأعجمي ما يُقِيم به صلاته، ولا تصحُّ الصلاة بغير ذلك.
الحج:
هو رُكن الإسلام الأعظم، وفيه مِن التلْبية والشعائر القوليَّة المطلوب أداؤها - طلب وجوبٍ أو استِحباب - باللغة العربيَّة على كلِّ المسلمين ومِن كلِّ اللغات.
وغير ذلك مِن الشعائر؛ مثل: قراءة القرآن، وذِكْر الله جلَّ وعلا، كلُّ هذا يحتاج فيه إلى تعلُّم شيءٍ من العربية؛ ليصحَّ إسلام العبد، وتصحَّ عباداته.
العربيَّة والعلم:
وضَع العلماء شروطًا مَن حقَّقها وحاز عليها، نال رُتبةَ الاجتهاد في الدِّين، واختَلفوا في بعض هذه الشروط؛ لكنَّهم اتَّفقوا جميعًا على شرط إتقان اللغة العربية كشرطٍ أساسٍ في المجتَهِد، لا يصحُّ له الاجتِهاد إلا بإتقان لغة العرب التي بها نزَل القرآن، وبها تحدَّث سيِّد ولد عدنان صلَّى الله عليه وسلَّم، فالقرآن والسُّنَّة هما مصدر التشريع الإسلامي، فوجَب على مَن أراد بلوغ رتبة الاجتهاد أن يَحُوز هذه اللغة؛ ليفهَم مراد الله جلَّ وعلا، ويَفهَم كلام المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم.
قال أبو إسحاق الشيرازي في "صفة المفتي": (ويَعرِف مِن اللغة والنحو ما يَعرِف به مراد الله ومرادَ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم في خطابهما)، "اللُّمع في أصول الفقه" ص 127.
اللغة العربية واجبة على كلِّ مسلم:
العربية واجبةٌ على كلِّ مسلم بحسبه، فالقَدْر الذي لا يجوز لمسلمٍ أن ينقص عنه هو القدر الذي يُمَكِّنه من إقامة الفرائض، وفهْم كلام الله ورسوله، ففيهما نجاتُه في الدنيا والآخرة، قال الماوردي: (ومعرفة لسان العرب فرضٌ على كلِّ مسلمٍ من مجتهد وغيره)؛ "إرشاد الفحول"؛ للشوكاني، ص 252.
قال ابن تيميَّة رحمه الله: (معلومٌ أنَّ تعلُّمَ العربية وتعليمَ العربية فرضٌ على الكفاية، وكان السلف يؤدِّبون أولادَهم على اللحن، فنحن مأمورون - أمرَ إيجابٍ أو أمرَ استحبابٍ - أن نحفَظ القانون العربي، ونُصلِح الألسن المائلة عنه، فيحفظ لنا طريقة فهْم الكتاب والسُّنَّة، والاقتِداء بالعرب في خِطابها، فلو تُرِك الناس على لحنهم كان نقصًا وعيبًا)؛ "الفتاوى" 32/ 252.
وقال الشافعي: (يجب على كلِّ مسلم أن يتعلَّم مِن لسان العرب ما يبلغه جهده في أداء فرضه).
وذلك لأنَّ معرفة الدِّين فرض واجب، وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب، والإسلام لا يُفهم إلا بفهْم العربية.
اللغة العربية شعار الإسلام والمسلمين:
اللغة هي تعبيرٌ عن كيان وروح، والعربية هي تعبيرٌ عن كيان وروح ودين؛ لذلك كَرِهَ العلماء الرطانة بغير العربية دون حاجة؛ بل قال مالك: (مَن تكلَّم في مسجدنا بغير العربيَّة فأَخرِجوه منه).
وقال ابن تيميَّة رحمه الله: (فإنَّ اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميَّزون)؛ "اقتضاء الصراط المستقيم" ص 203.
وقال أيضًا: (وما زال السلف يكرَهون تغييرَ شعائرِ العربِ حتى في المعاملات، وهو التكلُّم بغير العربية إلَّا لحاجة، كما نصَّ على ذلك مالك والشافعي وأحمد؛ بل قال مالك: مَنْ تكلَّم في مسجدنا بغير العربية أُخرِجَ منه، مع أنَّ سائرَ الألسن يجوز النطق بها لأصحابها، ولكن سوَّغوها للحاجة، وكرهوها لغير الحاجة، ولحفظ شعائر الإسلام)؛ "الفتاوى" 32/ 255.
واللغة العربيَّة من الإسلام؛ لذا وجَب التمسُّك بها، والحذر من البُعد عنها؛ لأنَّ هذا من البُعد عن سبيل المؤمنين، وقد حذَّر الله تعالى من هذا المسلك؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 85].
اللغة العربية مظهرُ عِزٍّ وفخار للمتمسِّك بها:
وهكذا كلُّ قومٍ يعتزُّون بلُغتهم، ولا يقبَلون عنها بديلًا؛ لذا نجد قادَةَ الدُّوَل الكبرى لا يتحدَّثون بغير لغاتهم في أيِّ مكانٍ كانوا، أمَّا قادتنا فهم لا يتحدَّثون بعربيَّتهم وإن كانوا في بلادهم، وهذا مِنْ إهانة اللغة وتحقير شأنها.
قال مصطفى صادق الرافعي رحمه الله: (ما ذلَّت لغةُ شعبٍ إلَّا ذلَّ، ولا انحطَّت إلَّا كان أمره في ذهابٍ وإدبارٍ، ومن هذا يفرض الأجنبيُّ المستعمِر لغتَه فرضًا على الأمَّة المستعمَرَة، ويركبهم بها، ويُشعِرهم عظمته فيها، ويستَلحِقهم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكامًا ثلاثةً في عملٍ واحدٍ: أمَّا الأول فحَبْس لغتهم في لغته سجنًا مؤبَّدًا، وأمَّا الثاني فالحكم على ماضيهم بالقتل محوًا ونِسيانًا، وأمَّا الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها، فأمرُهم مِن بعدها لأمْره تَبَعٌ)؛ "وحي القلم" 3/ 33 - 34.
اللغة العربية هي صورةٌ لشخصيَّة الأمة الإسلامية:
(إنَّ لغة الأمَّة دليلُ نفسيَّتها وصور عقليَّتها؛ بل هي أسارير الوجه في كيانها الاجتماعي الحاضر، وفي تطوُّرها التاريخي الغابر؛ لأنَّ وراء كلِّ لفظةٍ في المعجم معنى شعرتْ به الأمَّة شعورًا عامًّا، دعاها إلى الإعراب عنه بلفظٍ خاصٍّ، فوَقَع ذلك اللفظ في نفوس جمهورها موقع الرِّضا، وكان بذلك مِن أهل الحياة، وما معجم اللغة إلا مجموعة مِن المعاني التي احتاجت الأمَّة إلى التعبير عنها، فاختارت لكلِّ معنًى لفظًا يدلُّ على الجهة التي نَظرَت الأمَّة منها إلى ذلك المعنى عندما سمَّتْه باللفظ الذي اصطَلَحت عليه، فلغة الأمَّة تتضمَّن تاريخ أساليب التفكير عندها مِن أبسَط حالاته إلى أرقاها، يعلَم ذلك البصير بِأَبْنِية اللغة وتلازُمها، ومَن له ذوقٌ دقيق في ترتيب تسَلْسُلها الاشتقاقي)؛ "مجلة الزهراء" مجلد 1 سنة 1343 هـ، ص 66.
و(اعتِياد اللغة يُؤثِّر في العقلِ والخُلقِ والدِّينِ تأثيرًا قويًّا بيِّنًا، ويُؤثِّر أيضًا في مشابهةِ صدرِ هذه الأمَّة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تَزِيد العقلَ والدِّينَ والخُلقَ، وأيضًا فإنَّ نفس اللغة العربيَّة مِن الدين، ومعرفتها فرضٌ واجبٌ، فإنَّ فهْم الكتاب والسُّنَّة فرضٌ، ولا يُفهَم إلَّا بفهْم اللغة العربية، وما لا يتمُّ الواجب إلَّا به فهو واجب)؛ "اقتضاء الصراط المستقيم" ص 207.
ويرى علماء الاجتماع أنَّ اللغة تجعل من الأمَّة الناطقة بها كُلًّا مُتراصًّا يخضَع لقانونٍ واحد، وأنها الرابطة الحقيقية الوحيدة بين عالم الأذهان وعالم الأبدان، وهي نظريَّة تصدُقُ على لغتنا العربية - كما يقول الدكتور عثمان أمين - أكثر ممَّا تصْدُق على أيَّة لغة أخرى؛ فاللغة العربية عظيمة الأثر في تكوين عقليَّتنا، وهداية سلوكنا، وتصريف أفعالنا؛ ذلك أنها تمتاز عن اللغات الأخرى (بمثالية) عميقة صريحة، تحسب حساب الفكرة والمثال، وتضعهما مكانَ الصَّدارة والاعتِبار؛ أي: إنَّ لغتنا العربية تفترض دائمًا أنَّ شهادة الفكر أصدق من شهادة الحسِّ، ويَكفِي في التعبير بها إنشاء علاقة ذهنيَّة بين المسند والمسند إليه، دون حاجة إلى فعل الكينونة الذي هو لازمة ضرورية في اللغات (الهندو - أوربية)، ودون الحاجة إلى التصريح بضمير المتكلم أو المخاطب أو الغائب؛ لأن الذات مُتَّصِلة دائمًا بالفعل في نفس تركيبه الأصلي.
الفصل الثاني: مكانة اللغة العربية بين لغات العالم:
هل يجوز لأحدٍ أن يزعم أنَّ لغةً ما هي أفضل اللغات؟
هل اللغات تتفاضَل في ذاتها، أم بحسب قوتها وقوَّة أهلها والناطقين بها؟
سيُحاول هذا الفصل الإجابة عن هذين السؤالين وغيرهما من الأسئلة.
والآن سنُلقِي الضوء على بعض مميِّزات اللغة العربية، والأدلَّة التي تُسوِّغ لنا أن نحكم لها بالأفضليَّة بين لغات العالم حديثها وقديمها.
دائمًا ما نجد المتحدِّث عن اللغة العربية، المُشِيد بفضلها ومكانتها بين اللغات - نجد دليله على هذا الفضل وتلك المكانة أنَّ اللغة العربية هي لغة القرآن، وهو خيرُ كلامٍ؛ إذ هو كلام ربِّ العالمين إلى الناس أجمعين، فلماذا نزَل القرآن عربيًّا؟
وهل تتميَّز اللغة العربية بميزات اختصَّت بها عمَّا دونها من اللغات؟
وإذا افترضنا وجود هذه الميزات، فهل يُسوِّغُ لنا ذلك أن نزعم أنَّ اللغة العربية هي أفضل اللغات؟
وإذا افتَرضنا أنها خير اللغات، فهل نزَل القرآن عربيًّا لأنها خير اللغات، أم أنها صارت كذلك لنُزُول القرآن عربيًّا؟
ولماذا كانت اللغة التي يجب على المسلمين تعلُّم بعضها ليقيموا بها فرائضهم هي العربية، ولا يجوز القيام بهذه الفرائض بغيرها؟
ولماذا كانت الأمَّة التي تحمل آخر رسالة إلى أهل الأرض عربية؟
هل في جنس العرب ما ليس في سِواهم، كما في لغتهم ما ليس في سواها؟
هذه الأسئلة وغيرها يُحاول هذا الجزءُ من البحث الإجابةَ عنها في شيءٍ من الإيجاز، مُحاوِلين ما وسعنا انتِهاج نهج علمي محايد لا شطَط فيه ولا تحيُّز، ولن تكون هناك أحكامٌ إلا بأدلَّتها الواضحة الصريحة الصحيحة.
الله عزَّ وجلَّ لا يفعَل شيئًا إلا لحكمةٍ عرفها مَن عرفها، وجهلها مَن جهلها، وعلينا البحث في حِكَم الله سبحانه وتعالى فيما حولنا، فإن توصَّلنا إليها فهي، ونعض عليها متمسِّكين بها، طالما أنَّ ما توصَّلنا إليه لا يُخالِف نصًّا من النصوص أو ثابتًا من الثوابت.
ونستَطِيع أن نقول مطمئنِّين: إنَّه لم يكن اختيارُ الله عزَّ وجلَّ لآخِر رسله وخاتم كتبه عربيًّا إلا لحكمةٍ بالغة، فما يكن مِن فعل الله واختياره فهو الحكمة، أي حكمة.
ونحن نُحاوِل البحثَ عن هذه الحكمة في كون القرآن عربيًّا لا بغيرها من اللغات، وكون الرسالة العالمية الخاتمة إلى أهل الأرض يحملها العرب لا غيرهم.
يرى البعض أنَّ مثل هذا الحكْم هو زعمٌ تزعمه كلُّ أمَّة للغتها، وأنَّ العرب تبعٌ على هذا المنوال في زعمٍ لا دليلَ عليه، لكنَّ الباحثَ المتأملَ المتجرِّد يرى الأدلَّة على أفضليَّة اللغة ظاهرةً للعيان، مؤكدة للباحث الهمام، وسنأتي عليها تفصيلًا.
ويرى البعض الآخَر أنَّ تفضيلَ بعضِ اللغات على بعضٍ أمرٌ غيرُ واقِع، فاللغات متشابهة متساوية، إنما تعلو وتَفضل إذا خدَمَها أهلُها ونشَرُوها بثقافتهم وقوَّتهم، وهذا صحيحٌ؛ فالأمم القويَّة تنتَشِر لغتها بين الأممِ الضعيفة، أو بتعبيرٍ أصح: الأُمَم المُستَضعَفة، وهذا قد قرَّرَه مؤسِّس علم الاجتماع ابن خلدون، فالأُمَم الضعيفة مغرَمة بتعلُّم لغة الأمَّة القويَّة الغالبة، لكنَّ هذا لا يَنفِي أنَّ اللغات تَتفاضَل فيما بينها في أصلها؛ لأسباب وخصائص ذاتية تتميَّز بها اللغة، دون النظر إلى حال المتكلِّمين بها.
مبدأ التفاضل قائم في كل شيء:
ثم إنَّ مبدأ التفاضُل قد قرَّرَه القرآن في غير موضع؛ ذلك أنَّ التفاضل كائنٌ بين كلِّ شيء؛ بين البشر، وبين الدواب، وفي الأطعمة والأشربة، والثمار والأمكنة... وغيرها، وحتى بين الرسل والملائكة والقرآن يقرِّر هذه الحقيقة في غير موضع، يقول تعالى: ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ [البقرة: 253]، ويقول سبحانه عن الأطعمة: ﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ﴾ [الرعد: 4].
وقد فضَّل الله بعض الأزمنة على بعض، وبعض النبيِّين على بعض، وفضَّل سبحانه بعض الكلام على بعض، وأيضًا قرَّر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مبدأ التفاضُل؛ فقد فضَّل صلَّى الله عليه وسلَّم بعضَ الناس على بعض، وفضَّل بعض القبائل على بعض، وسنأتي إلى تفضيل بعض الناس وبعض القبائل على بعض بالتفصيل؛ إذًا فمِن الثابت أنَّ مبدأ التفاضُل موجود مقبول؛ لكن بالأدلَّة الصحيحة.
ونحن نرى البشَر مُتَفَاوِتين في مواهبهم وملكاتهم العقلية والنفسية والجسمانية، ونرى الشعوب والمجتمعات تتفاوَت في خصائصها ومواردها وظروفها، فكيف لا تتفاضَل اللُّغات؟
أولًا: الدليل العقلي:
القرآن هو رسالة سماويَّة لأمَّة عالميَّة؛ فمِن المنتظر في هذه الرسالة أن تحمل أسمى المعاني في أوجز الكلمات وأوضح وأدق المعاني، وأن يحتاج غيرها إليها ولا تحتاج إلى غيرها، وأن تكون صالحة لكلِّ زمان ومكان؛ لأنَّ هذه الرسالة أبديَّة باقية إلى أن يرثَ الله الأرض ومَن عليها، أو بتعبير أدق: إلى أن تُمْحَى من الصدور والسطور.
هذه ميزات لا تتوفَّر في أيَّة لغةٍ من لغات العالم، هذه حقيقة علميَّة أثبتَتْها الأُمَم المتَّحِدة؛ حيث أصدرتْ بيانًا تُبيِّن فيه عدد اللغات التي ماتت خلال القرْن العشرين، وتوقَّعت اللغات التي ستَموت في القرن الحادي والعشرين، وكان مِن بين هذه اللغات المتوقَّع موتها اللغة العربية، وسبحان الله! قيَّض الله إحدى الجامعات البريطانية لتُثبِت خطأ هذا التوقُّع؛ حيث أثبتَتْ هذه الجامعة أنَّ اللغة العربية لغة خالدة؛ بل حدَّدت هذه الجامعة للُّغات الكبرى في العالَم عمرًا محددًا بعدَه تنقرض هذه اللغات، فكان ِمن بينها اللغة الإنجليزية التي ستموت في خلال قرن ونصف من الزمان، واللغة الفرنسية التي ستموت خلال ثلاث أرباع قرن.
لذلك وجدنا كثيرًا من الدُّوَل تُقَيِّد تاريخها باللغة العربية ومنها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا؛ وهذا يدلُّ على ثَبات هذه اللغة وتماسُكها وتفكُّك اللغات الأخرى؛ فقد أثبتَتْ نفس الجامعة أنَّ جميعَ اللغات تَحوِي أسباب فنائها إلا اللغة العربية؛ فإنها خالية مِن كلِّ الآفات التي تؤدِّي إلى اندِثار اللغات.
الدليل الواقعي العلمي
سنستَعرِض الآن مميِّزات اللغة العربية مع مقارنة هذه الميزات مع بعض اللغات العالمية المنتَشِرة على مستوى العالم، ونرى أي اللغتين مستحق للتفضيل على الأخرى.
الميزة الأولي: التخفيف:
ونقصد هنا التخفيف في الحروف، فاللغة العربية تغلب عليها الأصول الثلاثيَّة ثم الرباعية فالخماسية، أمَّا اللغات الأخرى فلا نجد هذا الأمر فيها، فالكلمات الثلاثية قليلة في اللغات الأخرى بالمقارنة باللغة العربية.
يقول ابن فارس: (وممَّا اختصَّت بِهِ لغةُ العرب قلبهم الحروف عن جهاتها؛ ليكون الثاني أخفَّ من الأوَّل، نحو قولهم: (ميعاد) ولم يقولوا: (مِوْعاد)، وهما من (الوعد)، إلَّا أنَّ اللفظ الثاني أخفُّ، ومن ذلك تركُهم الجمعَ بين السَّاكنين، وقد تجتمع فِي لغة العجم ثلاث سواكن).
يقول ابن جني: (إنَّ الأصول ثلاثة: ثلاثي ورباعي وخماسي، فأكثرها استعمالًا وأعدلها تركيبا الثلاثيُّ؛ وذلك لأنَّه حرف يُبتَدأ به، وحرف يُحشَى به، وحرف يُوقَف عليه).
ثم يقول مُبيِّنًا الحكمة من غلبة الثلاثي: (فتمكُّن الثلاثي إنما هو لقلَّة حروفه)؛ "الخصائص" 1/ 65.
ولا شكَّ أنَّ لهذه الخاصِّيَّة فوائد جمَّة في العربية؛ ففيها توفيرٌ للوقت والجهد والمال؛ فالنطق بالكلمات الصغيرة أخفُّ على اللسان، وأحبُّ للقلب، وأسرع في الوقت، وأخصر في الكتابة من الكلمات الطويلة.
وقد يقول قائل: إنَّ الجذور الثُّلاثية من سمات اللغات السامية عمومًا.
فنقول: أكثر الساميَّات اليوم غير مستعمل إلا نادرًا، وهذا القليل النادر غير مُطابِق في أكثره لقواعد الساميات القديمة، فصحَّ أن تُعَدَّ هذه سِمَة من سِمات العربية.
الميزة الثانية: سعة المفردات:
لا توجد لغةٌ على وجه الأرض يحوي قاموسها ما يَحوِيه المعجم العربي من مفردات، وهذه حقيقة واقعة شهد بها المستشرقون، كما شهد بها المسلمون، فاللغة العربية هي لغة الغِنَى والثَّراء.
قال الإمام الشافعي: (لسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا)؛ "الرسالة"؛ للإمام الشافعي: 1/ 45، 46.
فلا يُمكِن لأحدٍ إحصاءُ جميع الألفاظ العربية إلا نبيٌّ، مهما بلَغ في اللغة شأوًا بعيدًا، وفي اللغة العربية كثيرٌ من الأسماء لمسمًّى واحد؛ كأسماء الأسد والحيَّة والعسل، وممَّن ألف في المترادف العلَّامة مجد الدين الفيروزآبادي صاحب "القاموس"، ألَّف فيه كتابًا سماه: "الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف"، وأفرد خَلْقٌ مِن الأئمَّة كتبًا في أسماء أشياء مخصوصة، فألَّف ابن خالويه كتابًا في "أسماء الأسد"، وكتابًا في "أسماء الحية"، ذكر أمثلة من ذلك "العسل" له ثمانون اسمًا، أورَدَها صاحب "القاموس" في كتابه الذي سمَّاه: "ترقيق الأسل لتصفيق العسل".
يقول ابن فارس: (وممَّا لا يُمكِن نقله البتَّة أوصاف السيف والأسد والرمح وغير ذلك من الأسماء المترادفة، ومعروفٌ أنَّ العجم لا تَعرِف للأسد أسماء غير واحد، فأمَّا نحن فنخرج له خمسين ومائة اسم)؛"الصاحبي" ص 21.
ويقول أيضًا: (وحدثني أحمد بن محمد بن بندار قال: سمعتُ أبا عبد الله بن خالويه الهمذاني يقول: جمعت للأسد خمسمائة اسم، وللحية مائتين)؛ نفس المصدر.
وهذا الذي يُصرِّح به ابن فارس يُقرِّره علماء اللغة المُعاصِرون من الشرق والغرب؛ إذ يذكر الدكتور علي عبد الواحد وافي، وكان عضوًا بالمجمع اللغوي بالقاهرة، (أنَّ الأستاذ دو هامر De Hammer جمَع المفردات العربية المتَّصِلة بالجَمَل وشؤونه، فوصَلَتْ إلى أكثر من خمسة آلاف وستمائة وأربع وأربعين).
ويقرِّر الدكتور وافي نفسُه (أنَّ مِن أهمِّ ما تَمتاز به العربيَّة أنها أوسع أخواتها السامية ثروةً في أصول الكلمات والمفردات؛ فهي تشتَمِل على جميع الأصول التي تشتَمِل عليها أخواتها السامية أو على معظمها، وتزيد عليها بأصولٍ كثيرة احتَفظَتْ بها من اللسان السامي الأول، وأنَّه تجمع فيها مِن المفردات في مختلف أنواع الكلمة؛ اسمها وفعلها وحرفها، ومن المترادفات؛ في الأسماء والصفات والأفعال... ما لم يجتمع مثله للغة سامية أخرى؛ بل ما يندر وجود مثله في لُغة من لغات العالم)؛ "فقه اللغة" ص 131.
ويقول المستشرق الألماني نولدكه: (إنَّه لا بُدَّ أن يزدادَ تعجُّب المرء من وفرة مفردات اللغة العربيَّة، عندما يعرِف أنَّ علاقات المعيشة لدى العرب بسيطة جدًّا؛ ولكنَّهم في داخل هذه الدائرة يرمزون للفرق الدقيق في المعنى بكلمة خاصَّة... والعربية الكلاسيكية ليست غنيَّة فقط بالمفردات؛ ولكنَّها غنيَّة أيضًا بالصِّيَغ النحوية)؛ نقلًا عن "اللغة العربية"؛ لنذير حمدان، ص 133.
وعدد الألفاظ المُستَعمَلة مِن اللغة العربية خمسة ملايين وتسعة وتسعون ألفًا وأربعمائة لفظ، مِن جملة ستَّة ملايين وستمائة وتسعين ألفًا وأربعمائة لفظ، بينما نجد غيرها من اللغات الأوربية لا يبلغ عدد مفرداتها معشار ما بلغتْه مفردات العربية؛ "مجلة الفيصل" العدد 255/ رمضان 1418 هـ، "اللغة العربية بعض خصائصها، شهادات أجنبيَّة بأهميَّتها"؛ محمد نعمان الدين الندوي، الصفحة: 70.
الميزة الثالثة: الترادُف:
وهذه ميزة مُترتِّبة على سابقتها ونتيجة لها، فما هو الترادف؟
الترادف لغة: التتابُع.
الترادف اصطِلاحًا: دلالة عدد من الكلمات المختلفة على معنى واحد؛ مثل:
1- الحزن، الغم، الغمة، الأسى، والشجن، الترح، الوَجْد، الكآبة، الجزع، الأسف، اللهفة، الحسرة، الجوى، الحرقة، واللوعة.
وليس في اللغة العربية ترادف تامٌّ، إنما المترادفات تشتَرِك في معنى عام، ثم تختصُّ كلُّ مفردة عن الأخرى بزيادة معنى ليس في غيرها، وإنْ كان هذا المعنى دقيقًا قد لا يُؤَثِّر على المعنى العام.
وهنا تظهر فصاحة وبلاغة اللغة العربية؛ فهي لُغة دقيقة في تعبيراتها، لا تعبِّر بمعنى فضفاض مُتَّسِع الدلالة، ثم هي لا تحتاج إلى كلماتٍ كثيرة لإيصال المعنى؛ بل الكلمة الواحدة تحمل معاني كثيرة.
ومن باب الأمانة العلميَّة، فإنَّه قد وقَع خلافٌ قديمٌ في مسألة الترادف في اللغة، يَحسُن إيراده هنا، مع أنِّي أقرُّ ما أسلفتُه مِن وجود الترادُف؛ لكنَّه ليس تامًّا، وإنما أُورِدُ هذا الخلاف؛ لأبيِّن اهتِمام أسلافنا بقضايا لغتهم، وأنَّ مَن قال بالترادف ومَن لم يقل إنما دفَعَه حبُّه للغة القرآن وحبُّه لإظهار الحق فيها لا غير.
المُثبِتون للترادف:
منهم: سيبويه، والأصمعي، وأبو الحسن الرماني، وابن خالويه، وحمزة بن حمزة الأصفهاني، والفيروزآبادي، والتهانوي، ومعظم المُحْدَثين مِن اللغويين العرب يعتَرِف بوقوع الترادف في اللغة، مِن هؤلاء: علي الجارم، وإبراهيم أنيس.
حُجَج المُثبِتين: يحتجُّ المُثبِتون للترادف بما يلي:
(1) لو كان لكلِّ لفظةٍ معنًى غير معنى الأخرى لَمَا أمكنَ أن نعبِّر عن شيءٍ بغَيْر عبارته، وذلك أنَّا نقول في ﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾ [البقرة: 2]: "لا شكَّ فيه"، وأهل اللغة إذا أرادوا أن يفسِّروا (اللُّبَّ) قالوا: هو "العقل"، فلو كان الريبُ غير الشكِّ، والعقل غير اللُّب، لكانت العبارةُ عن معنى الريب بالشك خطأ، فلمَّا عُبِّرَ بهذا عن هذا، عُلِم أن المعنى واحد.
(2) إنَّ المتكلِّم يأتي بالاسمين المختلفين للمعنى الواحد في مكانٍ واحد تأكيدًا ومبالغةً كقوله:
........................... ♦♦♦ وَهِنْدٌ أَتَى مِنْ دُونِهَا النَّأْيُ وَالْبُعْدُ
قالوا: فالنَّأْيُ هو البُعد.
(3) الترادُف لا يعني التشابه التامَّ، إنما أن يُقام لفظٌ مقام لفظٍ؛ لمعانٍ متقاربة يجمعُها معنًى واحد؛ كما يُقال: أصلحَ الفاسد ولمَّ الشَّعث، ورتَقَ الفَتْق، وشَعَبَ الصَّدع.
(4) وقال الطاهر بن عاشور: إذا أصبحتْ عدد من المفردات تدلُّ على شيءٍ واحد فهي من الترادف، ولا يهمُّنا ما إذا كانت في الماضي تدلُّ عليه أو على صفةٍ فيه؛ مثل (الحسام)، و(الهندي)، التي أصبحَت الآن تدلُّ على السيف، ولا يلحظ معنى القطع أو الأصل الهندي فيها.
المُنكِرون للترادف:
منهم: ثعلب، وابن درستويه، وابن فارس: وأبو علي الفارسي، وأبو هلال العسكري، والبيضاوي.
حجج المُنكِرين للترادف:
(1) لا يجوز أن يختلفَ اللفظ والمعنى واحد؛ لأنَّ في كلِّ لفظةٍ زيادة معنى ليستْ في الأخرى، ففي (ذهب) معنى ليس في (مضى).
(2) الشاهد على أنَّ اختِلاف الأسماء يُوجِب اختلافَ المعاني أنَّ الاسمَ يدلُّ كالإشارة، فإذا أُشِير إلى الشيء مرَّة واحدة فعُرِف فالإشارة إليه ثانية وثالثة غير مفيدة، وواضِع اللغة حكيمٌ لا يأتي فيها بما لا يفيد.
يبدو أنَّ الاختِلاف عائدٌ إلى معنى الترادف، هل يعني التَّشابُه التَّامَّ في كل الأحوال؟ أم هل يعني التشابُه النسبي الذي يُمكِن فيه أن تستعمل لفظة مكان أخرى؟ إذا كان الأول، فالتشابُه مستحيل بين كلمتين؛ بل إنَّ بعض علماء اللغة يستبعد أن تشبه الكلمة نفسَها في موضعَيْن مختلفين، أمَّا إذا قبلنا بالتعريف الثاني، فإنَّنا لن نُعدَم عددًا من الألفاظ التي يُمكِن أن تحلَّ محلَّ أخرى في سِياقات مُعيَّنة؛ فنعدها من الترادف.
ومع أنَّ الترادُف موجودٌ في معظم اللغات، إلا أنَّه أظهرُ في اللغة العربية، وقد كُتِبتْ فيه المؤلفات والرسائل؛ منها ما قدمناه في سعة المفردات، ومنها كتاب "الفروق اللغوية"؛ لأبي هلال العسكري، وهذا نموذج من كتاب أبي هلال:
"الفرْق بين (المدح) و(التقريظ): أنَّ المدح يكون للحيِّ والميِّت، والتَّقرِيظ لا يكون إلا للحيِّ، وخلافُه (التأبين) ولا يكون إلا للميت.
والفرق بين (المدح) و(الثناء): أنَّ الثناء مدحٌ مكرَّر.
والفرق بين (المدح) و(الإطراء): أنَّ الإطراء هو المدح في الوجه.
والفرق بين (العهد) و(الميثاق): أنَّ الميثاق توكيدُ العهد.
والفرق بين (الوعد) و(العهد): أنَّ العهد ما كان من الوعد مقرونًا بشروط"؛ "الفروق في اللغة" 421 بتصرُّف.
الميزة الرابعة: الإيجاز:
يحسُن بعد الكلام عن سَعَة المفردات والترادف أن نتحدَّث عن الإيجاز في اللغة العربية؛ لئلَّا يتوهمنَّ مُتَوهِّمٌ أنَّ هذا الغِنَى في المفردات والمترادفات هو مجرَّد كمٌّ يُحشَى به الكلام دون حاجةٍ إليه، وكانوا يقولون: البلاغة الإيجاز.
وقضية الإيجاز واسعة متشعِّبة جدًّا؛ لذا سنقسمها أقسامًا؛ ليسهل تناوُل كلِّ قسمٍ على حِدَةٍ مع شيءٍ من الإيجاز، وإلا فالموضوع يحتاج إلى رسائل جامعيَّة لتوفِّيه حقَّه؛ لكن حسبنا الإشارة مع المقارنة باللغات الأخرى ليتَّضِح الفارق.
بدايةً نذكر القاعدة الجليلة التي ذكَرَها ابن مالك في ألفيَّته، هذه القاعدة المطَّردة في اللغة العربية حيث يقول:
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ ♦♦♦ ....................
ونستطيع أن نعرِّف الإيجاز المقصود في بحثِنا هنا بأنه: (ما يستغني عن زوائد الكلام، ويحتفظ بالمعنى المُراد).
وهذه القاعدة تبيِّن لنا بجلاءٍ إلى أيِّ حدٍّ هذه اللغة رقيقة وحسَّاسة، لا تتحمَّل الزيادات غير المُفِيدة ولا تقبل حشوًا، فالحرف في اللغة العربيَّة يُغيِّر المعنى.
وسنقسم الإيجاز إلى ثلاثة أقسام:
1 - إيجاز في الحروف.
2 - إيجاز في الكلمات.
3 - إيجاز في التراكيب والجُمَل.
أولًا: في الحروف:
أ - تُكتَب الحركات في العربية فوق الحرف أو تحته، فلا تأخذ حيِّزًا في الكتابة، بينما في اللغات الأجنبية تأخذ حجمًا يُساوِي حجم الحرف أو يَزِيد عليه، وقد نحتاج في اللغة الأجنبية إلى حرفين مقابل حرف واحد في العربية لأداء صوت مُعَيَّن؛ كالخاء (KH) مثلًا، ولا نكتب من الحروف العربية إلا ما نحتاج إليه.
ب - وفي العربيَّة إشارات وعلامات تُعَزِّز هذا الإيجاز؛ منها: إشارة نُسمِّيها (الشدة)، نضعها فوق الحرف لندلَّ على أنَّ الحرف مكرَّر أو مشدَّد؛ أي: إنَّه في النطق حرفان، وبذلك نستَغنِي عن كتابته مكرَّرًا، في حين أنَّ الحرف المكرَّر في النُّطق في اللغة الأجنبية مكرَّر أيضًا في الكتابة على نحو (flapper) و(recommendation)، ونحن في العربيَّة قد نستَغنِي كذلك بالإدْغام عن كتابة حروف بكاملها، وقد نلجأ إلى حذف حروف، فنقول ونكتب: (عَمَّ) عِوَضًا عن (عن ما)، و(مِمَّ) عِوَضًا عن (من ما)، و(بِمَ) عِوَضًا عن (بما)، ومثلها (لِمَ) عِوَضًا عن (لِما).
ج - أداة التعريف التي نستَعمِلها هي (أل)، وتكتب متَّصِلة بالكلمة، والاتِّصال في الكتابة أسهل وأوْفر وقتًا، أمَّا التنكير فيكون بعدم وجود (أل)، وفيه مزيد اختصار، فاللغة العربيَّة تستَثمِر انعِدام الأداة كما تستَثمِر وجودها.
ثانيًا: الإيجاز في الكلمات:
أ - ليس في العربية أفعالٌ مُساعِدة نتوسَّل بها لإقامة المعاني، فنقول: (أنا سعيد، وهو يكتب) مباشرة، والفعل قد يستَتِر فاعله فلا يُكتَب، وقد يتَّصِل بالفعل نفسه فيكون ضميرًا.
ب - الحرف الواحد في بعض الأحيان يُشكِّل جُملةً واحدةً، نفهَم منها الفعل والفاعل والمفعول؛ مثال ذلك قولنا: (فِ)، فإنَّ هذا الحرف إنما هو جُملة، فيها أمرٌ مُوجَّه للمُخاطَب وهو الفاعل هنا، ليفعل هذا العمل وهو الوفاء.
ج - الحركات أيضًا هي نوعٌ من أنواع الإيجاز؛ إذ بالحركة نستَطِيع التفريق بين الكلمات المختلفة؛ كـ"فرَح" الاسم، و"فَرِحَ" الفعل، وبين نوعين من أنواع الاسم؛ كـ"فرِح" صيغة المبالغة، و"فَرَح" المصدر، وبين فعلٍ معلوم الفاعل "كَتَب" وآخَر مجهول الفاعل "كُتِب"، وإذا ترجمنا هذه الكلمات إلى أيَّة لغةٍ من لغات العالَم سنجد أنَّنا نحتاج إلى أكثر من كلمةٍ لا كلمة واحدة، أو إلى كلمةٍ وبها لواحق أو سوابق لتُعطِي نفس المعنى الذي أفادَتْه الكلمة العربية الواحدة التي لا تحتاج إضافة كلمات ولا سوابق أو لواحق، إنما هي الحركة على الحرف وحسب.
د - في اللغة العربية قد نستَغنِي بحرفَيْن عن كلمات كاملة؛ ففي حالة (التثنية)، فالعربية ليست كاللغات التي تُهمِل حالة التثنية لتنتقل من المفرد إلى الجمع، وتكون التثنية بإضافة حرفَيْن إلى المفرد ليصبح مثنى (الباب - البابان - البابين)، على حين أنَّه لا بُدَّ في الفرنسية والإنجليزية من ذكر العدد مع ذكر الكلمة وذكر علامة الجمع بعد الكلمة، فنقول في الفرنسية: (Les deux portes)، ونقول في الإنجليزية (the tow doors).
وفي (إضافة الضمائر) نكتفي في العربية بإضافة الضمير إلى الكلمة، وكأنَّه جزء منها، فنقول: (كتابه) و(منزلهم)، على حين تقول في الفرنسية مثلًا: (son livre) و(leur maison).
أمَّا في (إضافة الشيء إلى غيره) فيَكفِي في العربية أن نُضِيف حركة إعرابية؛ أي: صوتًا بسيطًا إلى آخِر المضاف إليه، فنقول: (كتاب التلميذِ)، و(مدرسة التلاميذِ)، على حين تستعمل في الفرنسية أدوات خاصَّة لذلك، فنقول: (le livre de leleve) و(des eleves lecole).
وفي (الإسناد) يكْفي في العربيَّة أن تذكر المسند والمسند إليه، وتترك لعلاقة الإسناد العقلية والمنطقية أن تصلَ بينهما بلا رابطة ملفوظة أو مكتوبة، فتقول مثلًا: (أنا سعيدٌ)، على حين أنَّ ذلك لا يتحقَّق في اللغة الفرنسية واللغة الإنجليزية، ولا بُدَّ لك فيهما ممَّا يُساعِد على الربط، فتقول: (je sui heureux) و(I am happy)، وتستعمل هاتان اللغتان لذلك طائفة من الأفعال المساعدة؛ مثل: (etre وavoir) في الفرنسية، و(to have وto be) في الإنجليزية.
هـ - الفعل في اللغة العربية يمتاز باستِتار الفاعل فيه حينًا، وكونه جزءًا منه حينًا آخَر؛ تقول: (أكتب، وتكتب) مقدِّرًا الفاعل المستتر، وتقول: (كتبت، وكتبا، وكتبوا)، فتَصِل الفاعل بالفعل وكأنَّه حرفٌ من حروفه، فلا نحتاج إلى البدْء به منفصلًا مقدمًا على الفعل كما هو الأمر في الفرنسية: (nous - tu - il- je)، وفي الإنجليزية (I - you - they).
وكذلك عند (البناء للمجهول) يكفي في العربيَّة أن تُغيِّر حركة بعض حروفه، فتقول: (كُتِبَ، قُرِئَ)، في حين تقول في الفرنسية مثلًا: (a ete ecrit)، وفي الإنجليزية (it was read).
و - في العربية كلمات يصعب ترجمتها أو التعبير عن معناها إلا في جُمَل كاملة؛ مثل:هيهات It is too far
شتَّان There is a great difference
هو قوي كالأسد He is as strong as a lion
سأذهب I shall go
سيذهب He will go
ومن الإيجاز حالي التثنية والجمع:
الباب البابان - البابين
es deux portes the two doors
الباب البابان - البابين
es deux portes the two doors
ثالثًا: الإيجاز في التراكيب والجمل:
الإيجاز في التراكيب:
والإيجاز أيضًا في التراكيب، فالجملة والتركيب في العربية قائمان أصلًا على الدمج أو الإيجاز؛ ففي الإضافة يَكفِي أن تُضِيف الضمير إلى الكلمة، وكأنَّه جزءٌ منها:
كتابه son livre كتابهم leur livre
وأمَّا في الإسناد فيَكفِي في العربية أن تذكر المسند والمسند إليه بلا رابطة ملفوظة أو مكتوبة، فنقول مثلًا: (أنا سعيد)، على حين أن ذلك لا يتحقَّق في اللغة الفرنسية أو الإنكليزية، ولا بُدَّ لك فيهما ممَّا يُساعِد على الربط فتقول:
je suis heureux)، (I am happy.
فمثلًا سورة (الفاتحة) المؤلَّفة في القرآن من 31 كلمة استغرقت ترجمتها إلى الإنكليزية 70 كلمة.
والنفي أسلوبٌ في العربية يدلُّ على الإيجاز:
العربية: (لم أقابله)، الإنكليزية: (I did not meet him)
الفرنسية: (Je ne l’ai pas rencontré)
الميزة الخامسة: الإعراب ودلالته على المعنى:
اللغات قسمان: مبنيَّة ومُعربة، واللغات السامية كلها معربة، فلم تنفرد اللغة العربية بذلك، وفي بعض اللغات السامية آثارٌ من الإعراب مثل اللغة الأمهرية، وإن كان بينها وبين الإعراب في العربية فرق غير يسير.
ولا شكَّ أن في الإعراب شيئًا من الصعوبة، فيحتاج المتكلِّم إلى معرفة حالات الإعراب، مثل:
رأيت خالدًا Khalid I saw
حضر خالدٌ Khalid came
ذهبتُ مع خالد I went with Khalid
فيجب معرفة المرفوع من المنصوب من المجرور، على عكس الإنجليزية، لكن هل السهولة مزية دائمًا؟ وهل الإعراب عيبٌ في اللغة العربية؟
ليس دائمًا؛ فالأجهزة الحديثة أكثر تعقيدًا مِن مثيلاتها القديمة؛ فالحاسبات والماكينات وغيرها إذا كانت حديثة ومتطوِّرة، فنراها معقَّدة عن مَثِيلاتها القديمة، ومع ذلك هي مُفضَّلة ومُقدَّمة؛ لما فيها من خصائص ليست في غيرها.
كذلك في اللغة العربية نجد الإعراب يؤدِّي ما لا تُؤدِّيه اللغات المبنيَّة في دقَّة التعبير والإيجاز وتنوُّع المعاني بأقلِّ قدرٍ من الكلمات.
فما هو الإعراب؟
الإعراب هو: الإبانة عن المعاني بالألفاظ؛ فمثلًا عندما نقول: (يحترمُ أحمدُ أباه)، و(شكَر سعيدًا أبوه)، علمت برفع أحدهما ونصب الآخر الفاعل من المفعول، ولو كان الكلام شرجًا واحِدًا لاستبهم أحدهما من صاحبه.
والإعراب موجودٌ في بعض اللغات؛ مثل اللاتينيَّة؛ لكنَّه لا يُدانِي أهميَّة الإعراب في العربيَّة، ثم إنَّ اللاتينيَّة قد اندَثرت وصارت لغةً من التاريخ لا واقِع لها، بل كان الإعراب في اللاتينية من أسباب صعوبتها، أمَّا هو في العربية فله عدَّة ميزات وفوائد نذكُر منها على سبيل الإيجاز والاختصار:
1 - الإعراب دليل التخفيف والإبانة عن المعاني بسهولة ويُسر.
2 - الإعراب وسيلةٌ من وسائل الإبداع والبلاغة؛ فبه نستَطِيع التقديم والتأخير اهتمامًا بالمتقدِّم وإبرازًا له، ولا يختلُّ المعنى أو يلتَبِس طالما أنَّ هذا التقديم خاضِع لقواعد النحو.
3 - الإعراب هو ضربٌ من ضروب الإيجاز في اللغة؛ لأنَّنا بالحركات نكتَسِب معاني جديدة دون أن نضطرَّ لزيادة حجم الكلمة أو رفدها بمقاطع أخرى أو بأفعال مساعدة.
4 - الإعراب يُتِيح للعربيَّة قدرةً هائلة في التعبير عن المعاني والتفنُّن في الأساليب، وتجعلها أكثر مرونةً وتصرُّفًا في بناء التراكيب.
5 - الإبانة عن المعاني، وكثيرٌ من الجُمَل في العربية لا يبين معناها إلا بالإعراب.
كيف أنت ومحمدٌ؟
كيف أنت ومحمدًا؟
فبِرَفْع محمد معناها السؤال عن الحال أو الصِّحَّة، وتكون الإجابة مثلًا: أنا ومحمد بخير، أمَّا بالنصب فالسؤال عن العلاقة، وتكون الإجابة: إنَّ علاقتنا جيدة.
ومثال آخر:
كم رجلًَا عندك قال الحق؟
كم رجلٍ عندك قال الحق!
كم رجلٌ عندك حق؟
الأولى للسؤال، والثانية للإخبار بالكثرة، والثالثة تعني: كم قال رجل معيَّن الحقَّ.
ومثال ثالث يبيِّن خطَر الإعراب في تغْيير المعنى تغييرًا تامًّا:
سمع أحد الأعراب قارئًا يقرأ قول الله تعالى: ﴿ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ﴾ [التوبة: 3].
فقرأها بكسر كلمة ﴿ رسوله ﴾، والصحيح أنها مرفوعةٌ، فقال الأعرابي: أبرأ الله من رسوله؟
ويبيِّن ابن فارس هذه الخاصيَّة الخصيصة في لغة العرب فيقول: (إنَّ مِن العلوم الجليلة التي اختصَّت بها العرب الإعرابَ الذي هو الفارق بين المعاني المتكافئة في اللفظ... ولولاه ما ميز فاعلٌ مِن مفعول، ولا مضاف مِن منصوب، ولا تعجُّب مِن استفهام، ولا صدر مِن مصدر، ولا نعت مِن توكيد)؛ "الصاحبي" ص 76.
وتقول: (كم رجلًا رأيت؟) في الاستخبار، و(كم رجلٍ رأيت)، في الخبر يُراد به التكثير؛ "الصاحبي" ص 310
وفي هذا الكلام من ابن فارس إشارة مهمَّة إلى دور الحركات عمومًا في التمييز بين المعاني المختلفة، ليس فقط على مستوى الإعراب، ولكن أيضًا على مستوى البنْية المفردة.
الميزة السادسة: الأصوات ودلالتها على المعاني:
عرفنا فيما سبَق أنَّ الإعراب يدلُّ على المعاني بقرينة الحركة الإعرابيَّة، وما تدلُّ عليه هذه الحركة وما تفيده، أمَّا الآن فسَنَتَحَدَّث عن أصوات بعض كلمات اللغة العربية التي تدلُّ على معناها بمجرَّد سماع صوت الكلمة، وسنَرَى أنَّ بعض الكلمات قد يُفهَم معناها العام أو معناها بدقَّة من خلال أصوات المتكلم.
ويقول ابن خلدون: (الملكات الحاصِلة للعرب أحسَنُ الملكات وأوْضَحها إبانةً عن المقاصد لدلالة غير الكلمات على كثيرٍ من المعاني؛ مثل الحركات التي تُعيِّن الفاعل مِن المفعول والمجرور - أي: المُضاف - ومثل الحروف التي تُفضِي بالأفعال إلى الذوات مِن غير تكلُّف ألفاظ أخرى... ولا يوجد ذلك إلا في لغة العرب، وأمَّا غيرها من اللغات فكلُّ معنى أو حال لا بُدَّ له مِن ألفاظ تخصُّه بالدلالة؛ ولذلك نجد كلام العجم في مخاطبتهم أطول ممَّا تقدِّره بكلام العرب...).
الميزة السادسة: الفصاحة:
الفصاحة في اللغة: خلوُّ الشيء ممَّا يَشُوبه، وهي الظهور والبيان.
يُشتَرط لوَصْف الكلام بالفصاحة شروطٌ في الكلمة المفردة والكلام المركَّب:
شروط فصاحة الكلمة هي خلوُّها من:
أ - تنافُر الحروف: وهذا يتَّصِل بعِلم الأصوات النطقي.
ب - الغرابة: وهذا يتَّصِل بالمعجم.
ج - مخالفة القياس الصرفي: وهذا يتَّصِل بعَطاء عِلم الصرف.
د - الكراهة في السمع - كما أضافه البعض - وهذا يتَّصِل بعِلم الأصوات السمعي.
شروط فصاحة الكلام هي خلوُّه من:
أ - تنافُر الكلمات: وهذا يتَّصِل بالأصوات أيضًا؛ لأنَّه مبنيٌّ على تكرار صوتٍ ما بنسبة معيبة.
ب - ضعف التأليف اللفظي: بجريانه على خلاف المشهور مِن قواعد النحو، وهذا يتَّصِل بالنحو.
ج - التعقيد اللفظي: وذلك باضطراب مرجع الضمير وغير ذلك: وهذا يتَّصِل بعِلم النحو.
د - التعقيد المعنوي: وذلك بصعوبة الوُصُول مِن المعنى الأساس للكلمات إلى المعنى المُرَاد: وهذا يتَّصل بعِلم البيان.
ويقول ابن خلدون: (الملَكات الحاصلة للعرب أحسَن الملكات وأوْضحها إبانةً عن المقاصد لدلالةِ غير الكلمات على كثيرٍ من المعاني؛ مثل: الحركات التي تُعَيِّن الفاعل مِن المفعول والمجرور - أي: المُضاف - ومثل الحروف التي تُفضِي بالأفعال إلى الذوات مِن غير تكلُّف ألفاظٍ أخرى... ولا يوجد ذلك إلا في لغة العرب، وأمَّا غيرها من اللغات فكلُّ معنى أو حال لا بُدَّ له من ألفاظٍ تخصُّه بالدلالة؛ ولذلك نجد كلام العجم في مخاطبتهم أطول ممَّا تقدِّره بكلام العرب...).
يقول الفارابي في "ديوان الأدب": (هذا اللسان كلامُ أهل الجَنَّة، وهو المنَزَّه مِن بين الألسنة مِن كلِّ نقيصة، والمعلى مِن كلِّ خسيسة، والمهذب ممَّا يُستَهجَن أو يُستَشنَع، فبنى مباني بايَن بها جميع اللغات من إعرابٍ أوجَدَه الله له، وتأليف بين حركة وسكون حلَّاه به، فلم يجمع بين ساكنَيْن، أو متحرِّكَيْن متضادَّيْن، ولم يلاقِ بين حرفَيْن لا يأتلَّفان، ولا يعذب النطق بهما أو يشنع ذلك منهما في جرس النغمة وحسِّ السمع، كالغين مع الحاء، والقاف مع الكاف، والحرف المطبق مع غير المطبق؛ مثل: تاء الافتِعال، والصاد مع الضاد في أخواتٍ لهما، والواو الساكنة مع الكسرة قبلها، والياء الساكنة مع الضمة قبلها، في خلال كثيرة من هذا الشكل لا تُحصَى)؛ "المزهر في علوم اللغة وأنواعها"؛ للسيوطي: 1/ 272.
الميزة السابعة: الثبات الحرُّ:
العربيَّة مِن اللغات القلائل الثابتة الأصول، المَتِينة البنيان، الممتدَّة العمر، يَفهَم الآخِر فيها ما كَتَب الأوَّل، وتمخر نصوصها عبر العصور والقرون، ويَتواصَل أبناؤها عبر الزمان والمكان، فما قاله امرؤ القيس، والنابغة، وعنترة في أقدم عصورها، حاضِر ماثل اليوم يتغنَّى به الشُّعَراء والكُتَّاب، بل يتعلَّمه التلاميذ والطلَّاب، ويَسِير في الناس مسير الأمثال.
على حين لا يَفهم الإنجليزيُّ اليومَ ما كتَبَه شكسبير وأمثالُه قبلَ بضع مِئات من السنين! فأين من أين؟ بل أين من لا أين؟!
يقول د. حسين نصار: (إنَّ أكبر تَحَدٍّ واجهَتْه العربيَّة كان عندما أخرَجَها الإسلام مِن جاهليَّة غنيَّة كل الغِنَى في الإبداع الأدبي، فقيرة كل الفقر إلى حدِّ الإملاق في الإنتاج العلمي، ثُم ألقى بها في القرنين الثاني والثالث الهجريين في بحر زاخر مِن الحضارات والعلوم، والفلسفات والفنون، وكل صنوف المعرفة التي ابتَكرَتْها الأُمَم المُتاخِمة للجزيرة العربية؛ كالفُرس والروم، والسريان والمصريين، والأمم البعيدة عنها؛ كالهنود والصينيين، والأتراك والبربر، وشعوب إسبانيا، ولكنَّ العربيَّة صمدتْ لهذا التحدِّي، بفضل ما بثَّه الإسلام في العرَب مِن رغبةٍ في المعرفة، وسعيٍ في طلَبها، وطموح وعزْم، وتخطيط وتنفيذ، وتعاون مع غير العرب مِن أبناء الشعوب العارِفَة باللغات الأجنبية واللغة العربية، فلمْ يَمضِ إلا وقتٌ غيرُ طويلٍ حتى نَقَلَت العربيةُ كلَّ ما وجدتْ عند هذه الأُمَم إليها، فاستَطاع أبناؤها بعدُ أن يتمثَّلوها فهمًا، ولم يمضِ كبيرُ وقتٍ حتى شارَكوا في الإنتاج والابتِكار، فصار ما كتَبَه هؤلاء المفكِّرون والعُلَماء منذ القرن الثالث نبراسًا استَضاءت به شعوب العالم القديم، لا يستَطِيع أن يُنكِر ذلك إلا مُنكِرٌ لعقله، مُنكِرٌ لشمس النهار الصحو، مُنكِرٌ لتاريخ الإنسان وتطوُّره الحضاري)؛ مِن كلمته التي ألقاها بمناسبة حصوله على جائزة الملك فيصل العالمية، "مجلة تراثيات"، العدد الخامس ذو الحجة 1425 - يناير 2005.
ومع هذا التحدِّي الكبير فلم تنخَرِط اللغة في غيرها من اللغات؛ بل ظلَّت محافِظة على هُويَّتها، متماسِكة لا تذوب في غيرها من اللغات، ويذوب غيرها فيها.
الثَّبات:
تميَّزت اللغةُ العربية بالثبات، وهذا الثبات لا يَعنِي الجمود وعدم التطوُّر، فهي متطوِّرة في إطارٍ ثابت، طيِّعة صالحة لكلِّ زمان ومكان، لكلِّ عصر ومصر، مِن خلال أُطُر وقواعد تحفظ عليها رونَقَها وأصولها؛ لذلك لم يطُلها ما طال اللغات الأخرى مِن تطوُّر أدَّى في النهاية إلى اندِثارها، أو تطوُّرِها تطوُّرًا نشأ عنه مراحل مِن اللغة لا يَفهَم اللاحقُ منها السابقَ، فقد اندَثَرت اللغة اللاتينية ونشأ عنها اللغات الأوربية المتعدِّدة، وتطوَّرت اللغة الإنجليزية فصار مَن يدرس الإنجليزية الحديثة لا يَفهَم الإنجليزيَّة الوسيطة، فاحتاج دارِس الإنجليزيَّة إلى ترجمة روايات شكسبير ليَفهَمها، أمَّا العرب فهم يقرؤون ما كُتِبَ من خمسة عشر قرنًا ويفهمونه، بل يشعرون به ويعيشون مشاعر قائِلِه الأوَّل.
سبب الثبات:
لنعرف لماذا لَم تتبدَّل اللغة العربيَّة وتَبَدَّل غيرُها، يجب أن نعرفَ لماذا تغيَّر غيرُها؟
أثبتَتْ إحدى الجامعات البريطانية أنَّ كلَّ اللغات تَحوِي صفات ذاتيَّة فيها، تؤدِّي إلى تطوُّرها وتغيُّرها عبر الأزمان؛ لأنهم يرَوْن لكلِّ لغةٍ عمرًا كعمر الإنسان مِن الطفولة إلى الكهولة ثم الموت، وهم أنفسُهم أثبَتُوا أنَّ اللغة العربية خالية مِن هذه الأسباب؛ لأنها تحوي سِمات تجعَلها تُجَدِّد نفسَها مِن داخلها لتُناسِب العصر والتجْديد.
ونحن نقول هذه المميزات هي: الاشتِقاق والترادُف والتعريب... وغيرها مِن الآليَّات التي تستخدمها اللغة العربية لتُجدِّد خَلاياها حتى تُناسِب العصر والمُحدَثات، مع احتفاظها بأُصُولها وألفاظها وقواعدها، فهي لُغة الأدب والعِلم والحضارة.
مع هذا الثبات فهي لغة حرَّة مَرِنَهٌ، يقول الأستاذ العقاد رحمه الله في مقدمة كتاب "الصحاح"؛ للأستاذ العطار: (ولقد قيل كثيرًا: إنَّ اللغة العربية بقيتْ لأنها لغة القرآن، وهو قول صحيح لا ريب فيه، ولكن القرآن الكريم إنما أبقى اللغة لأنَّ الإسلام دِينُ الإنسانية قاطبةً، وليس بالدين المقصور على شعب أو قبيل، وقد ماتت العبرية وهي لغة دينية أو لغة كتاب يَدِين به قومه، ولم تمت العبرية إلا لأنها فَقدَت المرونة التي تجعلها لغة إنسانية، وتُخرِجها مِن حظيرة العصبيَّة الضيِّقة بحيث وضَعها أبناؤها منذ قرون).
الميزة الثامنة: عِلم العَرُوض:
وهو العِلم الذي به تُعرَف أوزان الشعر العربي.
يقول ابن فارس: (ثم للعرب العَرُوض الذي هو ميزان الشعر، وبه يُعرَف صحيحه مِن سقيمه)؛ انظر: "الصاحبي" ص 77.
وقد أشار غيرُ واحد من المستشرقين إلى اختِصاص العربية بعِلم العَرُوض، يقول العلَّامة المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون في بحثٍ له بعنوان "مقام الثقافة العربية بالنسبة إلى المدينة العالمية": (وأمَّا في علوم اللغة فإنَّ الفكر السامي لَم يَصِل إلى عِلم العروض إلا عند العرب)؛ "فقه اللغة"؛ للدكتور علي عبد الواحد وافي، ص 248.
وقد أفاض الأستاذ العقاد في بحث "الخاصية الموسيقيَّة للغة العربية" في كتابه "اللغة الشاعرة"، ويظهر من عنوان الكتاب ومن شرح العقاد له، أنه يَعنِي باللغة الشاعرة اللغة التي بُنِيت على نسق الشعر في أصوله الفنية والموسيقية؛ فهي في جملتها فنٌّ منظوم مُنَسَّق الأوزان والأصوات، لا تنفصل عن الشعر في كلامٍ تألَّفت منه ولو لم يكن من كلام الشعراء.
وهذه الخاصية في اللغة العربيَّة ظاهرةٌ من ترْكيب حُرُوفها على حِدَةٍ، إلى تركيب مفرداتها على حِدَةٍ، إلى تركيب قواعدها وعباراتها "إلى تركيب أعاريضها وتفعيلاتها في بنية القصيد"، "اللغة الشاعرة" ص11.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* بتصرف من موقع الألوكة: (https://www.alukah.net/sharia/0/22749/).فضائل وميزات لغة القرآن * الكاتب: حسن محمد فؤاد المقدمة: إنَّ الحمد لله نحمَده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونَعُوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله. ثُم أمَّا بعد: فاللغة بالنسبة لكلِّ أمَّة هي أداة تَواصُل، وطريقة تفكير، ورمزُ عزَّةٍ، أمَّا العربيَّة فهي بالنسبة للعرب كلُّ هذا، وتَزِيد عليه أنها لغةُ دينٍ وكتابٍ مُوحًى به، وهي لغة عِبادات وشعائر، فهي لغةٌ مُقدَّسَة، مأجورٌ مَن يتعلَّمها، مُثابٌ مَن يَعلمها، ثم هي لغةٌ محفوظةٌ بحفظ الله للكتاب الذي نزل بها. وتحتَلُّ العربيَّة المركز السادس من حيث عدد المتكلِّمين بها، وهي اللغة الوحيدة التي دامَتْ لأكثر مِن خمسة عشر قرنًا مِن الزمان، فكلُّ اللغات القديمة قد انقرَضَتْ إلا هي، واللغة العربيَّة قد تجمَّع فيها مِن الميزات والخصائص ما لم يُوجَد مُجتَمِعًا في لغةٍ غيرها، ومع كلِّ هذه الخصائص والميزات إلا أنَّ كثيرًا مِن أهلها جهِلُوا مكانتَها وقيمتَها، ورمَوْها بالتُّهَم الباطِلَة بأقوالهم، وبالتصرُّفات المشينة التي تُسِيء إلى لُغتهم، ولم يُقَدِّر أكثرُ العرب قيمة لغتهم ومكانتها، ولم يحفَظُوها ويراعوا حقَّها عليهم، وإلا لكان مِن الواجب عليهم تعلُّمها وتعليمها، والالتِزام بقواعدها، فهي خيرٌ وعزَّة لهم في الدنيا، وأجرٌ وثواب عظيم لهم يوم القيامة، فكم عَزَّ أقوامٌ بعزِّ لغات! ووَجَب على كلِّ غَيُورٍ على أمَّته، محبٍّ لدينه، أن يعملَ على إحياء اللغة العربية في المنتديات والتجمُّعات الثقافية والعلميَّة، ودُور العبادة، وقاعات الدرس، وأن يُذكِّر بفضلها ومكانتها وأهميَّتها بالنسبة لنا كمسلِمين، فهي من الدِّين، وبالنسبة لنا كعرب. لذا جاء هذا البحْث تذْكيرًا بفَضْل ومكانة العربيَّة، وما تَحوِيه مِن الميزات والخصائص التي لم تَشرُف لغة أخرى باجتماعها فيها، ثم نُعَرِّج على أسباب تَدَنِّي مستوى المتحدِّثين بالعربية، ومنه نَدلِف إلى اقتِراحاتٍ لِمُحاوَلة عِلاج هذه الظاهرة التي عمَّت بها البلوى، وأصبحتْ عائقًا من عَوائِق تقدُّم الأمَّة؛ إذ لا تتقدَّم الأُمَم إلا بعقيدةٍ صحيحةٍ راسخةٍ، ولغةٍ توحِّد ألسنتَها، وهدفٍ يُوحِّدُ اتِّجاهها، وعزيمةٍ قويَّة وإخلاص صادقٌ للهِ تبارك وتعالى. وقد اقتَضَتْ طبيعة البحث أن يكونَ في ثلاثة أبواب: الباب الأول: فضل اللغة العربية ومكانتها بين اللغات. وجاء هذا الباب في تقديم وفصلَيْن: الفصل الأول: فضْل العربية في الشريعة الإسلامية. الفصل الثاني: مكانة العربية بين اللغات العالمية. الباب الثاني: أسباب تَدَنِّي المتحدِّثين باللغة العربية. وكان هذا الباب في فصلين: الأول: أسباب خارجية. الثاني: أسباب داخلية. الباب الثالث: اقتِراحات للحلول ولنشْر الثقافة العربية. وكان هذا الباب في خمسة فصول: الأول: نشر التوعية بفضل ومكانة اللغة العربية. الثاني: فرْض اللغة العربية على كلِّ جهاز حكومي، أو إعلامي، أو تعليمي. الثالث: إقامة مشروع كامل لتهذيب اللغة نحوًا وصرفًا ومعجمًا. الرابع: إقامة مركز علمي متخصِّص لحوسَبة العلوم اللغويَّة. الخامس: البعثات العربية لنشْر ثقافة اللغة العربية. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الباب الأول: فضل اللغة العربيَّة ومكانتها بين اللغات تقديم: يقتَضِي المنهجُ العلمي تقسيمَ هذا الباب إلى فصلين: فصلٍ مُوجَّه إلى المسلمين المؤمنين بالإسلام دينًا، وبالقرآن وحيًا، وهذا الفصل لا يتطلَّب إلا نصوصًا قرآنيَّة أو نبويَّة، أو كلامًا لعلمائنا الأجلَّاء المُوافِق للدليل الصحيح، فهذا كلامٌ عندنا مُصدَّقٌ، ولدينا مقبولٌ، وهو حجَّة على كلِّ مؤمنٍ بهذا الدين، أمَّا عند غير المسلمين فليس بحجَّة، ولا يجوز لنا إلزامه به؛ لأنه غير مؤمن بهذا الكتاب ولا بذلك الرسول؛ لذلك كان الفصل الثاني، وهو يعتَمِد على الدليل العقلي والحقيقة العلمية، وأقوال العلماء من أصحاب هذا الفن المُشتَغِلين بعلم اللغة وأصل اللغات، العالِمِين بمنابِتها وأصولها وفروعها؛ فهم أعلمُ، وكلامهم حجَّة في هذا الباب، خاصَّةً إذا اجتَمَع منهم غيرُ واحدٍ على قولٍ مِن غير اتِّفاق فكري أو ديني، وما دفعهم إلى ذلك إلا البحث والإنصاف الفصل الأول: فضل العربية ومكانتها في الإسلام: قد كرَّم الله تعالى هذه اللغة العربية؛ إذ أنزل كتابه الكريم بها على رجلٍ مِن أهلها صلَّى الله عليه وسلَّم، وكرَّمها إذ حَفظها بحفظِ ذلك الكتاب العظيم، وهذا التكريم قطعيُّ الدلالة على أنَّها خيرُ اللغات، وما انحِسار ظِلِّها في هذا الزمن وضيق انتشارها، إلا دليلٌ على ضعف أهلها في تعلُّمها وتعليمها، وتلك حقيقةٌ لا سبيل إلى جحْدها أو المُمارَاة فيها، وإلا فإنَّ الإسلام الذي حكَم العالمَ قرونًا مَدِيدةً قد نُحِّيَ هو الآخَر في هذا العَصْر عن موقع القيادة والسلطان، أَفَيَحْمِلُ الإسلامُ - وهو دينُ الله الخاتم، وكلمته العليا - وِزْر انتكاسِنا وارتكاسنا؟! اللغة العربية والعقيدة: لا يكون الإنسان مسلمًا إلا إذا نطَق الشهادتين بلغةٍ عربية إنِ استَطاع، وإلا كُتِبت له كلمة التوحيد (الشهادتان) بحروف لغته الأصليَّة، ثم ينطق بها. اللغة العربية وشرائع الإسلام: الإسلام عقيدةٌ تنبَثِق عن هذه العقيدة شريعةٌ، ومن هذه الشريعة: الصلاة: مِن شُرُوط صحَّة الصلاة قراءة الفاتحة قراءة صحيحة - فالفاتحة ركنٌ مِن أركان الصلاة - والأذكار بلغةٍ عربية صحيحة، خلافًا للأحناف الذين أجازوا قراءة القرآن في الصلاة بغير العربية لغير القادر على النطق بها، أمَّا قول جمهور العُلَماء فهو وجوب تعلُّم الأعجمي ما يُقِيم به صلاته، ولا تصحُّ الصلاة بغير ذلك. الحج: هو رُكن الإسلام الأعظم، وفيه مِن التلْبية والشعائر القوليَّة المطلوب أداؤها - طلب وجوبٍ أو استِحباب - باللغة العربيَّة على كلِّ المسلمين ومِن كلِّ اللغات. وغير ذلك مِن الشعائر؛ مثل: قراءة القرآن، وذِكْر الله جلَّ وعلا، كلُّ هذا يحتاج فيه إلى تعلُّم شيءٍ من العربية؛ ليصحَّ إسلام العبد، وتصحَّ عباداته. العربيَّة والعلم: وضَع العلماء شروطًا مَن حقَّقها وحاز عليها، نال رُتبةَ الاجتهاد في الدِّين، واختَلفوا في بعض هذه الشروط؛ لكنَّهم اتَّفقوا جميعًا على شرط إتقان اللغة العربية كشرطٍ أساسٍ في المجتَهِد، لا يصحُّ له الاجتِهاد إلا بإتقان لغة العرب التي بها نزَل القرآن، وبها تحدَّث سيِّد ولد عدنان صلَّى الله عليه وسلَّم، فالقرآن والسُّنَّة هما مصدر التشريع الإسلامي، فوجَب على مَن أراد بلوغ رتبة الاجتهاد أن يَحُوز هذه اللغة؛ ليفهَم مراد الله جلَّ وعلا، ويَفهَم كلام المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم. قال أبو إسحاق الشيرازي في "صفة المفتي": (ويَعرِف مِن اللغة والنحو ما يَعرِف به مراد الله ومرادَ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم في خطابهما)، "اللُّمع في أصول الفقه" ص 127. اللغة العربية واجبة على كلِّ مسلم: العربية واجبةٌ على كلِّ مسلم بحسبه، فالقَدْر الذي لا يجوز لمسلمٍ أن ينقص عنه هو القدر الذي يُمَكِّنه من إقامة الفرائض، وفهْم كلام الله ورسوله، ففيهما نجاتُه في الدنيا والآخرة، قال الماوردي: (ومعرفة لسان العرب فرضٌ على كلِّ مسلمٍ من مجتهد وغيره)؛ "إرشاد الفحول"؛ للشوكاني، ص 252. قال ابن تيميَّة رحمه الله: (معلومٌ أنَّ تعلُّمَ العربية وتعليمَ العربية فرضٌ على الكفاية، وكان السلف يؤدِّبون أولادَهم على اللحن، فنحن مأمورون - أمرَ إيجابٍ أو أمرَ استحبابٍ - أن نحفَظ القانون العربي، ونُصلِح الألسن المائلة عنه، فيحفظ لنا طريقة فهْم الكتاب والسُّنَّة، والاقتِداء بالعرب في خِطابها، فلو تُرِك الناس على لحنهم كان نقصًا وعيبًا)؛ "الفتاوى" 32/ 252. وقال الشافعي: (يجب على كلِّ مسلم أن يتعلَّم مِن لسان العرب ما يبلغه جهده في أداء فرضه). وذلك لأنَّ معرفة الدِّين فرض واجب، وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب، والإسلام لا يُفهم إلا بفهْم العربية. اللغة العربية شعار الإسلام والمسلمين: اللغة هي تعبيرٌ عن كيان وروح، والعربية هي تعبيرٌ عن كيان وروح ودين؛ لذلك كَرِهَ العلماء الرطانة بغير العربية دون حاجة؛ بل قال مالك: (مَن تكلَّم في مسجدنا بغير العربيَّة فأَخرِجوه منه). وقال ابن تيميَّة رحمه الله: (فإنَّ اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميَّزون)؛ "اقتضاء الصراط المستقيم" ص 203. وقال أيضًا: (وما زال السلف يكرَهون تغييرَ شعائرِ العربِ حتى في المعاملات، وهو التكلُّم بغير العربية إلَّا لحاجة، كما نصَّ على ذلك مالك والشافعي وأحمد؛ بل قال مالك: مَنْ تكلَّم في مسجدنا بغير العربية أُخرِجَ منه، مع أنَّ سائرَ الألسن يجوز النطق بها لأصحابها، ولكن سوَّغوها للحاجة، وكرهوها لغير الحاجة، ولحفظ شعائر الإسلام)؛ "الفتاوى" 32/ 255. واللغة العربيَّة من الإسلام؛ لذا وجَب التمسُّك بها، والحذر من البُعد عنها؛ لأنَّ هذا من البُعد عن سبيل المؤمنين، وقد حذَّر الله تعالى من هذا المسلك؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 85]. اللغة العربية مظهرُ عِزٍّ وفخار للمتمسِّك بها: وهكذا كلُّ قومٍ يعتزُّون بلُغتهم، ولا يقبَلون عنها بديلًا؛ لذا نجد قادَةَ الدُّوَل الكبرى لا يتحدَّثون بغير لغاتهم في أيِّ مكانٍ كانوا، أمَّا قادتنا فهم لا يتحدَّثون بعربيَّتهم وإن كانوا في بلادهم، وهذا مِنْ إهانة اللغة وتحقير شأنها. قال مصطفى صادق الرافعي رحمه الله: (ما ذلَّت لغةُ شعبٍ إلَّا ذلَّ، ولا انحطَّت إلَّا كان أمره في ذهابٍ وإدبارٍ، ومن هذا يفرض الأجنبيُّ المستعمِر لغتَه فرضًا على الأمَّة المستعمَرَة، ويركبهم بها، ويُشعِرهم عظمته فيها، ويستَلحِقهم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكامًا ثلاثةً في عملٍ واحدٍ: أمَّا الأول فحَبْس لغتهم في لغته سجنًا مؤبَّدًا، وأمَّا الثاني فالحكم على ماضيهم بالقتل محوًا ونِسيانًا، وأمَّا الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها، فأمرُهم مِن بعدها لأمْره تَبَعٌ)؛ "وحي القلم" 3/ 33 - 34. اللغة العربية هي صورةٌ لشخصيَّة الأمة الإسلامية: (إنَّ لغة الأمَّة دليلُ نفسيَّتها وصور عقليَّتها؛ بل هي أسارير الوجه في كيانها الاجتماعي الحاضر، وفي تطوُّرها التاريخي الغابر؛ لأنَّ وراء كلِّ لفظةٍ في المعجم معنى شعرتْ به الأمَّة شعورًا عامًّا، دعاها إلى الإعراب عنه بلفظٍ خاصٍّ، فوَقَع ذلك اللفظ في نفوس جمهورها موقع الرِّضا، وكان بذلك مِن أهل الحياة، وما معجم اللغة إلا مجموعة مِن المعاني التي احتاجت الأمَّة إلى التعبير عنها، فاختارت لكلِّ معنًى لفظًا يدلُّ على الجهة التي نَظرَت الأمَّة منها إلى ذلك المعنى عندما سمَّتْه باللفظ الذي اصطَلَحت عليه، فلغة الأمَّة تتضمَّن تاريخ أساليب التفكير عندها مِن أبسَط حالاته إلى أرقاها، يعلَم ذلك البصير بِأَبْنِية اللغة وتلازُمها، ومَن له ذوقٌ دقيق في ترتيب تسَلْسُلها الاشتقاقي)؛ "مجلة الزهراء" مجلد 1 سنة 1343 هـ، ص 66. و(اعتِياد اللغة يُؤثِّر في العقلِ والخُلقِ والدِّينِ تأثيرًا قويًّا بيِّنًا، ويُؤثِّر أيضًا في مشابهةِ صدرِ هذه الأمَّة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تَزِيد العقلَ والدِّينَ والخُلقَ، وأيضًا فإنَّ نفس اللغة العربيَّة مِن الدين، ومعرفتها فرضٌ واجبٌ، فإنَّ فهْم الكتاب والسُّنَّة فرضٌ، ولا يُفهَم إلَّا بفهْم اللغة العربية، وما لا يتمُّ الواجب إلَّا به فهو واجب)؛ "اقتضاء الصراط المستقيم" ص 207. ويرى علماء الاجتماع أنَّ اللغة تجعل من الأمَّة الناطقة بها كُلًّا مُتراصًّا يخضَع لقانونٍ واحد، وأنها الرابطة الحقيقية الوحيدة بين عالم الأذهان وعالم الأبدان، وهي نظريَّة تصدُقُ على لغتنا العربية - كما يقول الدكتور عثمان أمين - أكثر ممَّا تصْدُق على أيَّة لغة أخرى؛ فاللغة العربية عظيمة الأثر في تكوين عقليَّتنا، وهداية سلوكنا، وتصريف أفعالنا؛ ذلك أنها تمتاز عن اللغات الأخرى (بمثالية) عميقة صريحة، تحسب حساب الفكرة والمثال، وتضعهما مكانَ الصَّدارة والاعتِبار؛ أي: إنَّ لغتنا العربية تفترض دائمًا أنَّ شهادة الفكر أصدق من شهادة الحسِّ، ويَكفِي في التعبير بها إنشاء علاقة ذهنيَّة بين المسند والمسند إليه، دون حاجة إلى فعل الكينونة الذي هو لازمة ضرورية في اللغات (الهندو - أوربية)، ودون الحاجة إلى التصريح بضمير المتكلم أو المخاطب أو الغائب؛ لأن الذات مُتَّصِلة دائمًا بالفعل في نفس تركيبه الأصلي. الفصل الثاني: مكانة اللغة العربية بين لغات العالم: هل يجوز لأحدٍ أن يزعم أنَّ لغةً ما هي أفضل اللغات؟ هل اللغات تتفاضَل في ذاتها، أم بحسب قوتها وقوَّة أهلها والناطقين بها؟ سيُحاول هذا الفصل الإجابة عن هذين السؤالين وغيرهما من الأسئلة. والآن سنُلقِي الضوء على بعض مميِّزات اللغة العربية، والأدلَّة التي تُسوِّغ لنا أن نحكم لها بالأفضليَّة بين لغات العالم حديثها وقديمها. دائمًا ما نجد المتحدِّث عن اللغة العربية، المُشِيد بفضلها ومكانتها بين اللغات - نجد دليله على هذا الفضل وتلك المكانة أنَّ اللغة العربية هي لغة القرآن، وهو خيرُ كلامٍ؛ إذ هو كلام ربِّ العالمين إلى الناس أجمعين، فلماذا نزَل القرآن عربيًّا؟ وهل تتميَّز اللغة العربية بميزات اختصَّت بها عمَّا دونها من اللغات؟ وإذا افترضنا وجود هذه الميزات، فهل يُسوِّغُ لنا ذلك أن نزعم أنَّ اللغة العربية هي أفضل اللغات؟ وإذا افتَرضنا أنها خير اللغات، فهل نزَل القرآن عربيًّا لأنها خير اللغات، أم أنها صارت كذلك لنُزُول القرآن عربيًّا؟ ولماذا كانت اللغة التي يجب على المسلمين تعلُّم بعضها ليقيموا بها فرائضهم هي العربية، ولا يجوز القيام بهذه الفرائض بغيرها؟ ولماذا كانت الأمَّة التي تحمل آخر رسالة إلى أهل الأرض عربية؟ هل في جنس العرب ما ليس في سِواهم، كما في لغتهم ما ليس في سواها؟ هذه الأسئلة وغيرها يُحاول هذا الجزءُ من البحث الإجابةَ عنها في شيءٍ من الإيجاز، مُحاوِلين ما وسعنا انتِهاج نهج علمي محايد لا شطَط فيه ولا تحيُّز، ولن تكون هناك أحكامٌ إلا بأدلَّتها الواضحة الصريحة الصحيحة. الله عزَّ وجلَّ لا يفعَل شيئًا إلا لحكمةٍ عرفها مَن عرفها، وجهلها مَن جهلها، وعلينا البحث في حِكَم الله سبحانه وتعالى فيما حولنا، فإن توصَّلنا إليها فهي، ونعض عليها متمسِّكين بها، طالما أنَّ ما توصَّلنا إليه لا يُخالِف نصًّا من النصوص أو ثابتًا من الثوابت. ونستَطِيع أن نقول مطمئنِّين: إنَّه لم يكن اختيارُ الله عزَّ وجلَّ لآخِر رسله وخاتم كتبه عربيًّا إلا لحكمةٍ بالغة، فما يكن مِن فعل الله واختياره فهو الحكمة، أي حكمة. ونحن نُحاوِل البحثَ عن هذه الحكمة في كون القرآن عربيًّا لا بغيرها من اللغات، وكون الرسالة العالمية الخاتمة إلى أهل الأرض يحملها العرب لا غيرهم. يرى البعض أنَّ مثل هذا الحكْم هو زعمٌ تزعمه كلُّ أمَّة للغتها، وأنَّ العرب تبعٌ على هذا المنوال في زعمٍ لا دليلَ عليه، لكنَّ الباحثَ المتأملَ المتجرِّد يرى الأدلَّة على أفضليَّة اللغة ظاهرةً للعيان، مؤكدة للباحث الهمام، وسنأتي عليها تفصيلًا. ويرى البعض الآخَر أنَّ تفضيلَ بعضِ اللغات على بعضٍ أمرٌ غيرُ واقِع، فاللغات متشابهة متساوية، إنما تعلو وتَفضل إذا خدَمَها أهلُها ونشَرُوها بثقافتهم وقوَّتهم، وهذا صحيحٌ؛ فالأمم القويَّة تنتَشِر لغتها بين الأممِ الضعيفة، أو بتعبيرٍ أصح: الأُمَم المُستَضعَفة، وهذا قد قرَّرَه مؤسِّس علم الاجتماع ابن خلدون، فالأُمَم الضعيفة مغرَمة بتعلُّم لغة الأمَّة القويَّة الغالبة، لكنَّ هذا لا يَنفِي أنَّ اللغات تَتفاضَل فيما بينها في أصلها؛ لأسباب وخصائص ذاتية تتميَّز بها اللغة، دون النظر إلى حال المتكلِّمين بها. مبدأ التفاضل قائم في كل شيء: ثم إنَّ مبدأ التفاضُل قد قرَّرَه القرآن في غير موضع؛ ذلك أنَّ التفاضل كائنٌ بين كلِّ شيء؛ بين البشر، وبين الدواب، وفي الأطعمة والأشربة، والثمار والأمكنة... وغيرها، وحتى بين الرسل والملائكة والقرآن يقرِّر هذه الحقيقة في غير موضع، يقول تعالى: ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ [البقرة: 253]، ويقول سبحانه عن الأطعمة: ﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ﴾ [الرعد: 4]. وقد فضَّل الله بعض الأزمنة على بعض، وبعض النبيِّين على بعض، وفضَّل سبحانه بعض الكلام على بعض، وأيضًا قرَّر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مبدأ التفاضُل؛ فقد فضَّل صلَّى الله عليه وسلَّم بعضَ الناس على بعض، وفضَّل بعض القبائل على بعض، وسنأتي إلى تفضيل بعض الناس وبعض القبائل على بعض بالتفصيل؛ إذًا فمِن الثابت أنَّ مبدأ التفاضُل موجود مقبول؛ لكن بالأدلَّة الصحيحة. ونحن نرى البشَر مُتَفَاوِتين في مواهبهم وملكاتهم العقلية والنفسية والجسمانية، ونرى الشعوب والمجتمعات تتفاوَت في خصائصها ومواردها وظروفها، فكيف لا تتفاضَل اللُّغات؟ أولًا: الدليل العقلي: القرآن هو رسالة سماويَّة لأمَّة عالميَّة؛ فمِن المنتظر في هذه الرسالة أن تحمل أسمى المعاني في أوجز الكلمات وأوضح وأدق المعاني، وأن يحتاج غيرها إليها ولا تحتاج إلى غيرها، وأن تكون صالحة لكلِّ زمان ومكان؛ لأنَّ هذه الرسالة أبديَّة باقية إلى أن يرثَ الله الأرض ومَن عليها، أو بتعبير أدق: إلى أن تُمْحَى من الصدور والسطور. هذه ميزات لا تتوفَّر في أيَّة لغةٍ من لغات العالم، هذه حقيقة علميَّة أثبتَتْها الأُمَم المتَّحِدة؛ حيث أصدرتْ بيانًا تُبيِّن فيه عدد اللغات التي ماتت خلال القرْن العشرين، وتوقَّعت اللغات التي ستَموت في القرن الحادي والعشرين، وكان مِن بين هذه اللغات المتوقَّع موتها اللغة العربية، وسبحان الله! قيَّض الله إحدى الجامعات البريطانية لتُثبِت خطأ هذا التوقُّع؛ حيث أثبتَتْ هذه الجامعة أنَّ اللغة العربية لغة خالدة؛ بل حدَّدت هذه الجامعة للُّغات الكبرى في العالَم عمرًا محددًا بعدَه تنقرض هذه اللغات، فكان ِمن بينها اللغة الإنجليزية التي ستموت في خلال قرن ونصف من الزمان، واللغة الفرنسية التي ستموت خلال ثلاث أرباع قرن. لذلك وجدنا كثيرًا من الدُّوَل تُقَيِّد تاريخها باللغة العربية ومنها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا؛ وهذا يدلُّ على ثَبات هذه اللغة وتماسُكها وتفكُّك اللغات الأخرى؛ فقد أثبتَتْ نفس الجامعة أنَّ جميعَ اللغات تَحوِي أسباب فنائها إلا اللغة العربية؛ فإنها خالية مِن كلِّ الآفات التي تؤدِّي إلى اندِثار اللغات. الدليل الواقعي العلمي سنستَعرِض الآن مميِّزات اللغة العربية مع مقارنة هذه الميزات مع بعض اللغات العالمية المنتَشِرة على مستوى العالم، ونرى أي اللغتين مستحق للتفضيل على الأخرى. الميزة الأولي: التخفيف: ونقصد هنا التخفيف في الحروف، فاللغة العربية تغلب عليها الأصول الثلاثيَّة ثم الرباعية فالخماسية، أمَّا اللغات الأخرى فلا نجد هذا الأمر فيها، فالكلمات الثلاثية قليلة في اللغات الأخرى بالمقارنة باللغة العربية. يقول ابن فارس: (وممَّا اختصَّت بِهِ لغةُ العرب قلبهم الحروف عن جهاتها؛ ليكون الثاني أخفَّ من الأوَّل، نحو قولهم: (ميعاد) ولم يقولوا: (مِوْعاد)، وهما من (الوعد)، إلَّا أنَّ اللفظ الثاني أخفُّ، ومن ذلك تركُهم الجمعَ بين السَّاكنين، وقد تجتمع فِي لغة العجم ثلاث سواكن). يقول ابن جني: (إنَّ الأصول ثلاثة: ثلاثي ورباعي وخماسي، فأكثرها استعمالًا وأعدلها تركيبا الثلاثيُّ؛ وذلك لأنَّه حرف يُبتَدأ به، وحرف يُحشَى به، وحرف يُوقَف عليه). ثم يقول مُبيِّنًا الحكمة من غلبة الثلاثي: (فتمكُّن الثلاثي إنما هو لقلَّة حروفه)؛ "الخصائص" 1/ 65. ولا شكَّ أنَّ لهذه الخاصِّيَّة فوائد جمَّة في العربية؛ ففيها توفيرٌ للوقت والجهد والمال؛ فالنطق بالكلمات الصغيرة أخفُّ على اللسان، وأحبُّ للقلب، وأسرع في الوقت، وأخصر في الكتابة من الكلمات الطويلة. وقد يقول قائل: إنَّ الجذور الثُّلاثية من سمات اللغات السامية عمومًا. فنقول: أكثر الساميَّات اليوم غير مستعمل إلا نادرًا، وهذا القليل النادر غير مُطابِق في أكثره لقواعد الساميات القديمة، فصحَّ أن تُعَدَّ هذه سِمَة من سِمات العربية. الميزة الثانية: سعة المفردات: لا توجد لغةٌ على وجه الأرض يحوي قاموسها ما يَحوِيه المعجم العربي من مفردات، وهذه حقيقة واقعة شهد بها المستشرقون، كما شهد بها المسلمون، فاللغة العربية هي لغة الغِنَى والثَّراء. قال الإمام الشافعي: (لسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا)؛ "الرسالة"؛ للإمام الشافعي: 1/ 45، 46. فلا يُمكِن لأحدٍ إحصاءُ جميع الألفاظ العربية إلا نبيٌّ، مهما بلَغ في اللغة شأوًا بعيدًا، وفي اللغة العربية كثيرٌ من الأسماء لمسمًّى واحد؛ كأسماء الأسد والحيَّة والعسل، وممَّن ألف في المترادف العلَّامة مجد الدين الفيروزآبادي صاحب "القاموس"، ألَّف فيه كتابًا سماه: "الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف"، وأفرد خَلْقٌ مِن الأئمَّة كتبًا في أسماء أشياء مخصوصة، فألَّف ابن خالويه كتابًا في "أسماء الأسد"، وكتابًا في "أسماء الحية"، ذكر أمثلة من ذلك "العسل" له ثمانون اسمًا، أورَدَها صاحب "القاموس" في كتابه الذي سمَّاه: "ترقيق الأسل لتصفيق العسل". يقول ابن فارس: (وممَّا لا يُمكِن نقله البتَّة أوصاف السيف والأسد والرمح وغير ذلك من الأسماء المترادفة، ومعروفٌ أنَّ العجم لا تَعرِف للأسد أسماء غير واحد، فأمَّا نحن فنخرج له خمسين ومائة اسم)؛"الصاحبي" ص 21. ويقول أيضًا: (وحدثني أحمد بن محمد بن بندار قال: سمعتُ أبا عبد الله بن خالويه الهمذاني يقول: جمعت للأسد خمسمائة اسم، وللحية مائتين)؛ نفس المصدر. وهذا الذي يُصرِّح به ابن فارس يُقرِّره علماء اللغة المُعاصِرون من الشرق والغرب؛ إذ يذكر الدكتور علي عبد الواحد وافي، وكان عضوًا بالمجمع اللغوي بالقاهرة، (أنَّ الأستاذ دو هامر De Hammer جمَع المفردات العربية المتَّصِلة بالجَمَل وشؤونه، فوصَلَتْ إلى أكثر من خمسة آلاف وستمائة وأربع وأربعين). ويقرِّر الدكتور وافي نفسُه (أنَّ مِن أهمِّ ما تَمتاز به العربيَّة أنها أوسع أخواتها السامية ثروةً في أصول الكلمات والمفردات؛ فهي تشتَمِل على جميع الأصول التي تشتَمِل عليها أخواتها السامية أو على معظمها، وتزيد عليها بأصولٍ كثيرة احتَفظَتْ بها من اللسان السامي الأول، وأنَّه تجمع فيها مِن المفردات في مختلف أنواع الكلمة؛ اسمها وفعلها وحرفها، ومن المترادفات؛ في الأسماء والصفات والأفعال... ما لم يجتمع مثله للغة سامية أخرى؛ بل ما يندر وجود مثله في لُغة من لغات العالم)؛ "فقه اللغة" ص 131. ويقول المستشرق الألماني نولدكه: (إنَّه لا بُدَّ أن يزدادَ تعجُّب المرء من وفرة مفردات اللغة العربيَّة، عندما يعرِف أنَّ علاقات المعيشة لدى العرب بسيطة جدًّا؛ ولكنَّهم في داخل هذه الدائرة يرمزون للفرق الدقيق في المعنى بكلمة خاصَّة... والعربية الكلاسيكية ليست غنيَّة فقط بالمفردات؛ ولكنَّها غنيَّة أيضًا بالصِّيَغ النحوية)؛ نقلًا عن "اللغة العربية"؛ لنذير حمدان، ص 133. وعدد الألفاظ المُستَعمَلة مِن اللغة العربية خمسة ملايين وتسعة وتسعون ألفًا وأربعمائة لفظ، مِن جملة ستَّة ملايين وستمائة وتسعين ألفًا وأربعمائة لفظ، بينما نجد غيرها من اللغات الأوربية لا يبلغ عدد مفرداتها معشار ما بلغتْه مفردات العربية؛ "مجلة الفيصل" العدد 255/ رمضان 1418 هـ، "اللغة العربية بعض خصائصها، شهادات أجنبيَّة بأهميَّتها"؛ محمد نعمان الدين الندوي، الصفحة: 70. الميزة الثالثة: الترادُف: وهذه ميزة مُترتِّبة على سابقتها ونتيجة لها، فما هو الترادف؟ الترادف لغة: التتابُع. الترادف اصطِلاحًا: دلالة عدد من الكلمات المختلفة على معنى واحد؛ مثل: 1- الحزن، الغم، الغمة، الأسى، والشجن، الترح، الوَجْد، الكآبة، الجزع، الأسف، اللهفة، الحسرة، الجوى، الحرقة، واللوعة. وليس في اللغة العربية ترادف تامٌّ، إنما المترادفات تشتَرِك في معنى عام، ثم تختصُّ كلُّ مفردة عن الأخرى بزيادة معنى ليس في غيرها، وإنْ كان هذا المعنى دقيقًا قد لا يُؤَثِّر على المعنى العام. وهنا تظهر فصاحة وبلاغة اللغة العربية؛ فهي لُغة دقيقة في تعبيراتها، لا تعبِّر بمعنى فضفاض مُتَّسِع الدلالة، ثم هي لا تحتاج إلى كلماتٍ كثيرة لإيصال المعنى؛ بل الكلمة الواحدة تحمل معاني كثيرة. ومن باب الأمانة العلميَّة، فإنَّه قد وقَع خلافٌ قديمٌ في مسألة الترادف في اللغة، يَحسُن إيراده هنا، مع أنِّي أقرُّ ما أسلفتُه مِن وجود الترادُف؛ لكنَّه ليس تامًّا، وإنما أُورِدُ هذا الخلاف؛ لأبيِّن اهتِمام أسلافنا بقضايا لغتهم، وأنَّ مَن قال بالترادف ومَن لم يقل إنما دفَعَه حبُّه للغة القرآن وحبُّه لإظهار الحق فيها لا غير. المُثبِتون للترادف: منهم: سيبويه، والأصمعي، وأبو الحسن الرماني، وابن خالويه، وحمزة بن حمزة الأصفهاني، والفيروزآبادي، والتهانوي، ومعظم المُحْدَثين مِن اللغويين العرب يعتَرِف بوقوع الترادف في اللغة، مِن هؤلاء: علي الجارم، وإبراهيم أنيس. حُجَج المُثبِتين: يحتجُّ المُثبِتون للترادف بما يلي: (1) لو كان لكلِّ لفظةٍ معنًى غير معنى الأخرى لَمَا أمكنَ أن نعبِّر عن شيءٍ بغَيْر عبارته، وذلك أنَّا نقول في ﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾ [البقرة: 2]: "لا شكَّ فيه"، وأهل اللغة إذا أرادوا أن يفسِّروا (اللُّبَّ) قالوا: هو "العقل"، فلو كان الريبُ غير الشكِّ، والعقل غير اللُّب، لكانت العبارةُ عن معنى الريب بالشك خطأ، فلمَّا عُبِّرَ بهذا عن هذا، عُلِم أن المعنى واحد. (2) إنَّ المتكلِّم يأتي بالاسمين المختلفين للمعنى الواحد في مكانٍ واحد تأكيدًا ومبالغةً كقوله: ........................... ♦♦♦ وَهِنْدٌ أَتَى مِنْ دُونِهَا النَّأْيُ وَالْبُعْدُ قالوا: فالنَّأْيُ هو البُعد. (3) الترادُف لا يعني التشابه التامَّ، إنما أن يُقام لفظٌ مقام لفظٍ؛ لمعانٍ متقاربة يجمعُها معنًى واحد؛ كما يُقال: أصلحَ الفاسد ولمَّ الشَّعث، ورتَقَ الفَتْق، وشَعَبَ الصَّدع. (4) وقال الطاهر بن عاشور: إذا أصبحتْ عدد من المفردات تدلُّ على شيءٍ واحد فهي من الترادف، ولا يهمُّنا ما إذا كانت في الماضي تدلُّ عليه أو على صفةٍ فيه؛ مثل (الحسام)، و(الهندي)، التي أصبحَت الآن تدلُّ على السيف، ولا يلحظ معنى القطع أو الأصل الهندي فيها. المُنكِرون للترادف: منهم: ثعلب، وابن درستويه، وابن فارس: وأبو علي الفارسي، وأبو هلال العسكري، والبيضاوي. حجج المُنكِرين للترادف: (1) لا يجوز أن يختلفَ اللفظ والمعنى واحد؛ لأنَّ في كلِّ لفظةٍ زيادة معنى ليستْ في الأخرى، ففي (ذهب) معنى ليس في (مضى). (2) الشاهد على أنَّ اختِلاف الأسماء يُوجِب اختلافَ المعاني أنَّ الاسمَ يدلُّ كالإشارة، فإذا أُشِير إلى الشيء مرَّة واحدة فعُرِف فالإشارة إليه ثانية وثالثة غير مفيدة، وواضِع اللغة حكيمٌ لا يأتي فيها بما لا يفيد. يبدو أنَّ الاختِلاف عائدٌ إلى معنى الترادف، هل يعني التَّشابُه التَّامَّ في كل الأحوال؟ أم هل يعني التشابُه النسبي الذي يُمكِن فيه أن تستعمل لفظة مكان أخرى؟ إذا كان الأول، فالتشابُه مستحيل بين كلمتين؛ بل إنَّ بعض علماء اللغة يستبعد أن تشبه الكلمة نفسَها في موضعَيْن مختلفين، أمَّا إذا قبلنا بالتعريف الثاني، فإنَّنا لن نُعدَم عددًا من الألفاظ التي يُمكِن أن تحلَّ محلَّ أخرى في سِياقات مُعيَّنة؛ فنعدها من الترادف. ومع أنَّ الترادُف موجودٌ في معظم اللغات، إلا أنَّه أظهرُ في اللغة العربية، وقد كُتِبتْ فيه المؤلفات والرسائل؛ منها ما قدمناه في سعة المفردات، ومنها كتاب "الفروق اللغوية"؛ لأبي هلال العسكري، وهذا نموذج من كتاب أبي هلال: "الفرْق بين (المدح) و(التقريظ): أنَّ المدح يكون للحيِّ والميِّت، والتَّقرِيظ لا يكون إلا للحيِّ، وخلافُه (التأبين) ولا يكون إلا للميت. والفرق بين (المدح) و(الثناء): أنَّ الثناء مدحٌ مكرَّر. والفرق بين (المدح) و(الإطراء): أنَّ الإطراء هو المدح في الوجه. والفرق بين (العهد) و(الميثاق): أنَّ الميثاق توكيدُ العهد. والفرق بين (الوعد) و(العهد): أنَّ العهد ما كان من الوعد مقرونًا بشروط"؛ "الفروق في اللغة" 421 بتصرُّف. الميزة الرابعة: الإيجاز: يحسُن بعد الكلام عن سَعَة المفردات والترادف أن نتحدَّث عن الإيجاز في اللغة العربية؛ لئلَّا يتوهمنَّ مُتَوهِّمٌ أنَّ هذا الغِنَى في المفردات والمترادفات هو مجرَّد كمٌّ يُحشَى به الكلام دون حاجةٍ إليه، وكانوا يقولون: البلاغة الإيجاز. وقضية الإيجاز واسعة متشعِّبة جدًّا؛ لذا سنقسمها أقسامًا؛ ليسهل تناوُل كلِّ قسمٍ على حِدَةٍ مع شيءٍ من الإيجاز، وإلا فالموضوع يحتاج إلى رسائل جامعيَّة لتوفِّيه حقَّه؛ لكن حسبنا الإشارة مع المقارنة باللغات الأخرى ليتَّضِح الفارق. بدايةً نذكر القاعدة الجليلة التي ذكَرَها ابن مالك في ألفيَّته، هذه القاعدة المطَّردة في اللغة العربية حيث يقول: وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ ♦♦♦ .................... ونستطيع أن نعرِّف الإيجاز المقصود في بحثِنا هنا بأنه: (ما يستغني عن زوائد الكلام، ويحتفظ بالمعنى المُراد). وهذه القاعدة تبيِّن لنا بجلاءٍ إلى أيِّ حدٍّ هذه اللغة رقيقة وحسَّاسة، لا تتحمَّل الزيادات غير المُفِيدة ولا تقبل حشوًا، فالحرف في اللغة العربيَّة يُغيِّر المعنى. وسنقسم الإيجاز إلى ثلاثة أقسام: 1 - إيجاز في الحروف. 2 - إيجاز في الكلمات. 3 - إيجاز في التراكيب والجُمَل. أولًا: في الحروف: أ - تُكتَب الحركات في العربية فوق الحرف أو تحته، فلا تأخذ حيِّزًا في الكتابة، بينما في اللغات الأجنبية تأخذ حجمًا يُساوِي حجم الحرف أو يَزِيد عليه، وقد نحتاج في اللغة الأجنبية إلى حرفين مقابل حرف واحد في العربية لأداء صوت مُعَيَّن؛ كالخاء (KH) مثلًا، ولا نكتب من الحروف العربية إلا ما نحتاج إليه. ب - وفي العربيَّة إشارات وعلامات تُعَزِّز هذا الإيجاز؛ منها: إشارة نُسمِّيها (الشدة)، نضعها فوق الحرف لندلَّ على أنَّ الحرف مكرَّر أو مشدَّد؛ أي: إنَّه في النطق حرفان، وبذلك نستَغنِي عن كتابته مكرَّرًا، في حين أنَّ الحرف المكرَّر في النُّطق في اللغة الأجنبية مكرَّر أيضًا في الكتابة على نحو (flapper) و(recommendation)، ونحن في العربيَّة قد نستَغنِي كذلك بالإدْغام عن كتابة حروف بكاملها، وقد نلجأ إلى حذف حروف، فنقول ونكتب: (عَمَّ) عِوَضًا عن (عن ما)، و(مِمَّ) عِوَضًا عن (من ما)، و(بِمَ) عِوَضًا عن (بما)، ومثلها (لِمَ) عِوَضًا عن (لِما). ج - أداة التعريف التي نستَعمِلها هي (أل)، وتكتب متَّصِلة بالكلمة، والاتِّصال في الكتابة أسهل وأوْفر وقتًا، أمَّا التنكير فيكون بعدم وجود (أل)، وفيه مزيد اختصار، فاللغة العربيَّة تستَثمِر انعِدام الأداة كما تستَثمِر وجودها. ثانيًا: الإيجاز في الكلمات: أ - ليس في العربية أفعالٌ مُساعِدة نتوسَّل بها لإقامة المعاني، فنقول: (أنا سعيد، وهو يكتب) مباشرة، والفعل قد يستَتِر فاعله فلا يُكتَب، وقد يتَّصِل بالفعل نفسه فيكون ضميرًا. ب - الحرف الواحد في بعض الأحيان يُشكِّل جُملةً واحدةً، نفهَم منها الفعل والفاعل والمفعول؛ مثال ذلك قولنا: (فِ)، فإنَّ هذا الحرف إنما هو جُملة، فيها أمرٌ مُوجَّه للمُخاطَب وهو الفاعل هنا، ليفعل هذا العمل وهو الوفاء. ج - الحركات أيضًا هي نوعٌ من أنواع الإيجاز؛ إذ بالحركة نستَطِيع التفريق بين الكلمات المختلفة؛ كـ"فرَح" الاسم، و"فَرِحَ" الفعل، وبين نوعين من أنواع الاسم؛ كـ"فرِح" صيغة المبالغة، و"فَرَح" المصدر، وبين فعلٍ معلوم الفاعل "كَتَب" وآخَر مجهول الفاعل "كُتِب"، وإذا ترجمنا هذه الكلمات إلى أيَّة لغةٍ من لغات العالَم سنجد أنَّنا نحتاج إلى أكثر من كلمةٍ لا كلمة واحدة، أو إلى كلمةٍ وبها لواحق أو سوابق لتُعطِي نفس المعنى الذي أفادَتْه الكلمة العربية الواحدة التي لا تحتاج إضافة كلمات ولا سوابق أو لواحق، إنما هي الحركة على الحرف وحسب. د - في اللغة العربية قد نستَغنِي بحرفَيْن عن كلمات كاملة؛ ففي حالة (التثنية)، فالعربية ليست كاللغات التي تُهمِل حالة التثنية لتنتقل من المفرد إلى الجمع، وتكون التثنية بإضافة حرفَيْن إلى المفرد ليصبح مثنى (الباب - البابان - البابين)، على حين أنَّه لا بُدَّ في الفرنسية والإنجليزية من ذكر العدد مع ذكر الكلمة وذكر علامة الجمع بعد الكلمة، فنقول في الفرنسية: (Les deux portes)، ونقول في الإنجليزية (the tow doors). وفي (إضافة الضمائر) نكتفي في العربية بإضافة الضمير إلى الكلمة، وكأنَّه جزء منها، فنقول: (كتابه) و(منزلهم)، على حين تقول في الفرنسية مثلًا: (son livre) و(leur maison). أمَّا في (إضافة الشيء إلى غيره) فيَكفِي في العربية أن نُضِيف حركة إعرابية؛ أي: صوتًا بسيطًا إلى آخِر المضاف إليه، فنقول: (كتاب التلميذِ)، و(مدرسة التلاميذِ)، على حين تستعمل في الفرنسية أدوات خاصَّة لذلك، فنقول: (le livre de leleve) و(des eleves lecole). وفي (الإسناد) يكْفي في العربيَّة أن تذكر المسند والمسند إليه، وتترك لعلاقة الإسناد العقلية والمنطقية أن تصلَ بينهما بلا رابطة ملفوظة أو مكتوبة، فتقول مثلًا: (أنا سعيدٌ)، على حين أنَّ ذلك لا يتحقَّق في اللغة الفرنسية واللغة الإنجليزية، ولا بُدَّ لك فيهما ممَّا يُساعِد على الربط، فتقول: (je sui heureux) و(I am happy)، وتستعمل هاتان اللغتان لذلك طائفة من الأفعال المساعدة؛ مثل: (etre وavoir) في الفرنسية، و(to have وto be) في الإنجليزية. هـ - الفعل في اللغة العربية يمتاز باستِتار الفاعل فيه حينًا، وكونه جزءًا منه حينًا آخَر؛ تقول: (أكتب، وتكتب) مقدِّرًا الفاعل المستتر، وتقول: (كتبت، وكتبا، وكتبوا)، فتَصِل الفاعل بالفعل وكأنَّه حرفٌ من حروفه، فلا نحتاج إلى البدْء به منفصلًا مقدمًا على الفعل كما هو الأمر في الفرنسية: (nous - tu - il- je)، وفي الإنجليزية (I - you - they). وكذلك عند (البناء للمجهول) يكفي في العربيَّة أن تُغيِّر حركة بعض حروفه، فتقول: (كُتِبَ، قُرِئَ)، في حين تقول في الفرنسية مثلًا: (a ete ecrit)، وفي الإنجليزية (it was read). و - في العربية كلمات يصعب ترجمتها أو التعبير عن معناها إلا في جُمَل كاملة؛ مثل:هيهات It is too far شتَّان There is a great difference هو قوي كالأسد He is as strong as a lion سأذهب I shall go سيذهب He will go ومن الإيجاز حالي التثنية والجمع: الباب البابان - البابين es deux portes the two doors الباب البابان - البابين es deux portes the two doors ثالثًا: الإيجاز في التراكيب والجمل: الإيجاز في التراكيب: والإيجاز أيضًا في التراكيب، فالجملة والتركيب في العربية قائمان أصلًا على الدمج أو الإيجاز؛ ففي الإضافة يَكفِي أن تُضِيف الضمير إلى الكلمة، وكأنَّه جزءٌ منها: كتابه son livre كتابهم leur livre وأمَّا في الإسناد فيَكفِي في العربية أن تذكر المسند والمسند إليه بلا رابطة ملفوظة أو مكتوبة، فنقول مثلًا: (أنا سعيد)، على حين أن ذلك لا يتحقَّق في اللغة الفرنسية أو الإنكليزية، ولا بُدَّ لك فيهما ممَّا يُساعِد على الربط فتقول: je suis heureux)، (I am happy. فمثلًا سورة (الفاتحة) المؤلَّفة في القرآن من 31 كلمة استغرقت ترجمتها إلى الإنكليزية 70 كلمة. والنفي أسلوبٌ في العربية يدلُّ على الإيجاز: العربية: (لم أقابله)، الإنكليزية: (I did not meet him) الفرنسية: (Je ne l’ai pas rencontré) الميزة الخامسة: الإعراب ودلالته على المعنى: اللغات قسمان: مبنيَّة ومُعربة، واللغات السامية كلها معربة، فلم تنفرد اللغة العربية بذلك، وفي بعض اللغات السامية آثارٌ من الإعراب مثل اللغة الأمهرية، وإن كان بينها وبين الإعراب في العربية فرق غير يسير. ولا شكَّ أن في الإعراب شيئًا من الصعوبة، فيحتاج المتكلِّم إلى معرفة حالات الإعراب، مثل: رأيت خالدًا Khalid I saw حضر خالدٌ Khalid came ذهبتُ مع خالد I went with Khalid فيجب معرفة المرفوع من المنصوب من المجرور، على عكس الإنجليزية، لكن هل السهولة مزية دائمًا؟ وهل الإعراب عيبٌ في اللغة العربية؟ ليس دائمًا؛ فالأجهزة الحديثة أكثر تعقيدًا مِن مثيلاتها القديمة؛ فالحاسبات والماكينات وغيرها إذا كانت حديثة ومتطوِّرة، فنراها معقَّدة عن مَثِيلاتها القديمة، ومع ذلك هي مُفضَّلة ومُقدَّمة؛ لما فيها من خصائص ليست في غيرها. كذلك في اللغة العربية نجد الإعراب يؤدِّي ما لا تُؤدِّيه اللغات المبنيَّة في دقَّة التعبير والإيجاز وتنوُّع المعاني بأقلِّ قدرٍ من الكلمات. فما هو الإعراب؟ الإعراب هو: الإبانة عن المعاني بالألفاظ؛ فمثلًا عندما نقول: (يحترمُ أحمدُ أباه)، و(شكَر سعيدًا أبوه)، علمت برفع أحدهما ونصب الآخر الفاعل من المفعول، ولو كان الكلام شرجًا واحِدًا لاستبهم أحدهما من صاحبه. والإعراب موجودٌ في بعض اللغات؛ مثل اللاتينيَّة؛ لكنَّه لا يُدانِي أهميَّة الإعراب في العربيَّة، ثم إنَّ اللاتينيَّة قد اندَثرت وصارت لغةً من التاريخ لا واقِع لها، بل كان الإعراب في اللاتينية من أسباب صعوبتها، أمَّا هو في العربية فله عدَّة ميزات وفوائد نذكُر منها على سبيل الإيجاز والاختصار: 1 - الإعراب دليل التخفيف والإبانة عن المعاني بسهولة ويُسر. 2 - الإعراب وسيلةٌ من وسائل الإبداع والبلاغة؛ فبه نستَطِيع التقديم والتأخير اهتمامًا بالمتقدِّم وإبرازًا له، ولا يختلُّ المعنى أو يلتَبِس طالما أنَّ هذا التقديم خاضِع لقواعد النحو. 3 - الإعراب هو ضربٌ من ضروب الإيجاز في اللغة؛ لأنَّنا بالحركات نكتَسِب معاني جديدة دون أن نضطرَّ لزيادة حجم الكلمة أو رفدها بمقاطع أخرى أو بأفعال مساعدة. 4 - الإعراب يُتِيح للعربيَّة قدرةً هائلة في التعبير عن المعاني والتفنُّن في الأساليب، وتجعلها أكثر مرونةً وتصرُّفًا في بناء التراكيب. 5 - الإبانة عن المعاني، وكثيرٌ من الجُمَل في العربية لا يبين معناها إلا بالإعراب. كيف أنت ومحمدٌ؟ كيف أنت ومحمدًا؟ فبِرَفْع محمد معناها السؤال عن الحال أو الصِّحَّة، وتكون الإجابة مثلًا: أنا ومحمد بخير، أمَّا بالنصب فالسؤال عن العلاقة، وتكون الإجابة: إنَّ علاقتنا جيدة. ومثال آخر: كم رجلًَا عندك قال الحق؟ كم رجلٍ عندك قال الحق! كم رجلٌ عندك حق؟ الأولى للسؤال، والثانية للإخبار بالكثرة، والثالثة تعني: كم قال رجل معيَّن الحقَّ. ومثال ثالث يبيِّن خطَر الإعراب في تغْيير المعنى تغييرًا تامًّا: سمع أحد الأعراب قارئًا يقرأ قول الله تعالى: ﴿ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ﴾ [التوبة: 3]. فقرأها بكسر كلمة ﴿ رسوله ﴾، والصحيح أنها مرفوعةٌ، فقال الأعرابي: أبرأ الله من رسوله؟ ويبيِّن ابن فارس هذه الخاصيَّة الخصيصة في لغة العرب فيقول: (إنَّ مِن العلوم الجليلة التي اختصَّت بها العرب الإعرابَ الذي هو الفارق بين المعاني المتكافئة في اللفظ... ولولاه ما ميز فاعلٌ مِن مفعول، ولا مضاف مِن منصوب، ولا تعجُّب مِن استفهام، ولا صدر مِن مصدر، ولا نعت مِن توكيد)؛ "الصاحبي" ص 76. وتقول: (كم رجلًا رأيت؟) في الاستخبار، و(كم رجلٍ رأيت)، في الخبر يُراد به التكثير؛ "الصاحبي" ص 310 وفي هذا الكلام من ابن فارس إشارة مهمَّة إلى دور الحركات عمومًا في التمييز بين المعاني المختلفة، ليس فقط على مستوى الإعراب، ولكن أيضًا على مستوى البنْية المفردة. الميزة السادسة: الأصوات ودلالتها على المعاني: عرفنا فيما سبَق أنَّ الإعراب يدلُّ على المعاني بقرينة الحركة الإعرابيَّة، وما تدلُّ عليه هذه الحركة وما تفيده، أمَّا الآن فسَنَتَحَدَّث عن أصوات بعض كلمات اللغة العربية التي تدلُّ على معناها بمجرَّد سماع صوت الكلمة، وسنَرَى أنَّ بعض الكلمات قد يُفهَم معناها العام أو معناها بدقَّة من خلال أصوات المتكلم. ويقول ابن خلدون: (الملكات الحاصِلة للعرب أحسَنُ الملكات وأوْضَحها إبانةً عن المقاصد لدلالة غير الكلمات على كثيرٍ من المعاني؛ مثل الحركات التي تُعيِّن الفاعل مِن المفعول والمجرور - أي: المُضاف - ومثل الحروف التي تُفضِي بالأفعال إلى الذوات مِن غير تكلُّف ألفاظ أخرى... ولا يوجد ذلك إلا في لغة العرب، وأمَّا غيرها من اللغات فكلُّ معنى أو حال لا بُدَّ له مِن ألفاظ تخصُّه بالدلالة؛ ولذلك نجد كلام العجم في مخاطبتهم أطول ممَّا تقدِّره بكلام العرب...). الميزة السادسة: الفصاحة: الفصاحة في اللغة: خلوُّ الشيء ممَّا يَشُوبه، وهي الظهور والبيان. يُشتَرط لوَصْف الكلام بالفصاحة شروطٌ في الكلمة المفردة والكلام المركَّب: شروط فصاحة الكلمة هي خلوُّها من: أ - تنافُر الحروف: وهذا يتَّصِل بعِلم الأصوات النطقي. ب - الغرابة: وهذا يتَّصِل بالمعجم. ج - مخالفة القياس الصرفي: وهذا يتَّصِل بعَطاء عِلم الصرف. د - الكراهة في السمع - كما أضافه البعض - وهذا يتَّصِل بعِلم الأصوات السمعي. شروط فصاحة الكلام هي خلوُّه من: أ - تنافُر الكلمات: وهذا يتَّصِل بالأصوات أيضًا؛ لأنَّه مبنيٌّ على تكرار صوتٍ ما بنسبة معيبة. ب - ضعف التأليف اللفظي: بجريانه على خلاف المشهور مِن قواعد النحو، وهذا يتَّصِل بالنحو. ج - التعقيد اللفظي: وذلك باضطراب مرجع الضمير وغير ذلك: وهذا يتَّصِل بعِلم النحو. د - التعقيد المعنوي: وذلك بصعوبة الوُصُول مِن المعنى الأساس للكلمات إلى المعنى المُرَاد: وهذا يتَّصل بعِلم البيان. ويقول ابن خلدون: (الملَكات الحاصلة للعرب أحسَن الملكات وأوْضحها إبانةً عن المقاصد لدلالةِ غير الكلمات على كثيرٍ من المعاني؛ مثل: الحركات التي تُعَيِّن الفاعل مِن المفعول والمجرور - أي: المُضاف - ومثل الحروف التي تُفضِي بالأفعال إلى الذوات مِن غير تكلُّف ألفاظٍ أخرى... ولا يوجد ذلك إلا في لغة العرب، وأمَّا غيرها من اللغات فكلُّ معنى أو حال لا بُدَّ له من ألفاظٍ تخصُّه بالدلالة؛ ولذلك نجد كلام العجم في مخاطبتهم أطول ممَّا تقدِّره بكلام العرب...). يقول الفارابي في "ديوان الأدب": (هذا اللسان كلامُ أهل الجَنَّة، وهو المنَزَّه مِن بين الألسنة مِن كلِّ نقيصة، والمعلى مِن كلِّ خسيسة، والمهذب ممَّا يُستَهجَن أو يُستَشنَع، فبنى مباني بايَن بها جميع اللغات من إعرابٍ أوجَدَه الله له، وتأليف بين حركة وسكون حلَّاه به، فلم يجمع بين ساكنَيْن، أو متحرِّكَيْن متضادَّيْن، ولم يلاقِ بين حرفَيْن لا يأتلَّفان، ولا يعذب النطق بهما أو يشنع ذلك منهما في جرس النغمة وحسِّ السمع، كالغين مع الحاء، والقاف مع الكاف، والحرف المطبق مع غير المطبق؛ مثل: تاء الافتِعال، والصاد مع الضاد في أخواتٍ لهما، والواو الساكنة مع الكسرة قبلها، والياء الساكنة مع الضمة قبلها، في خلال كثيرة من هذا الشكل لا تُحصَى)؛ "المزهر في علوم اللغة وأنواعها"؛ للسيوطي: 1/ 272. الميزة السابعة: الثبات الحرُّ: العربيَّة مِن اللغات القلائل الثابتة الأصول، المَتِينة البنيان، الممتدَّة العمر، يَفهَم الآخِر فيها ما كَتَب الأوَّل، وتمخر نصوصها عبر العصور والقرون، ويَتواصَل أبناؤها عبر الزمان والمكان، فما قاله امرؤ القيس، والنابغة، وعنترة في أقدم عصورها، حاضِر ماثل اليوم يتغنَّى به الشُّعَراء والكُتَّاب، بل يتعلَّمه التلاميذ والطلَّاب، ويَسِير في الناس مسير الأمثال. على حين لا يَفهم الإنجليزيُّ اليومَ ما كتَبَه شكسبير وأمثالُه قبلَ بضع مِئات من السنين! فأين من أين؟ بل أين من لا أين؟! يقول د. حسين نصار: (إنَّ أكبر تَحَدٍّ واجهَتْه العربيَّة كان عندما أخرَجَها الإسلام مِن جاهليَّة غنيَّة كل الغِنَى في الإبداع الأدبي، فقيرة كل الفقر إلى حدِّ الإملاق في الإنتاج العلمي، ثُم ألقى بها في القرنين الثاني والثالث الهجريين في بحر زاخر مِن الحضارات والعلوم، والفلسفات والفنون، وكل صنوف المعرفة التي ابتَكرَتْها الأُمَم المُتاخِمة للجزيرة العربية؛ كالفُرس والروم، والسريان والمصريين، والأمم البعيدة عنها؛ كالهنود والصينيين، والأتراك والبربر، وشعوب إسبانيا، ولكنَّ العربيَّة صمدتْ لهذا التحدِّي، بفضل ما بثَّه الإسلام في العرَب مِن رغبةٍ في المعرفة، وسعيٍ في طلَبها، وطموح وعزْم، وتخطيط وتنفيذ، وتعاون مع غير العرب مِن أبناء الشعوب العارِفَة باللغات الأجنبية واللغة العربية، فلمْ يَمضِ إلا وقتٌ غيرُ طويلٍ حتى نَقَلَت العربيةُ كلَّ ما وجدتْ عند هذه الأُمَم إليها، فاستَطاع أبناؤها بعدُ أن يتمثَّلوها فهمًا، ولم يمضِ كبيرُ وقتٍ حتى شارَكوا في الإنتاج والابتِكار، فصار ما كتَبَه هؤلاء المفكِّرون والعُلَماء منذ القرن الثالث نبراسًا استَضاءت به شعوب العالم القديم، لا يستَطِيع أن يُنكِر ذلك إلا مُنكِرٌ لعقله، مُنكِرٌ لشمس النهار الصحو، مُنكِرٌ لتاريخ الإنسان وتطوُّره الحضاري)؛ مِن كلمته التي ألقاها بمناسبة حصوله على جائزة الملك فيصل العالمية، "مجلة تراثيات"، العدد الخامس ذو الحجة 1425 - يناير 2005. ومع هذا التحدِّي الكبير فلم تنخَرِط اللغة في غيرها من اللغات؛ بل ظلَّت محافِظة على هُويَّتها، متماسِكة لا تذوب في غيرها من اللغات، ويذوب غيرها فيها. الثَّبات: تميَّزت اللغةُ العربية بالثبات، وهذا الثبات لا يَعنِي الجمود وعدم التطوُّر، فهي متطوِّرة في إطارٍ ثابت، طيِّعة صالحة لكلِّ زمان ومكان، لكلِّ عصر ومصر، مِن خلال أُطُر وقواعد تحفظ عليها رونَقَها وأصولها؛ لذلك لم يطُلها ما طال اللغات الأخرى مِن تطوُّر أدَّى في النهاية إلى اندِثارها، أو تطوُّرِها تطوُّرًا نشأ عنه مراحل مِن اللغة لا يَفهَم اللاحقُ منها السابقَ، فقد اندَثَرت اللغة اللاتينية ونشأ عنها اللغات الأوربية المتعدِّدة، وتطوَّرت اللغة الإنجليزية فصار مَن يدرس الإنجليزية الحديثة لا يَفهَم الإنجليزيَّة الوسيطة، فاحتاج دارِس الإنجليزيَّة إلى ترجمة روايات شكسبير ليَفهَمها، أمَّا العرب فهم يقرؤون ما كُتِبَ من خمسة عشر قرنًا ويفهمونه، بل يشعرون به ويعيشون مشاعر قائِلِه الأوَّل. سبب الثبات: لنعرف لماذا لَم تتبدَّل اللغة العربيَّة وتَبَدَّل غيرُها، يجب أن نعرفَ لماذا تغيَّر غيرُها؟ أثبتَتْ إحدى الجامعات البريطانية أنَّ كلَّ اللغات تَحوِي صفات ذاتيَّة فيها، تؤدِّي إلى تطوُّرها وتغيُّرها عبر الأزمان؛ لأنهم يرَوْن لكلِّ لغةٍ عمرًا كعمر الإنسان مِن الطفولة إلى الكهولة ثم الموت، وهم أنفسُهم أثبَتُوا أنَّ اللغة العربية خالية مِن هذه الأسباب؛ لأنها تحوي سِمات تجعَلها تُجَدِّد نفسَها مِن داخلها لتُناسِب العصر والتجْديد. ونحن نقول هذه المميزات هي: الاشتِقاق والترادُف والتعريب... وغيرها مِن الآليَّات التي تستخدمها اللغة العربية لتُجدِّد خَلاياها حتى تُناسِب العصر والمُحدَثات، مع احتفاظها بأُصُولها وألفاظها وقواعدها، فهي لُغة الأدب والعِلم والحضارة. مع هذا الثبات فهي لغة حرَّة مَرِنَهٌ، يقول الأستاذ العقاد رحمه الله في مقدمة كتاب "الصحاح"؛ للأستاذ العطار: (ولقد قيل كثيرًا: إنَّ اللغة العربية بقيتْ لأنها لغة القرآن، وهو قول صحيح لا ريب فيه، ولكن القرآن الكريم إنما أبقى اللغة لأنَّ الإسلام دِينُ الإنسانية قاطبةً، وليس بالدين المقصور على شعب أو قبيل، وقد ماتت العبرية وهي لغة دينية أو لغة كتاب يَدِين به قومه، ولم تمت العبرية إلا لأنها فَقدَت المرونة التي تجعلها لغة إنسانية، وتُخرِجها مِن حظيرة العصبيَّة الضيِّقة بحيث وضَعها أبناؤها منذ قرون). الميزة الثامنة: عِلم العَرُوض: وهو العِلم الذي به تُعرَف أوزان الشعر العربي. يقول ابن فارس: (ثم للعرب العَرُوض الذي هو ميزان الشعر، وبه يُعرَف صحيحه مِن سقيمه)؛ انظر: "الصاحبي" ص 77. وقد أشار غيرُ واحد من المستشرقين إلى اختِصاص العربية بعِلم العَرُوض، يقول العلَّامة المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون في بحثٍ له بعنوان "مقام الثقافة العربية بالنسبة إلى المدينة العالمية": (وأمَّا في علوم اللغة فإنَّ الفكر السامي لَم يَصِل إلى عِلم العروض إلا عند العرب)؛ "فقه اللغة"؛ للدكتور علي عبد الواحد وافي، ص 248. وقد أفاض الأستاذ العقاد في بحث "الخاصية الموسيقيَّة للغة العربية" في كتابه "اللغة الشاعرة"، ويظهر من عنوان الكتاب ومن شرح العقاد له، أنه يَعنِي باللغة الشاعرة اللغة التي بُنِيت على نسق الشعر في أصوله الفنية والموسيقية؛ فهي في جملتها فنٌّ منظوم مُنَسَّق الأوزان والأصوات، لا تنفصل عن الشعر في كلامٍ تألَّفت منه ولو لم يكن من كلام الشعراء. وهذه الخاصية في اللغة العربيَّة ظاهرةٌ من ترْكيب حُرُوفها على حِدَةٍ، إلى تركيب مفرداتها على حِدَةٍ، إلى تركيب قواعدها وعباراتها "إلى تركيب أعاريضها وتفعيلاتها في بنية القصيد"، "اللغة الشاعرة" ص11. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * بتصرف من موقع الألوكة: (https://www.alukah.net/sharia/0/22749/).0
- نحو علم منهاجي في التعامل مع القرآن الكريم *
الكاتب: د. أحمد عبادي
بعد النظر في طبيعة القرآن المجيد من حيث إنه عصارة الأكوان، ومن حيث إنه أحسن الحديث، ومن حيث إنه أحسن ما أنزل إلى البشر، فإن من الأمور التي تصلح جسرا نخلص به من المبحث الأول إلى المبحث الثاني، قول الله عز وجل عن كتاب موسى عليه السلام، وهارون عليه السلام:﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ (الصافات: 117)، وقوله سبحانه عن هذا القرآن: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (النمل: 1)، فما الفرق بين الكتاب المستبين والكتاب المبين؟
الكتاب المستبين أوحي به في مرحلة لم يكتمل فيها بناء النبوة الذي عبّر عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله في الحديث الصحيح، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ ، قَالَ : فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ»[1]. وكان هذا الوحي الذي جاء مصدقا لما بين يديه، ومهيمنا عليه، خاتمة الوحي وجامعه، والذي لا يتنكر لما قبله، بل يصدق على ما هو أصيل أثيل فيه، ويهيمن عليه بهذا الانفتاح على كل زمان، وكل مكان، وكل إنسان إلى أن يرث الله الأرض ومن وما عليها.
فإذن الفرق بين الكتاب المستبين والكتاب المبين، أن الكتاب المستبين جاء لقوم مخصوصين، وفيه هدى ونور يحكم به النبيئون، كما قال الله عز وجل في حق التوراة ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: 46)، وكما قال سبحانه في حق الإنجيل﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: 48). لكن القرآن الكتاب المبين جاء لكي يبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن وما عليها مصداقا لقوله عز وجل ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (المائدة: 50).
فما هي إذن خصائص هذا الكتاب المبين؟ وما هي مناهج التعامل معه؟ وهذا ما سنحاول الاستدلال عليه فيما يأتي.
إنّ من خصائص الكتاب المبين، أنه كاشف للحياة وللأحياء، وللحقائق التي يكون الإنسان مستعدا لكي يكتشفها. فالقرآن المجيد فيه، وكما يقول المربون، القدر الأعلى من البيداغوجية، أو من الديداكتيك، وهناك حقائق قد لا يكون الناس في استعداد لتقبلها في بعض الأزمنة، وفي بعض الأوقات، كما وقع لابن العربي المعافري (ت 543هـ) والذي أثر عنه قول جميل نقله لنا البقاعي وغيره، قال: “وقد ظهر لي أن هذا القرآن المجيد كالقول الواحد، وكالخبر الواحد، وأنه يتصل أوله بآخره، فلما لم نجد لهذا العلم حملة، ورأينا أكثر الخلق بأوصاف البطلة، طويناه، ورددناه، وجعلناه فيما بيننا وبينه تعالى”[2].
إن هذا التكشف الذي يتكشف به القرآن المجيد عبر الزمن، وبحسب استعدادات الناس، وإن كان هناك من الناس في كل عصر من يفتح الله لهم أبواب بعض الاستبانات فيظهر لهم ما يظهر قد يصرّفونه وقد يطوونه، وربما يجزّئون ما يظهر لهم جزءا جزءا لكي يمرروه بحسب ذوقهم وبحسب استعدادهم، وهو قول الله عز وجل:﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر:21)، ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ (الرعد: 32)، هذه القوة المكتنزة في القرآن المجيد، هي القوة التي يحتاج إليها عالَم مثل عالَمنا اليوم في هذا الزمان، أكثر من أي زمان مضى.
فالقرآن الكريم فيه هذه القابلية لأن يفسر الحياة والأحياء للناس، وأن يظهر لهم هذه السنن وهذه الحقائق، ولكن بحسب قوة المستمِد الذي يستمد من القرآن المجيد، وهو استمداد له آدابه وله قواعده؛ منها الآداب النفسية، والأسس العلمية، وكذلك صلاح وصفاء هذا الإقبال، ففي مجال التعاطي مع هذا الكون الذي يحتوشنا، نجد أن الإنسان يُجري حواراً مع هذا الكون من خلال طرح الأسئلة عليه، وتلقّي الأجوبة منه، وتحويل هذه الأجوبة إلى أسئلة مرة أخرى، وهي أسئلة تُطرح على الكون في المختبرات، وفي صوامع البحث العلمي.
وهذا الحوار هو الذي يُخرج لنا كل هذه الأمور التي ننتفع بها اليوم، ولكنه حوار يقوم على الإيمان بشيء جازم، وهو أن هذا الكون قد بني وفق نسق، وأن فيه قوانين تحكمه، وأنه ليس فوضى، فأول اكتشاف قد حرر طاقة الإنسان الإبداعية، ومكنه من القراءة المثمرة في الكون، والحوار المثمر معه، هو إيمانه بأن هذا الكون نسق، وأنه مبني على علل، وأنه ليس فوضى، وأنه منظم، وأن وراءه مقاصد، ووراءه حكماً يسميها البعض حكمة الطبيعة، ويسميها أهل الإيمان بحكمة الله عز وجل الذي قد أودع هذه المقاصد، وأودع هذه الحكم في خلقه الذي هو الكون، وكلما استحرّ الحوار بين الإنسان والكون إلا وأعطى هذا الكونُ خيراتِه للإنسان، وخيراته عطاء غير محظور لقوله عز وجل ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ (الإسراء: 20)، فالكون لا يفرق بين مؤمن ولا كافر، ويعطي لمن يحاوره، وعنده هذه القدرة على العطاء إلى حين ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (البقرة: 35)، لأن هذا الحين سوف ينسخ ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (الانشقاق: 3-4-5) وقوله تعالى ﴿ذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ (الزلزلة:1-5)، والوحي المقصود في هذه الآية الكريمة، وحي جديد بعدم التسخر، ولذلك يقول الإنسان ما لها؟ لماذا لا تعمل هذه السنن؟ والجواب هو، أن هذا وحي جديد نسخ الوحي القديم بالتسخر.
فإذن حوار الإنسان مع الكون بهذا الحرص، مع استبطان أن هذا الكون نسق منظم، هو الذي يمكّن الإنسان من أن يُجريَ هذا الحوار في احترام للأبجد الكوني، واللغة التي يفهمها الكون، بحيث يصوغ أسئلته بها، وإلا فإن الكون يرفض إجراء الحوار، ومن ثم يتأبّى على التسخّر، ولذلك نجد أن هذه العلوم التي أثمرتها هذه القراءة في الكتاب المنظور ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (العلق: 1-2) هي التي أعطت علوم التسخير من إلكترونيك، ومن سبيرنطيقا، وطب، ومن علوم المجرة إلى علوم الذرة.
كذا الأمر بالنسبة للقراءة في الكتاب المسطور ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 3-5). وهي القراءة التي نجد الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت 204 هـ) كان كَلِفًا بها حين كان مهتما مغتما باكتشاف دليل القياس؛ حيث قرأ القرآن وختمه مرات، يقوم به الليل، ويتبتل به إلى الله عز وجل، سائلا إياه جل وعلا أن يفتح له بدليل القياس، فما كان يتبين له، ويعاود الكَرَّة، يتحاور، وينظر في القرآن إلى أن ظهر له أن الدليل الذي يصلح أن يُستدلّ به على القياس هو قول الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (الحشر: 2)، وكذا الأمر بالنسبة لدليل الإجماع، وعدد من الأصول التي ضمنها في كتابه التأصيلي الرائد لعلم أصول الفقه “الرسالة”. وهو ما أثر عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس الأصبحي (ت 179 هـ) في مواضع متعددة، وهو حال الإمام ابن جرير الطبري (ت 310هـ) في التفسير، وغير هؤلاء من الأئمة كلٌّ في مجاله، وكل في بابه.. حوار مستمر مع القرآن المجيد، وهذه هي علوم التيسير، أخذا من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (القمر: 17).
وحين كف الحوار في واقعنا الحضاري مع الكون للأسف، رأينا أننا أصبحنا نستهلك المنتجات التي ينتجها غيرنا؛ لأن علوم التسخير وكما سبقت الإشارة إلى ذلك، رهينة بالقراءة في الكتاب المنظور، وأصبحنا عالة على ما كان عندنا قبلا، قبل أن نحتك بهذه الحضارة التي استمرت في حمل المشعل الذي استلمته غلابا من عندنا، واستمرت في هذه القراءة وفي هذا الحوار، توظيفا للكشوفات التي حصلت قبلا بناء عليها وإضافة إليها. فحين كف الحوار مع الكون في عالمنا، وفي فضائنا الحضاري، أصبحنا عالة على ما كان. فحين تغيب علامات الاستفهام، يغيب المنهج، لأن الذي يشي بالمنهج ويكشف عن وجوده هو التساؤل، وهو ما يبرز في قوله سبحانه:﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ (النبأ: 1-3) وتستمر التساؤلات إلى قوله تعالى:﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ (النبأ: 17) حيث تختم الحياة بيوم الفصل، يوم القيامة، مما يعني أن التساؤل وجب أن يكون مرافقا للإنسان إلى أن تنقضي حياته، نصوصنا اليوم فيها عقم من حيث علامات الاستفهام، وهو مؤشر على الحالة التي يوجد عليها الحوار مع الكتابين في عالمنا اليوم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* موقع الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب: (https://2u.pw/OkG4S).
[1] . أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، برقم: 3535 (4/186)
[2] . الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (3/369).نحو علم منهاجي في التعامل مع القرآن الكريم * الكاتب: د. أحمد عبادي بعد النظر في طبيعة القرآن المجيد من حيث إنه عصارة الأكوان، ومن حيث إنه أحسن الحديث، ومن حيث إنه أحسن ما أنزل إلى البشر، فإن من الأمور التي تصلح جسرا نخلص به من المبحث الأول إلى المبحث الثاني، قول الله عز وجل عن كتاب موسى عليه السلام، وهارون عليه السلام:﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ (الصافات: 117)، وقوله سبحانه عن هذا القرآن: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (النمل: 1)، فما الفرق بين الكتاب المستبين والكتاب المبين؟ الكتاب المستبين أوحي به في مرحلة لم يكتمل فيها بناء النبوة الذي عبّر عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله في الحديث الصحيح، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ ، قَالَ : فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ»[1]. وكان هذا الوحي الذي جاء مصدقا لما بين يديه، ومهيمنا عليه، خاتمة الوحي وجامعه، والذي لا يتنكر لما قبله، بل يصدق على ما هو أصيل أثيل فيه، ويهيمن عليه بهذا الانفتاح على كل زمان، وكل مكان، وكل إنسان إلى أن يرث الله الأرض ومن وما عليها. فإذن الفرق بين الكتاب المستبين والكتاب المبين، أن الكتاب المستبين جاء لقوم مخصوصين، وفيه هدى ونور يحكم به النبيئون، كما قال الله عز وجل في حق التوراة ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: 46)، وكما قال سبحانه في حق الإنجيل﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: 48). لكن القرآن الكتاب المبين جاء لكي يبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن وما عليها مصداقا لقوله عز وجل ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (المائدة: 50). فما هي إذن خصائص هذا الكتاب المبين؟ وما هي مناهج التعامل معه؟ وهذا ما سنحاول الاستدلال عليه فيما يأتي. إنّ من خصائص الكتاب المبين، أنه كاشف للحياة وللأحياء، وللحقائق التي يكون الإنسان مستعدا لكي يكتشفها. فالقرآن المجيد فيه، وكما يقول المربون، القدر الأعلى من البيداغوجية، أو من الديداكتيك، وهناك حقائق قد لا يكون الناس في استعداد لتقبلها في بعض الأزمنة، وفي بعض الأوقات، كما وقع لابن العربي المعافري (ت 543هـ) والذي أثر عنه قول جميل نقله لنا البقاعي وغيره، قال: “وقد ظهر لي أن هذا القرآن المجيد كالقول الواحد، وكالخبر الواحد، وأنه يتصل أوله بآخره، فلما لم نجد لهذا العلم حملة، ورأينا أكثر الخلق بأوصاف البطلة، طويناه، ورددناه، وجعلناه فيما بيننا وبينه تعالى”[2]. إن هذا التكشف الذي يتكشف به القرآن المجيد عبر الزمن، وبحسب استعدادات الناس، وإن كان هناك من الناس في كل عصر من يفتح الله لهم أبواب بعض الاستبانات فيظهر لهم ما يظهر قد يصرّفونه وقد يطوونه، وربما يجزّئون ما يظهر لهم جزءا جزءا لكي يمرروه بحسب ذوقهم وبحسب استعدادهم، وهو قول الله عز وجل:﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر:21)، ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ (الرعد: 32)، هذه القوة المكتنزة في القرآن المجيد، هي القوة التي يحتاج إليها عالَم مثل عالَمنا اليوم في هذا الزمان، أكثر من أي زمان مضى. فالقرآن الكريم فيه هذه القابلية لأن يفسر الحياة والأحياء للناس، وأن يظهر لهم هذه السنن وهذه الحقائق، ولكن بحسب قوة المستمِد الذي يستمد من القرآن المجيد، وهو استمداد له آدابه وله قواعده؛ منها الآداب النفسية، والأسس العلمية، وكذلك صلاح وصفاء هذا الإقبال، ففي مجال التعاطي مع هذا الكون الذي يحتوشنا، نجد أن الإنسان يُجري حواراً مع هذا الكون من خلال طرح الأسئلة عليه، وتلقّي الأجوبة منه، وتحويل هذه الأجوبة إلى أسئلة مرة أخرى، وهي أسئلة تُطرح على الكون في المختبرات، وفي صوامع البحث العلمي. وهذا الحوار هو الذي يُخرج لنا كل هذه الأمور التي ننتفع بها اليوم، ولكنه حوار يقوم على الإيمان بشيء جازم، وهو أن هذا الكون قد بني وفق نسق، وأن فيه قوانين تحكمه، وأنه ليس فوضى، فأول اكتشاف قد حرر طاقة الإنسان الإبداعية، ومكنه من القراءة المثمرة في الكون، والحوار المثمر معه، هو إيمانه بأن هذا الكون نسق، وأنه مبني على علل، وأنه ليس فوضى، وأنه منظم، وأن وراءه مقاصد، ووراءه حكماً يسميها البعض حكمة الطبيعة، ويسميها أهل الإيمان بحكمة الله عز وجل الذي قد أودع هذه المقاصد، وأودع هذه الحكم في خلقه الذي هو الكون، وكلما استحرّ الحوار بين الإنسان والكون إلا وأعطى هذا الكونُ خيراتِه للإنسان، وخيراته عطاء غير محظور لقوله عز وجل ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ (الإسراء: 20)، فالكون لا يفرق بين مؤمن ولا كافر، ويعطي لمن يحاوره، وعنده هذه القدرة على العطاء إلى حين ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (البقرة: 35)، لأن هذا الحين سوف ينسخ ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (الانشقاق: 3-4-5) وقوله تعالى ﴿ذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ (الزلزلة:1-5)، والوحي المقصود في هذه الآية الكريمة، وحي جديد بعدم التسخر، ولذلك يقول الإنسان ما لها؟ لماذا لا تعمل هذه السنن؟ والجواب هو، أن هذا وحي جديد نسخ الوحي القديم بالتسخر. فإذن حوار الإنسان مع الكون بهذا الحرص، مع استبطان أن هذا الكون نسق منظم، هو الذي يمكّن الإنسان من أن يُجريَ هذا الحوار في احترام للأبجد الكوني، واللغة التي يفهمها الكون، بحيث يصوغ أسئلته بها، وإلا فإن الكون يرفض إجراء الحوار، ومن ثم يتأبّى على التسخّر، ولذلك نجد أن هذه العلوم التي أثمرتها هذه القراءة في الكتاب المنظور ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (العلق: 1-2) هي التي أعطت علوم التسخير من إلكترونيك، ومن سبيرنطيقا، وطب، ومن علوم المجرة إلى علوم الذرة. كذا الأمر بالنسبة للقراءة في الكتاب المسطور ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 3-5). وهي القراءة التي نجد الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت 204 هـ) كان كَلِفًا بها حين كان مهتما مغتما باكتشاف دليل القياس؛ حيث قرأ القرآن وختمه مرات، يقوم به الليل، ويتبتل به إلى الله عز وجل، سائلا إياه جل وعلا أن يفتح له بدليل القياس، فما كان يتبين له، ويعاود الكَرَّة، يتحاور، وينظر في القرآن إلى أن ظهر له أن الدليل الذي يصلح أن يُستدلّ به على القياس هو قول الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (الحشر: 2)، وكذا الأمر بالنسبة لدليل الإجماع، وعدد من الأصول التي ضمنها في كتابه التأصيلي الرائد لعلم أصول الفقه “الرسالة”. وهو ما أثر عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس الأصبحي (ت 179 هـ) في مواضع متعددة، وهو حال الإمام ابن جرير الطبري (ت 310هـ) في التفسير، وغير هؤلاء من الأئمة كلٌّ في مجاله، وكل في بابه.. حوار مستمر مع القرآن المجيد، وهذه هي علوم التيسير، أخذا من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (القمر: 17). وحين كف الحوار في واقعنا الحضاري مع الكون للأسف، رأينا أننا أصبحنا نستهلك المنتجات التي ينتجها غيرنا؛ لأن علوم التسخير وكما سبقت الإشارة إلى ذلك، رهينة بالقراءة في الكتاب المنظور، وأصبحنا عالة على ما كان عندنا قبلا، قبل أن نحتك بهذه الحضارة التي استمرت في حمل المشعل الذي استلمته غلابا من عندنا، واستمرت في هذه القراءة وفي هذا الحوار، توظيفا للكشوفات التي حصلت قبلا بناء عليها وإضافة إليها. فحين كف الحوار مع الكون في عالمنا، وفي فضائنا الحضاري، أصبحنا عالة على ما كان. فحين تغيب علامات الاستفهام، يغيب المنهج، لأن الذي يشي بالمنهج ويكشف عن وجوده هو التساؤل، وهو ما يبرز في قوله سبحانه:﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ (النبأ: 1-3) وتستمر التساؤلات إلى قوله تعالى:﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ (النبأ: 17) حيث تختم الحياة بيوم الفصل، يوم القيامة، مما يعني أن التساؤل وجب أن يكون مرافقا للإنسان إلى أن تنقضي حياته، نصوصنا اليوم فيها عقم من حيث علامات الاستفهام، وهو مؤشر على الحالة التي يوجد عليها الحوار مع الكتابين في عالمنا اليوم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * موقع الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب: (https://2u.pw/OkG4S). [1] . أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، برقم: 3535 (4/186) [2] . الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (3/369).0
- طبيعة القرآن المجيد *
الكاتب: د. أحمد عبادي
القرآن المجيد هو النص المؤسس الذي انبثقت واندهقت من بين ثناياه الحضارة الإسلامية، وهي حضارة قد غيرت صفحة الكون إلى غير رجعة؛ حيث أضحت حضارة، وثقافة، ومنهجَ حياة مستمدا من هذا الكتاب الكريم، الذي جاء بمعايير جديدة، وأحدث نقلات منهجية بعيدة الغور في كينونة الإنسان، وواقع هذا الإنسان.
كما أن المعرفة قبل نزول القرآن المجيد، كانت أمرا تولده العقول في نظر الناس، لكن مع القرآن المجيد أصبحت هذه العقول تعقل ما تستكشفه من خلال النظر إلى البصائر {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (الجاثية:19)، وإلى الآيات الموجودة في الآفاق وفي الأنفس ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: 52). وهذا المنهج الذي لربانيته يبدو متفهَّما ومُدرَكا من قبل الإنسان، كان له أثره العميق في إحداث مجموعة من القطائع مع المناهج المعرفية التي كانت سائدة قبل نزول القرآن الكريم.
وقبل التفصيل في محددات المنهجية المعرفية للدراسات القرآنية، لا بد من الحديث عن طبيعة هذا القرآن الذي نريد أن ندرسه؛ فنحن نعلم أنه كتاب الله المتعبد بتلاوته المعجز بلفظه الذي يبدأ بقوله تعالى ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الفاتحة: 1) وينتهي بقوله سبحانه: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (الناس: 6)، وهو الذي أنزل على قلب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (الشعراء: 193-194)، والتعريفات كلها تتمحور حول هذه المحاور، وهي تعريفات بفضل الله -وعلى سنة التعريف في الحضارة الإسلاميةـ جامعة مانعة ميسّرة.
وأول الدرر التي يركز علماؤنا عليها بهذا الصدد، هي أن القرآن المجيد بما أنه قول الله الذي خَلق كل شيء، فإنه قول لهذا الإنسان الذي خُلق بحسب استعداده، وبحسب متطلباته ومتطلبات واقعه، وإذا كان الأمر كذلك من لدن الذي يعلم من خَلق ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: 15)، فإن هذا القول يكون كأكمل ما يمكن الطموح إليه، وهو أمر قد قرره الإمام الغرناطي الأصل ابن عطية رحمه الله في مقدمة تفسيره الرائعة “المحرر الوجيز”[1]، فكتاب الله عز وجل يتنزل بحسب تطلب هذا المخلوق وواقعه وخصائص كل ذلك، هذه قضية أولى.
القضية الثانية، أن القرآن المجيد قد جاء من لدن من أحاط بكل شيء علما، وإذا كان هذا القول قد قيل أزلا من لدن من قد أحاط بكل شيء علما، فإنه لا يمكن أيضا إلا أن يكون على وجه الكمال، وفي الناعوس الأعلى (والناعوس من الموج هو أعلاه) [2] كما يقول ابن الطيب الشرقاوي رحمه الله.
وهذا ما تدل عليه بوضوح آيات كثيرة من كتاب الله تعالى منها قول الله عز وجل: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (يوسف: 3). وهناك التفات عجيب لأحد المفسرين بصدد هذه القضية في قول الله تعالى ﴿ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، حيث قال: هبوا أن شخصا عاش مائة سنة بوعي وبحضور ذهن، وجرب من هذه الحياة ما جرب، ثم بدأ يقص عن هذه الحياة وعن بعض معالمها، كيف سيكون قصصه؟ وكيف سيكون قوله؟ وما هي قيمة العصارة التي سوف تندهق من لسانه؟ سوف يكون هذا القصص لاشك قصصا رائعا، هذا باعتبار طول اللبث والمكث في هذه الحياة الدنيا. فكيف إذا كان هذا الرجل الذي عاش مائة سنة بوعي وبحضور وبنباهة، وكان من أذكى الناس ومن أدقهم ملاحظة، ومن أقدرهم على التجميع، وعلى التأثير، والإمساك بتلابيب المعاني، واقتناص شرائدها، كيف سيكون قوله؟ سيكون لا محالة كأروع ما يكون، فكيف إذا كان هذا الذي عاش مائة سنة بنباهة، وبحضور بديهة، وأطال التجربة، ثم كان ذكيا قوي الملاحظة؟ كيف إذا كان هذا الشخص أيضا عميق التأمل؟ وكان له هذا التوق على أن ينظر في القضايا لا ظاهرا، وإنما باطنا أيضا لكي يلتئم في نظره اللباب مع الصدف الباب، كيف سيكون قصصه؟ وكيف إذا كان القائل هو الله عز وجل الذي هو الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، كيف سيكون هذا القول إذا كان هو القول الفصل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟ لا غرو أن هذا القصص أحسن القصص. ولله المثل الأعلى.
ثم يمكن أن ننطلق من هذا المستوى الاستعدادي إلى مستوى آخر وهو الآتي: إذا كان هذا القول وهذا القصص أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ (الزمر: 22)، ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (الزمر: 52)، كيف إذا كان هذا القول مضمّخا بالرحمة وبالودّ، كيف لا وهو تنزيل الودود اللطيف الرحيم الذي يريد بالناس المنزل إليهم هذا القرآن اليسر، ولا يريد بهم العسر. âيُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَá (البقرة: 184)
ثم كيف إذا أضفنا إلى هذه الأبعاد كلها أن هذا القرآن شفاء ورحمة ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الإسراء: 82)، وكيف بعد هذا كله إذا أضيف إلى هذه وتلك أن هذا القرآن المجيد مكنون إذ كان ولايزال وسيبقى مستودع حقائق الحقائق في هذا الكون، منذ بدايته وإلى نهايته، وكان مستوعبا لكل ما كان، وما هو كائن، وما سوف يكون، وما لم يكن، ولو كان كيف كان سيكون من تجارب بني آدم؟ لاشك أن هذا القول فعلا قول ثقيل لا يعتريه خفيف[3]، وهو قوله سبحانه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (المزمل: 4).
فإذا تأكد عندنا أن هذا القول ليس بالقول العادي، ولا كقول أي قائل، وإنما هو قول خالق القائلين كلهم من أول الدنيا إلى أن تنصرم، وبعد ذلك نظرنا إليه باعتباره فرقانا، أي يعطي الإنسان الفيصل بين الخطأ والصواب، وبين الحق والباطل، وبين الحسن والقبح، وبين الصلاح والفساد، وبين الشدة واللطف، إلى غير ذلك من الأمور التي يمكن أن نرسم أوساطها بجلاء من خلال الاستمداد من القرآن الكريم. فإنه سوف يتجلى لنا بما لا يذر شكا أن هذا القرآن المجيد بالإضافة إلى فضله العظيم، كتاب في قمة الوظيفية، وفي غاية النفع للإنسان فردا واجتماعا.
القضية الثالثة، التي نريد أن نختم بها الحديث عن طبيعة هذا القرآن المجيد، قضية تنتمي إلى باب عزيز على كثير من علمائنا، ولاسيما الشغوفين منهم بفنون القول، حيث إن النظر في هذا القرآن المجيد من الزاوية البلاغية، نظر فيه شجون.
ولا شك أن الذي يقرأ القرآن المجيد من مدخل الجرْس أو من مدخل الفواصل، أو من مدخل الاختصار، أو من مدخل الالتفات، أو من أي مبحث بلاغي أو بديعي أراد أن يدخل منه، سوف يقضي العجب كيف أن الحرف يُرتّب، والكلمة تُرتّب، والجملة ترتّب، والمعنى يرتّب، والسورة تُرتّب، في نسقية معجزة، تُزري بجمالية الماس الأصفى؛ لأن الأنوار التي تبثها هذه المفردات بحروفها، وبفواصلها لا يمكن أن يحيط بها وصف واصف أبدا.
فإرادة الإنسان، وقدرة الإنسان، حين تقترن بالطين، وتريد نحته، وتريد أن تجعل منه شيئا يذكر، فإن أقصى ما يمكن أن تصل إليه أن تصيّر هذا الطين تمثالا، لكن حين تقترن إرادة الله عز وجل بالطين فإنها تصيّره إنسانا ينظر إليك ويقول لك، ويعارضك، ويوافقك، وينصحك، وقد يثور في وجهك إذا لم ترد أن تنتفع بهذا النصح. إنسانا مبدعا له قوله، وله توقيعه، وله إحساسه. وكذلك حين تقترن إرادة الإنسان بالكلمة والحرف تصيرهما شعرا ونثرا، بيد أن إرادة الله عز وجل حين اقترنت بالكلمة وبالحرف فإنها صيّرتهما قرآنا.
وإن المقارنة بين الإنسان والقرآن لهي دون حق القرآن المجيد، الذي قد قدَّر له قائله اللبث بين ظهراني الخلق والعباد إلى أن يأذن بغير ذلك ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9). أما إن نحن نظرنا من هذه الزاوية إلى الخرائط وإلى المعاني المَخمَلية التي يمكن استعراضها بالنظر إلى القرآن المجيد فإننا لن نفرغ من قريب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* موقع الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب: (https://2u.pw/xiLbp).
[1] . انظر مقدمة “المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز” لابن عطية الأندلسي المحاربي (المتوفى: 542هـ) دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1422 هـ
[2] . في الحديث: إن كلماته بلغت ناعوس البحر، قال ابن الأثير: قال أبو موسى كذا وقع في صحيح مسلم وفي سائر الروايات قاموس البحر، وهو وسطه ولجته، مادة: نعر، “لسان العرب” لابن منظور، دار صادر ببيروت، طبعة جديدة محققة، (14/298).
[3] . كان مالك – رحمه الله – يقول: من سئل عن مسألة فينبغي له قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب فيها.
وسئل عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة، فغضب، وقال: ليس في العلم شيء خفيف، أما سمعت قول الله عز وجل: âإِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا á(المزمل: 4) فالعلم كله ثقيل، وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة، أعلام الموقعين (4/167)، ومثله ما ورد في بدائع فوائد (3/276).طبيعة القرآن المجيد * الكاتب: د. أحمد عبادي القرآن المجيد هو النص المؤسس الذي انبثقت واندهقت من بين ثناياه الحضارة الإسلامية، وهي حضارة قد غيرت صفحة الكون إلى غير رجعة؛ حيث أضحت حضارة، وثقافة، ومنهجَ حياة مستمدا من هذا الكتاب الكريم، الذي جاء بمعايير جديدة، وأحدث نقلات منهجية بعيدة الغور في كينونة الإنسان، وواقع هذا الإنسان. كما أن المعرفة قبل نزول القرآن المجيد، كانت أمرا تولده العقول في نظر الناس، لكن مع القرآن المجيد أصبحت هذه العقول تعقل ما تستكشفه من خلال النظر إلى البصائر {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (الجاثية:19)، وإلى الآيات الموجودة في الآفاق وفي الأنفس ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: 52). وهذا المنهج الذي لربانيته يبدو متفهَّما ومُدرَكا من قبل الإنسان، كان له أثره العميق في إحداث مجموعة من القطائع مع المناهج المعرفية التي كانت سائدة قبل نزول القرآن الكريم. وقبل التفصيل في محددات المنهجية المعرفية للدراسات القرآنية، لا بد من الحديث عن طبيعة هذا القرآن الذي نريد أن ندرسه؛ فنحن نعلم أنه كتاب الله المتعبد بتلاوته المعجز بلفظه الذي يبدأ بقوله تعالى ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الفاتحة: 1) وينتهي بقوله سبحانه: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (الناس: 6)، وهو الذي أنزل على قلب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (الشعراء: 193-194)، والتعريفات كلها تتمحور حول هذه المحاور، وهي تعريفات بفضل الله -وعلى سنة التعريف في الحضارة الإسلاميةـ جامعة مانعة ميسّرة. وأول الدرر التي يركز علماؤنا عليها بهذا الصدد، هي أن القرآن المجيد بما أنه قول الله الذي خَلق كل شيء، فإنه قول لهذا الإنسان الذي خُلق بحسب استعداده، وبحسب متطلباته ومتطلبات واقعه، وإذا كان الأمر كذلك من لدن الذي يعلم من خَلق ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: 15)، فإن هذا القول يكون كأكمل ما يمكن الطموح إليه، وهو أمر قد قرره الإمام الغرناطي الأصل ابن عطية رحمه الله في مقدمة تفسيره الرائعة “المحرر الوجيز”[1]، فكتاب الله عز وجل يتنزل بحسب تطلب هذا المخلوق وواقعه وخصائص كل ذلك، هذه قضية أولى. القضية الثانية، أن القرآن المجيد قد جاء من لدن من أحاط بكل شيء علما، وإذا كان هذا القول قد قيل أزلا من لدن من قد أحاط بكل شيء علما، فإنه لا يمكن أيضا إلا أن يكون على وجه الكمال، وفي الناعوس الأعلى (والناعوس من الموج هو أعلاه) [2] كما يقول ابن الطيب الشرقاوي رحمه الله. وهذا ما تدل عليه بوضوح آيات كثيرة من كتاب الله تعالى منها قول الله عز وجل: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (يوسف: 3). وهناك التفات عجيب لأحد المفسرين بصدد هذه القضية في قول الله تعالى ﴿ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، حيث قال: هبوا أن شخصا عاش مائة سنة بوعي وبحضور ذهن، وجرب من هذه الحياة ما جرب، ثم بدأ يقص عن هذه الحياة وعن بعض معالمها، كيف سيكون قصصه؟ وكيف سيكون قوله؟ وما هي قيمة العصارة التي سوف تندهق من لسانه؟ سوف يكون هذا القصص لاشك قصصا رائعا، هذا باعتبار طول اللبث والمكث في هذه الحياة الدنيا. فكيف إذا كان هذا الرجل الذي عاش مائة سنة بوعي وبحضور وبنباهة، وكان من أذكى الناس ومن أدقهم ملاحظة، ومن أقدرهم على التجميع، وعلى التأثير، والإمساك بتلابيب المعاني، واقتناص شرائدها، كيف سيكون قوله؟ سيكون لا محالة كأروع ما يكون، فكيف إذا كان هذا الذي عاش مائة سنة بنباهة، وبحضور بديهة، وأطال التجربة، ثم كان ذكيا قوي الملاحظة؟ كيف إذا كان هذا الشخص أيضا عميق التأمل؟ وكان له هذا التوق على أن ينظر في القضايا لا ظاهرا، وإنما باطنا أيضا لكي يلتئم في نظره اللباب مع الصدف الباب، كيف سيكون قصصه؟ وكيف إذا كان القائل هو الله عز وجل الذي هو الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، كيف سيكون هذا القول إذا كان هو القول الفصل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟ لا غرو أن هذا القصص أحسن القصص. ولله المثل الأعلى. ثم يمكن أن ننطلق من هذا المستوى الاستعدادي إلى مستوى آخر وهو الآتي: إذا كان هذا القول وهذا القصص أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ (الزمر: 22)، ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (الزمر: 52)، كيف إذا كان هذا القول مضمّخا بالرحمة وبالودّ، كيف لا وهو تنزيل الودود اللطيف الرحيم الذي يريد بالناس المنزل إليهم هذا القرآن اليسر، ولا يريد بهم العسر. âيُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَá (البقرة: 184) ثم كيف إذا أضفنا إلى هذه الأبعاد كلها أن هذا القرآن شفاء ورحمة ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الإسراء: 82)، وكيف بعد هذا كله إذا أضيف إلى هذه وتلك أن هذا القرآن المجيد مكنون إذ كان ولايزال وسيبقى مستودع حقائق الحقائق في هذا الكون، منذ بدايته وإلى نهايته، وكان مستوعبا لكل ما كان، وما هو كائن، وما سوف يكون، وما لم يكن، ولو كان كيف كان سيكون من تجارب بني آدم؟ لاشك أن هذا القول فعلا قول ثقيل لا يعتريه خفيف[3]، وهو قوله سبحانه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (المزمل: 4). فإذا تأكد عندنا أن هذا القول ليس بالقول العادي، ولا كقول أي قائل، وإنما هو قول خالق القائلين كلهم من أول الدنيا إلى أن تنصرم، وبعد ذلك نظرنا إليه باعتباره فرقانا، أي يعطي الإنسان الفيصل بين الخطأ والصواب، وبين الحق والباطل، وبين الحسن والقبح، وبين الصلاح والفساد، وبين الشدة واللطف، إلى غير ذلك من الأمور التي يمكن أن نرسم أوساطها بجلاء من خلال الاستمداد من القرآن الكريم. فإنه سوف يتجلى لنا بما لا يذر شكا أن هذا القرآن المجيد بالإضافة إلى فضله العظيم، كتاب في قمة الوظيفية، وفي غاية النفع للإنسان فردا واجتماعا. القضية الثالثة، التي نريد أن نختم بها الحديث عن طبيعة هذا القرآن المجيد، قضية تنتمي إلى باب عزيز على كثير من علمائنا، ولاسيما الشغوفين منهم بفنون القول، حيث إن النظر في هذا القرآن المجيد من الزاوية البلاغية، نظر فيه شجون. ولا شك أن الذي يقرأ القرآن المجيد من مدخل الجرْس أو من مدخل الفواصل، أو من مدخل الاختصار، أو من مدخل الالتفات، أو من أي مبحث بلاغي أو بديعي أراد أن يدخل منه، سوف يقضي العجب كيف أن الحرف يُرتّب، والكلمة تُرتّب، والجملة ترتّب، والمعنى يرتّب، والسورة تُرتّب، في نسقية معجزة، تُزري بجمالية الماس الأصفى؛ لأن الأنوار التي تبثها هذه المفردات بحروفها، وبفواصلها لا يمكن أن يحيط بها وصف واصف أبدا. فإرادة الإنسان، وقدرة الإنسان، حين تقترن بالطين، وتريد نحته، وتريد أن تجعل منه شيئا يذكر، فإن أقصى ما يمكن أن تصل إليه أن تصيّر هذا الطين تمثالا، لكن حين تقترن إرادة الله عز وجل بالطين فإنها تصيّره إنسانا ينظر إليك ويقول لك، ويعارضك، ويوافقك، وينصحك، وقد يثور في وجهك إذا لم ترد أن تنتفع بهذا النصح. إنسانا مبدعا له قوله، وله توقيعه، وله إحساسه. وكذلك حين تقترن إرادة الإنسان بالكلمة والحرف تصيرهما شعرا ونثرا، بيد أن إرادة الله عز وجل حين اقترنت بالكلمة وبالحرف فإنها صيّرتهما قرآنا. وإن المقارنة بين الإنسان والقرآن لهي دون حق القرآن المجيد، الذي قد قدَّر له قائله اللبث بين ظهراني الخلق والعباد إلى أن يأذن بغير ذلك ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9). أما إن نحن نظرنا من هذه الزاوية إلى الخرائط وإلى المعاني المَخمَلية التي يمكن استعراضها بالنظر إلى القرآن المجيد فإننا لن نفرغ من قريب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * موقع الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب: (https://2u.pw/xiLbp). [1] . انظر مقدمة “المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز” لابن عطية الأندلسي المحاربي (المتوفى: 542هـ) دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1422 هـ [2] . في الحديث: إن كلماته بلغت ناعوس البحر، قال ابن الأثير: قال أبو موسى كذا وقع في صحيح مسلم وفي سائر الروايات قاموس البحر، وهو وسطه ولجته، مادة: نعر، “لسان العرب” لابن منظور، دار صادر ببيروت، طبعة جديدة محققة، (14/298). [3] . كان مالك – رحمه الله – يقول: من سئل عن مسألة فينبغي له قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب فيها. وسئل عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة، فغضب، وقال: ليس في العلم شيء خفيف، أما سمعت قول الله عز وجل: âإِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا á(المزمل: 4) فالعلم كله ثقيل، وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة، أعلام الموقعين (4/167)، ومثله ما ورد في بدائع فوائد (3/276).0
/home/aaynetcom/dev01.aaynet.com/content/themes/default/templates_compiled/d7c4fbf2c644f66b4ae4f7f7fe6697250158ee0d_0.file._posts.tpl.php on line 277
Warning: Attempt to read property "value" on null in /home/aaynetcom/dev01.aaynet.com/content/themes/default/templates_compiled/d7c4fbf2c644f66b4ae4f7f7fe6697250158ee0d_0.file._posts.tpl.php on line 277
all" data-id="225"> شاهد المزيد
Warning: Attempt to read property "value" on null in /home/aaynetcom/dev01.aaynet.com/content/themes/default/templates_compiled/d7c4fbf2c644f66b4ae4f7f7fe6697250158ee0d_0.file._posts.tpl.php on line 277
all" data-id="225"> شاهد المزيد
Warning: Undefined array key "_is_photo" in /home/aaynetcom/dev01.aaynet.com/content/themes/default/templates_compiled/01d2adeac6199d09004fed7d239af462c6358987_0.file.__feeds_post.comments.tpl.php on line 30
Warning: Attempt to read property "value" on null in /home/aaynetcom/dev01.aaynet.com/content/themes/default/templates_compiled/01d2adeac6199d09004fed7d239af462c6358987_0.file.__feeds_post.comments.tpl.php on line 30